بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 4 أبريل 2010

نبذ من "اعلام الموقعين" لابن القيم/4

لصحابة أفضل الناس في الرأي
والمقصود أن أحدا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم وكيف يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته كما رأى عمر في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم فنزل القرآن بموافقته ورأى أن تحجب نساء النبي ص - فنزل القرآن بموافقته ورأى أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى فنزل القرآن بموافقته وقال لنساء النبي ص - لما اجتمعن في الغيرة عليه عسى ربه إن طلقكن أن يبد له أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات فنزل القرآن بموافقته ولما توفي عبد الله بن أبي قام رسول الله ص - ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوبه فقال يا رسول الله إنه منافق فصلى عليه رسول الله ص - فأنزل الله عليه ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره
وقد قال سعد بن معاذ لما حكمه النبي ص - في بني قريظة إني أرى أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذرياتهم وتغنم أموالهم فقال النبي ص - لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات
ولما اختلفوا إلى ابن مسعود شهرا في المفوضة قال أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريء منه أرى أن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة فقام ناس من أشجع فقالوا نشهد أن رسول الله ص - قضى في امرأة منا يقال لها بروع بنت واشق مثل ما قضيت به فما فرح ابن مسعود بشىء بعد الإسلام فرحه بذلك
وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرا من رأينا لأنفسنا وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورا وإيمانا وحكمة وعلما ومعرفة وفهما عن الله ورسوله ونصيحة للأمة وقلوبهم على قلب نبيهم ولا وساطة بينهم وبينه وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضا

طريا لم يشبه إشكال ولم يشبه خلاف ولم تدنسه معارضة فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس
فصل النوع الثاني من أنواع الرأي المحمود
النوع الثاني من الرأي المحمود الرأي الذي يفسر النصوص ويبين وجه الدلالة منها ويقررها ويوضح محاسنها ويسهل طريق الاستنباط منها كما قال عبدان سمعت عبد الله بن المبارك يقول ليكن الذي تعتمد عليه الأثر وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث وهذا هو الفهم الذي يختص الله سبحانه به من يشاء من عباده
ومثال هذا رأي الصحابة
رضي الله عنهم في العول في الفرائض عند تزاحم الفروض ورأيهم في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين ورأيهم في توريث المبتوتة في مرض الموت ورأيهم في مسألة جر الولاء ورأيه في المحرم يقع على أهله بفساد حجه ووجوب المضي فيه والقضاء والهدى من قابل ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينا ورأيهم في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر تصلي المغرب والعشاء وإن طهرت قبل الغروب صلت الظهر والعصر ورأيهم في الكلالة وغير ذلك
قال الإمام أحمد ثنا يزيد بن هارون أنا عاصم الأحول عن الشعبي قال سئل أبو بكر عن الكلالة فقال إني سأقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد والولد
فإن قيل كيف يجتمع هذا مع ما صح عنه من قوله أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله برأيي وكيف يجامع هذا الحديث الذي تقدم من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار

فالجواب أن الرأي نوعان
أحدهما رأي مجرد لا دليل عليه بل هو خرص وتخمين فهذا الذي أعاذ الله الصديق والصحابة منه
والثاني رأي مستند إلى استدلال واستنباط من النص وحده أو من نص آخر معه فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه ومنه رأيه في الكلالة أنها ما عدا الوالد والولد فإن الله سبحانه ذكر الكلالة في موضعين من القرآن ففي أحد الموضعين ورث معها الأخ والأخت من الأم ولا ريب أن هذه الكلالة ما عدا الوالد والولد والموضع الثاني ورث معها ولد الأبوين أو الأب النصف أو الثلثين فاختلف الناس في هذه الكلالة والصحيح فيها قول الصديق الذي لا قول سواه وهو الموافق للغة العرب كما قال ... ورثتم قناة المجد لا عن كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم ...
أي إنما ورثتموها عن الآباء والأجداد لا عن حواشي النسب وعلى هذا فلا يرث ولد الأب والأبوين لا مع أب ولا مع جد كما لم يرثوا مع الابن ولا ابنه وإنما ورثوا مع البنات لأنهم عصبة فلهم ما فضل عن الفروض
فصل النوع الثالث من أنواع الرأي المحمود
النوع الثالث من الرأي المحمود الذي تواطأت عليه الأمة وتلقاه خلفهم عن سلفهم فإن ما تواطؤا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابا كما تواطؤا عليه من الرواية والرؤيا وقد قال النبي ص - لأصحابه وقد تعددت منهم رؤيا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان أرى رؤياكم قد

تواطأت في السبع الأواخر فاعتبر ص - تواطؤ رؤيا المؤمنين فالأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحد وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس عنده فيها نص عن الله ولا عن رسوله جمع لها أصحاب رسول الله ص - ثم جعلها شورى بينهم
قال البخاري حدثنا سنيد ثنا يزيد عن العوام بن حوشب عن المسيب ابن رافع قال كان إذا جاءه الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة سمى صوافي الأمر فرفع إليهم فجمع له أهل العلم فإذا اجتمع عليه رأيهم الحق
وقال محمد بن سليمان الباغندي ثنا عبد الرحمن بن يونس ثنا عمر بن أيوب أخبرنا عيسى بن المسيب عن عامر عن شريح القاضي قال قال لي عمر بن الخطاب أن اقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ص - فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله ص - فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح
وقال الحميدي ثنا سفيان ثنا الشيباني عن الشعبي قال كتب عمر إلى شريح إذا حضرك أمر لا بد منه فانظر ما في كتاب الله فاقض به فإن لم يكن ففيما قضى به رسول الله ص - فإن لم يكن ففيما قضى به الصالحون وأئمة العدل فإن لم يكن فأنت بالخيار فإن شئت أن تجتهد رأيك فاجتهد رأيك وإن شئت أن تؤامرني ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيرا لك والسلام

فصل النوع الرابع من أنواع الرأي المحمود
النوع الرابع من الرأي المحمود أن يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن فإن لم يجدها في القرآن ففي السنة فإن لم يجدها في السنة فبما قضى به الخلفاء الراشدون أو اثنان منهم أو واحد فإن لم يجده فبما قاله واحد من الصحابة
رضي الله عنهم فإن لم يجده اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ص - وأقضية أصحابه فهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة واستعملوه وأقر بعضهم بعضا عليه
قال علي بن الجعد أنبأنا شعبة عن سيار الشعبي قال أخذ عمر فرسا من رجل على سوم فحمل عليه فعطب فخاصمه الرجل فقال اجعل بيني وبينك رجلا فقال الرجل إني أرضى بشريح العراقي فقال شريح أخذته صحيحا سليما فأنت له ضامن حتى ترده صحيحا سليما قال فكأنه أعجبه فبعثه قاضيا وقال ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه فإن لم يستبن في كتاب الله فمن السنة فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك
خطاب عمر في القضاء
قال أبو عبيد ثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان وقال أبو نعيم عن جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام وقال سفيان بن عيينة ثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس قال أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة فأخرج إليه كتبا فرأيت في كتاب منها رجعنا إلى حديث أبي العوام قال كتب عمر إلى أبي موسى أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له آس الناسي في مجلسك وفي وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف

في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك البينة على المدعي واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ومن ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه فإن بينه أعطيته بحقه وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعلماء ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الحق قديم لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور أو مجلودا في حد أو ظنينا في ولاء أو قرابة فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والإيمان ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عند ذلك وأعرف الأمثال ثن اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند الخصومة أو الخصوم شك أبو عبيد فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين بما ليس في نفسه شانه الله فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام عليك ورحمة الله قال أبو عبيد فقلت لكثير هل أسنده جعفر قال لا
وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه
شرح الخطاب
قوله القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة يريد به أن ما يحكم به الحاكم نوعان أحدهما فرض محكم غير منسوخ كالأحكام الكلية التي أحكمها الله في كتابه والثاني أحكام سنها رسول الله ص - وهذان النوعان

هما المذكوران في حديث عبد الله بن عمر عن النبي ص - العلم ثلاثة فما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة وسنة قائمة وفريضة عادلة رواه ابن وهب عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن رافع عنه ورواه بقية عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أن النبي ص - دخل المسجد فرأى جمعا من الناس على رجل فقال ما هذا قالوا يا رسول الله رجل علامة قال وما العلامة قالوا أعلم بالناس بأنساب العرب وأعلم الناس بعربية وأعلم الناس بشعر وأعلم الناس بما اختلف فيه العرب فقال رسول الله ص - هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر وقال رسول الله ص - العلم ثلاثة وما خلا فهو فضل علم آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة
الفهم الصحيح نعمة
وقوله فافهم إذا أدلى إليك صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يميز به بين الصحيح والفاسد والحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد ويمده حسن القصد وتحري الحق وتقوى الرب في السر والعلانية ويقطع مادته اتباع الهوى وإيثار الدنيا وطلب محمدة الخلق وترك التقوى
تمكن الحاكم والمفتي بنوعين من الفهم
ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع

وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجر فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه وكما توصل سليمان صلى الله عليه بقوله ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما إلى معرفة عين الأم وكما توصل أمير المؤمنين علي عليه السلام بقوله للمرأة التي حملت كتاب حاطب لما أنكرته لتخرجن الكتاب أو لنجردنك إلى استخراج الكتاب منها وكما توصل الزبير بن العوام بتعذيب أحد ابني أبي الحقيق بأمر رسول الله ص - حتى دلهم على كنز جبي لما ظهر له كذبه في دعوى ذهابه بالإنفاق بقوله المال كثير والعهد أقرب من ذلك وكما توصل النعمان بن بشير بضرب المتهمين بالسرقة إلى ظهور المال المسروق عندهم فإن ظهر وإلا ضرب من اتهمهم كما ضربهم وأخبر أن هذا حكم رسول الله ص -
ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبة إلى الشريعة التي بعث الله بها ورسوله
معنى الإدلاء
وقوله فما أدلى إليك أي ما توصل به إليك من الكلام الذي تحكم به بين الخصوم ومن قولهم أدلى فلان بحجته وأدلى بنسبه ومنه قوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام أي تضيفوا ذلك إلى الحكام وتتوصلوا بحكمهم إلى أكلها
فإن قيل لو أراد هذا المعنى لقيل وتدلوا بالحكام إليها وأما الإدلاء بها إلى الحكام فهو التوصل بالبرطيل بها إليهم فترشوا الحاكم لتتوصلوا برشوته إلى الأكل بالباطل
قيل الآية تتناول النوعين فكل منهما إدلاء إلى الحكام بسببها فالنهي عنهما معا

وجوب تنفيذ الحق
وقوله فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له ولاية الحق نفوذه فإذا لم ينفذ كان ذلك عزلا له عن ولايته فهو بمنزلة الوالي العدل الذي في توليته مصالح العباد فى معاشهم ومعادهم فإذا عزل عن ولايته لم ينفع ومراد عمر بذلك التحريض على تنفيذ الحق إذا فهمه الحاكم ولا ينفع تكلمه به إن لم يكن له قوة تنفيذه فهو تحريض منه على العلم بالحق والقوة على تنفيذه وقد مدح الله سبحانه أولى القوة أمره والبصائر في دينه فقال واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار فالأيدي القوى على تنفيذ أمر الله والأبصار البصائر في دينه
المدعي والمدعى عليه أمام الحاكم سواء
وقوله وآس الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك إذا عدل الحاكم في هذا بين الخصمين فهو عنوان عدله في الحكومة فمتى خص أحد الخصمين بالدخول عليه أو القيام له أو بصدر المجلس والإقبال عليه والبشاشة له والنظر إليه كان عنوان حيفه وظلمه وقد رأيت في بعض التواريخ القديمة أن أحد قضاة العدل في بني إسرائيل أوصاهم إذا دفنوه أن ينبشوا قبره بعد مدة فينظروا هل تغير منه شيء أم لا وقال إني لم أجر قط في حكم ولم أحاب فيه غير أنه دخل على خصمان كان أحدهما صديقا لي فجعلت أصغي إليه بأذني أكثر من إصغائي إلى الآخر ففعلوا ما أوصاهم به فرأوا أذنه قد أكلها التراب ولم يتغير جسده وفي تخصيص أحد الخصمين بمجلس أو إقبال أو إكرام مفسدتان إحداهما طعمه في أن تكون الحكومة له فيقوى قلبه وجنانه والثانية أن الآخر ييأس من عدله ويضعف قلبه وتنكسر حجته

ما هي البينة
وقوله البينة على من المدعي واليمين على من أنكر البينة في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة اسم لكل ما يبين الحق فهي أعم من البينة في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين أو الشاهد واليمين ولا حجر في الاصطلاح ما لم يتضمن حمل كلام الله ورسوله عليه فيقع بذلك الغلط في فهم النصوص وحملها على غير مراد المتكلم منها
وقد حصل بذلك للمتأخرين أغلاط شديدة في فهم النصوص ونذكر من ذلك مثالا واحدا وهو ما نحن فيه من لفظ البينة فإنها في كتاب الله اسم لكل ما يبين الحق كما قال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وقال وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات وقال وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وقال قل إني على بينة من ربي وقال أفمن كان على بينة من ربه وقال أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه وقال أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى وهذا كثير لم يختص لفظ البينة بالشاهدين بل ولا استعمل في الكتاب فيهما البتة إذا عرف هذا فقول النبي ص - للمدعي ألك بينة وقول عمر البينة على المدعي وإن كان هذا قد روى مرفوعا المراد به ألك ما يبين الحق من شهود أو دلالة فإن الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه وشواهد له ولا يرد حقا قد ظهر بدليله أبدا فيضيع حقوق الله وعباده ويعطلها ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة في تخصيصه به مع مساواة غيره في ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحا لا يمكن جحده ودفعه كترجيح شاهد الحال على مجرد اليد في صورة من على رأسه عمامة وبيده عمامة وآخر خلفه مكشوف الرأس يعدو أثره ولا عادة له بكشف رأسه فبينة الحال ودلالته هنا تفيد من ظهور صدق المدعي أضعاف ما يفيد مجرد اليد عند كل أحد فالشارع لا يهمل مثل هذه البينة

والدلالة ولا يضيع حقا يعلم كل أحد ظهوره وحجته بل لما ظنا هذا من ظنه ضيعوا طريق الحكم فضاع كثير من الحقوق لتوقف ثبوتها عندهم على طريق معين وصار الظالم الفاجر ممكنا من ظلمه وفجوره فيفعل ما يريد ويقول لا يقوم علي بذلك شاهدان اثنان فضاعت حقوق كثيرة لله ولعباده وحينئذ أخرج الله أمر الحكم العلمي عن أيديهم وأدخل فيه من أمر الإمارة والسياسة ما يحفظ به الحق تارة ويضيع به أخرى ويحصل به العدوان تارة والعدل أخرى ولو عرف ما جاء به الرسول على وجهه لكان فيه تمام المصلحة المغنية عن التفريط والعدوان
نصاب الشهادة في القرآن
وقد ذكر الله سبحانه نصاب الشهادة في القرآن في خمسة مواضع فذكر نصاب شهادة الزنا أربعة في سورة النساء وسورة النور وأما في غير الزنا فذكر شهادة الرجلين والرجل والمرأتين في الأموال فقال في آية الدين واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فهذا في التحمل والوثيقة التي يحفظ بها صاحب المال حقه لا في طرق الحكم وما يحكم به الحاكم فإن هذا شيء وهذا شيء وأمر في الرجعة بشاهدين عدلين وأمر في الشهادة على الوصية في السفر باستشهاد عدلين من المسلمين أو آخرين من غيرهم وغير المؤمنين هم الكفار والآية صريحة في قبول شهادة الكافرين على الوصية في السفر عند عدم الشاهدين المسلمين وقد حكم به النبي ص - والصحابة بعده ولم يجىء بعدها ما ينسخها فإن المائدة من آخر القرآن نزولا وليس فيها منسوخ وليس لهذه الآية معارضة البتة ولا يصح أن يكون المراد بقوله من غيركم من غير قبيلتكم فإن الله سبحانه خاطب بها المؤمنين كافة بقوله يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ولم يخاطب بذلك قبيلة معينة حتى يكون قوله من غيركم أيتها القبيلة والنبي ص - لم يفهم هذا من الآية بل إنما فهم ما هي صريحة فيه وكذلك أصحابه من بعده وهو سبحانه ذكر ما يحفظ به الحقوق من

الشهود ولم يذكر أن الحكام لا يحكمون إلا بذلك فليس في القرآن نفي الحكم بشاهد ويمين ولا بالنكول ولا باليمين المردودة ولا بأيمان القسامة ولا بأيمان اللعان وغير ذلك مما يبين الحق ويظهره ويدل عليه
وقد اتفق المسلمون على أنه يقبل في الأموال رجل وامرأتان وكذلك توابعها من البيع والأجل فيه والخيار فيه والرهن والوصية للمعين وهبته والوقف عليه وضمان المال وإتلافه ودعوى رق مجهول النسب وتسمية المهر وتسمية عوض الخلع يقبل في ذلك رجل وامرأتان
وتنازعوا في العتق والوكالة في المال والإيصاء إليه فيه ودعوى قتل الكافر لاستحقاق سلبه ودعوى الأسير الإسلام السابق لمنع رقه وجناية الخطأ والعمد التي لا قود فيها والنكاح والرجعة هل يقبل فيها رجل وامرأتان أم لا بد من رجلين على قولين وهما روايتان عن أحمد فالأول قول أبي حنيفة والثاني قول مالك والشافعي والذين قالوا لا يقبل إلا رجلان قالوا إنما ذكر الله الرجل والمرأتين في الأموال دون الرجعة الوصية وما معهما فقال لهم الآخرون ولم يذكر سبحانه وصف الإيمان في الرقبة إلا في كفارة القتل ولم يذكر فيها إطعام ستين مسكينا وقلتم نحمل المطلق على المقيد إما بيانا وإما قياسا وقالوا أيضا فإنه سبحانه إنما قال وأشهدوا ذوي عدل منكم وفي الآية الأخرى اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم بخلاف آية الدين فإنه قال واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء وفي الموضعين الآخرين لما لم يقل رجلان لم يقل فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان
فإن قيل اللفظ مذكر فلا يتناول الإناث
قيل قد استقر في عرف الشارع أن الأحكم المذكورة بصيغة المذكرين إذا أطلقت ولم تقترن بالمؤنث فإنها تتناول الرجال والنساء لأنه يغلب المذكر

عند الاجتماع كقوله فإن كان له إخوة فلأمه السدس وقوله ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا وقوله يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام وأمثال ذلك وعلى هذا فقوله وأشهدوا ذوي عدل منكم يتناول الصنفين لكن قد استقرت الشريعة على أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل فالمرأتان في الشهادة كالرجل الواحد بل هذا أولى فإن حضور النساء عند الرجعة أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق بالديون وكذلك حضورهن عند الوصية وقت الموت فإذا جوز الشارع استشهاد النساء في وثائق الديون التي تكتبها الرجال مع أنها إنما تكتب غالبا في مجامع الرجال فلأن يسوغ ذلك فيما تشهده النساء كثيرا كالوصية والرجعة أولى
يوضحه انه قد شرع في الوصية استشهاد آخرين من غير المسلمين عند الحاجة فلأن يجوز استشهاد رجل وامرأتين بطرق الأولى والأحرى بخلاف الديون فإنه لم يأمر فيها باستشهاد آخرين من غيرنا إذا كنت مداينة المسلمين تكون بينهم وشهودهم حاضرون والوصية في السفر قد لا يشهدها إلا أهل الذمة وكذلك الميت قد لا يشهد إلا النساء وأيضا فإنما أمر في الرجعة باستشهاد ذوي عدل لأن المستشهد هو المشهود عليه بالرجعة وهو الزوج لئلا يكتمها فأمر بأن يستشهد أكمل النصاب ولا يلزم إذا لم يشهد هذا الأكمل أن لا يقبل عليه شهادة النصاب الأنقص فإن طرق الحكم أعم من طرق حفظ الحقوق وقد أمر النبي ص - الملتقط أن يشهد عليه ذوي عدل ولا يكتم ولا يعيب ولو شهد عليه باللقطة رجل وامرأتان قبل بالاتفاق بل يحكم عليه بمجرد وصف صاحبها لها
وقال تعالى في شهادة المال ممن ترضون من الشهداء وقال في الوصية والرجعة ذوي عدل منكم لأن المستشهد هناك صاحب الحق فهو يأتي بمن يرضاه لحفظ حقه فإن لم يكن عدلا كان هو المضيع لحقه وهذا المستشهد

يستشهد بحق ثابت عنده فلا يكفي رضاه به بل لا بد أن يكون عدلا في نفسه وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى قال هناك ممن ترضون من الشهداء لأن صاحب الحق هو الذي يحفظ ماله بمن يرضاه وإذا قال من عليه الحق أنا أرض بشهادة هذا علي ففي قبوله نزاع والآية تدل على أنه يقبل بخلاف الرجعة والطلاق فإن فيهما حقا لله وكذلك الوصية فيها حق لغائب
ومما يوضح ذلك أن النبي ص - قال في المرأة أليس شهادتها بنصف شهادة الرجل فأطلق ولم يقيد ويوضحه أيضا أن النبي ص - قال للمدعي لما قال هذا غصبني أرضي فقال شاهداك أو يمينه وقد عرف أنه لو أتى برجل وامرأتين حكم له فعلم أن هذا يقوم مقام الشاهدين وأن قوله شاهداك أو يمينه إشارة إلى الحجة الشرعية التي شعارها الشاهدان فإما أن يقال لفظ شاهدان معناه دليلان يشهدان وإما أن يقال رجلان أو ما يقوم مقامهما والمرأتان دليل بمزلة الشاهد يوضحه أيضا أنه لو لم يأت المدعي بحجة حلف المدعى عليه فيمينه كشهادة آخر فصار معه دليلان يشهدان أحدهما البراءة والثاني اليمين وإن نكل عن اليمين فمن قضى عليه بالنكول قال النكول إقرار أو بدل وهذا جيد إذا كان المدعى عليه هو الذي يعرف الحق دون المدعي قال عثمان لابن عمر تحلف أنك بعته وما به عيب تعلمه فلما لم يحلف قضى عليه وأما الأكثرون فيقولون إذا نكل ترد اليمين على المدعي فيكون نكول الناكل دليلا ويمين المدعي دليلا ثانيا فصار الحكم بدليلين شاهد ويمين والشارع إنما جعل الحكم في الخصومة بشاهدين لأن المدعي لا يحكم له بمجرد قوله والخصم منكر وقد يحلف أيضا فكان أحد الشاهدين يقاوم الخصم المنكر فإن إنكاره ويمينه كشاهد ويبقى الشاهد الآخر خبر عدل لا معارض له فهو حجة شرعية لا معارض لها

وفي الرواية إنما يقبل خبر الواحد إذا لم يعارضه أقوى منه فاطرد القياس والاعتبار في الحكم والرواية يوضحه أيضا أن المقصود بالشهادة أن يعلم بها ثبوت المشهود به وأنه حق وصدق فإنها خبر عنه وهذا لا يختلف بكون المشهود به ملا أو طلاقا أو عتقا أو وصية بل من صدق في هذا صدق في هذا فإذا كان الرجل مع المرأتين كالرجلين يصدقان في الأموال فكذلك صدقهما في هذا وقد ذكر الله سبحانه حكمة تعدد الاثنين في الشهادة وهي أن المرأة قد تنسى الشهادة وتضل عنها فتذكرها الأخرى ومعلوم أن تذكيرها لها بالرجعة والطلاق والوصية مثل تذكيرها لها بالدين وأولى وهو سبحانه أمر بإشهاد امرأتين لتوكيد الحفظ لأن عقل المرأتين وحفظهما يقوم مقام عقل رجل وحفظه ولهذا جعلت على النصف من الرجل في الميراث والدية والعقيقة والعتق فعتق امرأتين يقوم مقام عتق رجل كما صح عن النبي ص - من أعتق امرأ مسلما أعتق الله بكل عضو منهما عضوا منه من النار ومن أعتق امرأتين مسلمتين أعتق الله بكل عضو من من النار ولا ريب أن هذه الحكمة في التعدد هي في التحمل فأما إذا عقلت المرأة وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها فإن المقصود حاصل بخبرها كما يحصل بأخبار الديانات ولهذا تقبل شهادتها وحدها في مواضع ويحكم بشاهدة امرأتين ويمين الطالب في أصح القولين وهو قول مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد
قال شيخنا قدس الله روحه ولو قيل يحكم بشهادة امرأة ويمين الطالب لكان متوجها قال لأن المرأتين إنما أقيمتا مقام الرجل في التحمل لئلا تنسى إحداهما بخلاف الأداء فإنه ليس في الكتاب ولا في السنة أنه لا يحكم إلا بشهادة امرأتين ولا يلزم من الأمر باستشهاد المرأتين وقت التحمل ألا يحكم بأقل منهما فإنه سبحانه أمر باستشهاد رجلين في الديون فإن لم يكونا رجلين فرجل

وامرأتان ومع هذا فيحكم بشاهد واحد ويمين الطالب ويحكم بالنكول والرد وغير ذلك
فالطرق التي يحكم بها الحاكم أوسع عن الطرق التي أرشد الله صاحب الحق إلى أن يحفظ حقه بها وقد ثبت في الصحيح عن النبي ص - أن سأله عقبة بن الحارث فقال إني تزوجت امرأة فجاءة أمة سوداء فقالت إنها أرضعتنا فأمره بفراق امرأته فقال إنها كاذبة فقال دعها عنك ففي هذا قبول شهادة المرأة الواحدة وإن كانت أمة وشهادتها على فعل نفسها وهو أصل في شهادة القاسم والخارص والوزان والكيال على فعل نفسه
فصل
وهذا أصل عظيم فيجب أن يعرف غلط فيه كثير من الناس فإن الله سبحانه أمر بما يحفظ به الحق فلا يحتاج معه إلى يمين صاحبه وهو الكتاب والشهود لئلا يجحد الحق أو ينسى ويحتاج صاحبه إلى تذكير من لم يذكر إما جحودا وإما نسيانا ولا يلزم من ذلك أنه إذا كان هناك ما يدل على الحق لم يقبل إلا هذه الطريق التي أمره أن يحفظ حقه بها
فصل
وإنما أمر الله سبحانه بالعدد في شهود الزنا لأنه مأمور فيه بالستر ولهذا غلظ فيه النصاب فإنه ليس هناك حق يضيع وإنما حد وعقوبة والعقوبات تدرأ بالشبهات بخلاف حقوق الله وحقوق عباده التي تضيع إذا لم يقبل فيها قول الصادقين ومعلوم أن شهادة العدل رجلا كان أو امرأة أقوى من استصحاب الحال فإن استصحاب الحال من أضعف البينات ولهذا يدفع بالنكول تارة وباليمين المردودة وبالشاهد واليمين ودلالة الحال وهو نظير رفع استصحاب

الحال في الأدلة الشرعية بالعموم والمفهوم والقياس فيرفع بأضعف الأدلة فهكذا في الأحكام يرفع بأدنى النصاب ولهذا قدم خبر الواحد في أخبار الديانة على الاستصحاب مع أنه يلزم جميع المكلفين فكيف لا يقدم عليه فيما هو دونه ولهذا كان الصحيح الذي دلت عليه السنة التي لا معارض لها أن اللقطة إذا وصفها واصف صفة تدل على صدقه دفعت إليه بمجرد الوصف فقام وصفه لها مقام الشاهدين بل وصفه لها بينة تبين صدقه وصحة دعواه فإن البينة اسم لما يبين الحق
وقد اتفق العلماء على أن مواضع الحاجات يقبل فيها من الشهادات ما لا يقبل في غيرها من حيث الجملة وإن تنازعوا في بعض التفاصيل وقد أمر الله سبحانه بالعمل بشهادة شاهدين من غير المسلمين عند الحاجة في الوصية في السفر منبها بذلك على نظيره وما هو أولى منه كقبول شهادة النساء منفردات في الأعراس والحمامات والمواضع التي تنفرد النساء بالحضور فيها ولا ريب أن قبول شهادتهن هنا أولى من قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر وكذلك عمل الصحابة وفقهاء المدينة بشهادة الصبيان على تجارح بعضهم بعضا فإن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم ولو لم تقبل شهادتهم وشهادة النساء منفردات لضاعت الحقوق وتعطلت وأهملت مع غلبة الظن أو القطع بصدقهم ولا سيما إذا جاءوا مجتمعين قبل تفرقهم ورجوعهم إلى بيوتهم وتواطئوا على خبر واحد وفرقوا وقت الأداء واتفقت كلمتهم فإن الظن الحاصل حينئذ من شهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل من شهادة رجلين وهذا مما لا يمكن دفعه وجحده فلا نظن بالشريعة الكاملة الفاضلة المنتظمة لمصالح العباد في المعاش والمعاد أنها تهمل مثل هذا الحق وتضيعه مع ظهور أدلته وقوتها وتقبله مع الدليل الذي هو دون ذلك

وقد روى أبو داود في سننه في قضية اليهوديين اللذين زنيا فلما شهد أربعة من اليهود عليهما أمر النبي ص - برجمهما وقد تقدم حكم النبي ص - بشهادة الأمة الواحدة على فعل نفسها وهو يتضمن شهادة العبد وقد حكى الإمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة على شهادته فقال ما علمت أحدا رد شهادة العبد وهذا هو الصواب فإنه إذا قبلت شهادته على رسول الله ص - في حكم يلزم الأمة فلأن تقبل شهادته على واحد من الأمة في حكم جزئي أولى وأحرى وإذا قبلت شهادته على حكم الله ورسوله في الفروج والدماء والأموال في الفتوى فلأن تقبل شهادته على واحد من الناس أولى وأحرى كيف وهو داخل في قوله وأشهدوا ذوي عدل منكم فإنه منا وهو عدل وقد عدله النبي ص - لقوله يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله وعدلته الأمة في الرواية عن رسول الله ص - والفتوى وهو من رجالنا فيدخل في قوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم وهو مسلم فيدخل في قول عمر بن الخطاب والمسلمون عدول بعضهم على بعض وهو صادق فيجب العمل بخبره وأن لا يرد فإن الشريعة لا ترد خبر الصادق بل تعمل به وليس بفاسق فلا يجب التثبت في خبره وشهادته وهذا كله من تمام رحمة الله وعنايته بعباده وإكمال دينهم لهم وإتمام نعمته عليهم بشريعته لئلا تضيع حقوق الله وحقوق عباده مع ظهور الحق بشهادة الصادق لكن إذا أمكن حفظ الحقوق بأعلى الطريقين فهو أولى كما أمر بالكتاب والشهود لأنه أبلغ في حفظ الحقوق
فإن قيل أمر الأموال أسهل فإنه يحكم فيها بالنكول وباليمين المردودة وبالشاهد واليمين بخلاف الرجعة والطلاق
قيل هذا فيه نزاع والحجة إنما تكون بنص أو إجماع وأما الشاهد واليمين

فالحديث الذي في صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله ص - قضى بالشاهد واليمين ليس فيه أنه في الأموال وإنما هو قول عمرو بن دينار ولو كان مرفوعا عن ابن عباس فليس فيه اختصاص الحكم بذلك في الأموال وحدها فإنه لم يخبر عن شرع عام شرعه رسول الله ص - في الأموال وكذلك سائر ما روى من حكمه بذلك إنما هو في قضايا معينة قضى فيها بشاهد ويمين وهذا كما لا يدل على اختصاص حكمه بتلك القضايا لا يقتضي اختصاصه بالأموال كما أنه إذا حكم بذلك في الديون لم يدل على أن الأعيان ليست كذلك بل هذا يحتاج إلى تنقيح المناط فينظر ما حكم لأجله إن وجد في غير محله حكمه عدي إليه
وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ص - أن المرأة إذا أقامت شاهدا واحدا على الطلاق فإن حلف الزوج أنه لم يطلق لم يقض عليه وإن لم يحلف حلفت المرأة ويقضي عليه وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولا يعرف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها واحتج بها وإنما طعن فيها من لم يتحمل أعباء الفقه والفتوى كأبي حاتم البستي وابن حزم وغيرهما وفي هذه الحكومة أنه يقضي في الطلاق بشاهد وما يقوم مقام شاهد آخر من النكول ويمين المرأة بخلاف ما إذا أقامت شاهدا واحدا وحلف الزوج أنه لم يطلق فيمين الزوج عارضت شهادة الشاهد وترجح جانبه بكون الأصل معه وأما إذا نكل الزوج فإنه يجعل نكوله مع يمين المرأة كشاهد آخر ولكن هنا لم يقض بالشاهد ويمين المرأة ابتداء لأن الرجل أعلم بنفسه هل طلق أم لا وهو أحفظ لما وقع منه فإذا نكل وقام الشاهد الواحد وحلفت المرأة كان ذلك دليلا ظاهرا جدا على صدق المرأة

فإن قيل ففي الأموال إذا قام شاهد وحلف المدعي حكم له ولا تعرض اليمين على المدعي عليه وفي حديث عمرو بن شعيب إذا شهد الشاهد الواحد وحلف الزوج أنه لم يطلق لم يحكم عليه
قيل هذا من تمام حكمة هذه الشريعة وجلالتها أن الزوج لما كان أعلم بنفسه هل طلق أم لا وكان أحفظ لما وقع منه وأعقل له وأعلم بينته وقد يكون قد تكلم بلفظ مجمل أو بلفظ يظنه الشاهد طلاقا وليس بطلاق والشاهد يشهد بما سمع والزوج أعلم بقصده ومراده جعل الشارع يمين الزوج معارضة لشهادة الشاهد الواحد ويقوي جانبه الأصل واستصحاب النكاح فكان الظن المستفاد من ذلك أقوى من الظن المستفاد من مجرد الشاهد الواحد فإذا نكل قوي الأصل في صدق الشاهد فقاوم ما في جانبه الزوج فقواه الشارع بيمين المرأة فإذا حلفت مع شاهدها ونكول الزوج قوي جانبها جدا فلا شيء أحسن ولا أبين ولا أعدل من هذه الحكومة وأما المال المشهود به فإن المدعي إذا قال أقرضته أو بعته أو أعرته أو قال غصبني أو نحو ذلك فهذا الأمر لا يختص بمعرفته المطلوب ولا يتعلق بنيته وقصده وليس مع المدعى عليه من شواهد صدقه ما مع الزوج من بقاء عصمة النكاح وإنما معه مجرد براءة الذمة وقد عهد كثرة اشتغالها بالمعاملات فقوى الشاهد الواحد والنكول أو يمين الطالب على رفعها فحكم له فهذا كله مما يبين حكمة الشارع وأنه يقضي بالبينة التي تبين الحق وهي الدليل الذي يدل عليه والشاهد الذي يشهد به بحسب الإمكان بل الحق أن الشاهد الواحد إذا ظهر صدقه حكم بشهادته وحده وقد أجاز النبي ص - شهادة الشاهد الواحد لأبي قتادة بقتل المشرك ودفع إليه سلبه بشهادته وحده ولم يحلف أبا قتادة فجعله بينة تامة وأجاز شهادة خزيمة بن ثابت وحده بمبايعته للأعرابي وجعل شهادته بشهادتين

لما استندت إلى تصديقه ص - بالرسالة المتضمنة تصديقه في كل ما يخبر به فإذا شهد المسلمون بأنه صادق في خبره عن الله فبطريق الأولى يشهدون أنه صادق عن رجل من أمته ولهذا كان من تراجم بعض الأئمة على حديثه الحكم بشهادة الشاهد الواحد إذا عرف صدقه
فصل اليمين على أقوى المتداعيين
والذي جاءت به الشريعة أن اليمين تشرع من جهة أقوى المتداعيين فأي الخصمين ترجح جانبه جعلت اليمين من جهته وهذا مذهب الجمهور كأهل المدينة وفقهاء الحديث كالإمام أحمد والشافعي ومالك وغيرهم وأما أهل العراق فلا يحلفون إلا المدعي عليه وحده فلا يجعلون اليمين إلا من جانبه فقط وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه والجمهور يقولون قد ثبت عن النبي ص - أنه قضى بالشاهد واليمين وثبت عنه أنه عرض الأيمان في القسامة على المدعين أولا فلما أبو جعلها من جانب المدعى عليهم وقد جعل الله سبحانه أيمان اللعان من جانب الزوج أولا فإذا نكلت المرأة عن معارضة أيمانه وجب عليها العذاب بالحد وهو العذاب المذكور في قوله وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين فإن المدعي لما ترجح جانبه بالشاهد الواحد شرعت اليمين من جهته وكذلك أولياء الدم ترجح جانبهم باللوث فشرعت اليمين من جهتهم وأكدت بالعدد تعظيما لخطر النفس وكذلك الزوج في اللعان جانبه أرجح من جانب المرأة قطعا فإن إقدامه على إتلاف فراشه ورميها بالفاحشة على رءوس الأشهاد وتعريض نفسه لعقوبة الدنيا والآخرة وفضيحة أهله ونفسه على رءوس الأشهاد مما يأباه طباع العقلاء وتنفر عنه نفوسهم لولا أن الزوجة اضطرته بما رآه وتيقنه منها

إلى ذلك فجانبه أقوى من جانب المرأة قطعا فشرعت اليمين من جانبه ولهذا كان القتل في القسامة واللعان وهو قول أهل المدينة فأما فقهاء العراق فلا يقتلون لا بهذا ولا بهذا وأحمد يقتل بالقسامة دون اللعان والشافعي يقتل باللعان دون القسامة وليس في شيء من هذا ما يعارض الحديث الصحيح وهو قوله ص - لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه فإن هذا إذا لم يكن مع المدعي إلا مجرد الدعوى فإنه لا يقضى له بمجرد الدعوى فأما إذا ترجح جانبه بشاهد أو لوث أو غيره لم يقض له بمجرد دعواه بل بالشاهد المجتمع من ترجيح جانبه ومن اليمين وقد حكم سليمان بن داود عليه السلام لإحدى المرأتين بالولد لترجح جانبها بالشفقة على الولد وإيثارها لحياته ورضى الأخرى بقتله ولم يلتفت إلى إقرارها للأخرى به وقولها هو ابنها ولهذا كان من تراجم الأئمة على هذا الحديث التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل ليستبين به الحق ثم ترجم ترجمة أخرى أحسن من هذه وأفقه فقال الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم له إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به فهكذا يكون فهم الأئمة من النصوص واستنباط الأحكام التي تشهد العقول والفطر بها منها ولعمر الله إن هذا هو العلم النافع لا خرص الآراء وتخمين الظنون
فإن قيل ففي القسامة يقبل مجرد أيمان المدعين ولا تجعل أيمان المدعى عليهم بعد أيمانهم دافعة للقتل وفي اللعان ليس كذلك بل إذا حلف الزوج مكنت المرأة أن تدفع عن نفسها بأيمانها ولا تقتل بمجرد أيمان الزوج فما الفرق
قيل هذا من كمال الشريعة وتمام عدلها ومحاسنها فإن المحلوف عليه في القسامة حق لآدمي وهو استحقاق الدم وقد جعلت الأيمان المكررة بينة تامة مع اللوث فإذا قامت البينة لم يلتفت إلى أيمان المدعى عليه وفي اللعان المحلوف

عليه حق لله وهو حد الزنا ولم يشهد به أربعة شهود وإنما جعل الزوج أن يحلف أيمانا مكررة ومؤكدة باللعنة أنها جنت على فراشه وأفسدته فليس له شاهدا إلا نفسه وهي شهادة ضعيفة فمكنت المرأة أن تعارضها بإيمان مكررة مثلها فإذا نكلت ولم تعارضه صارت أيمان الزوج مع نكولها بينة قوية لا معارض لها ولهذا كانت الأيمان أربعة لتقوم مقام الشهود الأربعة وأكدت بالخامسة هي الدعاء على نفسه باللعنة إن كان كاذبا ففي القسامة جعل اللوث وهو الأمارة الظاهرة الدالة على أن المدعى عليهم قتلوه شاهدا وجعلت الخمسين يمينا شاهدا آخر وفي اللعان جعلت أيمان الزوج كشاهد ونكولها كشاهد آخر
ثبوت الحقوق بأي دليل
والمقصود أن الشارع لم يقف الحكم في حفظ الحقوق البتة على شهادة ذكرين لا في الدماء ولا في الأموال ولا في الفروج ولا في الحدود بل قد حد الخلفاء الراشدون والصحابة
رضي الله عنهم في الزنا بالحبل وفي الخمر بالرائحة والقيء وكذلك إذا وجد المسروق عند السارق كان أولى بالحد من ظهور الحبل والرائحة في الخمر وكل ما يمكن أن يقال في ظهور المسروق أمكن أن يقال في الحبل والرائحة بل أولى فإن الشبهة التي تعرض في الحبل من الإكراه ووطء الشبهة وفي الرائحة لا يعرض مثلها في ظهور العين المسروقة والخلفاء الراشدون والصحابة رضي الله عنهم لم يلتفتوا إلى هذه الشبهة التي تجويز غلط الشاهد ووهمه وكذبه أظهر منها بكثير فلو عطل الحد بها لكان تعطيله بالشبهة التي تمكن في شهادة الشاهدين أولى فهذا محض الفقه والاعتبار ومصالح العباد وهو من اعظم الأدلة على جلالة فقه الصحابة وعظمته ومطابقته لمصالح العباد وحكمة الرب وشرعه وأن التفاوت الذي بين أقوالهم وأقوال من بعدهم كالتفاوت الذي بين القائلين
حكم الحاكم بما يترجح الحق به
والمقصود أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله لم يرد خبر العدل قط لا في رواية ولا في شهادة بل قبل خبر العدل الواحد في كل موضع أخبر

به كما قبل شهادته لأبي قتادة بالقتيل وقبل شهادة خزيمة وحده وقبل شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان وقبل شهادة الأمة السوداء وحدها على الرضاعة وقبل خبر تميم وحده وهو خبر عن أمر حسي شاهده ورآه فقبله ورواه عنه ولا فرق بينه وبين الشهادة فإن كلا منهما على أمر مستند إلى الحس والمشاهدة فتميم شهد بما رآه وعاينه وأخبر به النبي ص - فصدقه وقبل خبره فأي فرق بين أن يشهد العدل الواحد على أمر رآه وعاينه يتعلق بمشهود له وعليه وبين أن يخبر بما رآه وعاينه مما يتعلق بالعموم وقد أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد وهو شهادة منه بدخول الوقت وخبر عنه يتعلق بالمخبر وغيره وكذلك أجمعوا على قبول فتوى المفتي الواحد وهي خبر عن حكم شرعي يعم المستفتي وغيره
لا يلزم التعدد في الحكم كلزومه في التحمل
وسر المسألة أن لا يلزم من الأمر بالتعدد في جانب التحمل وحفظ الحقوق الأمر بالتعدد في جانب الحكم والثبوت فالخبر الصادق لا تأتي الشريعة برده أبدا وقد ذم الله في كتابه من كذب بالحق ورد الخبر الصادق تكذيب بالحق وكذلك الدلالة الظاهرة لا ترد إلا بما هو مثلها أو أقوى منها والله سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق بل بالتثبيت والتبيين فإن ظهرت الأدلة على صدقه قبل خبره وإن ظهرت الأدلة على كذبه رد خبره وإن لم يتبين واحد من الأمرين وقف خبره وقد قبل النبي ص - خبر الدليل المشترك الذي استأجره ليدله على طريق المدينة في هجرته لما ظهر له صدقه وأمانته فعلى المسلم أن يتبع هدى النبي ص - في قبول الحق ممن جاء به من ولي وعدو وحبيب وبغيض وبر وفاجر ويرد الباطل على من قاله كائنا من كان قال عبد الله ابن صالح ثنا الليث بن سعد عن ابن عجلان عن ابن شهاب أن معاذ بن جبل كان يقول في مجلسه كل يوم قلما يخطئه أن يقول ذلك الله حكم قسط هلك المرتابون إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن

والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى ابتدع لهم غيره فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة وإياكم وزيغة الحكيم فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة وإن المنافق قد يقول كلمة الحق فتلقوا الحق عن ما جاء به فإن على الحق نورا قالوا وكيف زيغة الحكيم قال هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذا فاحذروا زيغته ولا يصدنكم عنه فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة
ما يجب على الحاكم وما يشترط فيه
والمقصود أن الحاكم يحكم بالحجة التي ترجح الحق إذا لم يعارضها مثلها والمطلوب منه ومن كل من يحكم بين اثنين أن يعلم ما يقع ثم يحكم فيه بما يجب فالأول مداره على الصدق والثاني مداره على العدل وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا والله عليم حكيم
فالبينات والشهادات تظهر لعباده معلومة وبأمره وشرعه يحكم بين عباده والحكم إما إبداء وإما إنشاء فالإبداء إخبار وإثبات وهو شهادة والإنشاء أمر ونهي وتحليل وتحريم والحاكم فيه ثلاث صفات فمن جهة الإثبات هو شاهد ومن جهة الأمر والنهي هو مفت ومن جهة الإلزام بذلك هو ذو سلطان وأقل ما يشترط فيه صفات الشاهد باتفاق العلماء لأنه يجب عليه الحكم بالعدل وذلك يستلزم أن يكون عدلا في نفسه فأبو حنيفة لا يعتبر إلا العدالة والشافعي وطائفة من أصحاب أحمد يعتبرون معها الاجتهاد وأحمد يوجب تولية الأصلح فالأصلح من الموجودين وكل زمان بحسبه فيقدم الأدين العدل على الأعلم الفاجر وقضاة السنة على قضاة الجهمية وإن كان الجهمي أفقه ولما سأله المتوكل عن القضاة أرسل إليه درجا مع وزيره يذكر فيه تولية أناس وعزل أناس

وامسك عن أناس وقال لا أعرفهم وروجع في بعض من سمي لقلة علمه فقال لو لم يولوه لولوا فلانا وفي توليته مضرة على المسلمين وكذلك أمر أن يولى على الأموال الدين السني دون الداعي إلى التعطيل لأنه يضر الناس في دينهم وسئل عن رجلين أحدهما أنكى في العدو مع شربه الخمر والآخر أدين فقال يغزى مع الأنكى في العدو لأنه أنفع للمسلمين وبهذا مضت سنة رسول الله ص - فإنه كان يولي الأنفع للمسلمين على من هو أفضل منه كما ولى خالد بن الوليد من حين أسلم على حروبه لنكايته في العدو وقدمه على بعض السابقين من المهاجرين والأنصار مثل عبد الرحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفة وعبد الله ابن عمر وهؤلاء ممن أنفق من قبل الفتح وقاتل وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وخالد وكان ممن أنفق بعد الفتح وقاتل فإنه أسلم بعد صلح الحديبية هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحجي ثم إنه فعل مع بني جذيمة ما تبرأ النبي ص - منه حين رفع يديه إلى السماء وقال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ومع هذا فلم يعزله وكان أبو ذر من أسبق السابقين وقال له يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن علي اثنين ولا تولين مال يتيم وأمر عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل لأنه كان يقصد أخوله بني عذرة فعلم أنهم يطيعونه ما لا يطيعون غيره للقرابة وأيضا فلحسن سياسة عمرو وخبرته وذكائه ودهائه فإنه كان من أدهى العرب ودهاة العرب أربعة هو أحدهم ثم أردفه بأبي عبيدة وقال تطاوعا ولا تختلفا فلما تنازعا فيمن يصلي سلم أبو عبيدة لعمرو فكان يصلي بالطائفتين وفيهم أبو بكر وأمر أسامة بن زيد مكان أبيه لأنه مع كونه خليقا للإمارة أحرص على طلب ثأر أبيه من غيره وقدم أباه زيدا في الولاية على جعفر ابن عمه مع أنه مولى ولكنه من أسبق الناس إسلاما قبل جعفر ولم يلفت إلى طعن الناس في إمارة أسامة وزيد وقال

إن تطعنوا في إمارة أسامة فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان خليقا للإمارة ومن أحب الناس إلي وأمر خالد بن سعيد بن العاص وإخوته لأنهم من كبراء قريش وساداتهم ومن السابقين الأولين ولم يتول أحد بعده
والقصود أن هديه ص - تولية الأنفع للمسلمين وإن كان غيره أفضل منه والحكم بما يظهر الحق ويوضحه إذا لم يكن هناك أقوى منه يعارضه فسيرته تولية الأنفع والحكم بالأظهر ولا يستطل هذا الفصل فإنه من أنفع فصول الكتاب
فصل شروط الصلح بين المسلمين
وقوله والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا هذا مروي عن النبي ص - رواه الترمذي وغيره من حديث عمرو بن عوف المزني أن رسول الله ص - قال الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما والمسلمون على شرطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما قال الترمذي هذا حديث صحيح وقد ندب الله سبحانه وتعالى إلى الصلح بين الطائفتين في الدماء فقال وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما وندب الزوجين إلى الصلح عند التنازع في حقوقهما فقال وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وقال تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس وأصلح النبي ص - بين بني عمرو بن عوف لما وقع بينهم ولما تنازع كعب ابن مالك وابن أبي حدرد في دين على ابن أبي حدرد أصلح النبي ص - بأن استوضع من دين كعب الشطر وغريمه بقضاء الشطر وقال لرجلين اختصما عنده اذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل

منكما صاحبه وقال من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم وإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه وجوز في دم العمد أن يأخذ أولياء القتيل ما صولحوا عليه ولما استشهد عبد الله ابن حرام الأنصاري والد جابر وكان عليه دين سأل النبي ص - غرماءه أن يقبلوا ثمر حائطه ويحللوا أباه وقال عطاء عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا بالمخارجة يعني الصلح في الميراث وسميت المخارجة لأن الوارث يعطي ما يصالح عليه ويخرج نفسه من الميراث وصولحت امرأة عبد الرحمن ابن عوف من نصيبها من ربع الثمن على ثمانين ألفا وقد روى مسعر عن أزهر عن محارب قال قال عمر ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن وقال عمر أيضا ردوا الخصوم لعلهم أن يصطلحوا فإنه آثر للصدق وأقل للخيانة وقال عمر أيضا ردوا الخصوم إذا كانت بينهم قرابة فإن فصل القضاء يورث بينهم الشنآن
فصل الحقوق نوعان
والحقوق نوعان حق الله وحق الآدمي فحق الله لا مدخل للصلح فيه كالحدود والزكوات والكفارات ونحوها وإنما الصلح بين العبد وبين ربه في إقامتها لا في إهمالها ولهذا لا يقبل بالحدود وإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفع
وأما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها والصلح العادل هو الذي أمر الله به ورسوله ص - كما قال فأصلحوا بينهما بالعدل والصلح الجائر هو الظلم بعينه وكثير من الناس لا يعتمد العدل في الصلح بل يصلح صلحا ظالما جائرا فيصالح بين الغريمين على دون الطفيف

من حق أحدهما والنبي ص - صالح بين كعب وغريمه وصالح أعدل الصلح فأمره أن يأخذ الشطر ويدع الشطر وكذلك لما عزم على طلاق سودة رضيت بأن تهب له ليلتها وتبقي على حقها من النفقة والكسوة فهذا أعدل الصلح فإن الله سبحانه أباح للرجل أن يطلق زوجته ويستبدل بها غيرها فإذا رضيت بترك بعض حقها وأخذ بعضه وأن يمسكها كان هذا من الصلح العادل وكذلك أرشد الخصمين اللذين كانت بينهما المواريث بأن يتوخيا الحق بحسب الإمكان ثم يحلل كل منهما صاحبه وقد أمر الله سبحانه بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين أولا فإن بغت إحداهما على الأخرى فحينئذ أمر بقتال الباغية لا بالصلح فإنها ظالمة ففي الإصلاح مع ظلمها هضم لحق الطائفة المظلومة وكثير من الظلمة المصلحين يصلح بين القادر الظالم والخصم الضعيف المظلوم بما يرضى به القادر صاحب الجاه ويكون له فيه الحظ ويكون الإغماض والحيف فيه على الضعيف ويظن أنه قد أصلح ولا يمكن المظلوم من أخذ حقه وهذا ظلم بل يكمن المظلوم من استيفاء حقه ثم يطلب إليه برضاه أن يترك بعض حقه يغير محاباة لصاحب الجاه ولا يشتبه بالإكراه للآخر بالمحاباة ونحوها
فصل الصلح نوعان
والصلح الذي يحل الحرام ويحرم الحلال كالصلح الذي يتضمن تحريم بضع حلال أو إحلال بضع حرام أو إرقاق حر أو نقل نسب أو ولاء عن محل إلى محل أو أكل ربا أو إسقاط واجب أو تعطيل حد أو ظلم ثالث وما أشبه ذلك فكل هذا صلح جائر مردود
فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى الله سبحانه ورضى الخصمين فهذا أعدل الصلح وأحقه وهو يعتمد العلم والعدل فيكون المصلح عالما بالوقائع عارفا بالواجب قاصدا للعدل فدرجة هذا أفضل من درجة

الصائم القائم كما قال النبي ص - ألا أنبئنكم بأفضل من درجة الصائم القائم قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين الحالقة أما إني أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين وقد جاء في أثر أصلحوا بين الناس فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة وقد قال تعالى إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون
فصل سلطة القاضي في تأجيل الحكم
وقوله من ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه هذا من تمام العدل فإن المدعي قد تكون حجته أو بينته غائبة فلو عجل عليه بالحكم بطل حقه فإذا سأل أمدا تحضر فيه حجته أجيب إليه ولا يتقيد ذلك بثلاثة أيام بل بحسب الحاجة فإن ظهر عناده ومدافعته للحاكم لم يضرب له أمدا بل يفصل الحكومة فإن ضرب هذا الأمد إنما كان لتمام العدل فإذا كان فيه إبطال للعدل لم يجب إليه الخصم
الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل
وقوله ولا يمنعنك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه رأيك وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الحق قديم ولا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل يريد إذا اجتهدت في حكومة ثم وقعت لك مرة أخرى فلا يمنعك الاجتهاد الأول من إعادته فإن الاجتهاد قد يتغير ولا يكون الاجتهاد الاول مانعا من العمل بالثاني إذا ظهر أنه الحق فإن الحق أولى بالإيثار لأنه قديم ساق على الباطل فإن كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني والثاني هو الحق فهو أسبق من الاجتهاد الأول لأنه قديم سابق على ما سواه ولا بيطله وقوع الاجتهاد الأول على خلانه بل الرجوع إليه أولى من التمادي على الاجتهاد الأول

قال عبد الرزاق حدثنا معمر عن سماك بن الفضل عن وهب بن منبه عن الحكم بن مسعود القفي قال قضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وأخويها لأبيها وأمها وأخويها لأمها فأشرك عمر بين الإخوة للأم والأب والإخوة للأم في الثلث فقال له رجل إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا قال عمر تلك ما قضينا يومئذ وهذه على ما قضينا اليوم فأخذ أمير المؤمنين في كلا الاجتهادين بما ظهر له أنه الحق ولم يمنعه القضاء الأول من الرجوع إلى الثاني ولم ينقض الأول بالثاني فجرى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين
متى ترد شهادة المسلم
قوله والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور أو مجلودا في حد أو ظنينا في ولاء أو قرابة لما جعل الله سبحانه هذه الأمة أمة وسطا ليكون شهداء على الناس والوسط العدل الخيار كانوا عدولا بعضهم على بعض إلا من قام به مانع الشهادة وهو أن يكون قد جرب عليه شهادة الزور فلا يوثق بعد ذلك بشهادته أو من جلد في حد لأن الله سبحانه نهى عن قبول شهادته أو متهم بأن يجر إلى نفسه نفعا من المشهود له كشهادة السيد لعتيقه بمال أو شهادة العتيق لسيده إذا كان في عياله أو منقطعا إليه يناله نفعه وكذلك شهادة القريب لقريبه لا تقبل مع التهمة وتقبل بدونها هذا هو الصحيح
الاختلاف في شهادة الأقارب
وقد اختلف الفقهاء في ذلك فمنهم من جوز شهادة القريب لقريبه مطلقا كالأجنبي ولم يجعل القرابة مانعة من الشهادة بحال كما يقوله أبو محمد بن حزم وغيره من أهل الظاهر وهؤلاء يحتجون بالعمومات التي لا تفرق بين أجنبي وقريب وهؤلاء أسعد بالعمومات ومنعت طائفة شهادة الأصول للفروع والفروع للأصول خاصة وجوزت شهادة سائر الأقارب بعضهم لبعض وهذا مذهب الشافعي وأحمد وليس مع هؤلاء نص صريح صحيح بالمنع

واحتج الشافعي بأنه لو قبلت شهادة الأب لابنه لكانت شهادة منه لنفسه لأنه منه وقد قال النبي ص - إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها قالوا وكذلك بنو البنات فقد قال النبي ص - في الحسن إن ابني هذا سيد قال الشافعي فإذا شهد له فإنما يشهد لشيء منه قال وبنوه هم منه فكأنه شهد لبعضه قالوا والشهادة ترد بالتهمة والوالد متهم في ولده فهو ظنين في قرابته قالوا وقد قال النبي ص - في الأولاد إنكم لتبخلون وتجبنون وإنكم لمن ريحان الله وفي أثر آخر الولد مبخلة مجبنة قالوا وقد قال النبي ص - أنت ومالك لأبيك فإذا كان مال الابن لأبيه فإذا شهد له الأب بمال كان قد شهد به لنفسه قالوا وقد قال أبو عبيد ثنا جرير عن معاوية عن يزيد الجزري قال أحسبه يزيد بن سنان قال الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ص - قال لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ظنين في ولاء أو قرابة أو مجلود قالوا ولأن بينهما من البعضية والجزئية ما يمنع قبول الشهادة كما منع من إعطائه من الزكاة ومن قتله بالولد وحده بقذفه قالوا ولهذا لا يثبت له في ذمته دين عند جماعة من أهل العلم ولا يطالب به ولا يحبس من أجله قالوا وقد قال تعالى ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم ولم يذكر بيوت الأبناء لأنها داخلة في بيوتهم أنفسهم فاكتفى بذكرها دونها وإلا فبيوتهم أقرب من بيوت من ذكر في الآية قالوا وقد قال تعالى وجعلوا له من عباده جزءا أي ولدا فالولد جزء فلا تقبل شهادة الرجل في جزئه
قالوا وقد قال ص - إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكيف يشهد الرجل لكسبه قالوا والإنسان متهم

في ولده مفتون به كما قال تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة فكيف تقبل شهادة المرء لمن قد جعل مفتونا به والفتنة محل التهمة
فصل
قال الآخرون قال الله تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وقال تعالى وأنزلنا إليك الكتاب تبيانا لكل شيء وقد قال تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وقد قال تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء وقال يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ولا ريب في دخول الآباء والأبناء والأقارب في هذا اللفظ كدخول الأجانب وتناولها للجميع بتناول واحد هذا مما لا يمكن دفعه ولم يستثن الله سبحانه ولا رسوله من ذلك أبا ولا ولدا ولا أخا ولا قرابة ولا أجمع المسلمون على استثناء أحد من هؤلاء فتلزم الحجة بإجامعهم
وقد ذكر عبد الرزاق عن أبي بكر بن أبي سبرة عن أبي الزناد عن عبد الله ابن عامر بن ربيعة قال قال عمر بن الخطاب
رضي الله عنه تجوز شهادة الوالد لولده والولد لوالده والأخ لأخيه وعن عمرو بن سليم الزرقي عن سعيد بن المسيب مثل هذا
وقال ابن وهب ثنا يونس عن الزهري قال لم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده ولا الوالد لوالده ولا الأخ لأخيه ولا الزوج لامرأته ثم دخل الناس بعد ذلك فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من قرابة وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان وقال أبو عبيد حدثني الحسن بن عازب عن جده شبيب بن غرقدة قال

كنت جالس عند شريح فأتاه علي بن كاهل وامرأة وخصم فشهد لها علي ابن كاهل وهو زوجها وشهد لها أبوها فأجاز شريح شهادتهما فقال الخصم هذا أبوها وهذا زوجها فقال له شريح أتعلم شيئا تجرح به شهادتهما كل مسلم شهادته جائزة
وقال عبد الرزاق ثنا سفيان بن عيينة عن شبيب بن غرقدة قال سمعت شريحا أجاز لامرأة شهادة أبيها وزجها فقال له الرجل إنه أبوها وزوجها قال شريح فمن يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها
وقال أبو بكر بن أبي شيبة ثنا شبابة عن ابن أبي ذئب عن سليمان قال شهدت لأمي عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقضى بشهادتي
وقال عبد الرزاق ثنا معمر عن عبد الرحمن بن عبد الله الأنصاري قال أجاز عمر بن عبد العزيز شهادة الابن لأبيه إذا كان عدلا
قالوا فهؤلاء عمر بن الخطاب وجميع السلف وشريح وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يجيزون شهادة الابن لأبيه والأب لابنه قال ابن حزم وبهذا يقول إياس بن معاوية وعثمان البتي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور والمزني وأبو سليمان وجميع أصحابنا يعني داود بن علي وأصحابه
وقد ذكر الزهري أن الذين ردوا شهادة الابن لأبيه والأخ لأخيه هم المتأخرون وأن السلف الصالح لم يكونا يردونها
قالوا وأما حجتكم على المنع فمدارها على شيئين
أحدهما البعضية التي بين الأب وابنه وأنها توجب أن تكون شهادة أحدهما للآخر شهادة لنفسه وهذه حجة ضعيفة فإن هذه البعضية لا توجب أن تكون كبعضه في الأحكام لا في أحكام الدنيا ولا في أحكام الثواب والعقاب فلا يلزم من وجوب شيء على أحدهما أو تحريمه وجوبه على الآخر وتحريمه من جهة كونه بعضه ولا من وجوب الحد على أحدهما وجوبه على

الآخر وقد قال النبي ص - لا يجني والد على ولده فلا يجني عليه ولا يعاقب بذنبه ولا يثاب بحسناته ولا يجب عليه الزكاة ولا الحج بغنى الآخر ثم قد أجمع الناس على صحة بيعه منه وإجارته ومضاربته ومشاركته فلو امتنعت شهادته له لكونه جزءه فيكون شاهدا لنفسه لامتنعت هذه العقود إذ يكون عاقدا لها مع نفسه
فإن قلتم هو متهم بشهادته له بخلاف هذه العقود فإنه لا يتهم فيها معه
قيل هذا عود منكم إلى المأخذ الثاني وهو مأخذ التهمة فيقال التهمة وحدها مستقلة بالمنع سواء كان قريبا أو أجنبيا ولا ريب أن تهمة الإنسان في صديقه وعشيره ومن يعينه مودته ومحبته أعظم من تهمته في أبيه وابنه والواقع شاهد بذلك وكثير من الناس يحابي صديقه وعشيره وذا وده أعظم مما يحابي أباه وابنه
فإن قلتم الاعتبار بالمظنة وهي التي تنضبط بخلاف الحكمة فإنها لانتشارها وعدم انضباطها لا يمكن التعليل بها
قيل هذا صحيح في الأوصاف التى شهد لها الشرع بالاعتبار وعلق بها الأحكام دون م مظانها فأين علق الشارع عدم قبول الشهادة بوصف الأبوة أو النبوة أو الأخوة والتابعون إنما نظروا إلى التهمة فهي الوصف المؤثر في الحكم فيجب تعليق الحكم به وجودا وعدما ولا تأثير لخصوص القرابة ولا عمومها بل قد توجد القرابة حيث لا تهمة وتوجد التهمة حيث لا قرابة والشارع إنما علق قبول الشهادة بالعدالة وكون الشاهد مرضيا وعلق عدم قبولها بالفسق ولم يعلق القبول والرد بأجنبية ولا قرابة
قالوا وأما قولكم إنه غير متهم معه في تلك العقود فليس كذلك بل هو متهم معه في المحاباة ومع ذلك فلا يوجب ذلك إبطالها ولهذا لو باعه في

مرض موته ولم يحابه لم يبطل البيع ولو حاباه بطل في قدر المحاباة فعلق البطلان بالتهمة لا بمظنتها
قالوا وأما قوله ص - أنت ومالك لأبيك فلا يمنع شهادة الابن لأبيه فإن الأب ليس هو ماله لابنه ولا يدل الحديث على عدم قبول شهادة أحدهما للآخر والذي دل عليه الحديث أكثر منازعينا لا يقولون به بل عندهم أن مال الابن له حقيقة وحكما وأن الأب لا يتملك عليه منه شيئا والذي لم يدل عليه الحديث حملتوه إياه والذي دل عليه لم تقولوا به ونحن نتلقى أحاديث رسول الله ص - كلها بالقبول والتسليم ونستعملها في وجوهها ولم دل قوله أنت ومالك لأبيك على أن لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده لكنا أول ذاهب إلى ذلك ولما سبقتمونا إليه فأين موضع الدلالة واللام في الحديث ليست للملك قطعا وأكثرهم يقول ولا للإباحة إذ لا يباح مال الابن لأبيه ولهذا فرق بعض السلف فقال تقبل شهادة الابن لأبيه ولا تقبل شهادة الأب لابنه وهو إحدى الروايتين عن الحسن والشعبي ونص عليه أحمد في رواية عنه ومن يقول هي للإباحة أسعد بالحديث وإلا تعطلت فائدته ودلالته ولا يلزم من إباحة أخذه ما شاء من ماله أن لا تقبل شهادته له بحال مع القطع أو ظهور انتفاء التهمة كما لو شهد له بنكاح أو حد أو مالا تلحقه به تهمة
قالوا وأما كونه لا يعطى من زكاته ولا يقاد به ولا يحد به ولا يثبت له في ذمته دين ولا يحبس به فالاستدلال إنما يكون بما ثبت بنص أو إجماع وليس معكم شيء من ذلك فهذه مسائل نزاع لا مسائل إجماع ولو سلم ثبوت الحكم فيها أو في بعضها لم يلزم منه عدم قبول شهادة أحدهما للآخر حيث تنتفي التهمة ولا تلازم بين قبول الشهادة وجريان القصاص وثبوت الدين له في ذمته لا عقلا ولا شرعا فإن تلك الأحكام اقتضتها الأبوة التي تمنع من مساواته

للأجنبي في حده وإقادته معه وحبسه بدينه فإن منصب أبوته يأبى ذلك وقبحه مركوز في فطر الناس وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه قبيح فهو عند الله قبيح وأما الشهادة فهي خبر يعتمد الصدق والعدالة فإذا كان المخبر به صادقا مبرزا في العدالة غير متهم في الأخبار فليس قبول قوله قبيحا عند المسلمين ولا تأتي الشريعة برد خبر المخبر به واتهامه
قالوا والشريعة مبناها على تصديق الصادق وقبول خبره وتكذيب الكاذب والتوقف في خبر الفاسق المتهم فهي لا ترد حقا ولا تقبل باطلا
قالوا وأما حديث عائشة فلو ثبت لم يكن فيه دليل فإنه إنما يدل على عدم قبول شهادة المتهم في قرابته أو ذي ولاية ونحن لا نقبل شهادته إذا ظهرت تهمته ثم منازعونا لا يقولون بالحديث فإنهم لا يردون شهادة كل قرابة والحديث ليس فيه تخصيص لقرابة الإيلاد بالمنع وإنما فيه تعليق المنع بتهمة القرابة فألغيتم وصف التهمة وخصصتم وصف القرابة بفرد منها فكنا نحن أسعد بالحديث منكم وبالله التوفيق
وقد قال محمد بن الحكم إن أصحاب مالك يجيزون شهادة الأب والابن والأخ والزوج والزوجة على أنه وكل فلانا ولا يجيزون شهادتهم أن فلانا وكله لأن الذي يوكل لا يتهمان عليه في شيء
وأما شهادة الأخ لأخيه فالجمهور يجيزونها وهو الذي في التهذيب من رواية ابن القاسم عن مالك إلا أن يكون في عياله وقال بعض المالكية لا تجوز إلا على شرط ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم هو أن يكون مبرزا في العدالة وقال بعضهم إذا لم تنله صلته وقال أشهب تجوز في اليسير دون الكثير فإن كان مبرزا جاز في الكثير وقال بعضهم تقبل مطلقا إلا فيما تصح فيه التهمة مثل أن يشهد له بما يكسب به الشاهد شرفا وجاها

والصحيح أنه تقبل شهادة الابن لأبيه والاب لبنه فيما لا تهمة فيه ونص عليه أحمد فعنه في المسألة ثلاث روايات المنع والقبول فيما لا تهمة فيه والتفريق بين شهادة الابن لأبيه فتقبل وشهادة الأب لابنه فلا تقبل واختار ابن المنذر القبول كالأجنبي
وأما شهادة أحدهما على الآخر فنص الإمام أحمد على قبولها وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين
وقد حكى بعض أصحاب محمد عنه رواية ثانية أنها لا تقبل قال صاحب المغني ولم أجد في الجامع يعني جامع الخلال خلافا عن أحمد أنها تقبل وقال بعض الشافعية لا تقبل شهادة الابن على أبيه في قصاص ولا حد قذف قال لأنه لا يقتل بقتله ولا يحد بقذفه وهذا قياس ضعيف جدا فإن الحد والقتل في صورة المنع لكون المستحق هو الابن وهنا المستحق أجنبي
ومما يدل على أن احتمال التهمة بين الولد ووالده لا يمنع قبول الشهادة أن شهادة الوارث لمورثه جائزة بالمال وغيره ومعلوم أن تطرق التهمة إليه مثل تطرقها إلى الولد والوالد وكذلك شهادة الابنين على أبيهما بطلاق ضرة أمهما جائزة مع أنها شهادة للأم ويتوفر حظها من الميراث ويخلو لها وجه الزوج ولم ترد هذه الشهادة باحتمال التهمة فشهادة الولد لوالده وعكسه بحيث لا تهمة هناك أولى بالقبول وهذا هو القبول الذي ندين الله به وبالله التوفيق
فصل شهادة الزور
وقوله إلا مجربا عليه شهادة الزور يدل على أن المرة الواحدة من شهادة الزور تستقل برد الشهادة وقد قرن الله سبحانه في كتابه بين الإشراك وقول

الزور قال تعالى واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به وفي الصحيحين أيضا عن النبي ص - ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله قال الشرك بالله ثم عقوق الوالدين وكان متكئا فجلس ثم قال ألا وقول الزور ألا وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ص - أكبر الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقول الزور
الكذب كبيرة
ولا خلاف بين المسلمين أن شهادة الزور من الكبائر واختلف الفقهاء في الكذب في غير الشهادة هل هو من الصغائر أو من الكبائر على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد حكاهما أبو الحسين في تمامه واحتج من جعله من الكبائر بأن الله سبحانه جعله في كتابه من صفات شر البرية وهم الكفار والمنافقون فلم يصف به إلا كافرا أو منافقا وجعله علم أهل النار وشعارهم وجعل الصدق علم أهل الجنة وشعارهم
وفي الصحيح من حديث ابن مسعود قال قال رسول الله ص - عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا وفي الصحيحين مرفوعا آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وقال معمر عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة
رضي الله عنها قالت ما كان خلق أبغض إلى رسول الله ص - من الكذب ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما تزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة وقال مروان الطاطري ثنا محمد بن مسلم ثنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت ما كان شيء أبغض إلى

رسول الله ص - من الكذب وما جرب على أحد كذبا فرجع إليه ما كان حتى يعرف منه توبة حديث حسن رواه الحاكم في المستدرك من طريق ابن وهب عن محمد بن مسلم عن أيوب عن ابن سيرين عن عائشة رضي الله عنها وروى عبد الرزاق عن معمر عن موسى بن أبي شيبة أن النبي ص - أبطل شهادة رجل في كذبة كذبها وهو مرسل وقد احتج به احمد في إحدى الروايتين عنه وقال قيس بن أبي حازم سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول إياكم والكذب فإن الكذب مجانب الإيمان يروى موقوفا ومرفوعا وروى شعبة عن سلمة بن كهيل عن مصعب بن سعد عن أبيه قال المسلم يطبع على كل طبيعة غير الخيانة والكذب ويروى مرفوعا أيضا وفي المسند والترمذي من حديث خريم بن فاتك الأسدي أن رسول الله ص - صلى صلاة الصبح فلما انصرف قام قائما قال عدلت شهادة الزور الشرك بالله ثلاث مرات ثم تلا هذه الآية فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به وفي المسند من حديث عبد الله ابن مسعود عن النبي ص - قال بين الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة وقطع الأرحام وشهادة الزور وكتمان شهادة الحق وقال الحسن بن زياد اللؤلؤي ثنا أبو حنيفة قال كنا عند محارب بن دثار فتقدم إليه رجلان فادعى أحدهما على الآخر مالا فجحده المدعي عليه فسأله البينة فجاء رجل فشهد عليه فقال المشهود عليه لا والله الذي لا إله إلا هو ما شهد علي بحق وما علمته إلا رجلا صالحا غير هذه الزلة فإنه فعل هذا لحقد كان في قلبه علي وكان محارب متكئا فاستوى جالسا ثم قال يا ذا الرجل سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله ص - يقول ليأتين على الناس يوم تشيب فيه الولدان وتضع الحوامل ما في بطونها وتضرب الطير بأذنابها وتضع ما في بطونها من شدة ذلك اليوم ولا ذنب عليها وإن شاهد الزور لا تقار قدماه على الأرض حتى يقذف به في النار فإن كنت

شدت بحق فاتق الله وأقم على شهادتك وإن كنت شهدت بباطل فاتق الله وغط رأسك واخرج من ذلك الباب وقال عبد الملك بن عمير كنت في مجلس محارب بن دثار وهو في قضائه حتى تقدم إليه رجلان فادعى أحدهما على الآخر حقا فأنكره فقال ألك بينة فقال نعم ادع فلانا فقال المدعى عليه إنا لله وإنا إليه راجعون والله إن شد علي ليشهدن بزور ولئن سألتني عنه لأزكينه فلما جاء الشاهد قال محارب بن دثار حدثني عبد الله بن عمر أن رسول الله ص - قال إن الطير لتضرب بمناقيرها وتقذف ما في حواصلها وتحرك أذنابها من هول يوم القيامة وإن شاهد الزور لا تقار قدماه على الأرض حتى يقذف به في النار ثم قال للرجل بم تشهد قال كنت أشهد على شهادة وقد نسيتها أرجع فأتذكرها فانصرف ولم يشهد عليه بشيء ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده فقال ثنا محمد بن بكار ثنا زافر عن أبي علي قال كنت عند محارب بن دثار فاختصم إليه رجلان فشهد على أحدهما شاهد فقال الرجل لقد شهد علي بزور ولئن سئلت عنه ليزكين وكان محارب متكئا فجلس ثم قال سمعت عبد الله بن عمر قال رسول الله ص - لا تزول قدما شاهد الزور من مكانهما حتى يوجب الله له النار وللحديث طرق إلى محارب
فصل الحكمة في عدم سماع قول الكذاب
وأقوى الأسباب في رد الشهادة والفتيا والرواية الكذب لأنه فساد في نفس آلة الشهادة والفتيا والرواية فهو بمثابة شهادة الأعمى على رؤية الهلال وشهادة الأصم الذي لا يسمع على إقرار المقر فإن اللسان الكذوب بمنزلة العضو الذي قد تعطل نفعه بل هو شر منه فشر ما في المرء لسان كذوب ولهذا يجعل

الله سبحانه شعار الكاذب عليه يوم القيامة وشعار الكاذب على رسوله سواد وجوههم والكذب له تأثير عظيم في سواد الوجه ويكسوه برقعا من المقت يراه كل صادق فسيما الكاذب في وجهه ينادى عليه لمن له عينان والصادق يرزقه الله مهابة وجلالة فمن رآه هابه وأحبه والكاذب يرزقه إهانة ومقتا فمن رآه مقته واحتقره وبالله التوفيق
فصل سبب رد شهادة المجلود في حد القذف
وقول أمير المؤمنين
رضي الله عنه في كتابه أو مجلودا في حد المراد به القاذف إذا حد للقذف لم تقبل شهادته بعد ذلك وهذا متفق عليه بين الأمة قبل التوبة والقرآن نص فيه وأما إذا تاب ففي قبول شهادته قولان مشهوران للعلماء أحدهما لا تقبل وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأهل العراق والثاني تقبل وهو قول الشافعي وأحمد ومالك وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس شهادة الفاسق لا تجوز وإن تاب وقال القاضي إسماعيل ثنا أبو الوليد ثنا قيس عن سالم عن قيس بن عاصم قال كان أبو بكرة إذا أتاه رجل يشهده قال أشهد غيري فإن المسلمون قد فسقوني وهذا ثابت عن مجاهد وعكرمة والحسن ومسروق الشعبي في إحدى الروايتين عنهم وهو قول شريح
واحتج أرباب هذا القول بأن الله سبحانه أبد المنع من قبول شهادتهم بقوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وحكم عليهم بالفسق ثم استثنى التائبين من الفاسقين وبقي المنع من قبول الشهادة على إطلاقه وتأبيده
قالوا وقد روى أبو جعفر الرازي عن آدم بن فائد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ص - لا تجوز شهادة خائن

ولا خائنة ولا محدود في الإسلام ولا محدودة ولا ذي غمر على أخيه وله طرق إلى عمرو ورواه ابن ماجه من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو رواه البيهقي من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو قالوا وروى يزيد بن أبي زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عن عائشة ترفعه لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود في حد ولا ذي غمر لأخيه ولا مجرب عليه شهادة زور ولا ظنين في ولاء أو قرابة وروى عن سعيد بن المسيب عن النبي ص - مرسلا
قالوا ولأن المنع من قبول شهادته جعل من تمام عقوبته ولهذا لا يترتب المنع إلا بعد الحد فلو قذف ولم يحد لا ترد شهادته ومعلوم أن الحد إنما زاده طهرة وخفف عنه إثم القذف أو رفعه فهو بعد الحد خير منه قبله ومع هذا فإنما ترد شهادته بعد الحد فردها من تمام عقوبته وحده وما كان من الحدود ولوازمها فإنه لا يسقط بالتوبة ولهذا لو تاب القاذف لم تمنع توبة إقامة الحد عليه فكذلك شهادته وقال سعيد بن جبير تقبل توبته فيما بينه وبين الله من العذاب العظيم ولا تقبل شهادته وقال شريح لا تجوز شهادته أبدا وتوبته فيما بينه وبين ربه
وسر المسألة أن رد شهادته جعل عقوبة لهذا الذنب فلا يسقط بالتوبة كالحد
قال الآخرون واللفظ للشافعي والثنيا في سياق الكلام على أول الكلام وآخره في جميع ما يذهب إليه أهل الفقه إلا أن يفرق بين ذلك خبر وأنبأنا ابن عيينة قال سمعت الزهري يقول زعم أهل العراق أن شهادة المحدود لا تجوز وأشهد لأخبرني فلان أن عمر قال لأبي بكرة تب أقبل شهادتك قال سفيان نسيت اسم الذي حدث الزهري فلما قمنا سألت من حضر فقال لي عمرو بن قيس هو سعيد بن المسيب فقلت لسفيان فهل شككت

فيما قال لك قال لا هو سعيد غير شك قال الشافعي وكثيرا ما سمعته يحدث فيسمي سعيدا وكثيرا ما سمعته يقول عن سعيد إن شاء الله وأخبرني به من أثق به من أهل المدينة عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن عمر لما جلد الثلاثة استتابهم فرجع اثنان فقبل شهادتهما وأبى أبو بكرة أن يرجع فرد شهادته ورواه سليمان بن كثير عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر قال لأبي بكرة وشبل ونافع من تاب منكم قبلت شهادته وقال عبد الرزاق ثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن ابن المسيب أن عمر قال للذين شهدوا على المغيرة توبوا تقبل شهادتكم فتاب منهم اثنان وأبى أبو بكرة أن يتوب فكان عمر لا يقبل شهادته
قالوا والاستثناء عائد على جميع ما تقدمه سوى الحد فإن المسلمون مجمعون على أنه لا يسقط عن القاذف بالتوبة وقد قال أئمة اللغة إن الاستثناء يرجع إلى ما تقدم كله قال أبو عبيد في كتاب القضاء وجماعة أهل الحجاز ومكة على قبول شهادته وأما أهل العراق فيأخذون بالقول الأول أن لا تقبل أبدا وكلا الفريقين إنما تأولوا القرآن فيما نرى والذين لا يقبلونها يذهبون إلى أن المعنى انقطع من عند قوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ثم استأنف فقال فأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا فجعلوا الاستثناء من الفسق خاصة دون الشهادة وأما الآخرون فتأولوا أن الكلام تبع بعضه بعضا على نسق واحد فقال ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا فانتظم الاستثناء كل ما كان قبله
قال أبو عبيد وهذا عندي هو القول المعمول به لأن من قال به أكثر وهو أصح في النظر ولا يكون القول بالشيء أكثر من الفعل وليس يختلف المسلمون في الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب

قالوا وأما ما ذكرتم عن ابن عباس فقد قال الشافعي بلغني عن ابن عباس أنه كان يجيز شهادة القاذف إذا تاب وقال علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ثم قال إلا الذين تابوا فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل وقال شريك عن ابي حصين عن الشعبي يقبل الله توبته ولا يقبلون شهادته وقال مطرف عنه إذا فرغ من ضربه فأكذب نفسه ورجع عن قوله قبلت شهادته
قالوا وأما تلك الآثار التي رويتموها ففيها ضعف فإن آدم بن فائد غير معروف ورواته عن عمر قسمان ثقات وضعفاء فالثقات لم يذكر أحد منهم أو مجلودا في حد وإنما ذكره الضعفاء كالمثنى بن الصباح وآدم والحجاج وحديث عائشة فيه يزيد وهو ضعيف ولو صحت الأحاديث لحملت على غير التائب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقد قبل شهادته بعد التوبة عمر وابن عباس ولا يعلم لهما في الصحابة مخالف
قالوا وأعظم موانع الشهادة الكفر والسحر وقتل النفس وعقوق الوالدين والزنا ولو تاب من هذه الأشياء قبلت شهادته اتفاقا فالتائب من القذف أولى بالقبول
قالوا وأين جناية قذف من قتله قالوا الحد يدرأ عنه عقوبة الآخرة وهو طهرة له فإن الحدود طهرة لأهلها فكيف تقبل شهادته إذا لم يتطهر بالحد وترد أطهر ما يكون فإنه بالحد والتوبة قد يطهر طهرا كاملا
قالوا ورد الشهادة بالقذف إنما هو مستند إلى العلة التي ذكرها الله عقيب هذا الحكم وهي الفسق وقد ارتفع الفسق بالتوبة وهو سبب الرد فيجب ارتفاع ما ترتب عليه وهو المنع

قالوا والقاذف فاسق بقذفه حد أو لم يحد فكيف تقبل شهادته في حال فسقه وترد شهادته بعد زوال فسقه
قالوا ولا عهد لنا في الشريعة بذنب واحد أصلا يتاب منه ويبقي أثره المترتب عليه من رد الشهادة وهل هذا إلا خلاف المعهود منها وخلاف قوله ص - التائب من الذنب كمن لا ذنب له وعند هذا فيقال توبته من القذف تنزله منزلة من لم يقذف فيجب قبول شهادته أو كما قالوا
قال المناعون القذف متضمن للجناية على حق الله وحق الآدمي وهو من أوفى الجرائم فناسب تغليظ الزجر ورد الشهادة من أقوى أسباب الزجر لما فيه من إيلام القلب والنكاية في النفس إذ هو عزل لولاية لسانه الذي استطال به على عرض أخيه وإبطال لها ثم هو عقوبة في محل الجناية فإن الجناية حصلت بلسانه فكان أولى بالعقوبة فيه وقد رأينا الشارع قد اعتبر هذا حيث قطع يد السارق فإنه حد مشروع في محل الجناية ولا ينتقض هذا بأن لم يجعل عقوبة الزاني بقطع العضو الذي جنى به لوجوه أحدها أنه عضو خفي مستور لا تراه العيون فلا يحصل الاعتبار المقصود من الحد بقطعه الثاني أن ذلك يفضي إلى إبطال آلات التناسل وانقطاع النوع الإنساني الثالث أن لذة البدن جميعه بالزنا كلذة العضو المخصوص فالذي نال البدن من اللذة المحرمة مثل ما نال الفرج ولهذا كان حد الخمر على جميع البدن الرابع أن قطع هذا العضو مفض إلى الهلاك وغير المحصن لا تستوجب جريمته الهلاك والمحصن إنما يناسب جريمته أشنع القتلات ولا يناسبها قطع بعض أعضائه فافترقا
قالوا وأما قبول شهادته قبل الحد وردها بعده فلما تقدم أن رد الشهادة جعل من تمام الحد وتكملته فهو كالصفة والتتمة للحد فلا يتقدم عليه ولأن

إقامة الحد عليه ينقص حاله عند الناس وتقل حرمته وهو قبل إقامة الحد قائم الحرمة غير منتهكها
قالوا وأم التائب من الزنا والكفر والقتل فإنما قبلنا شهادته لأن ردها كان نتيجة الفسق وقد زال بخلاف مسألتنا فإنا قد بينا أن ردها من تتمة الحد فافترقا
قال القابلون تغليظ الزجر لا ضابط له وقد حصلت مصلحة الزجر بالحداد وكذلك سائر الجرائم جعل الشارع مصلحة الزجر عليها بالحد وإلا فلا تطلق نساؤه ولا يؤخذ ماله ولا يعزل عن مناصبه ولا تسقط روايته لأنه أغلظ في الزجر وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة
رضي الله عنه وتغليظ الزجر من الأوصاف المنتشرة التي لا تنضبط وقد حصل إيلام القلب والبدن والنكاية في النفس بالضرب الذي أخذ من ظهره وأيضا فإن رد الشهادة لا ينزجر به أكثر القاذفين وإنما يتأثر بذلك وينزجر أعيان الناس وقل أن يوجد القذف من أحدهم وإنما يوجد غالبا من الرعاع والسقط ومن لا يبالي برد شهادته وقبولها وأيضا فكم من قاذف انقضى عمره وما أدى شهادة عند حاكم ومصلحة الزجر إنما تكون بمنع النفوس ما هي محتاجة إليه وهو كثير الوقوع منها ثم هذه المناسبة التي ذكرتموها يعارضها ما هو أقوى منها فإن رد الشهادة أبدا تلزم منه مفسدة فوات الحقوق على الغير وتعطيل الشهادة في محل الحاجة إليها ولا يلزم مثل ذلك في القبول فإنه لا مفسدة فيه في حق الغير من عدل تائب قد أصلح ما بينه وبين الله ولا ريب أن اعتبار مصلحة يلزم منها مفسدة أولى من اعتبار مصلحة يلزم منها عدة مفاسد في حق الشاهد وحق المشهود له وعليه والشارع له تطلع إلى حفظ الحقوق على مستحقيها بكل طريق وعدم إضاعتها فكيف يبطل حقا قد شهد به عدل مرضي مقبول الشهادة على رسول الله ص - وعلى دينه رواية وفتوى

وأما قولكم إن العقوبة تكون في محل الجناية فهذا غير لازم لما تقدم من عقوبة الشارب والزاني وقد جعل الله سبحانه عقوبة هذه الجريمة على جميع البدن دون اللسان وإنما جعل عقوبة اللسان بسبب الفسق الذي هو محل التهمة فإذا زال الفسق بالتوبة فلا وجه للعقوبة بعدها
أما قولكم إن رد الشهادة من تمام الحد فليس كذلك فإن الحد تم باستيفاء عدده وسببه نفس القذف وأما رد الشهادة فحكم آخر أوجبه الفسق بالقذف لا الحد فالقذف أوجب حكمين ثبوت الفسق وحصول الحد وهما متغايران
فصل رد الشهادة بالتهمة
وقوله أو ظنينا في ولاء أو قرابة الظنين المتهم والشهادة ترد بالتهمة ودل هذا على أنها لا ترد بالقرابة كما لا ترد بالولاء وإنما ترد بتهمتها وهذا هو الصواب كما تقدم وقال أبو عبيد ثنا حجاج عن ابن جريج قال أخبرني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن أبي الزناد عن عبد الله بن عامر ابن ربيعة عن عمر بن الخطاب أنه قال تجوز شهادة الوالد لولده والولد لوالده والأخ لأخيه إذا كانوا عدولا لم يقل الله حين قال ممن ترضون من الشهداء إلا والدا وولدا وأخا هذا لفظه وليس في ذلك عن عمر روايتان بل إنما منع من شهادة المتهم في قرابته وولائه وقال أبو عبيد حدثني يحيى بن بكير عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر بن عبد العزيز كتب أنه تجوز شهادة الولد لوالده وقال إسحاق بن راهويه لم تزل قضاة الإسلام على هذا وإنما قبل قول الشاهد لظن صدقه فإذا كان متهما عارضت التهمة الظن فبقيت البراءة الأصلية ليس لها معارض مقاوم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"