بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات في أسماء الله الحسنى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات في أسماء الله الحسنى. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 16 أبريل 2010

في معنى اسم "الحق"

بِســـــمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

مع الاسم الخامس والعشرين من أسماء الله الحسنى والاسم هو اسم " الحق " وهذه الكلمة متُداولة بكثرة كثيرة ، والله سبحانه وتعالى هو الحق ، وكلامه هو الحق ، ووعده هو الحق، ووعيده الحق ، وأفعاله حق .

وكلمة حق قبل أن نمضي في الحديث عنها لابد من ضرب الأمثلة : معك جهاز كهربائي ، وبحاجة إلى طاقة كهربائية ، توجهت إلى مأخذ كهربائي ووضعت فيه الشريط ، فالآلة لم تتحرك ، فهذا المأخذ ليس فيه كهرباء ، فتوجهت إلى مأخذ آخر ووضعت فيه الشريط فدارت الآلة ، أول مأخذ باطل ، الثاني حق .. فما معنى الحق إذاً ؟ ..

الشيء الموجود موجود ، الحقيقة أن الله هو الحق ، وإذا توجهت إلى غيره فلن تجد شيئاً بل سراباً في سراب ، وعودٌ كاذبة ، وأقوال فارغة ، و كلمات طنانة ، لكنها هراء وهواء ، وإذا توجهت إلى الله عز وجل وجدت كل شيء ، فأول معنى من معاني الحق الشيء الموجود ، وأول معنى من معاني الباطل الشيء المعدوم ، والإنسان إذا وعدك وعداً ونفّذَ وعده فوعده حق ، فإن لم يُنفذ فوعده باطل ، وإذا توهمت أن الجِنّ بإمكانهم أن يفعلوا كذا وكذا فهذا مجرد وهم ، وفي الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى ما أعطى الجن قوةً أبداً ، فاعتقادك أن الجن بإمكانها أن تفعل وأن تؤذي وأن ترفع وأن تخلص فهذا اعتقاد باطل ، لأنه لا يُطابق الحقيقة ، وإذا قُلت مثلاً : فلان بإمكانه أن يفعل شيئاً خارقاً فلعلك مخطيء ، إذ هو في الحقيقة عبد مثلك لا يستطيع أن يفعل شيئاً من ذلك ، فقولُك باطل ، فالشيء الموجود واعتقاد وجودِهِ والاعتراف بوجودِهِ ، هذا هو الحق ، والشيء المعدوم أن يتوهَّم الإنسان أن هذا الشيء موجود وهو ليس بموجوداً فهذا الوهم باطل ، وأن تعتقد أن هذا الشيء موجود وهو غير موجود فهذا اعتقاد باطل ، وإذا قلت إن هذا الشيء موجود وهو غير موجود فهذا قول باطل ، والصواب أن الحق هو الموجود ، والباطل هو المعدوم ، والاعتقاد الحق حينما يوافق اعتقادُك الواقع فهو حق ، وإذا خالف الواقع فهو باطل ، والقول الحق حينما يوافق قولك الموجود فقولك حق ، وحينما يخالف قولك الموجود فالقول باطل.

وأخطر ما في الحياة أن تتجه إلى جهة لا تملك شيئاً ، وأخطر ما فيها أيضاً أن تعتقد اعتقاداً غير صحيح ليس له مرتكز واقعي أبداً ، وأخطر كلام تقوله أن تنطق بشيء لا يرتبط بالواقع ، فما الذي ضيّعَ الناس ؟ الباطل ، وقد تعتقد اعتقاداً وبعد سنين طويلة ينكشف للعالم كله أنه اعتقاد باطل ، وأن هذا المبدأ غير صحيح ، وأن هذا المبدأ ما حقق نفعاً للإنسان ، بل زاده شقاءً .

فإذا كنت مع الحق فأنت في سعادة كبيرة ، لماذا ؟ لأنك مع الثابت ومع الموجود ، وهذا ملخص الفكرة ، أو هذه هي الخطوط العريضة لها .

والشيء الموجود إما أن يكون واجب الوجود أو ممكن الوجود فالخالق واجب الوجود ، فلابد من أن يكون موجوداً ، ولا يُمكن إلا أن يكون موجوداً ، والعقل لا يقبل هذه الدِقّة البالغة في الخلق من دون إلهٍ خالق ، ومن دون إلهٍ مبدع ، ومن دون إلهٍ مُصمم ، أو إلهٍ حكيم ، أو إلهٍ عليم أو إلهٍ قدير ، فالموجود واجب الوجود ، أما المُمكن فهو ما كان مُمكن الوجود ، فنحن مثلاً مُمكن أن نكون أو لا نكون ، ولا يكون وجودنا حقاً إلا إذا شاء واجب الوجود أن نكون ، ولذلك ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .

(سورة إبراهيم)

وعدُ الشيطان باطل ، وأحياناً الشيطان يخوفك ، وتخويفه باطل وأحياناً يَعِدُكَ بالفقر ووعده باطل ، و القضية ليست قضية فكرة تتعلمها بل القضية قضيةٌ مصيرية ، فإن كان لك مبلغ في حلب كبير جداً ، ولن تقبضه إلا من الساعة الثانية عشرة حتى الساعة الواحدة من يوم السبت، وهذا المبلغ إذا قبضته يحل كل مشكلاتك ، فإن توجهت إلى المحطة ، وركبت قطاراً يوصلك إلى حلب ، وصلت إلى غايتك ، لكنك قد تخطئ وأنت راكب في هذا القطار عشرات الأخطاء ولكن ما دام هذا القطار في طريقه إلى حلب وسوف تصل إلى هذه المدينة قبل الساعة الثانية عشرة، فأنت في الحق ، أما إذا ركبت قطاراً متجهاً إلى درعا في مسار معاكس لمدينة حلب فهذا القطار باطل لأنه لن يوصلك إلى هدفك ، إنه قطار ولكن يتجه بك إلى عكس هدفك ، و أنا أحاول أن أبدد كل حيرة من أجل توضيح هذا الأمر لأنه دقيق وعميق جداً ، وقد يحتاج الإنسان لتوضيح الحقائق إلى ضرب الأمثلة .

الله هو الحق ، و هذا الكون لأنَّ الله خلقه هو حق ، وكذلك لأنه موجود فهو حق و لكن هذا الشيء ممكن الوجود ، فيمكن أن يكون ويمكن ألا يكون ، لكن الله سبحانه وتعالى واجب الوجود ، وأن تعتقد بوجوده فاعتقادُكَ حق ، وأن تُقِرَّ بوجودِهَ فإقرارُكَ حق ، وإذا اعتقدتَ بأنَّ زيداً من الناس بإمكانه أن ينفعك فاعتقادُكَ باطل ، أو بإمكانه أن يضركَ فاعتقادُكَ باطل ، وإذا قلت هذا فقولك باطل ، فصار الموجود هو الحق ، والاعتقاد بالوجود هو الاعتقاد الحق والإقرار بالوجود هو الإقرار الحق ، وهذه الفكرة النيّرة تقودنا إلى فكرةٍ أخرى ، بأنَّ الحق في الكون لا يتعدد ، بل أن الحق واحد ، لقولِهِ تعالى :

(سورة يونس آية 32)

فإن اعتقدتّ أحدٌ خِلاَف ما في هذا القرآن فهو بالدليل القطعي ضال ، وعليه أن يقيل عثرة نفسه .

و إذا اعتقد أن الأجل بحسب العناية بالصحة ، والعناية بالصحة واجب ، فإذا اعتقد أن الأجل متعلّق بذلك فهذا اعتقادٌ باطل ، لأن الإنسان لا يموت إلا إذا انتهى أجله .

أخٌ كريم من إخواننا الكرام حدثني قصة ، فقال أنا وُلِدتُ في بيتٍ ولي عمان فوالدي له غرفة ، وعمي له غرفة ، وعمي الآخر له غرفة ، وفي الساعة الرابعة من يوم الثلاثاء ولدت في غرفتنا و الغرفة الملاصقة لها هي غرفة عمي ، وفيها زوجته ، وقد أصيبت بمرض عضال خطير ، وأستُدعي أربعة أطباء لمعالجتها ، ومن غرائب المصادفات أن الأطباء الأربعة اتفقوا على أنها لن تعيش أكثر من ساعة . فأنا ولدت وكبرت وترعرعت ودخلت المدرسة ، وتخرجت فيها وعملت مع والدي ، وتوفي والدي ، وتزوجت ، وانتقلت من بيت إلى بيت إلى بيت ، واشتريت آخر بيت وهو الذي أسكنه وأقيم فيه ، وأصبح عمري خمسة وأربعين عاماً وجاءت زوجة عمي لتزورني قبل أيام . فرغم قول الأربعة أطباء أنها ستموت بعد ساعة ، فلقد عاشت بعد ذلك خمسة وأربعين عاماً ، إذاً كلام الأطباء باطل .

إن الطبيب له علم يدل بـــــه إن كان للناس في الآجال تأخير

حتى إذا ما انتهت أيام رحلته حار الطبيب وخانته العقاقيـــــر

عزيزي القاريء ؛ هل تعرف من البطل ؟ البطل هو الذي يأتي اعتقادُهُ مطابقاً للواقع ، ويأتي حديثه مطابقاً للواقع ، وتأتي حركاته مطابقة لمنهج الله عز وجل ، ولنا مثل في آلة غالية الثمن ، معقدة التركيب ، عظيمة النفع ، وأنت حريص حِرصاً لا حدود له على أن تستعملها وَفْقَ تعليمات الشركة ، فكيف بك وأنت المخلوق الأول ؟ .

إذاً : كلمة ( حق ) ذات شأن وخطر وإني لأتمنى على كل أخ أن يراجع نفسه وحقيقة أفكاره عن الدين ليتبين هل هي صحيحة ؟ وهل معتقداته صحيحة ؟ وهل تصوراته عن الله صحيحة ؟ وهل مُعتقده بالنبي عليه الصلاة والسلام صحيح ؟ وهل آراؤه في القضايا المعاصِرة صحيحة ؟ وما قيمة رأيك أنت ؟

ذكرت ذات مرةً أنه قد جرت حرب أهلية في بلد مجاور ودامت أربعة عشر عاماً ، وانتهت والحمد لله هذه الحرب الأهلية ويُمكن وقد مضى عليها زمن ، أن تُفسر تفسيراً عربياً فنقول : هذا البلد أصبح ساحة صِراع للقِوى العربية ، ويمكن أن تُفسر هذه الأحداث الدامية تفسيراً طائفياً ، كما يمكن أن تُفسر تفسيراً دولياً ، إنه مركز مالي قوي جداً نافَسَ مراكِزَ أُخرى ، ويمكن أن تُفسر تفسيراً قرآنياً ، دينياً ، إلهياً ، قال تعالى :

(سورة النحل)

هذا التفسير الديني ، تفسير خالق الكون لما حدث ، فأي هذه التفاسير هو الحق ؟ إنه التفسير الديني .

إذاً : إذا توجهت إلى تفسيرات أخرى فتكون في باطل ،لقد حصل زلزال ، فهُدمت مدينة بأكملها ، هناك تفسير ساذج إذا يقال : إنه تصدع بالقشرة الأرضية أو التواءات داخلية ، فهذا تفسير علمي ، ولكن هذا التفسير لا يتناقض مع التفسير الديني ، قال تعالى :

(سورة هود)

فلن تكون بطلاً إلا إذا استطعت أن تتعرّف إلى الحق ، وأن يكون اعتقادك حقاً ، وأن يكون كلامُك حقاً ، وأن تكون حركتُكَ حقاً .

وإذا كنت تعاني من مشكلات ، وأن تفسِّر هذه المعاناة بقلة الحظ ، فهذا تفسير باطل ، وهناك تفسير آخر أن تقول لي حُسّاد كثيرون رموني بحسدهم ، وهذا تفسر باطل أيضاً ، لأنَه لا يستطيع أحد أن يَضُرَّ أحداً ، إلا إذا كان مستحقاً أو غافلاً ، ولكن إذا قلت ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، وما يعفو الله عنه أكثر ، فهذا التفسير حق ، وأنت في اليوم الواحد أمام آلاف المقولات الباطلة ، فالبطولة أن تتعرف إلى الحق وأن تعتقد الحق ، وأن تَنطِق بالحق ، ولن تكون على حق إلاّ إذا عرفته، ولن تعتقد به ، ولن تَنطِق به إلا إذا عرفته ، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام : " أصل الدين معرفة الله " .

ومثلاً عن أصحاب الصنعات ، فلو فرضنا إنساناً تصرّفَ في صنعته تصرُفاً خاطئاً ، فنقول إن هذه الطريقة باطل ، ولو أشاد إنسان بناء على الشاقول ، فسوف نقول هذا البناء حق لأنه سيستمر ، ولو أشاد بناء بلا شاقول فنقول هذا البناء باطل ، لماذا ؟ لأنه سيسقط وينهار . فما هو الحق إذاً ؟ ؛ هو الشيء الموجود ، ولكن يجب أن نضيف إلى ذلك شيئاً فعندما قال ربنا :

(سورة الحجر)

(سورة الروم آية 8)

وآية :

(سورة ص)

الباطل : هو الشيء الزائل ، والحق : هو الشيء الموجود الثابت و من معاني الحق الشيء الموجود الثابت ، والآن سنضيف شيئاً، الموجود حق ، أمّا الدرجة الأعلى ، فواجب الوجود ، والدرجة الأعلى كذلك فدائم الوجود ، فواجب الوجود ودائم الوجود ، وهناك أعلى من ذلك ، ولا موجود آخر معه ، إنه واحد في وجوده ، ثم انتهينا إلى درجة أعلى : كامل في وجوده. فهو واجب ودائم وواحد وكامل ، هذه حقائق ثابتة عن الله عز وجل .

الله موجود ، بل هو واجب الوجود ، بل هو أبدي الوجود ، لا شيء بعده ، وهو واحد في وجوده ، وكامل في وجوده . فإذا عرفته بهذه الصفات فقد عرفت كل شيء ، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء ، ووالله ما حصَّلتَ شيئاً ، ولو ملكت أموال الدنيا ، أو ارتقيت إلى أعلى مكانة في الحياة ، ولو حصلت كل الشهوات وما عَرَفَتَ الحق ، فلست بشيء ، لأنَّ وجودُكَ ليس ذاتياً ، فلو كان وجودُكَ ذاتياً فليس هناك مانع ، لكن وجودك مرتبط بواجب الوجود ، فإذا شاء واجب الوجود وهو الله أن يُلغي وجودك فعندئذٍ نتهي أمرك كله .

لقد كنا مدعوين إلى عيد مولد في أحد مساجد دمشق ، والذي دعاني وقدم لي بطاقة الدعوة ، أحد إخواننا الأكارم ، فتوجهت إلى مكان الحفل ، وفي مدخله رجال عديدون يقفون لاستقبال المدعوين ، صافحتهم واحداً واحداً ، وسألت الذي دعاني في الطريق ، من الذي أشرف على هذا المولد ، قال لي: عمي فلان والد زوجتي ، قلت له أين عمك ؟ ، قال هو في الداخل فلما دخلت صحن المسجد ، رأيت رجلاً مُكتمل الرجولة ، يرتدي الثياب الأنيقة مورد الوجه نشيطاً ، ولم أكن أعرفه من قبل ، فرحّبَ بي ترحيباً حاراً ، وأفاض ، فدخلت إلى مكاني في الحفل ، وكان أحد الإخوة الأكارم يلقي كلمة ، وأثناء إلقاء كلمته ، تحرك اثنان من المدعوين ، فما فهمت لِمَ تحركا ، ثم ألقيت كلمتي التي استغرقت عشرين دقيقة ، وبعد أن أنهيت كلمتي ، جاء رجل وهمس في أذني أن هذا الذي استقبلك في صحن المسجد قد توفي ، وما استمع إلى كلمتك .

لا تعجب فأنت ليس واجب الوجود بلأنت ممكن الوجود ، والدليل واجب الوجود أنهى وجوده ، بثانية ، فقد كان ينتظر أن ألقي كلمة ، فما استمع إليها ، وبعد أن دخلت وقع ومات ، و نحن والله لم نُصدّق ، أُنهِيَ الحفل ، وذهبنا إلى المستشفى ، ودخلنا إلى غرفة العناية المشددة فإذا هو مسجى ، قد فاضت روحه إلى بارئِها ، فأنت ليس واجب الوجود بل ممكن الوجود ، وأنت ليس حقاً ، فالله هو الحق ولو كنت حقاً لسرى عليك قوله تعالى :

(سورة الواقعة)

نعم . إنني مدين ، وكلنا مدينون .

وإذا هطلت الأمطار عمت الفرحة وشملت العباد والبلاد ، لكن لو أن السماء انحبست،فما مصيرنا ، وما وجودنا ؟ إذ ستجف الآبار والأنهار ، والنباتات تصير إلى الذبول واليبس ، والسؤال الذي يطرح نفسه ، فهل وجودنا ذاتي ؟ لا ، نحن وجودنا متعلِّق بمشيئة واجب الوجود ، وفي المطر ، وفي كل شاردة وواردة ، وفي كل صغيرة وكبيرة .

وكم يكون هذا الإنسان غبياً إذا ظنَّ أنه موجود وأنه واجب الوجود وأنه يعمل وأنه يكسب المال ، فهذا هو الباطل ، وهو اعتقاد باطل ، فأنت كُلما تعرفت إلى الله صَغُرَت نفسك في عينك وكَبُرَ في عينك الله سبحانه وتعالى ، فمن هو المؤمن إذاً ؟ الذي لا يرى إلا الله .

(سورة الفتح)

(سورة الأنفال)


(سورة هود)

(سورة هود)

قد تسأل ؛ لماذا يتكلم فلان بما ليس قانعاً به ؟ .. لأنه لم ير أنَّ الله هو كل شيء ، فلعله رأى الله عظيماً ، كما رأى فلاناً عظيماً ، فهو يرى أن زيداً وعُبيداً وفلاناً بإمكانهم أن يفعلوا و يرفعوا و يخفضوا، و ينفعوا و يضروا ، و كلما نقص توحيدك ازداد شِركُك ، فاعتقادك غير صحيح .

فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

فالقضية أخطر بكثير من أننا استمعنا إلى محاضرة فذة معانيها مقنعة ، مؤثرة ، هادفة ثم تفرقنا إلى بيوتنا ، إن جلل ، فالأمر يتعلق بحياة أبدية ، فهل أنت على حق وهل اعتقادُك حق، وهل تصوراتك حق ، أو أفعالُك حق ، ومواقِفُك حق ، و هل أعطيت بالحق أم بالباطل؟ و هل منعت بالحق ؟ وغضبت بالحق ؟ و رضيت بالحق ؟ .

هناك غضب بالحق ورضى بالحق ، وإعطاء بالحق ، وصِلة به أو قطيعة ، وحينما تعرف الحق أنه واجب الوجود وأنه أبدي الوجود وأنه واحد في وجوده ، وكامل في وجوده ، و لا موجود سِواه ، وإليه المصير ، فعندئذٍ تقطع كل العلائق مع أي كان ، وتتجه إلى الخالق . فالقضية أخطر بكثير من أن الإنسان حضر مجلس علم ، وأخطر بكثير من أنه صلى ركعتين ودفع ليرتين ، لأن الأمر أمر مصير أبديٍّ ، والقضية قضية حق أو باطل ، قال تعالى :

(سورة يونس)

وشيء آخر ثم اعلم أيها القاريء العزيز أنك لو اعتقدت اعتقاداً ليس قطعياً ، إذ سألك سائل : هل أنت مؤمن بالجنة ؟ فقلت : والله أغلب الظن أن هناك جنة ، فهل علمت أن هذا اعتقاد باطل ، ولن يغنيك شيئاً وهل أنت مؤمن أنَّ الله عز وجل سيسألك عن كل صغيرة وكبيرة ؟ فقلت : لن يُدقق ، ولن يحاسبنا إلا على قدر عقولنا .. فهذا اعتقاد باطل أيضاً ، وهل أنت مؤمن بقوله تعالى :

(سورة الزمر)

فالله سبحانه يخاطب النبي ، أي يا محمد ، أفمن حقت عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار .

وقد تقول كما يقول بعضهم : لقد حكى لنا فلان حفظه الله ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يدخل الجنة حتى يُدخل كلَّ عصاة أمته ، فنحن إذاً والحمد لله مصيرنا معروف ، فهذا اعتقاد باطل وإن هي إلا أماني ، وإن هم إلا يظنون . ولا بد من مراجعة حساباتك ، إذ الإنسان أحياناً ومن خلال دروس في المساجد متقطعة ، ومن خلال خُطب غير دقيقة ، ومن خلال أقوال في جلسات غير صحيحة ، فيتسرّب الباطل إلى ذهنه وعند ذلك سوف يتصرف بالباطل . فمثلاً لِمَ تغش يا فلان ؟ فيقول : أنا عندي أولاد والنفقات باهظة فماذا أفعل ؟ فهذا كلام باطل ، إذ غاب عن ذهنه أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ، وإن لكل حسنةٍ ثواباً ولكل سيئةٍ عِقاباً ، فأولى بك وأجدر أن تُنقّح عقيدتك من كل غلط اتهم به الأنبياء :

(سورة يوسف)

فتبادر إلى القول : هذا نبي ولن يقع في الزنا ، وإن هذا اعتقاد باطل ، وهو التفسير للآية باطل " وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا "، همت بجذبه فهَمَّ بدفعها ، أو تقرأ : ولقد همت به وقف . ثم تقرأ : وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ، فهذا هو التفسير الحق ، عن الأنبياء .

الله عز وجل يلقي نوراً في قلب المؤمن يُريهِ الحق حقاً والباطل باطلاً ، أما بعض التفاسير تورد أنه رأى أباه في المحراب فقال له إياك ، فهذا لا يستقيم ، فنحن نريد التفسير الحق.

(سورة السجدة)

فيجب أن تفهم القرآن فهم حق وليس فهم باطل ، وأن تفهم كلام النبي فهم حق :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ *

(صحيح مسلم)

ماذا يعني بهذا الحديث ؟ هل تقترف الذنوب جزافاً ؟ ليس هذا هو المعنى ... المعنى إذا بلغتم درجة لم تشعروا بذنوبكم فأنتم موتى ، لذَهَبَ الله بكم فمن أمضى سهرة بالغيبة ونام مرتاحاً، فالنبي الكريم قال:

" الغيبة أشد من الزنا " .

( رواه ابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي مرفوعا)

فإذا ارتكب الإنسان المعاصي ولم يشعر بشيء فهو ميّت ، أما المؤمن فيملأ الليل بالعمل الصالح ، فيجب عليك أن تكون عقيدتك صحيحة ، عن الله عز وجل ، والله قال :

(سورة آل عمران من الآية154)

وهناك خلق كثير أكثر أفكارهم عن الله ورسوله مغلوطة ، وأكثر تصوراتهم و معتقداتهم خاطئة ، فمثلاً يقولون : إن رسول الله كان ماشياً في الطريق فطرق باب زيد ، ففُتِحَ الباب ، وبدت زوجته زينب من دون ثياب وقد وصل شعرها إلى أسفل ظهرها فأُعجب بها النبي وقال سبحان الله ، سبحان مُقلّب القلوب !.. من قال لك إن هذه القصة صحيحة ؟ من قال هذا ؟ فهل نبي عظيم يفعل هذا ؟ فأنت إن كنت مؤمناً فلن تفعله ، لذلك فهذه الخرافة باطلة ، مدسوسة دساً على الإسلام ونبيه .

(سورة الحجر)

ويزعم أحدهم أن امرأة حسناء صلّت بين الصحابة ، وهل يعقل أن تصلي امرأة بينهم ؟ و هي وضيئة و حسناء ، وبعضهم صلى خلفها ليرى محاسنها في أثناء الركوع والسجود وبعضهم صلى أمامها ، فنزل قوله تعالى : " وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ "، إنه تفسير باطل ، وقول سوس والصحابة أعظم من ذلك، وهؤلاء أصحاب رسول الله ، فأنت ينبغي أن تعرف الحق ، وأن تعرف ما يليق بالحق ، وأن تعرف أسماء الله الحُسنى وصفاته الفُضلى ، ويجب أن تعرف ما يليق بالأنبياء ..

أما عن النبي داوود فيقولون : عنده تِسعَ وتسعونَ امرأة ، وأحب زوجة أحد قوّاده ، فقال قدموه قدموه في الحرب لعله يموت ونأخذ زوجته ، فعاتبه الله عز وجل وقال يا داوود أعرض عن الهوى ، هذا تفسير غير صحيح ، والصواب أن سيدنا داوود انشغل بعبادته عن حل مشكلات الخلق ، فأرسل الله له ملكين تسورا المحراب ، وافتعلا خصومة وسمع من الأول ولم يسمع من الثاني ، وقال للأول متسرعاً : قد ظلمك ، ليعود إلى مصلاه ، فالهوى الذي نهي عنه هوى رفيع ، هواه في الإقبال على الله عز وجل فيجب أن تُفسّر التفسير الذي يليق بالأنبياء ، ويليق بهذا الدين العظيم ، ونحن نريد أن نعتقد اعتقاداً صحيحاً ، ونقول قولاً صحيحاً ، وأن نُطبّق تطبيقاً صحيحاً لنكون على الحق .

وأعود فأقول : الحق ؛ هو القول المُطابق للواقع بدليل ، أنك إذاً لا تقبل كلاماً غير صحيح ، لا يُطابق الواقع ، إذ هناك دجالون كثيرون ، يزخرفون القول فيدعون مثلاً أن هذه علاقتها مع زوجها سيئة، فيقولون لها ، إنك تحتاجين إلى خروف أسود وأبيض ، تذبحينه لكي يحبك ، فهذا كلام باطل ، كله دجل وكذب ، وليعلم كل مسلم أن بين أظهرنا كتاب الله القرآن الكريم ، فالنأخذ بما فيه ، إذ به انتصر الصحابة وفتحوا الأمصار ، ونشروا الإسلام ، والبعض يدعون إلى الله عز وجل عن طريق ضرب الشيش مثلاً ، فماذا أفاد المسلمين ؟ ما أفادوهم بل ضلّوهم ، ولو أن مريضاً يشكو آلاماً مبرّحِة في المعدة ، وزار طبيباً ، فقال له انتظر ، ونصب حبلاً في العيادة ، وصعد يمشي عليه فرأى المريض أعمالاً خارقة ، وهو مريض ويحتاج إلى دواء وعلاج ، فماذا يستفيد إذا سار الطبيب على حبل وكان بهلواناً .

سردت هذه الأمثلة وأطلت لأننا بحاجة إلى علاج ، وإلى راحة نفسية وإلى توازن ، وإلى سعادة و إلى حقيقة ثابتة لا تكشف الأيام أنها زائفة ، ويمكن أن يعتقد المرء اعتقاداً ما إلى أمدٍ طويل وفي النهاية يظهر أن هذا الاعتقاد باطل ، و لا أساس له من الصحة ، وما سبَّبَ إلا دمار الإسلام والمسلمين ، إذاً كلمة الحق ، الله هو الحق .

لابد من أن يعرف المسلم أن اعتقادكَ إذا كان مُطابقاً للواقع فهذا الاعتقاد حق وأنَّ قولَكَ إذا كان مُطابقاً للواقع فهذا حق .

وما قولك إذا ركب أحدهم سيارة ، فقيل له لمَ هذا الضوء وما فائدته ، وهو ضوء صدر عن ساعة الزيت ، فأجاب : إنه يتألّق ليُسليّك في الطريق ، وليس له غاية أخرى ، فهذا التفسير صحيح أم غلط ؟ وهل التصديق صحيح أم غلط ؟ وهل الكلام صحيح أم غلط ؟ كله غلط ، لأنَّ هذا لو تألّق وبقيت ماشياً لاحترق المحرك ، فيكلفك خمسين ألفاً ، أما لو تألّق ووقفت مباشرةً فيُكلِفُكَ مائة ليرة فقط .

يجب أن تكون معلوماتك ، وتصوراتك ، واعتقادك ، ومواقفك، وعطاؤك ومنعك وصلتك وقطيعتك وغضبك وسرورك ، كله بالحق ، والنبي كان يمزح ولا يمزح إلا حقاً ، فيمكن أن تمزح و لكن مزح حق ، لا خدشاً لمشاعر إنسان ، ولا تحقيراً لأحدٍ ولا تحقيراً لحِرفة أو مهنة، ويمكن أن تروي طُرفة ممتعة وأنت صادق وبحق ، فالنبي كان يمزح ، ولا يمزح إلا حقاً.

كلمة " حق " أتمنى على الله عز وجل أن تكون واضحة ، وبالقرآن وردت مئات المرات ، والله هو الحق ، أما معنى إحقاق الحق، وأنَّ كل ما سِوى الله لا وجود له إلا بالله ، وفي أية لحظة إذا أراد الله لشيء أن يزول فإنه يزول ، كن فيكون زُل فيزول ، إذاً ما سِوى الله مُمكن الوجود وإذا وُجِدَ فبالله ، وإذا استمر فبالله ، وإذا انتهى فبالله ، و هناك دعاء للنبي عليه الصلاة والسلام : " اللهم أنا بك وإليك " . موجز أنا بك : يعني قائم بك ، والله سبحانه ماذا قال ؟ قال : قل اللهم مالك الملك، مالك الملك ، وكل شيء يُمَلَّك فالله مالكه فعينك ملكه ، وأنت ترى بها ما دام قد سمح لك أن ترى بها ، وفي أية لحظة لو شاء أن تفقدها لفقدتها بلا سبب فالله حق .

والسمع يُمَلَّك ، والأصل أن الله مالكه ، واللسان يملك ، حدثني أخ قال لي : بمشفى الأمراض العقلية ، هناك مهجع خطير جداً ، رقم 6 هذا المهجع نزلاؤه كما خلقهم الله عز وجل ، يمزقون كل ثيابهم، ويأكلون من نجاساتهم ودمائهم وشعورهم ، أي شيء يوضع في هذا المهجع يُتلف ، أقوياء البنية ، لكن عقولهم معطّلة ، فأنت لك مركز ، ولك عمل ، وتُتقن حرفة ، وأنت قائم بالله ، فلو أخذ ما أوهب انتهيت ، وبيتك أنت عمرته ، ورتبته وزيّنته فلو صار في عقلك خلل ، فأهلك يطرقون أبواب المسؤولين حتى يسمحوا لهم أن يضعوك في مستشفى الأمراض العقلية ، ويتوسلون ويرجون . بينما كنت أنت الأب وأنت مالك البيت ، وأنت الذي اشتريته ورتبته ، لكنك الآن سلبت مل ما تملك ، وفي أية لحظة قد يفقد الإنسان عقله ، أو يفقد بصره ، أو سمعه . و أنت عندك كليتان تعملان بانتظام ، وإلى الآن لم يعرف الطب سبب هبوط وظائف الكليتين الفجائي ، فجأةً تقف الكليتان عن العمل ، فتصبح الحياة جحيماً ، لا يُطاق ، فيعرض على الطب كل أسبوع مرتين ، وكل مرة سبع ساعات ، مرة بهذه اليد ومرة بالأخرى ، ومرة بالقدم ، ويبقى بالمئة عشرون من حمض البول ( الأوريه ) بالدم ، تُسبب لك مواقف عصبيّة صعبة ونرفزة وضيق نفس ، أين آمالك ، هل تملك كليتيك لا والله ، وهل تملك دسام القلب لا والله ، وهل تملك الشرايين التاجية وأن تبقى واسعة ، وعندما تضيق تمشي مترين فتقع ولا تستطيع أن تُكمِل سيرك .

قال لي أخ : كنت أصعد إلى الطابق الرابع بسهولة فصرت إلى الثالث أتعب ثم إلى الثاني ، ثم إلى الأول ، ثم بعد درجتين أتعب ، أجريت له عملية بكلفة مليون وما نجحت ، فهل أنت تملك شرايين قلبك؟ لستَ بمالِكِهِا ، وهل تملِك البنكرياس لتعطيك الأنسولين بشكل منتظم ؟ إنك لا تملكه ، وإذا قصّرَ بواجبه هرولت مستغيثاً . أدركوني . أدركوني.

لي قريب في ريعان شبابه ، أصيب بفقر الدم ، وهو من أسرة غنية ، وغذاؤه جيد والكريات ثلاثة ملايين بالميليمتر المكعب ، كان يدرس الطب في الجامعة ، إلى أن اكتشف أحدهم أنه يوجد خلل في الطِحّال ، فأخذوا عينة إلى المخبر ، فوجدوا الطِحال ليس مُقصِّراً .. بل يقوم بنشاط زائد ، و الطحال مهمته إذا وجد كرية ميتة يحللها إلى هيموغلوبين وإلى حديد ، فيرسل الحديد بطرود بريدية إلى نقي العظام ليُعاد تصنيعه مرةً ثانية ، ويُرسل الهيموغلوبين إلى الكبد ليكون الصفراء فصفراء الكبد ، وحديد نقي العظام أساسه تحلل كريات الدم الحمراء الميتة ، فهذا الطِحّال نشيط بزيادة .. وكلما مات ميت أخذ كفنه فذهبَ إلى حي وقتله وأخذ ملابسه ، هذا الطحال يقوم بنشاط زائد عن نشاطه الحقيقي ، ووقضى الشاب لسوء عمل الطحال . بل قل إنتهى أجله . والله حق .

فأنت حياتك مرهونة بسلامة الطحال بحيث لا يزيد نشاطه والأنسولين لا ينقص والدسام ألا يخطئ والشريان ألا يضيق ، والكلية ألا تقف ، والأعصاب والعضلات ، واعلم أن نقطة دم في الدماغ تسبب الشلل ، وأنتَ لا تملِكُ شيئاً :

(سورة آل عمران)

وأما عن وجودك أيها الإنسان وسعادتك ، فأحياناً يعطيك الله الدنيا مع الإنقباض ، فكل المال ليس له قيمة ، ولو أعطاك المال وسَلَبَ مِنكَ الطُمأنينة فحياتك في قلق ، ولو أعطاك المال وسَلَبَ منك الصحة ، أو الاستقرار والشعور بالأمن ، فحياتك لا قيمة لها ، قال تعالى :


(سورة الأنعام)

أيها القاريء الكريم : أهم ما في حياتك أن تعرف الحقيقة ! ابتدأتُ الحديث معك أن لو كان لديك آلة وأنت مضطر لتشغيلها ، وهي تحتاج إلى طاقة كهربائية ، فتوجهت إلى مأخذ لا طاقة فيه ، فهذا المأخذ باطل ثم توجهت إلى آخر فكان المأخذ الآخر صالحاً ، إذاً هو حق ، فالحق الشيء الموجود ، بل هو واجب الوجود ، و دائم الوجود ، و واحد في وجوده ، و كامل في وجوده ، فهو واجب دائم واحد كامل ، واعتقادك هذا حق ، واعترافك هذا حق .

لذلك أعود فأقول : إن ( الحق ) ؛ كل قول وافق الواقع بدليل، أما بلا دليل فصار تقليداً فإذا قال أحدهم أشهد أن لا إله إلا الله ، فحقيقة الكلام حق ، وما الدليل ؟ إنه لا يعرف ، فهذا كلام بلا دليل ، فالحق أن يأتي كلامك مطابقاً للواقع مع الدليل.

وبعد ، لو كان اعتقادكَ بالحق اعتقاداً غير قطعي ، فلا قيمة له ، قال تعالى :

(سورة البقرة)

(سورة الحجرات)

فلو كان في اعتقادك ارتياب ، أو تردد ، أو عدم قطع ، أو كان اعتقادك بالشيء ثلاثين بالمئة فما دون فهذا اسمه وهم ، وإن كان اعتقادك خمسين أو حول خمسين بالمئة فهذا اسمه شك، وإذا كان اعتقادك سبعين بالمئة فما فوق فهو ظن ، ولو كان اعتقادك تسعين بالمئة فهذا أطلقوا عليه " غلبة ظن " ، أمّا إذا كان مائة بالمائة ، فهذا هو الحق و إيمانك بالجنة والنار والحساب لابد أن يكون قطعياً ، وأن المُرابي سوف يَمحَقُ الله ماله وأن الزاني سوف يَفتقر ، وأن الذي يُطلق بصره لا بد من أن يشقى في بيته ، وأنَّ الذي له مال حرام سوف يُتلفه الله ، وأن هناك وقفة بين يدي الله عز وجل ، فإذا اعتقدت بهذه الأمور اعتقاداً قطعياً جازماً مائة في المائة ، فأنت على حق ، فالحق لا يتناسب معه الظن ، ولا غلبة الظن ولا الشك ولا الوهم ، قال المعري :

زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تحشر الأجساد قلت إليكمــــا

إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكمـــا

هذه عقيدة باطلة ، وقولهم إذا كان هناك آخرة نجونا ، وإن لم توجد فما خسرنا شيئاً ، فهذا ليس ديناً ، بل هو شك ؛ وعدم تصديق بكلام الله .

الحق لا يتحمل وهماً ولا شكاً ولا ظناً ولا غلبة ظن ، ولا يناسبه إلا القطع .

أكرر : الحق هو كل قول مقطوع به ، موافق للواقع ، وأي قول خالف الواقع فهو باطل فيمكن أن تنفي عن الدين آلاف الأفكار ، وآلاف المعتقدات الزائفة ، وآلاف القصص الباطلة ، وكل شيء خالف الواقع كذلك .. عزل سيدنا عمر سيدنا خالداً ، هذا الذي خاض مائة معركة أو زهاءها وفي كل هذه المعارك كان منتصراً ، ففي كثير من كُتب التاريخ يَقول مؤلّفوها: كان بينهما حزازات في الجاهلية ، فلما صار خليفة شفى غليله وعزله ! أهكذا كان أصحاب رسول الله ؟! لو كانوا كذلك والله الذي لا إله إلا هو ما خرجوا من مكة ، ولم يفتحوا مصراً واحداً .. وأنت تسمع تفاسير كثيرة جداً حول عزل عمر لخالد ولقد عثرت أخيراً على تفسير حق ، جاء سيدنا خالد إلى سيدنا عمر ، فقال له، يا أمير المؤمنين لِمَ عزلتني ، فقال : والله إني أحبك يا أبا سليمان ، فقال : ِلمَ عزلتني ، فقال : والله إني أحبك ، فقال : ِلمَ عزلتني ، قال : والله ما عزلتك يا ابن الوليد إلا مخافة أن يُفتتن الناس بك ، لكثرة ما أبليت في سبيل الله .

" كاد الناس يظنون أنك أنت الذي تنصرهم ، خفت على العقيدة ، فأردت أن أريهم أنني لو عزلتك يبقى النصر ما دمتم مؤمنين هذا التفسير للحادثة يليق بسيدنا عمر ، ويليق بسيدنا خالد ، وهذا تفسير حق "

وأحياناً تقرأ تفاسير للأحداث وتقرأ قصصاً غير صحيحة وغير معقولة ، فتهتز بها الصورة المتألقة للصحابة الكرام ، وهذا من عمل الشيطان وأهل الزيغ والباطل .

إذاً : الحق لا يقبل الشك ولا الوهم ولا الظن ولا غلبة الظن ، ولا يقبل إلا القطع .

ونسمع من يقولون في زماننا : إن هذا الكلام واقعي إلى حد ما ! فقولهم : " إلى حدٍ ما " ليس حقاً ، بل يحمل كل معاني الشك ، وواقعي بالمائة ثمانين فليس حقاً ، وواقعي بالمائة خمسين فليس حقاً ، وواقعي نوعاً ما ، فليس حقاً الحق واقعي مائة بالمائة ، دائماً وأبداً .

وهو ما كان مقطوعاً به ، وموافقاً للواقع ، وعليه دليل ، ولو ألغي الدليل لصار تقليداً ، ولو اعتقدت تقليداً فعقيدتك غير مقبولة .

وإذا قبلنا التقليد بالعقيدة ، كأن يقول لك إنسان : الله عز وجل ليس رحيماً وهذه الكوارث والمصائب والأمراض دليل على ذلك . فتقول صحيح وأنا سأقلدك الآن ، فإذا كان يوم القيامة ، فيقول لك الله عز وجل، لِمَ اعتقدت أنني غير رحيم تقول: يا رب أنا قلدت فلاناً هو قال كذلك فصدقته ، فيقال لك : أين عقلك ؟ لذلك لا يمكن أن تقبل من الإنسان العقيدة بالتقليد ، فلا تقبل بلا دليل ولا ترفض بلا دليل ، بل عود نفسك المنهج العلمي ، فإن حدثك أحد بقصة ، فقل : ما مصدرها ؟ وإذا كنت ناقلاً فالصحة ، إذا كنت مدعياً فالدليل ، ولا يبنى شيء على أغلب الظن:

(سورة الحجرات)

الحق يحتاج إلى دليل ، وإلى مطابقة للواقع وإلى قطع ، فإذا استطعتَ أن تعمل مراجعة لِكُلّ أفكارِك وكُل مُعتقداتِك وكُل تصوراتِك حتى تجعل منها كلها مطابقة للواقع قطعيّة الثبوت وعليها دليل فأنت من الفائزين ، وإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " يا ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا " .

فالله هو الحق ، وكلامه هو الحق ، والجنة حق ، ومعنى حق موجودة ، والنار حق ، والحِساب حق ، والعذاب حق ، والصِراط حق والحوض حق ، وغضُّ البصر حق ، فما معنى حق ؟ أيْ لو طبقته عملياً لقطفت ثماره ، والأمانة حق ، فلو كنت أميناً لوثِقَ الناس بك فالأمانة غنىً ، وأي شيء تُطَبِقُهُ ، تقطِف ثِمارَهُ ، فالوقت ثمين وغال والحياة لا تحتمل إلا التطبيق ، وإن كنت من رواد المساجد ، فإن لم تطبق ما تتعلم فلن تقطف شيئاً ، وتكون كل حركاتك عشوائية ، والتطبيق هو الجانب العملي . قال تعالى : وقل اعملوا .

وهذا الكلام مؤداه خطير ، فمؤداه أن تتعامل مع الدين تعاملاً جديّاً ، فتصل إلى الغاية والهدف .

ثم انظر ملياً فحينما تقول إن في الدار الآخرة أبدية والحياة الدنيا زائلة فهل عملك يتوافق مع اعتقادك ؟ قد يكون الاعتقاد حقاً ولكن التطبيق باطل ، وهل تقبل من طبيب أن يقول لك ، إيّاك والدخان فإنه سرطان في الرئة وضيق في الشرايين ، وجلطة وهو يُدخن أمامك ، فهذا كلامه باطل ولو كان يوقن بما يقول ما فعل هذا .

إذاً : كلمة " حق " مدلولاتها كبيرة جداً ، فالله هو الحق ، ومعنى هو الحق ؛ لابد من أن يظهر الحق ، وإن كنت على حق فلابُدَّ من أن ينصرك ولو بعد حين ، أما إن كنت على باطل فلا بد من أن يّخذِلَك ولا بُدَّ من أن يَفضَحك ، فكُنّ مع الحق أبداً ، وإلاّ فهناكَ خذلان وفضيحة ولكن المشكلة ، التي أتمنى من الله عز وجل أن تكون واضحة عِندَ كل مسلم ، هي أن الله عز وجل يُرخي الحبل ، ومعنى يرخي الحبل ، أي يمهلك إلى أمد بعيد أن تفعل ما تشاء وأنت سالم، وتتصرف باختيارك ، ولو عاجلك بالعقوبة عند كل خطيئة لاستقمت ولكن استقامتك ليسن عن حبٍ لله عندئذ ، ولا عن طاعةٍ له ، بل تستقيم خوفاً منه ، وعندئذ أنت لست مخيّراً بل مسيّرٌ، و معنى مخيّر أي يمكنك أن تأكل مالاً حراماً وتستمتع به سنوات طويلة وبعدئذ تلق العقوبة المرة ، وتنوء تحتها وقس على ذلك الشيء الكثير من الحرام .

قال تعالى :

(سورة التكاثر)

كذلك إذا رأيت دخاناً وراء جدار فستحكُم مائة بالمائة أنه لا دُخان بِلا نار ، ثم ذهبت إلى خلف الجدار ، فرأيت لسان اللهب ، فمشاهدة الدخان عِلمُ اليقين ، وعندما وقعت عينك على ذات النار فهذا عين اليقين ، فإن قربت يدك منها فلسعتك بحرارتها فهذا حق اليقين ، الحق مائة في المائة وهو يقين ، عِلمُ اليقين وعين اليقين وحقُ اليقين . "كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6)ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(7) "

إذاً لا بُدَّ من أن نتعرف إلى الحق ، ولا بُدَّ من أن نعتقد حقاً وأن نقول حقاً وأن نسلُكَ المنهج الصحيح لنكون على حق ، وحتى نستحق أن يرفعنا الله عز وجل ، وحينما يُحِقّ الله الحق يسمح لعباده الطائعين أن يرفعهم ، وليس سوى الله عز وجل قال :

(سورة القصص)

إذاً الملَخص الذي ينطق بالحق هو : يا رب ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك وإذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك .

وهناك في الكون حقيقة واحدة وهي الله ، كل شيء يُقرِّبُكَ منها فهو حق ، وكل شيء يُبعِدُكَ عنها فهو باطل ، فعليك أن تعرف الله ، وأن تعرف منهجه ، وأن تُطبّقه ، وهذا هو الحق ، وما سِوى ذلك كله باطل ، والمؤمن يرى بأم عينه ، أن الباطل قد يصمد سبعين عاماً وبعدئذ يتهاوى كبيت العنكبوت ، لأنه باطل فالفكرة باطلة والمبدأ باطل والتطبيق باطل . وإذا رأيت بأم عينك جداراً بُني بِلا شاقول ، فالمهندس لابُدَّ قائلٌ: إن الجدار سينهار لا محالة ، لأن بناءه باطل:

(سورة الإسراء)

إن الباطل من صفاته الثابتة أنه زَهَوق ، وإن كان الاعتقاد باطلاً فهو زَهَوق ، وإن كان السلوك باطلاً فهو زَهَوق .

والحمد لله رب العالمين

* * *

في معنى اسم "الحكيم"

بسم الله الرحمن الرحيم

قاتل تعالى :

( سورة البقرة : من آية " 269 " )

مع الاسم الرابع والعشرين من أسماء الله الحسنى والاسم هو اسم الحكيم .

أيها القاريء الكريم ، أسماء الله الحسنى كثيرة ، وردت في الآثار الصحيحة أنها تسعة وتسعون اسماً ، وأسماء الله كلها حُسنى ، لأنَّ الله سبحانه وتعالى موجود وواحد وكامل وكل صفات الله عز وجل يمكن أن تتلخص في عبارات ثلاث ، موجود ، واجب الوجود ، واحد في ذاته ، واحد في صفاته ، واحد في أفعاله ، كامل كمالاً مطلقاً ، ولكن بعض هذه الأسماء أقرب للعبد من بعضها الآخر، فأقرب أسماء الله الحسنى إلى العباد اسم الرب ، لأنه ربهم ، قال تعالى :

(سورة الطور)

ويعني هذا الحُكم حُكم المربي ، حُكم الذي يعلم ، وحُكم الرحيم ، حُكم الحكيم ، واسم الحكيم هو من أقرب الأسماء إلى الإنسان كذلك بالإضافة إلى اسم " الرب " كما بينت قبل أسطر قليلة .

لماذا قدّمت هذه المقدمة ؟ لأنَّ الإنسان أحياناً يرى ما لا يُرضيه ، إذ يسوق الله له ما لا يسره ، وما لا يعجبه ، فإما أن يسخط على ربه وعلى قضائه وقدره ؛ فهو الجهل المطبق ، وإما أن يرضى عن ربه وعن قضائه وعن قدره فهو العلم السديد الرائع .

ولابد من أن يعلم الإنسان أنه ما من شيء يقع في الكون منذ أن خُلق هذا الكون وحتى نهايته إلا بإرادة الله ، لأنه إذا وقع شيء من دون إرادته إذاً فليسَ الله هو القهار وليس هو الجبار وليس هو القوي وليس هو الغني ، ويكفي أن يقع شيء واحدٌ في الكون من دون إرادته حتى تتعطل أسماؤه الحُسنى إذاً ، لا يقع في الكون الذي هو ملكه ، ولا يقع في ملكه إلا ما قد أراده .

وإني لأستميح القاري الكريم عذراً لأن هذه الفكرة أعيدها كثيراً ، ولأنَّ الله سبحانه وتعالى يعيد الحقائق الأساسية في القرآن كثيراً، وأنت تقرأ الفاتحة في كل صلاة ، تقرؤها وتعيدها منذ أن كُلفت بالصلاة وحتى نهاية الأجل ، وتكررها عشرات المرات يومياً في صلاتك .

(الفاتحة)

ما من شيء وقع في الكون إلا أراده الله ، وإذا أراد الله شيئاً وقع وليسَ في الكون مسيطر إلا الله ، هذا هو التوحيد ، إذ ليس في الكون إلا يدٌ واحدة هي المسيطرة وهي الحكيمة وهي القديرة ، ترفع ، و تخفض ، و تُعطي ، و تمنع ، وتُعز ، وتُذل ، و تَبسُط و تقبض .

كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلّقة بالحكمة ، حتى يتضّح الأمر ؛ فقد يقول الإنسان شيئاً ليس قانعاً به إما بضغط ، أو بإغراء ، فإن قال كذا وكذا يرتقي ، و أن يقل كذا وكذا مع الضغط عليه ، فقد يكون قوله مجانباً للحِكمة ، لأنه وقع في شِباك الإغراء أو في شِباك الإكراه ، و الإنسان ضعيف بين الإغراء والإكراه ، فتارةً يُكره وتارةً يُغرى، فإذا أُكره فَقَدَ الحِكمة ، وإذا رغب فَقَدَ الحِكمة ، إذاً ربما تصرف الإنسان تصرفاً غير حكيم لأنه قد ضُغط عليه أو أغريَّ بشيءٍ من حِطام الدنيا ، وقد يتصرف الإنسان تصرفاً غير حكيم لأنه قد يكون جاهلاً ، فالطيشُ والحُمق والخرقُ يأتي من الجهل ، فأنت بين جهل وبين ضغط وبين إغراء تفقد الحِكمة ، ففي حالات الجهل والضغط والرغبة كثيراً ما يجانب الإنسان الحِكمة ويفقدها.

والجهل والإكراه والرغبة هذه حالات تستحيل على جلال الله عز وجل ، فلا إله آخر يضغط ، وكل رغبة وجهل وإكراه يغري لااعتبار له .

إذاً : أفعال الله سبحانه وتعالى كُلُها متعلّقِة بالحِكمة ، والحِكمة عند ربنا عز وجل متعلّقة بالخير المُطلق .

ولتأخذوا عني أيها القراء الكرام هذه الكلمات القليلة : إنَّ كلَّ شيٍء وقع أراده الله وإن كل شيءٍ أراده الله وقع ، وإن أفعاله تتعلق بالحِكمة المُطلقة ، وإن حِكمتَهُ المطلقة تتعلق بالخير المطلق ، واللهِ لو أنّا فهمنا هذه الكلمات واستوعبناها وعقَلناها وعشنا معانيها لتلاشت كل الأحزان في حياتنا .

لكل شيء حقيقية ، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، فالغلط مجاله بين البشر ، أما في حق خالق البشر فهو يستحيل . والذي يبدو لك غلطاً وخطأً وظُلماً هو عند الله حِكمة بالغة ، وإنني أضرب مثلاً :

فتاة نالت شهادة ثانوية وهي تبحث عن وظيفة ، هناك مسابقة لوظيفة معلمة فتقدمت إليها ، فطولبت بشهادة صحية فتوجهت إلى مستشفى حكومي لتفحص صدرها ، فجاءت النتيجة أنها مصابة بمرض السل ! بكت وبكت وبكى من حولها ، ومن حولها خافوا من العدوى فابتعدوا عنها وتركوها تأكل وحدها ، وأعطوها أدوات خاصة بها ، وتوجّسوا منها خيفة وازدادت بهذه العزلة ألماً إلى أن قررت أن تتوب إلى الله ، وأن تصلي وأن تتحجب ، ثم راجع أخوها المستشفى بعد حين، فإذا هم يعتذرون إذ هذه النتيجة ليست لها بل لغيرها ، فهي سليمة! خطأ الموظف إذاً وظفه الله عز وجل كي تتوب هذه الفتاة .

وهناك أخت كريمة تحضر معنا الدروس في جامع النابلسي ، هكذا سمعت وعلمت أنها كانت معارةً إلى بلد نفطي للتدريس ، واختصاصها رياضيات ، عُيّنت في مدرسة في أطراف المملكة ، والمديرة أمرتها أن تُدرّس تفسيراً وفقهاً ، فقالت لها معتذرةً : اختصاصي رياضيات ، فكيف تريدينني أن أدخل إلى صف ثالث ثانوي وأدرسهنَّ تفسيراً وفقهاً ؟ وأنا لا أفقه شيئاً من هذه الموضوعات ، قالت لها : إما أن تدخلي وتدرسي هذه المواد أو نلغي عقدك ، فدخلت هذه المدرسة ، وفتحت كتاب التفسير ، وأول آيات التفسير آيات الحجاب ، ولم تكن الفتاة تؤمن بالحجاب فقرأت الآيات و قرأت التفاسير ، فانهمرت عيناها بالدموع : اعتذرت من الطالبات ، وقالت لهن دعنني هذه الساعة مع نفسي واقرأن ما بدا لكن ، وكانت توبتها حينما أُجبرت أن تقرأ هذه الآيات وأن تُفسِّرها للطالبات ، إذاً حُمقُ هذه المديرة وظفه الله عز وجل لصالح هذه المُدرِّسة.

يعني كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادته متعلّقة بالحِكمة المطلقة ، وحِكمته متعلّقة بالخير المُطلق ، وهذه حادثةَ من حوادث ، ولتعلم من قبل ومن بعد لو أن ورقة سقطت من شجرة فذلك لحِكمة بالغة .. فما قولنا فيما فوق هذه الحادثة ، الظلم في النفوس فقط ، والظالم سوط الله ينتقم به ثم ينتقم منه ، ولذلك فكل قصة فيها عشرة فصول مثلاً ، فقد نعرف فصلاً واحداً فلا يكفي ، وقد نعرف فصلين أو ثلاثة أو أربعة وهذا لا يكفي ، فلسنا مؤهلين أن نحكُم على هذه القصة إلا إذا عرفنا كل الفصول .

إذاً : أقرب اسم من أسماء الله الحسنى إليك ، اسم الرب واسم الحكيم وقد تتساءل : لماذا فلان يُعاني من هذه المتاعب في جسده ؟ .. فقُلْ لحِكمةٍ بالغة ولا تخف ، ولو كان لديك وقت طويل ونفَس طويل وبحث دقيق لمتابعة أمره لوجدت أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان .

قد يتساءل آخر : لماذا فلان كان عقيماً ؟ لحِكمة بالغة .. ولماذا فلان مات في سن مبكرة ؟ لحِكمة بالغة .. لماذا فلان عاش عمراً مديداً ؟ لحِكمة بالغة .. ولماذا فلان كان غنياً ؟ لحِكمة بالغة .. ولماذا فلان كان فقيراً ؟ لحِكمة بالغة .. فأنا أذكر كل هذا وأنا واثق مما أقوله، وأي شيء أعجبك أو لم يعجبك فقل لابد من حِكمة بالغة ، لأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُمكن أن يتصرّف بلا حِكمة ، لأنه عليم ، ولأنه واحد ولأنه موجود ولأنه كامل .

موجود واجب الوجود ، فإذا قلت أين الله ؟ .. فسؤالك يعني أنه غير موجود .. بل هو موجود .

(سورة إبراهيم)

هو موجود وواحد ، وليس مع وجوده وجود ، وكامل ، ومن كماله أنه حكيم ... هذه مقدمة .

وبعد ، فكلمة الحكيم وردت في القرآن الكريم ثمانياً وثلاثين مرة ، قال تعالى :

(سورة لقمان)

وكذلك فهناك بحث قائم بذاته يحسن بنا أن نلفت نظر القاريء إليه . فحينما تأتي الأسماء مثنى مثنى : " إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "

(سورة النساء من الآية 130)

(سورة الفتح)

" وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا " .

(سورة الممتحنة)

(سورة يوسف)

( سورة هود)

(سورة النور)

(سورة فصلت)

(سورة الحجر)

هكذا جاءت الأسماء في سياق الآيات القرآنية فأحذر أن تلتبس عليك الأمور ، لأن هذا مزلق خطير ؛ مثل أن تقول حكيم لأنه عليم ، فلا يمكن في علم التوحيد أن يُعلّق اسم على اسم ، فحكيم لأنه حكيم ، وعليم لأنه عليم ، لا يفتقر اسم إلى اسم في أسماء الله الحسنى ، واسع وحكيم، إذا قلت حكيم لأنه واسع ، لا . ثم لا .. واسع لأنه واسع وحكيم لأنه حكيم .

وكلمة حكيم وُصِف بها القرآن الكريم ، قال تعالى :

(سورة يونس)

(سورة يس)

وقال سبحانه :

(سورة آل عمران)

(سورة البقرة)

وقال بعض العلماء في تفسير كلمة الحكمة : " إن الحِكمة إذا قرنت بكلمة الكتاب ، فهي سنة رسول الله " وهذا أروع تفسير ، وأدقّ تفصيل وأوضح تبيين هو كلام سيد المرسلين ، والحِكمة أيضاً جُعلت أسلوباً في الدعوة إلى الله ، قال تعالى :

(سورة النحل آية 125)

والحِكمة يمكن أن يؤتاها الإنسان ، وأقول : لو أنَّ الله عز وجل آتاك أجمل امرأة في الأرض ولم يؤتِكَ الحِكمة لجعلتها أسوأ امرأة، ولو أعطاك مال قارون ولم يؤتِكَ الحِكمة لبُدِّد هذا المال ولكان حسرةً عليك يوم القيامة ، ولو أعطاك صِحةً رائعة ولم يؤتِكَ الحِكمة لاستهلكت هذه الصحة في سفاسف الأمور ، و لو أعطاك أولاداً نجباء ولم تكن حكيماً لكانوا زادك إلى النار . فأي شيء إذا أُعطيته من دون حِكمة كان حسرةً عليك يوم القيامة ، ولهذا قال الله عز وجل :

(سورة البقرة)

فأنت بالحِكمة يمكن أن تكون أسعد الناس بدخلٍ قليل ، وبالحُمق تشقى بالدخل الكثير ، وبالحِكمة تَسعَد بزوجة من الدرجة الخامسة ، وبالحُمق تشقى بزوجة من الدرجة الأولى . بالحِكمة ترقى بأولادٍ ضِعاف ، وبالحُمق تسفل بأولادٍ نجباء ، نعم .. لا يكون الرفق في شيء إلا زانه ، ولا يُنزع من شيء إلا شانه .

لذلك أذكر وأكرر أن الله قد يؤتيك مال قارون وهو لا يحبك قال تعالى :

(سورة القصص)

آتاه الله المال وهو لا يحبه ، وقد تكون قوياً والله لا يحبك ، قال تعالى :

(سورة القصص)

إذاً : قد يؤتيك الله المال وهو لا يحبك ، وقد يؤتيك الله القوة وهو لا يحبك ، أما إذا أحبك فعلاً فسيؤتيك العلم والحِكمة ، قال تعالى :

(سورة القصص)

فأنت من المؤمنين إن شاء الله تعالى فانظر بماذا تفضّلَ الله به عليك ، إن تفضّلَ الله عليكَ بالحِكمة والعلم فهذا العطاء من نوع عطاء الأنبياء ، وإن زادكَ مالاً فالحمدُ لله ، وإن زادك صحةً فالحمدُ لله، وإن زادكَ قوةً فالحمدُ لله ، لكن الأصل أن تكون حكيماً عليماً .

يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : من عرف جميع الأشياء ولم يعرف الله عز وجل لا يُسمى حكيماً ".. " وهذا المعنى قائم بنفسي منذ أمد طويل"

ولقد اجتمعت مرةً مع شخص يحمل شهادة الدكتوراه في التربية والدكتوراه في العلوم الفيزيائية ، فحسبته جمع المجد من طرفيه دكتوراه في التربية ، علوم إنسانية ، ودكتوراه في العلوم الفيزيائية ، وفي أثناء اللقاء أخبروني : أنه لا يصلي ، وهو في الخمسين ، والله الذي لا إله إلا هو سقط من عيني كما يسقط النجم إلى الأرض ، أوكل هذا العِلم وأنتَ لا تُصلي ؟ فهذا الإله العظيم ألا يستحق أن تعبده ؟ .

يقول الإمام الغزالي : " من عرف جميع الأشياء ولم يعرف الله عز وجل لا يستحق أن يسمى حكيماً ".

وأنا بدوري أُعبّر عن هذا المعنى بالشكل التالي ، إن الذكاء ذكاءان ، ذكاء جزئي وذكاء شمولي ، فهذا من حيث الذكاء الجزئي طبيب متبحّر في العلوم دقيق الفهم لمّاح الحِكم ، قوي الحافظة ، ولكنه يعصي الله لأنه لم يُفكّر فيما بعد الموت ، ولأنه لم يُفكّر فيمن خلقه ، ولأنه لم يُفكّر في منهج هذا الخالق العظيم ، ولأنه لم يطمح إلى مرضاة الله عز وجل ، ولأنه لم يرَ عظمة الخلق ولم يرَ من خِلالها عظمة الخالق ، فهو مدموغ بالغباء ولو كان من أذكى الأذكياء .

إذاً حق أن نقول : هناك ذكاء جزئي يتعلق بالجزئيات ، وهناك ذكاء شمولي يتعلّق بالكليات ، فأنت إذا غفلت عن ربك وخرجت عن منهجه وانغمست في الشهوات ، ولو كُنتَ في اختصاصك في القِمة ، و في فرعك العلمي في الأوج ، ولو حصَّلْتَ أعلى الشهادات ، فإن دمغة الغباء سمتك الأولى .

و الناس هو معروف يهنئ بعضهم بعضاً دائماً ، فتهنئةٌ بشراء منزل ، وتهنئة بنيل منصب، وتهنئة بنيل شهادة عليمة ، وتهنئة بمولود، وتهنئة بزواج ، وتهنئة بشراء مركبة ، وتهنئة بسفرة ببعثة إلى خارج بلدك .. أما أنا فوالله لا أرى أن كلمة التهنئة تُقال على حقيقتها إلا إذا اصطلحتَ مع الله حقاً وصدقاً .

كان بعض الشيوخ إذا رأى تلميذه قد اصطَلَحَ مع الله تماماً وأقبل عليه يقول له : هنيئاً لك يا ولدي .

(سورة الإنفطار)

كيف تنساه ؟ وهذا بعض العارفين : يقول " يا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ " ، هذا كلام بليغ ! وكذلك يقولون : إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك .. فهذا كلام أبلغ .

والسؤال المطروح الآن هو : إذا تعلّمت علماً ، فشرف المُتعلّم من شرف العِلم ، ولو تصورّت إنساناً يقرأ في كتاب أصول سرقة البنوك مثلاً ، فأنت تراه يقرأ كتاباً ويتعلّم ؛ ألا تحتقر هذا العلم ؟ ، ولو افترضناه كتاباً مؤلفاً حول طريقة تزوير العملة مثلاً وهو عاكف على هذا الكتاب ويدرسه بنهم وشغف ، ويضع خطوطاً ويُلّخص فقراته ألا تحتقر هذا الجهد كله ؟ بلى ، لأن هذا الموضوع دنيء وإجرامي .

إذاً : شرف المتعلّم من شرف العِلم الذي يتعلّمه ، وكلما ارتقى العِلم ارتقى المُتعلّم ، فمن الناس من يتعلم القوانين المتعلّقة بالفيزياء ، وهناك قوانين الكيمياء ، وقوانين الفَلَك ، وقوانين الجيولوجيا ، وقوانين التاريخ ، والظواهر التاريخية ، وقوانين النفس ، وقوانين علم النفس ، وعلم الاجتماع ، وعلم الذرّة ، وعلم الفيزياء ، وعلم الكيمياء ، طبعاً الفيزياء صوت وحرارة وكهرباء ومغناطيس وضوء ، والكيمياء عضوية ولا عضوية فهذه كلها علوم قد تسمو بصاحبها .

فإذا كان المُتعلّم يعلو في نظر الناس كلما ارتقى علمُهُ ، إذ يُقال لك فلان يحمل اختصاصاً نادراً ، وفلان مثله ، بينما خمسة آلاف حقوقي بلا عمل ، فهذا حائز على شهادة الحقوق ، والحقوق اختصاص رائع جداً ، ولكن لكثرة الاختصاص ولعطالة أصحابه ربما رأيت هذا الفرع فرعاً سهلاً ، وكلما كان الفرع أصعب منالاً وأعظم فائدةً ، كان أجدى على صاحبه نفعاً ، يطلب مثلاً ثمانين ألفاً بالشهر ، فهو ذو اختصاص نادر .

أما هذا الذي تعرف إلى الله فما حاله ؟ فهذا السؤال وجيه حقاً، إن الذي تعرف إلى بعض الحقائق عن بعض المخلوقات يرقى في نظر الناس ، فكيف إذا كان موضوع المعرفة هو الله ؟ فمثلاً إذا قرأت شعراً لأحد الشعراء ودرست الشعر وحللته ، العاطفة والخيال والأسلوب والأفكار الدقيقة وتسلسل الأفكار وعمقها وواقعيتها كنت مرموقاً عند أهل الاختصاص ، فكيف إذا حللت كلام الله عز وجل ، فلذلك كلما ارتقى اختصاصك ارتقت مكانتك ، فمن اشتغل بغير الله لا يُسمى حكيماً .

ووما أكثر ما ذكرت أن كلَّ علم ممتع ، وهناك عِلمٌ ممتع ونافع ، وهناك عِلمٌ ممتع ونافع ومُسعد ، إن العلم بالله وحده هو العِلم المُمتع النافع المُسعد ، والاختصاص النادر هو العلم المُمتع النافع ، وأيّ علم مُمتع ، وأي كتاب إذا قرأته تستمتع به ، لأن العلم ممتع ، ونقل المعرفة عمل مقدّس ، و كلما ارتقيت بهذه المعرفة إلى المستوى الذي يُرضي الله عز وجل كلما ارتفعت معه .

قال بعض العلماء : " من عرف الله كان كلامه مخالفاً لكلام غيره " وهل يمكن لإنسان يعرف الله أن يَسهرَ سهرةً إلى الساعة الواحدةُ ويكون الحديث خلالها عن الطعام مثلاً ، فيستهلك خمس ساعات من عمره بدداً أو في لعب النرد أو في الشطرنج أو الطاولة ، أو الحديث عن زيد أو عبيد ، فمستحيل ذلك إلا عند صغار الهمم .

لكن " من عرف الله عز وجل كان كلامه مخالفاً لكلام غيره " ، كلامه مقدّس ، كلامه في الكُليّات ، وفي الأصول ، و في الأهداف الكبرى ، وكلامه في السمو .. وكل إناء بالذي فيه ينضح .

كنت ضربت مثلاً ، هناك أوعية تعبأ من أعلاها ولها صنبور في أسفلها ، فأت لا تصدق أن يخرج من الصنبور سائل يخالف ما في هذا الإناء أبداً ، فإن عبأته ماء يخرج من أسفله ماء وإن عبأته لبناً تجد لبناً ، و إن عبأته ليموناً تلق ليموناً ، وإن عبأته مثلاً ماء زهر ، تجد ماء زهر ، وإن عبأته ماء آسناً ، خرج ماء آسناً فكل إنسان له منهل يَنهَلُ منه وله ما يَخرُجُ منه ، والإنسان كلامه يتحدث عما فيه ، ونفسه وعاء امتلأ .

فإذا كانت ثقافة الإنسان حصاد مجلات وقصص ومسلسلات ، وتكلم ، فتسمع يقول لك: فلانة طُلقت ، وفلانة خانت زوجها ، ونحو ذلك إذ ليس عنده شيء آخر ، بل كل معلوماته مورد هذا الإناء الذي عبأه من أخبار هؤلاء الساقطين والساقطات ، فلو أراد أن يتحدث لما فاض إلا بما امتلأ .

فلو أن الإنسان عبأ وعاءَهُ من أخبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبأه من دقائق السُنّة المطهرة ، ومن بطولات من عاصر النبي عليه الصلاة والسلام ، وعبأ وعاءَهُ من العلم الشريف الذي يرقى بالإنسان ، ثم قيل له تفضل وتكلّم ، فلن يتكلّم إلا بالحكم والدُرر والقرآن والحديث والتفسير والموعظة الحسنة والحقائق العلمية المتألقة والمشاعر الرقيقة ، والموقف النبيلة، ولن يصدر عنه إلا الدر واللؤلؤ ، فهذا الذي قاله الأسلاف ملأ به وعاء عقله : وكل إناء بالذي فيه ينضح .

وأخطر ما في الموضوع من أين تنهل ؟ ومن أين تشرب ؟ وما الذي يدخل إلى أذنك ومنه إلى قلبك ؟ وما الذي يدخل من بصرك ومنه إلى قلبك ، لأن السمع والبصر نافذتان ، فما تقرأْ يعرفكَ ويدل عليك من أنت ؟ وما تسمعْ ؟ ينبّأ مَن أنت ؟ قُل لي من تُجالس أقُل لكَ من أنت؟ وقل لي من تصحب أقُل لكَ من أنت ؟ ومن تصادق أقل لك من أنت ؟ فالمرء على دين خليله ، ومن شيخُك ، أقُل لكَ من أنت ؟ فهؤلاء مناهل .

وهناك منهل ماء صافٍ ، ومنهل ماء معسل ، ومنهل ماء مزهر ، ومنهل ماء آسن ، فإذا كان الإنسان حديثه ساقطاً ، ومزاحه جنسياً رخيصاً ، وتعليقاته لاذعة ، وكلماته بذيئة ، فطابعها طابع المجاري الآسنة . لأنه ينهل من مياه المجارير فإذا فاض بشيء فلن يخرج منه إلا ماء آسن تفوح منه رائحة الزِنى والغدر والخيانة والأثرة والاستعلاء والعنجهية والقسوة ، ولذلك فالإنسان منهي أن يتحدث عن أمثال هؤلاء ، لأنَّ الحديث عن المنحرفين يقبض القلب ، وبينما الحديث عن الصالحين يُعطّر المجلس .

فمن حكم النبي عليه الصلاة والسلام : " رأس الحكمة مخافة الله " ، إن لم تخف الله عز وجل فأنت لا تعرف من الحكمة شيئاً .

الكيّس العاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، فالعاجز يعيش لحظته ، ويعيش حظوظه ، وميوله ، و رغباته ، أما الكيّس فيعيش حياة ما بعد الموت يُعِدُّ لها منذ الآن .

ما قلَّ وكفى خير مما كثُرَ وألهى ، سألت إنساناً كيف وضعك؟ فقال : وسط الحمد لله ، لقد أصابتنا دعوةُ مَن دعا علينا ، قلت: خير فمن دعا عليك ؟ قال رسول الله ، قلت : ما هذا الكلام معاذ الله ؟ قال : ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام : اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً ، قلت : والله هذا صحيح ومعك حق ، فعلاً ، النبي يقول : من أحبني فاجعل رزقه كفافاً ، يعني ما يكفيه لا ما يطغيه ، ولا ما يلهيه ، أجل ، ما يكفيه ، إذ غاية كل حاجاتك أن تكون صحيح البدن مكتفياً ، تقطُن في بيت ، الحاجات الأساسية فيه موفورة ! هذا هو الغِنى ، أمّا أن تفهم الغِنى أن يزداد الرقم الذي تملكه ، فهذا ليس هو الغِنى .

قال عليه الصلاة والسلام : " من أصبح معافى في بدنهِ آمناً في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " . كُن ورعاً تكن أعبدَ الناس ، وكُن قانعاً تكُن أشكر الناس ، ومن حُسِنِ إسلام المرء تركُهُ مالا يعنيه ، والسعيد من وُعِظَ بغيره ، والصمت حِكمة وقليلٌ فاعِلُهُ ، والقناعة كنز لا ينفد ، والصبر نصف الإيمان ، واليقين الإيمان كله ، وهذه كلها من حكمة النبي عليه الصلاة والسلام .

والحقيقة هذه الحِكم مبذولةٌ بينَ أيدينا ، فيمكن أن تشتري كتاباً في الحديث الشريف ، فتجد الحكم كلها فيه ولكن بين أن تقتني الكتاب وتقرؤه شيء ، وبين أن تعيش هذه الحِكمة شيء آخر ، البطولة أن تعيش هذه الحِكم ، و أن تطبقها إلى واقع و مشاعر ومواقف و سلوك .

الآن نعود إلى اسم الحكيم بالشكل المنهجي ، لاسم الحكيم معانٍ ثلاثة أساسية :

المعنى الأول : اسم الحكيم على وزن فعيل ، بمعنى مُفعل تقول جرح أليم بمعنى مؤلم ، وفعيل بمعنى مُفعل ، فحكيم بمعنى مُحكم ومعنى المُحكم المُتقن ، والمتقن هو المقدِّر التقدير الصحيح .

فلو أن إنساناً قص قطعة خشب مثلاً بأقل من اثني مليمتر فإنك تنزعج لأنها قصرت ولو كان تقديره حكيماً وصحيحاً لجاءت الصنعة مُحكمةً من كلمة مُحكم فهي متعلقة بالتقدير ، وكلما دقَّ التقدير أُحكِمت الصنعة .

تجد بعض الآلات غالية جداً ولا ترى فيها عيباً أبداً ولا نقصاً ولا لميلمتر واحد ، فالآلات من الدرجة الخامسة ، تراها ذات عيوب كثيرة ، فيقال لك هذا النقص مثلاً لا يُؤثر ، ونقصه مقبول ، أو سلبيته طفيفة محتملة ، فهذه ليست صنعة مُحكمة ، إذ نرى الأجانب يأخذون عشرة أضعاف أو مائة ضعف عما نصنعه نحن وذلك لإتقان عملهم .

حدثني أخ يعمل في المنسوجات ، قال إن آلة استقدمناها من بلد غربي نبيع الثوب كله من إنتاجها بمئتي ليرة ، والآلة نفسها في بلد آخر نشتري المتر الواحد بسبعمائة ليرة ! المتر الواحد من إنتاج هذه الآلة بسبعمائة ليرة وبينما الثوب بأكمله بمئتي ليرة والآلة واحدة ، والفرق هو الإتقان .

فلذلك معنى حكيم أي مُحكِم ، ومعنى مُحكِم أي مُتقن ، وأصل الإتقان من دقة التقدير ، إذاً : ربنا عز وجل خلق كل شيء فقدره تقديراً قال تعالى :

(سورة القمر)

وأنت عد إلى جسمك ، فالدم الذي تنبض به عروقك فيه ملح بنسبة سبعة بالألف إلى ثمانية ، إذا قلَّت النسبة عن هذا الرقم تنكمش الكريّات ويموت الإنسان ، وإذا زادت تنفجر الكريات ، من جعل نسبة الملح في الدم ثابتة ؟ الفضل لله عز وجل ، إذ إن الكُلية إذا زادت نسبة الملح في الدم تفرز الزائد ، وإذا قلّت تحتفظ وتدخر ، يعني الكُلية هي التي تَزِن السائل الدموي أو البلازما بميزان دقيق .

هناك هرمون التجلّط يُفِرزُهُ الكبد ، وهرمون التمييع ، من إفراز الهرمونين معاً ، ومن ثبات النسبة بينهما ثباتاً دقيقاً تنشأ ميوعة الدم وسيولته وقد قيل لو زاد هرمون التجلّط عن الحد الذي رسمه الله عز وجل لأصبح الدم كالوحل في الأوردة والشرايين ولمات الإنسان ، ولو زادت نسبة هرمون التمييع عن حدها الذي رسمه الله عز وجل لنزف دم الإنسان كله من ثقب دبوس .

لي صديق توفي رحمه الله تعالى ، زرته في المشفى ، فوجدت أمام فمه لصاقات طبية لا أبالغ قرابة ثمانية سنتمتر ، فقلت : خيراً إن شاء الله ، قال عندي نقص في الصفائح الدموية ، والصفائح الدموية تماماً مثل أحجار البناء ، إذا حصل ثقب في البناء تسده ، وهذا سببه رعاف أذهب معه الصفائح لديه ، وكلما أزلت اللصاقات فالدم ينزف ، إذ لم يبق في دمه صفائح دموية ، وفي الميلمتر المكعب عادةًَ سبعمائة ألف صفيحة تقريباً ، وهذه الصفائح تسد أي خرق في الأوردة .

إذاً : ما هذه الحِكمة ؟ وهذه معلومات قديمة ؛ وإخوتنا الأطباء الذين يدرسون حديثاً ، يعرفون أشياء مذهلة ، إنها حكمة الله الخالق الباريء .

وهناك زُمر نسيجية ، أحدث رقم : ملياران ونصف مليار زُمرة نسيجية في العالم ، ولا يوجد إلا إنسان واحد في الأرض له زُمرة نسيجية تُشبه زمرتك ، وعلى النُّوَيَّة خمسة آلاف مليون معلومة عُرف منها حتى الآن ثمانمائة معلومة فقط ! من المورثات وهذه حكمة ، فإذاً ما معنى حكيم ؟ الحكيم يعنى مُحكِم ، ومُحكِم بمعنى مُتقن ، والمُتقن هو الذي قدّرَ الشيء فأحسنَ تقديره ، قال تعالى :

(سورة الفرقان)

إذاً : معنى الحكيم الذي أحسن كل شيء خلقه ، هذا معنى قول الله عز وجل :

(سورة تبارك)

وبعد ، انظر تر النملة في أكمل وضع ، و الذبابة بأكمل وضع، والفيل بأكمل وضع ، والمجرّة بأكمل وضع ، والذرّة بأكمل وضع ، وأيّ مخلوق بأكمل وضع هذا معنى الحكيم ، وهذا هو المعنى الأول ، الحكيم المُحكم .

وتفسير هذا الاسم :

(سورة السجدة)

(سورة الانفطار)

(سورة التين)

هذا معنى الحكيم ، وسِرُّ الحكيم :

(سورة النور)

(سورة القمر)

ويسألونك مثلاً : هل قست ضغط عينك ؟ ما ضغط العين ؟ إنه شيء مذهل ، إذ بالعين سائل ، وهذا السائل لا بد من أن تجدده ، فكيف يتجدد ؟ يصب عليه مورد وله فتحة في أسفله ، فإذا سُدت هذه الفتحة تحتقن العين ، ويزداد ضغطها فتضيق لمعة الشرايين المغذية لها ، وأطباء العيون يقيسون ضغط العين .

والدِقّة بالغة جداً ، فلقد حدثني أخ طبيب ؛ أنهم أثناء عمليات القلب المفتوح يعطون بوتاسيوم بِنِسَب دقيقة جداً فلو زادت لمات المريض فوراً وقال لي : لو كنا نقوم بعملية لمريض وشخصت عيناه ومات فقد يقال : هناك خطأ بالبوتاسيوم ، أو هناك شوارد بالدم .

الموضوعات لا أتحدث عنها حديثاً علمياً كأمثلة فقط ، بل هناك دقائق بخلق الإنسان وهي أشياء فوق التصور . وهذا أول معنى من معاني الحكيم .

المعنى الثاني : الحِكمة عبارة عن معرفة أفضل المعلومات بأفضل العلوم ، فهناك عِلمٌ مُطلق ، والإنسان مهما تعلّم فإنه يقف على شاطئ بحر العلم ، قال تعالى :

(سورة يوسف)

مهما تعلّم العالم المؤمن وارتقى علمه فإنه يقول : لم تبتل بعد قدماي ببحر المعرفة ، ومن علامة العالِم الحقيقي أنه متواضعٌ ، وكلما ازداد علماً ازداد تواضعاً ، والإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول : " كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي" فمن هو العليم عِلماً مُطلقاً ؟ الله لا غيره ، الحكيم تُطلق على ذي العِلم المُطلق : العِلم الذي لا يعتوره خلل ولا جهل ولا شائبة ، وما من إنسان يدّعي أنه بلغ العلم المُطلق ، حتى في الحِرَف والمِهَن ، وحتى الأطباء والعُلماء والمُهندسون ، يرتكبون أغلاطاً كبيرة جداً ، أما العِلم المُطلق فهو لله عز وجل ، ولهذا يقول الإمام الغزالي " لا يعرف اللهَ إلا الله " .

المعنى الثالث : الحكيم هو الذي يتنزّه عن فِعل ما لا ينبغي ، يعني هو الذي يضع الشيء المُناسب بالقَدَر المُناسب وفي الوقت المُناسب وبالمكان المُناسب ، فهذا معنى الحكيم ، إذ لا نستطيع أن ننطق بكلمة ولا حرف زيادة عما يجب ، فأحياناً فنضع الشيء المُناسب ولكن بحجم غير مُناسب ، وأحياناً أخرى نضع الشيء المُناسب بالقدْر المُناسب وفي وقتٍ غير مُناسب ، وكذلك أحياناً نضع الشيء المُناسب بالقدر المُناسب وفي الوقت المُناسب و في مكان غير مُناسب، فالحكيم هو الذي يفعل ما ينبغي بالقدر الذي ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي وبالمكان الذي ينبغي، فهذا هو الحكيم .

وبعد ، فما حظك أيها الإنسان من اسم الحكيم . أن الحكيم من الأسماء التي يمكن أن يتحلّى بها الإنسان انطلاقاً من الحديث الشهير: "تخلقوا بأخلاق الله ".

فالمؤمن الحق حكيم ، فحِكمَتُهُ من أين تأتي ؟ ومن أين يستقي حِكمَتَهُ ؟ من معرفته بالله .. فإن كان لديك آلة ، معقدّة جداً و لديك تعليمات دقيقة عنها فأنت تكون حكيماً لو نفذت هذه التعليمات التي هي من عند الصانع ، فالقضية سهلة جداً ، و إذا قرأت القرآن وفهمته ، وفهمت السُنّة المُطهرة فأنت بمجرد أن تُطبّق أمرَ الله عز وجل وأمرَ النبي فأنت حكيم ، فمثلاً ، غضُّ البصر حِكمة بالغة ، فأنت إذا غضضتَ بصرك عن محارم الله فلابد من أن يبقى في حياتك امرأة واحدة ، وليس مسموح لك غير زوجتك والحِكمة تقول إنك تُقبل على هذه الزوجة إقبالاً يجعل الود بينكما متنامياً ، فلو كانت لك منافذ أخرى لنشأت في البيت بعض المتاعب الزوجية .

وهناك نقطة مهمة جداً ، وهي قاعدة في المنطق وهي : "الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به " . فيمكن أن نأتي ببدوي ونعطيه سيارة من أحدث السيارات ، وهو سائق ماهر ، يتمتع بسرعتها وتكييفها وصوتها الناعم ، وبكل ميزات هذه السيارة وهو لا يفقه شيئاً من أساليب صناعتها ، و اليوم صار عند كل الناس أجهزة متقدمة كثيرة فالذي عنده مكيّف مثلاً هل يعرف مبدأ عمله ؟ إنه يكتفي بأن يكبس المفتاح ثم يقول لك : تكيّفنا ، و الذي عنده براد هل يعرف مبدأ عمله ؟ ومن يركب طائرة وهي خلاصة علم البشرية كلها ؛ وكل من سافر فيها يقول لك حلقنا على ارتفاع أربعين ألف قدم وأكلنا طعاماً ساخناً ، ورأينا الغيوم .. فالانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به ، فأنت لمجرد أن تُطبّق أمرَ الله عز وجل سواء أعرفت حِكمَتَهُ أم لم تعرف ؟ أتعمقت في تحليلها أم لم تتعمق ؟ تقطف ثمارها كلها هذا الذي أريد أن أقوله لكم .. أَمَرَكَ بغضّ البصر فأطعت ، وأَمَرَكَ أن تكون صادقاً ، و الحِكمة كلها في الصدق ، وكلما كنت صادقاً عند الناس ارتفع شأنك فشعرت بمكانة الرجل الصادق فأنت رأسُكَ مرفوع .

ذكرت قصة فيما سبق ، أعدتُها وكررتها مراراً لأن فيها عبرةً بالغةً وهي أن سائق سيارة رأى امرأة ملفعة بعباءة فأشارت إليه فوقف ، والسيارة من سيارات الأجرة طبعاً ، قالت له : خذني إلى المكان الفلاني وفي منتصف الطريق خلعت ما عليها ، وأعطته مبلغاً بالعملة الصعبة كبيراً جداً ، و قالت خذه واقض حاجتي ، أخذ المبلغ الضخم وقضى حاجتها وحاجته ، وأعادها إلى مكان الانطلاق ، وأعطته رسالة ، فقرأها وذهل ، إذ هنأته على أنه أصبح عضواً في نادي الإيدز ، إنها مصابة بهذا المرض الخبيث ، وتريد أن تنتقم من الناس جميعاً ، ومعها عملة مزورة أيضاً ، فذهب ليبدل هذا المبلغ بالعملة المحلية ، فوقع تحت قبضة العدالة ! فقولوا بربكم أيمكن لمؤمن أن يقع في هذا الفخ ؟ ذاك مستحيل، إنه يخاف من الله .. ولا بد من صرفها بصورة من الصور .

فأنت حينما تُطبّق أمر الله حكيم ، من دون لف أو مواربة أو تعقيدات ، فالله أمرني ألا أكذب فلا أكذب ، وألا أغش فلا أغش ، أما تحليلات الغش : فهناك قانون اقتصادي ، تروج به الدول الغنية بضاعتها فتعطي قروضاً للدول الفقيرة حتى ينشأ عندها قوة شرائية ، ثم بعد ذلك تقع تلك الدولة تحت نير الديون للدول الكبرى فتستغلها أبشع استغلال لكن المسلم عندما يؤدي زكاة ماله ، وكل غني يؤدي زكاة ماله كذلك ، فينفرج الفقير ويصير ذا مال ويتمكن من أن يشتري قميصاً وبذلة وحذاء وحاجات زائدة وسيوسع على أهل بيته ،دون أن يبتز أحداً أو يحمل أحداً ديوناً ، ومن جهة أخرى عندما دفعت زكاة مالك قطفت كل ثمار الزكاة ، فالقير صار بخير وأنت بخيرونلت ثواب الله الجزيل .

مؤلف غربي اسمه " ألكسي كارليل " ألّفَ كتاباً (الإنسان ذلك المجهول ) وبعد بحث طويل وجد أن نظام البشر لا يصلح إلا بزوجة واحدة ، شريطة أن يقصر الرجل ، طرفه عليها أي أن يَغُضّ بصره ، فأنت من دون تعمق ومن دون أن تقرأ الكتب ، حينما تَغُضَّ بصرك ملتزماً بأمر الله تقطف كل ثمار هذه الحِكمة ، فالإنسان يجب أن يكون حكيماً ، وكيف يكون حكيماً ؟ يكفي أن يُطبّق أمر الله وأمر رسوله فقط.

اسأل طبيباً فيحدثك عشر ساعات عن الاعتلال بالطعام والشراب ، فالمؤمن من دون أن يفهم كل هذه التفصيلات ، فهو يعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " نحن قومٌ لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع " انتهى الأمر ، هذا هو الطب الوقائي كله ، إذاً يمكنك أن تقطف ثمار كل المعارف بلا تعمُق .. حينما تطبق أمرَ الله ، إذاً مَن هو الحكيم ؟ هو الذي طبّق تعليمات الصانع ، هذا هو الحكيم .

أحياناً يكون له موقف ليس فيه تعليمات ، إذ ينشأ ظرف ليس فيه نص آية ولا حديث حول هذا الموقف العارض ، فالحِكمة تأتيك إلهاماً من الله . إذاً إما أن تكون الحكمة في أساسها نصاً قرآنياً أو حديثاً نبوياً تُطبِقُهُ فتغدو حكيماً وإما أن تكون الحِكمة إلهاماً يُلقى في قلبك ، لأنك تطلب رضاء الله عز وجل ، وتتكلم الكلام المُناسب في الوقت المُناسب ، مع من يُناسبُ في المكان المُناسب : تعطي وتمنع ، وتغضب وترضى ، وتصالح أو لا تصالح ، فهذه المواقف المتجددة والتي ليس لها بين النصوص نص واضح متعلّق بها ، تصل من الملائكة حينما يلقون في روع الإنسان بعض الإلهامات قال تعالى :

(سورة القصص)

هذا وحيُ إلهام وليس بوحي رسالة ، فأحياناً يقول لك : لم ذهبت وأنت لا تعرف ؟ فالله عز وجل يسوق لك الخير الكثير من حيث لا تدري أو يرد عنك أذىً أو شراً من حيث لا تدري أيضاً ، فهذه هي الحِكمة ، فكن مع الله دائماً ، فإن واجهت موقفاً ليس فيه نص لتتصرف فالله عز وجل يُلهِمُكَ الصواب ، وهذا عين الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام : " أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه" .

إذاً أنت تكون حكيماً باتباع أمر الله وأمر النبي ، وحينما تشعر بانقباض أو انشراح فهذا نوع من إلهام الله عز وجل لك ، والإنسان كلما كان أكثر إيماناً كان أكثر حِكمةً ، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت حِكمته من أعلى مستوى ، لأنه قريب مباشرة من الله عز وجل ، ومن الناس من يمشي في طريق مليءٍ بالحفر والأكمات ، والحشرات المؤذية ، وعلى جانبيه أشجار ثمارها يانعة ، فلو أن لديه مصباحاً كاشفاً فهل يمكن أن يخطئ ؟ لا . إذ بالمصباح الكاشف يرى الحفرة فيتجنبها ، ويرى الأكمة فيبتعد عنها ، ويرى الثمرة فيأكلها ويرى الحشرة فيقتلها ، فمن أين يأتي الحمق ؟ من العمى قال تعالى :

(سورة الحج من الآية 46)

إني لأرى أحياناً أن إنساناً ما يطلّق زوجته بِحُمق ، وبِلا أسباب موجبة في ساعة غضب ، وهذا عَمَى حقاً ، فإذاً الحمق أساسه العَمَى وهو يُردى ، والحِكمة أساسها البصيرة في القلب ، ونتائجها تردي:

(سورة طه)

كان أعمى في الدنيا ، فنسي أمر الله فآل إلى زوايا النسيان والإهمال ، أما نحن المؤمنين إن شاء الله ، فحِكمتُنا في اتّباع القرآن الكريم ، وفي اتّباع السنة المطهرة ، وكلما كنا أكثر إخلاصاً وأكثر ورعاً واستقامةً ألهمنا الله رشدنا ، " اللهم ألهمنا رشدنا وخذ بنواصيها للمواقف الحكيمة " .

أخيراً ، إليكم أيها القراء الكرام قصة لعلكم تعرفونها جميعاً ، حصلت منذ خمسين سنة لإمام وخطيب جامع الورد ، إذ رأى في المنام النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال له عليه الصلاة والسلام : قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة ، وجاره سمّان ، وهو الخطيب والعالم فتمنى لو أنه بمكان هذا الجار ، طرق باب جاره ، ودخل عليه وقال له : لك عندي بشارة ، ولكن والله لا أقولها لك إلا إذا أطلعتني على حقيقة أمرك وماذا فعلت حتى حللت هذه المنزلة عند الله عز وجل ، فامتنع عن الإجابة وبعد إلحاح شديد ، قال : لقد تزوجت امرأة وفي الشهر الخامس تبيّن لي أنها حامل وحملها في الشهر التاسع ، فعلمت أنها قد زلّت قدمها، فكان بإمكاني أن أُطلِقَها وأن أفضحها ، وأن أسحقها ، وأنا محق في ذلك ، والناس يقروني ، فجئت بمولّدة ، فولدت غلاماً ، وحملته تحت عباءتي ، ودخلت إلى جامع الورد بعد أن نوى الإمام صلاة الفجر ووضعت هذا الغلام خلف الباب ، واقتديت بالإمام ، فلما انتهينا من الصلاة بكى المولود ، فتحلّق المصلون حوله واندسست معهم ، قلت ما الخبر ، قالوا : مولود ، فقلت : هاتوه أنا أتكفله ، فأخذته أمام أهل الحي على أنني قد تبنّيته ودفعه لأمه التي ولدته قبل ساعات . ومن بعد ، فهذا تصرف أهل التقوى ، وهذا تصرف أهل الحكمة . وإنه لرجل حكيم .

والحمد لله رب العالمين

* * *

بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"