بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 10 يناير 2014




                                        بسم الله الرحمن الرحيم
                                 

                          نبذة يسيرة عن  حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
                           


                 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : فقد اختلف بنو إسرائيل . وحرفوا وبدلوا في عقيدتهم وشريعتهم فانطمس الحق وظهر الباطل وانتشر الظلم والفساد واحتاجت الأمة إلى دين يحق الحق ويمحق الباطل ويهدي الناس إلى الصراط المستقيم فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه : ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) النحل/64 . 
أرسل الله جميع الأنبياء والرسل للدعوة إلى عبادة الله وحده , وإخراج الناس من الظلمات إلى النور فأولهم نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) النحل/36 . 
وآخر الأنبياء والرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم فلا نبي بعده قال تعالى : ( ما كان محمداً أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) الأحزاب/40 . 
وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة كما قال سبحانه : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ًونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) سبأ/28 . 
وقد أنزل الله على رسوله القرآن يهدي به الناس ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم قال تعالى : ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ) إبراهيم/1 . 
وقد ولد الرسول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي بمكة عام الفيل الذي جاء أصحابه لهدم الكعبة فأبادهم الله وتوفي أبوه وهو في بطن أمه ولما ولد محمد أرضعته حليمة السعدية ثم زار أخواله في المدينة مع أمه آمنة بنت وهب وفي طريق العودة إلى مكة توفيت أمه بالأبواء وعمره ست سنين ثم كفله جده عبد المطلب فمات وعمر محمد ثمان سنين ثم كفله عمه أبو طالب يرعاه ويكرمه ويدافع عنه أكثر من أربعين سنة وتوفي أبو طالب ولم يؤمن بدين محمد خشية أن تعيره قريش بترك دين آبائه . 
وكان محمد في صغره يرعى الغنم لأهل مكة ثم سافر إلى الشام بتجارة لخديجة بنت خويلد وربحت التجارة وأعجبت خديجة بخلقه وصدقه وأمانته فتزوجها وعمره خمس وعشرون سنة وعمرها أربعون سنة ولم يتزوج عليها حتى ماتت . 
وقد أنبت الله محمداً صلى الله عليه وسلم نباتاً حسناً وأدبه فأحسن تأديبه ورباه وعلمه حتى كان أحسن قومه خَلقاً وخُلقاً وأعظمهم مروءة وأوسعهم حلماً وأصدقهم حديثاً وأحفظهم أمانة حتى سماه قومه بالأمين . 
ثم حُبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء الأيام والليالي يتعبد فيه ويدعو ربه وأبغض الأوثان والخمور والرذائل فلم يلتفت إليها في حياته . 
ولما بلغ محمداً صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة شارك قريشاً في بناء الكعبة لما جرفتها السيول فلما تنازعوا في وضع الحجر الأسود حكموه في الأمر فدعا بثوب فوضع الحجر فيه ثم أمر رؤساء القبائل أن يأخذوا بأطرافه فرفعوه جميعاً ثم أخذه محمد فوضعه في مكانه وبنى عليه فرضي الجميع وانقطع النزاع .
وكان لأهل الجاهلية صفات حميدة كالكرم والوفاء والشجاعة وفيهم بقايا من دين إبراهيم كتعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة وإهداء البدن وإلى جانب هذا كانت لهم صفات وعادات ذميمة كالزنا , وشرب الخمور وأكل الربا وقتل البنات والظلم , وعبادة الأصنام . 
وأول من غير دين إبراهيم ودعا إلى عبادة الأصنام عمرو بن لحي الخزاعي فقد جلب الأصنام إلى مكة وغيرها ودعا الناس إلى عبادتها ومنها ود , وسواع , ويغوث , ويعوق, ونسرا . 
ثم اتخذ العرب أصناماً أخرى ومنها صنم مناة بقديد واللات بالطائف والعزى بوادي نخلة وهبل في جوف الكعبة وأصنام حول الكعبة وأصنام في بيوتهم واحتكم الناس إلى الكهان والعرافين والسحرة . 
ولما انتشر الشرك والفساد بهذه الصورة بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وعمره أربعون سنة يدعو الناس إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام فأنكرت عليه قريش ذلك وقالت : ( أجعل الآلهة ألهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ) ص/5 . 
وظلت هذه الأصنام تعبد من دون الله حتى بعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد فكسرها وهدمها هو وأصحابه رضوان الله عليهم فظهر الحق وزهق الباطل : ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ) الإسراء/81 . 
وأول ما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء الذي كان يتعبد فيه حيث جاءه جبريل فأمره أن يقرأ فقال الرسول ما أنا بقارئ فكرر عليه وفي الثالثة قال له : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ) العلق/1-2-3 . 
فرجع الرسول , وفؤاده يرجف , ودخل على زوجته خديجة ثم أخبرها وقال لقد خشيت على نفسي فطمأنته وقالت : ( والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم , وتحمل الكل , وتقرى الضيف , وتكسب المعدوم , وتعين على نوائب الحق ) ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر فلما أخبره بشره وقال له هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى وأوصاه بالصبر إذا آذاه قومه وأخرجوه .
ثم فتر الوحي مدة فحزن الرسول صلى الله عليه وسلم فبينما هو يمشي يوماً إذ رأى الملك مرة أخرى بين السماء والأرض فرجع إلى منزله وتدثر فأنزل الله عليه : ( يا أيها المدثر ، قم فأنذر ) المدثر/1-2 , ثم تتابع الوحي بعد ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم . 
أقام النبي في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعوا إلى عبادة الله وحده سراً ثم جهراً حيث أمره الله أن يصدع بالحق فدعاهم بلين ولطف من غير قتال فأنذر عشيرته الأقربين ثم أنذر قومه ثم أنذر من حولهم ثم أنذر العرب قاطبة ثم أنذر العالمين . ثم قال سبحانه : ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) الحجر/94 . 
وقد آمن بالرسول قلة من الأغنياء والأشراف والضعفاء والفقراء والعبيد رجالاً ونساءً وأوذي الجميع في دينهم فعُذِّبَ بعضهم وقتل بعضهم , وهاجر بعضهم إلى الحبشة فراراً من أذى قريش وأوذي معهم الرسول صلى الله عليه وسلم فصبر حتى أظهر الله دينه . 
ولما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم خمسين سنة ومضى عشر سنوات من بعثته مات عمه أبو طالب الذي كان يحميه من أذى قريش ثم ماتت من بعده زوجته خديجة التي كانت تؤنسه فاشتد عليه البلاء من قومه وتجرؤا عليه وآذوه بصنوف الأذى وهو صابر محتسب . صلوات الله وسلامه عليه . 
ولما اشتد عليه البلاء وتجرأت عليه قريش خرج إلى الطائف ودعا أهلها إلى الإسلام فلم يجيبوه , بل آذوه ورموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه , فرجع إلى مكة وظل يدعوا الناس إلى الإسلام في الحج وغيره . 
ثم أسرى الله برسوله ليلا ًمن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكباً على البراق بصحبة جبريل , فنزل وصلى بالأنبياء ثم عرج به إلى السماء الدنيا فرأى فيها آدم , وأرواح السعداء عن يمينه وأرواح الأشقياء عن شماله ثم عرج به إلى السماء الثانية فرأى فيها عيسى ويحيى ثم إلى الثالثة فرأى فيها يوسف ثم إلى الرابعة فرأى فيها إدريس ثم إلى الخامسة فرأى فيها هارون ثم إلى السادسة فرأى فيها موسى ثم إلى السابعة فرأى فيها إبراهيم ثم رفع إلى سدرة المنتهى ثم كلمه ربه فأكرمه وفرض عليه وعلى أمته خمسين في اليوم والليلة ثم خففها إلى خمس في العمل وخمسين في الأجر واستقرت الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة إكراماً منه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى مكة قبل الصبح فقص عليهم ما جرى له فصدقه المؤمنون وكذبه الكافرون : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) الإسراء/1 . 
ثم هيأ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ينصره فالتقى في موسم الحج برهط من المدينة من الخزرج فأسلموا ثم رجعوا إلى المدينة , ونشروا فيها الإسلام فلما كان العام المقبل صاروا بضعة عشر فالتقى بهم الرسول صلى الله عليه وسلم فلما انصرفوا بعث معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن , ويعلمهم الإسلام فأسلم على يديه خلق كثير , منهم زعماء الأوس سعد بن معاذ , وأسيد بن حضير . 
فلما كان العام المقبل وجاء موسم الحج خرج منهم ما يزيد على سبعين رجلاً من الأوس والخزرج فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن هجره وآذاه أهل مكة , فواعدهم الرسول في إحدى ليالي التشريق عند العقبة فلما مضى ثلث الليل خرجوا للميعاد فوجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس ولم يؤمن إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه فتكلم العباس , والرسول , والقوم بكلام حسن ثم بايعهم الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يهاجر إليهم في المدينة على أن يمنعوه , وينصروه ويدافعوا عنه , ولهم الجنة فبايعوه واحداً, واحدا ً, ثم انصرفوا ثم علمت بهم قريش فخرجوا في طلبهم , ولكن الله نجاهم منهم , وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة إلى حين : ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) الحج/40 . 
ثم أمر الرسول أصحابه بالهجرة إلى المدينة فهاجروا أرسالاً إلا من حبسه المشركون ولم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله وأبو بكر وعلي فلما أحس المشركون بهجرة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة خافوا أن يلحق بهم فيشتد أمره فتآمروا على قتله فأخبر جبريل رسول الله بذلك فأمر الرسول علياً أن يبيت في فراشه , ويرد الودائع التي كانت عند الرسول صلى الله عليه وسلم لأهلها وبات المشركون عند باب الرسول ليقتلوه إذا خرج فخرج من بينهم وذهب إلى بيت أبي بكر بعد أن أنقذه الله من مكرهم وأنزل الله : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) الأنفال/30 . 
ثم عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهجرة إلى المدينة , فخرج هو وأبو بكر إلى غار ثور ومكثا فيه ثلاث ليال واستأجرا عبد الله بن أبي أريقط وكان مشركاً ليدلهما على الطريق , وسلماه راحلتيهما فذعرت قريش لما جرى وطلبتهما في كل مكان , ولكن الله حفظ رسوله فلما سكن الطلب عنهما , ارتحلا إلى المدينة فلما أيست منهما قريش بذلوا لمن يأتي بهما أو بأحدهما مائتين من الإبل فجد الناس في الطلب وفي الطريق إلى المدينة , علم بهما سراقة بن مالك وكان مشركاً فأرادهما فدعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فساخت قوائم فرسه في الأرض فعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ممنوع , وطلب من الرسول أن يدعوا له ولا يضره فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم , فرجع سراقة , ورد الناس عنهما ثم أسلم بعد فتح مكة . 
فلما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كبر المسلمون فرحاً بقدومه واستقبله الرجال والنساء والأطفال فرحين مستبشرين فنزل بقباء وبنى هو والمسلمون مسجد قباء وأقام بها بضع عشرة ليلة ثم ركب يوم الجمعة فصلاها في بني سالم بن عوف ثم ركب ناقته ودخل المدينة والناس محيطون به , آخذون بزمام ناقته لينزل عندهم , فيقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم دعوها فإنها مأمورة فسارت حتى بركت في موضع مسجده اليوم . 
وهيأ الله لرسوله أن ينزل على أخواله قرب المسجد فسكن في منزل أبي أيوب الأنصاري , ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأتي بأهله وبناته وأهل أبي بكر من مكة فجاءوا بهم إلى المدينة . 
ثم شرع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في بناء مسجده في المكان الذي بركت فيه الناقة وجعل قبلته إلى بيت المقدس وجعل عمده الجذوع وسقفه الجريد ثم حولت القبلة إلى الكعبة بعد بضعة عشر شهراً من مقدمه المدينة . 
ثم آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ووادع الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود وكتب بينه وبينهم كتاباً على السلم والدفاع عن المدينة وأسلم حبر اليهود عبد الله بن سلام وأبى عامة اليهود إلا الكفر وفي تلك السنة تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها . 
وفي السنة الثانية شرع الأذان وصرف الله القبلة إلى الكعبة ، وفرض صوم رمضان . 
ولما استقر الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة وأيده الله بنصره والتف المهاجرون والأنصار حوله واجتمعت القلوب عليه عند ذلك رماه المشركون , واليهود والمنافقون عن قوس واحدة فآذوه وافتروا عليه وبارزوه بالمحاربة والله يأمره بالصبر و العفو والصفح فلما اشتد ظلمهم وتفاقم شرهم , أذن الله للمسلمين بالقتال , فنزل قوله تعالى : ( أذن للذين يُقاتِلون بأنهم ظُلموا وإنَّ الله على نصرهم لقدير ) الحج/39 . 
ثم فرض الّله على المسلمين قتال من قاتلهم فقال : ( و قاتلوا في سبيل الّله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الّله لا يحب المعتدين ) البقرة/190 . 
ثم فرض الله عليهم قتال المشركين كافة فقال : ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) التوبة/36 . 
فقام الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله ورد كيد المعتدين ودفع الظلم عن المظلومين وأيده الله بنصره , حتى صار الدين كله لله فقاتل المشركين في بدر في السنة الثانية من الهجرة في رمضان فنصره الله عليهم وفرق جموعهم وفي السنة الثالثة غدر يهود بني قينقاع فقتلوا أحد المسلمين فأجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن المدينة إلى الشام ثم ثأرت قريش لقتلاها في بدر , فعسكرت حول أحد في شوال من السنة الثالثة ودارت المعركة وعصى الرماة أمر الرسول , فلم يتم النصر للمسلمين وانصرف المشركون إلى مكة ولم يدخلوا المدينة . 
ثم غدر يهود بني النضير وهموا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك بإلقاء الحجر عليه فنجاه الله , ثم حاصرهم في السنة الرابعة وأجلاهم إلى خيبر . 
وفي السنة الخامسة غزا الرسول صلى الله عليه وسلم بني المصطلق لرد عدوانهم , فانتصر عليهم وغنم الأموال والسبايا ثم سعى زعماء اليهود في تأليب الأحزاب على المسلمين للقضاء على الإسلام في عقر داره . فاجتمع حول المدينة المشركون والأحباش وغطفان اليهود ثم أحبط الله كيدهم ونصر رسوله والمؤمنين : ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً ) الأحزاب/25 . 
ثم حاصر الرسول صلى الله عليه وسلم يهود بني قريظة لغدرهم , ونقضهم العهد فنصره الله عليهم فقتل الرجال وسبى الذرية وغنم الأموال . 
وفي السنة السادسة عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على زيارة البيت والطواف به فصده المشركون عنه ، فصالحهم في الحديبية على وقف القتال عشر سنين ، يأمن فيها الناس ويختارون ما يريدون فدخل الناس في دين الله أفواجاً . 
وفي السنة السابعة غزا الرسول خيبر للقضاء على زعماء اليهود الذين آذوا المسلمين ، فحاصرهم ونصره الله عليهم وغنم الأموال والأرض وكاتب ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام . 
وفي السنة الثامنة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً بقيادة زيد بن حارثه لتأديب المعتدين ولكن الروم جمعوا جيشاً عظيماً فقتلوا قواد المسلمين وأنجى الله بقية المسلمين من شرهم . 
ثم غدر كفار مكة فنقضوا العهد فتوجه إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم بجيش عظيم وفتح مكة ، وطهر بيته العتيق من الأصنام ، وولاية الكفار . 
ثم كانت غزوة حنين في شوال من السنة الثامنة لرد عدوان ثقيف وهوازن فهزمهم الله وغنم المسلمون مغانم كثيرة ثم واصل الرسول صلى الله عليه وسلم مسيره إلى الطائف وحاصرها ، ولم يأذن الله بفتحها فدعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم وانصرف ، فأسلموا فيما بعد ثم رجع ووزع الغنائم ، ثم اعتمر هو وأصحابه ثم خرجوا إلى المدينة . 
وفي السنة التاسعة كانت غزوة تبوك في زمان عسرة وشدة وحر شديد فسار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك لرد كيد الروم فعسكر هناك ، ولم يلق كيداً وصالح بعض القبائل ، وغنم ثم رجع إلى المدينة وهذه آخر غزوة غزاها عليه الصلاة و السلام وجاءت في تلك السنة وفود القبائل تريد الدخول في الإسلام و منها وفد تميم ووفد طيء ووفد عبد القيس ، ووفد بني حنيفة وكلهم أسلموا ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يحج بالناس في تلك السنة وبعث معه علياً رضي الله عنه وأمره أن يقرأ على الناس سورة براءة للبراءة من المشركين وأمره أن ينادي في الناس فقال علي يوم النحر : ( يا أيها الناس لا يدخل الجنة كافر ، و لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو إلى مدته ) . 
وفي السنة العاشرة عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على الحج , و دعا الناس إلى ذلك فحج معه من المدينة وغيرها خلقٌ كثير فأحرم من ذي الحليفة , و وصل إلى مكة في ذي الحجة وطاف وسعى وعلم الناس مناسكهم وخطب الناس بعرفات خطبة عظيمة جامعة , قرر فيها الأحكام الإسلامية العادلة فقال : ( أيها الناس اسمعوا قولي , فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا , أيها الناس إن دماءكم , وأموالكم , وأعراضكم حرام عليكم , كحرمة يومكم هذا , في شهركم هذا , في بلدكم هذا , ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع , ودماء الجاهلية موضوعة , وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث , كان مسترضعاً في بني سعد , فقتلته هذيل . وربا الجاهلية موضوع , وأول ربا أضع ربا عباس بن عبد المطلب , فإنه موضوع كله , فاتقوا الله في النساء , فإنكم أخذتموهن بأمان الله , واستحللتم فروجهن بكلمة الله , ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه , فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح , ولهن عليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف , وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله , وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون , قالوا نشهد أنك قد بلَّغت , وأديت , ونصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد , اللهم اشهد ثلاث مرات ) . 
ولما أكمل الله هذا الدين , وتقررت أصوله , نزل عليه وهو بعرفات : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) المائدة/3 . 
وتسمى هذه الحجة حجة الوداع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ودع فيها الناس , ولم يحج بعدها ثم رجع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من حجه إلى المدينة . 
وفي السنة الحادية عشرة في شهر صفر بدأ المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم ولما اشتد عليه الوجع أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يصلى بالناس وفي ربيع الأول , زاد عليه المرض فقبض صلوات الله وسلامه عليه ضحى يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة فحزن المسلمون لذلك حزناً شديداً ثم غُسل وصلى عليه المسلمون يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء ودفن في بيت عائشة والرسول قد مات ودينه باق إلى يوم القيامة . 
ثم اختار المسلمون صاحبه في الغار ورفيقه في الهجرة أبا بكر رضي الله عنه خليفة لهم ثم تولى الخلافة من بعده عمر ثم عثمان ثم علي وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون المهديون رضوان الله عليهم أجمعين . 
وقد امتنّ الله على رسوله محمد بنعم عظيمة وأوصاه بالأخلاق الكريمة كما قال سبحانه : ( ألم يجدك يتيماً فآوى ، ووجدك ضالاً فهدى ، ووجدك عائلاً فأغنى ، فأما اليتيم فلا تقهر ، وأما السائل فلا تنهر ، وأما بنعمة ربك فحدث ) الضحى/6-11 . 
وقد أكرم الله رسوله بأخلاق عظيمة لم تجتمع لأحدٍٍ غيره حتى أثنى عليه ربه بقوله : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) القلم/4 . 
وبهذه الأخلاق الكريمة , والصفات الحميدة , استطاع عليه السلام أن يجمع النفوس ويؤلف القلوب بإذن ربه : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) آل عمران/159 . 
وقد أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة وأنزل عليه القرآن وأمره بالدعوة إلى الله كما قال سبحانه : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ) الأحزاب/46 . 
وقد فضل الله رسوله محمداً على غيره من الأنبياء بست فضائل كما قال صلى الله عليه وسلم : ( فضلت على الأنبياء بست , أعطيت جوامع الكلم , ونصرت بالرعب , وأحلت لي الغنائم , وجعلت لي الأرض طهوراً و مسجداً , وأرسلت إلى الناس كافة , وختم بي النبيون ) . رواه مسلم/523 . 
فيجب على جميع الناس الإيمان به , و اتباع شرعه , ليدخلوا جنة ربهم : ( ومن يطع الله و رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ) النساء/13 . 
وقد أثنى الله على من يؤمن بالرسول من أهل الكتاب وبشرهم بالأجر مرتين كما قال سبحانه : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ) القصص/52 -54 . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه و صدقه فله أجران . الخ ) . 
ومن لم يؤمن بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر , والكافر جزاؤه النار كما قال سبحانه : ( ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً ) الفتح/13 , وقال عليه الصلاة و السلام : ( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاَّ كان من أصحاب النار ) . رواه مسلم/154 . 
و الرسول صلى الله عليه وسلم بشر لا يعلم إلا ما علمه الله ولا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً كما قال سبحانه : ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلاَّ نذير وبشير لقوم يؤمنون ) الأعراف/188 . 
وقد أرسله الله بالإسلام ليظهره على الدين كله : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً ) الفتح/28 . 
ومهمة الرسول هي إبلاغ ما أرسل به , والهداية بيد الله : ( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ ) الشورى/48 . 
ولما للرسول صلى الله عليه وسلم من فضل عظيم على البشرية , بدعوتها إلى هذا الدين وإخراجها من الظلمات إلى النور , فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر وأمرنا بالصلاة عليه في حالات كثيرة فقال سبحانه : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليماً ) الأحزاب/21 .
وقد جاهد النبي عليه الصلاة و السلام في سبيل نشر هذا الدين وجاهد أصحابه معه فعلينا الاقتداء به واتباع سنته و السير على هديه كما قال سبحانه : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر و ذكر الله كثيراً ) الأحزاب/21 . 
والإسلام دين الفطرة و العدل دين ارتضاه الله للناس كافة وهو يشتمل على أصول و فروع و آداب و أخلاق و عبادات و معاملات ولن تسعد الأمة إلا باتباعه والعمل به ولن يقبل الله من الناس غيره كما قال سبحانه : ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) آل عمران/85 . 
اللهم صلّ على محمد , وعلى آل محمد , كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد . 

الثلاثاء، 7 يناير 2014

النظام الذي يريده الشعب و يهتف به و يحقق أهداف ثورته المجيدة : هذا النظام العتيد المنشود هو في جملة وحيدة "تحقيق ارادة الشعب" قي العزة و الكرامة و الحرية , لا ليبيرالية مطلقة و لا اشتراكية مطلقة و من بين شبابها و مثقفيها و علمائها و مجتمعها المدني و الأهبي , حكومة لا تظلم شعبها و لا تفسد في الحرث و النسل , تراقب و تحاسب من طرف الشعب ذاته و تحتكم الى مبادئ العدل و المساواة و الحرية و الكرامة الانسانية
و لأن الفساد ظاهرة إنسانية قديمة في الأمم, ولا يكاد يخلو عصر من العصور من ظاهرة الفساد, والفساد سبب كل تخلف يصيب الأمة, وسبب لكل ما يتلوه من أمراض تطيح بأحلام أبناء الأمة وشبابها, والفساد سبب للاستبداد والدكتاتورية وخير معين للطغاة والفاسدين, فأينما وجد فساد وجد التخلف والعكس صحيح, وأينما وجدت الديكتاتورية والاستبداد وجد الفساد والعكس أيضا صحيح, حتى صرنا في ذيل الأمم, وصرنا أكثر الناس تخلفا بعد أن كنا سادة هذا العالم, وصرنا أضعف الناس وأهون الناس بعد أن كنا قادة العالم, على الرغم من أن ديننا الحنيف يحارب الفساد بكل صوره ويقتلع أسبابه وجذوره.
الفساد له الكثير من التعريفات, تشترك في وصفه بأنه إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة في تحقيق كسب خاص, فيعرف معجم أوكسفورد الإنكليزي الفساد بانه انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة وتعرفه منظمة الشفافية الدولية بأنه كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته), ويعرفه البنك الدولي أنه (إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص , وتعريفات الفساد كثيرة تتنوع تبعا لتنوع البيئة المتواجد فيها, ولكنها تدور كلها في فلك التعريفات المذكورة.
تختلف أسباب الفساد من بيئة لأخرى حسب الثقافة السائدة, ولكن هناك أسباب أساسية متواجدة في كل المجتمعات وهى السبب الرئيسى في الفساد, وتبعا لذلك ووفقا لمدى توافر هذه الأسباب الرئيسية تتحدد مدى فاعلية الأسباب الأخرى, ويمكننا أن نتحدث عن تلك الأسباب الرئيسية باختصار فيما يلى:
-
ضعف الإيمان والوازع الدينى, فالنفس الخاوية من الإيمان, التى لا تخشى الله ولا رسوله, لا تبالى بارتكاب المحرمات, ولا تخشى من العقاب الربانى على الفساد في الأرض, ولا تشعر بالضيق ولا بالهم الذى يشعر به المؤمن في حال اقترافه الفساد, بل يزين له الشيطان سوء عمله, ويسمى الأسماء بغير مسمياتها, فتراه بعد فترة لا يخشى من ارتكاب الفساد ولا يستتر من الناس, فيصير الفساد عادة والصلاح منكرا.
-
اتباع الهوى وانتشار الأخلاق الفاسدة، مثل الكذب، والنفاق، والرياء، والغلظة، وسوء الظن، وعدم الوفاء بالعهود، والعقود، وخيانة الأمانة والرشوة والمحسوبية والاحتيال, والهوى ميل في النفس إلى الشئ واتباع الهوى مذمة لما يؤدى إليه من معاصى ومفاسد فقال تعالى داعيا إلى عدم اتباع الهوى " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى " (سورة النازعات) , وقال تعالى محذرا من اتباع الهوى  "وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" (سورة ص :26) , ويقال أنه إنما سمى الهوى لأنه يهوى بصاحبه, فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى في كتابه إلا ذمه، وكذلك في السنة لم يجىء إلا مذموماً إلا ما جاء منه مقيداً بما يخرج معناه عن الذم كقولهم: هوى حسن, وهوى موافق للصواب، وقد قيل: الهوى لايؤمن.
*/ ضعف السلوكيات الطيبة، وانتشار المادية بين الناس وتفكُّك عرى التكافل والتضامن الاجتماعي، وانتشار الأنانية والحقد والكراهية.
*/ فقدان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهو يعتبر صمام أمان للمجتمع من الفساد فإذا غاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فشا الفساد وانتشر.
*/ الحكم بغير ما أنزل الله والتسلط على الناس وكبت الحريات، وتطبيق نظم وقوانين وضعية تخالف شرع الله عز وجل.
أما أسباب الفساد المختلفة حسب البيئة والظروف فنذكر منها على سبيل المثال لا الحصر وباختصار ما يلى:
*/ تمسك الحكام بالسلطة, ومحاولاتهم المستميتة للحفاظ على الكرسي أبد الدهر , وفي سبيل ذلك يفعلون أى شئ, فيعملون على نشر الفساد في أركان ومؤسسات الدولة حتى يقيدوا الناس بقيود من الفساد فلا يطالب الناس بحقهم في حياة كريمة وحريتهم وحقوقهم الأخرى المشروعة, وهذا هو ما يسمى بالفساد الأفقى.
*/ سياسة الخصخصة وتحويل القطاع العام إلى القطاع الخاص وما يشوب تلك العملية من مجاملات ومحاولات الحصول على أكبر قدر من المكاسب.
*/ شعور الناس أن القانون لا يطبق إلا على البسطاء منهم, بينما كبار الفاسدين لا يقترب أحد منهم وهم فوق القانون.
*/ ضعف المجتمع المدنى وتهميش دور مؤسساته في مواجهته والتصدى له.
*/ التفاوت الرهيب في الأجور بين عامة وكبار الموظفين في الدولة بشكل يثير الحنق والغضب لدى البسطاء.
*/ شعور عامة الناس أنهم غرباء أو مواطنون من الدرجة الثانية لأنهم لا يتمتعون بأبسط حقوقهم الآدمية في المأكل والمسكن والعلاج.
*/ تغلب علاقة النسب والقربى على الواجبات والالتزامات الوطنية.
*/ انتشار مظاهر الجهل ونقص المعرفة بالحقوق والواجبات.
*/ضعف الرقابة ومتابعة الأداء الوظيفي, وفي كثير من الحيان يطال الفساد أجهزة الرقابة أيضا, وهذا ينتشر بصورة ملحوظة في دول العالم الثالث.
*/ غياب التشريعات والأنظمة التي تكافح الفساد, أو وجود تشريعات قاصرة في تعريفها لمفهوم الفساد ورؤيتها الجزئية لوسائل محاربته.
*/ ضعف السلطتين القضائية والتشريعية وخضوعها للسلطة التنفيذية.
*/ قوة ترابط وتكاتف الفاسدين والمفسدين ودقة تنظيمهم واتساع نطاقهم.

للفساد صور وأشكال مختلفة, تتنوع أيضا بحسب البيئة والظروف المحيطة, ومن الصعب حصر كل مظاهر وأشكال الفساد, ومن أبرز صور وأشكال الفساد في العصر الحالى وأكثرها انتشارا ما ذكره الدكتور حسين شحاته أستاذ الاقتصاد الإسلامي:
*/ من صور الفساد في مجال المال: السرقة والاختلاس والرشوة، والتربُّح من الوظيفة، واستغلال الجاه والسلطان والربا، والمضاربات والقمار ومنع الزكاة، وصور خيانة الأمانة في المعاملات المالية.
*/ من صور الفساد في مجال العمل: الإهمال والتقصير، والتعدِّي على لوازم العمل، وعدم الإتقان، وعدم الانضباط والالتزام بنظم العمل، والمحسوبية وعدم تكافؤ الفرص، وبخس العامل حقوقه.
*/ من صور الفساد في مجال الاستهلاك والإنفاق: الإسراف والتبذير، والإنفاق الترفي والبذخي والمظهرية، والتقليد غير النافع، وعدم الالتزام بالأولويات الإسلامية.
*/ من صور الفساد في مجال التداول والتجارة: الغش والتدليس، والغرر والجهالة، والغبن والبخس، والمماطلة في أداء الحقوق، والاحتكار والمعاملات الوهمية والرشوة والعمولات الزائفة.
ونضيف إلى ذلك أيضا الواسطة ونهب المال العام, والابتزاز والمحاباة وغير ذلك من المظاهر.
قصور الرؤى المجردة لمحاربة الفساد
قضية محاربة الفساد تشغل الجميع, بدءا من الشعوب وليس انتهاء بالحكومات بل حتى المنظمات الدولية قد عملت أيضا على محاربة الفساد, ووضعت تعريفات للفساد وكذلك سبل ومقترحات لمواجهة هذا الفساد, إلا أن الملاحظ في غالبية هذه السبل المتبعة لمحاربة الفساد هو قصورها في تعريف مفهوم الفساد, وكذلك أسباب الفساد, ومن ثم وجود قصور في سبل معالجة ومحاربة هذا الفساد, علاوة على أن غالبيتها يعالج المشكلة ولا يعالج السبب, ورغم وجود بعض الحلول التى تعالج الأسباب إلا أنها تعالج الأسباب البسيطة وليس الأسباب المتجذرة التى هى الأساس في وجود ظاهرة الفساد وانتشاره في المجتمع.

ما الفساد في القرآن والسنة؟
لقد ذكر الله تعالى الفساد ومشتقات اللفظ في القرآن الكريم في حوالى خمسين آية كريمة, فتارة يتحدث سبحانه وتعالى عن الشرك والكفر والنفاق وهو فساد العقيدة فيقول تعالى " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ " (سورة البقرة) , وذكر الفساد في القرآن بمعنى سفك الدماء وانتهاك الأعراض فقال تعالى " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ " (سورة القصص) , وذكر بمعنى قطيعة الأرحام وقطيعة كل ما أمر به الله تعالى أن يوصل " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ " (سورة محمد)

المراتب الخمس للإفساد في الأرض
وبالنظر إلى الآيات التى تحدث فيها ربنا عز وجل عن الفساد في القرآن, نجد أن فساد البشر على مراتب خمس نوجزها فيما يلى:
1.
إفساد النفس بالإصرار على المعصية والذنب والتولى عن الحق والإعراض عنه, وفعل المحرمات ومخالفة أوامر الله عز وجل.
2.
إفساد الذرية والأتباع والأولاد حيث أنهم يقتدون بالكبار ويقلدونهم في مساوئهم.
3.
إفساد الدائرة المحيطة بالمفسدين عن طريق بث أخلاق وصفات ودعاوى الفساد، وذلك بالإسراف في المعاصي حتى يتعدى أثرها إلى غير أصحابها.
4.
إفساد الدائرة الأوسع في المجتمعات عن طريق إشاعة الأمراض الاجتماعية المفسدة بواسطة المضلين مثل إثارة فتن الشبهات والشهوات، والوقوف في وجه المصلحين وإحداث العقبات في طرقهم زعماً بأنهم يقفون ضد مصالح الناس.
5.
الإفساد الناشئ عن فساد الحكام والقادة والزعماء، وهو الفساد الأكبر، لأن الكبراء إذا فسدوا في أنفسهم فإنهم ينشرون الفساد بقوة نفوذهم واستخدام سلطاتهم وقوتهم.

تصدى الإسلام ومحاربته الفساد
قال الشيخ حسن البنا (الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا, فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة, وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة, وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء, وهو مادة وثروة أو كسب وغنى, وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة, كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء), من هذا التعريف البسيط الذى لا يختلف المسلم الحقيقى على صحته, نفهم أن الإسلام نظام حياة شامل كامل صالح لكل زمان ومكان ويصلح أحوال الناس والمجتمعات في كل زمان ومكان.
إن الدين الإسلامي الحنيف حارب الفساد منذ اليوم الأول لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم, فالإسلام ذاته ثورة ضد الفساد, بدءا من فساد العقيدة فقد جاء ليحرر الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, وجاء ليقضى على الأخلاق الذميمة والعصبيات الجاهلية, وينشر بدلا منها, الأخلاق القويمة الحميدة, وتكون العصبية للدين وحده, جاء ليقضى على كل مظاهر الفساد الاقتصادية والاجتماعية ويؤصل بدلا منها كل ما هو حسن وكل ما من شأنه أن ينهض بالأمة ويجعلها رائدة العالم كله.
إن الإسلام عندما يتعرض لمشكلة من المشاكل فإنه يعالجها بطريقة حكيمة ومنطقية, فالإسلام ينظر إلى أسباب المشكلة الجوهرية ويسعى لعلاجها, فإذا ما عولجت الأسباب فمن السهل حينئذ علاج الأعراض والنتائج, وهكذا هو نهج الإسلام دائما, وفي محاربة الفساد ينتهج الإسلام نفس المنهج القويم, فالإسلام قد نظر إلى هذا الفساد بكل صوره وأشكاله وأعراضه, وأدرك أسباب الخفية والظاهرة وعمل على علاجها علاجا جذريا حقيقيا وليس علاجا صوريا كما هى المناهج العصرية التى ينتهجها الناس اليوم, ثم عالج الفساد بعد حدوثه وحاربه بسبل وطرق لا يستهان بها إطلاقا بل لقد أثبت التاريخ أن النهج الإسلامى هو أنجع السبل في محاربة الفساد, وهذا ليس بالشئ الغريب فالإسلام منهج حياة كامل متكامل صالح لكل زمان ومكان ويصلح كل ما أفسده الناس في كل زمان ومكان.

تنمية الوازع الدينى
لأن جريمة الفساد إنما هى مخالفة صريحة للأوامر الإلهية ولما جاء بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه المطهرة صلى الله عليه وسلم, وهى مخالفة للضمير له أو تغييب له, فهو دليل على ضعف الوازع الدينى لدى الفاسد والمفسد, ولهذا فإن الإسلام يعمل على تنمية وتقوية الوازع الدينى لدى كل أفراد المجتمع حتى يكون الوازع الدينى هو الذى يمنع المرء من ممارسة الفساد وارتكاب جرائمه, فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) , وقد جاء الأمر الإلهى بالإصلاح ودفع الفساد بل والأخذ على يد المفسد حتى يتوقف عن فساده, فقال تعالى في كتابه الكريم " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ " (سورة الأعراف) , وقال عز وجل في نفس السورة " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " , وقال عز وجل " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ "

عدالة اجتماعية
العدالة الاجتماعية هى إعطاء كل فرد ما يستحقه وتوزيع المنافع المادية في المجتمع، و توفير متساوي للاحتياجات الأساسية, كما أنها تعني المساواة في الفرص؛ أي أن كل فرد لديه الفرصة في الصعود الاجتماعي.
ولا يشك عاقل في أن انعدام هذه العدالة الاجتماعية في أى مجتمع من المجتمعات سبب هام جدا من أسباب الفساد مهما كانت القوانين صارمة والعقوبات شديدة والحكومات حازمة في تنفيذ القانون, لذا من الضرورى والحتمى لأى دولة تريد القضاء على الفساد أن تعالج هذه المشكة.
وقد وضع الإسلام قواعدا وأسسا لهذه العدالة الاجتماعية وهى كما ذكرها لنا الشهيد بإذن الله سيد قطب (التحرر الوجدانى المطلق, والمساواة الإنسانية الكاملة, والتكافل الإجتماعى الوثيق) , أما عن وسائل تحقيق العدالة الاجتماعية في الإسلام فقد حددها لنا المفكر الشهيد سيد قطب رحمه الله في سياسة الحكم وسياسة المال في الإسلام فيقول (الإسلام يفرض قواعد العدالة الاجتماعية، ويضمن حقوق الفقراء في أموال الأغنياء، ويضع للحكم وللمال سياسة عادلة، ولا يحتاج لتخدير المشاعر، ولا دعوة الناس لترك حقوقهم على الأرض) , أما سياسة الحكم فللمسلمين الحق في اختيار حاكمهم, والحاكم في الإسلام ملزم بالإنصياع لإرادة الأمة وعدم مخالفة شرع الله وتحقيق الشورى بينهم, وأنه لا يطاع الحاكم في معصية لله وللأمة حق خلع الحاكم طالما أخل بشروط الحكم وعلى رأسها إقامة شرع الله وتحقيق العدل, وأما سياسة المال فقد حفظ الإسلام الملكية الخاصة وحرم التعرض لها ووضع عقوبات رادعة لذلك, ولكن لا تستخدم هذه الملكية فيما يتعارض مع مصلحة الجماعة بل يجب أن تصب فيها, وسياسة المال في الإسلام تقوم على وسيلتين وهما لتشريع المالي الذي يرمي إلى تحقيق المجتمع الصالح, وتوجيه التداول المالي لتطوير الحياة البشرية إلى الأحسن, كما أنها تقوم على قاعدتين مهمتين كما يذكر الشهيد سيد قطب رحمه الله وهما قاعدة الاستخلاف فالمال مال الله، والناس مستخلفون فيه بشرط حفظ شريعة الله فيه، وكل تجاوز للشرط نقض للاستخلاف, وقاعدة التملك المشروط: للفرد حق التملك والاستثمار بشرط الخضوع للشرع وبشرط التكافل الجماعي.
إن هذه العدالة الإجتماعية التى تمتع بها الإسلام ودعا إليها وفرضها منذ اليوم الأول والتى كانت أحد أركان ودعائم الدولة الإسلامية الناشئة بالمدينة المنورة في ظل حقول من الألغام المحيطة بالمدينة وكثرة الأخطار التى تتهددها, وإلا فكيف بمجموعة من الرجال صغيرة العدد فرت من مكة في جنح الظلام معظمهم من الفقراء وبعضهم من العبيد أن تنشئ دولة عظيمة في عشر سنوات من الزمان ثم تقارع كلا الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية, ثم تواجه خطر تمرد القبائل العربية وحروب الردة بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم, لقد كان لابد من صمام أمان لهذه الأمة حتى يشتد عودها وقد كانت العدالة الاجتماعية جزءا من هذا الصمام.

الإسلام يحارب الفقر
قال نيلسون مانديلا (الفقر الواسع النِّطاق، وانعدام المُساواة بشكلٍ فاحش، مِن أسوأ نكبات هذا الزَّمن، حتى إنَّه ينبغي اعتبارهما منَ المساوئ الاجتماعيَّة جنْبًا إلى جنب مع العُبُودية والفصل العُنْصري) , والفقر سبب أساسى من أسباب الفساد في المجتمعات ولهذا فقد جاء الإسلام بعلاج لهذه المشكلة من جذروها.
لقد قرن الرسول والصحابة وعلماء الأمة وأئمتها الفقر بالكفر في كثير من المواقف, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر) , وكان على بن أبى طالب كرم الله وجهه يقول (لو كان الفقر رجلا لقتلته), وقال سفيان الثوري (لأن أجمع عندي أربعين ألف دينار حتى أموت عنها أحب إلي من فقر يوم وذلي في سؤال الناس) وغير ذلك كثير يبين أن الفقر طريق يؤدى إلى الكفر, فإذا كان كذلك فمن باب أولى أن يكون طريقا يؤدى للفساد.
إن علاج مشكلة الفقر في الإسلام منهج متكامل منها ما هو خاص بعلاقة الإنسان بربه وطاعته إياه فطاعة الله سبب لتفريج الهموم وحل المشكلات ومنها ما هو مادى, والإسلام لم يغفل أيا منهما بل جعلهما في خط متواز
ومن وسائل الإسلام في علاج الفقر ما يلى:
حث الإسلام الناس على العمل وطلب الرزق, فقال صلى الله عليه وسلم (ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان، إلاَّ كان له به صدقة) , وقال أيضا (ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبيَّ الله داود كان يأكل من عمل يده) , وغير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة التى تحث على العمل.
الزكاة: فقد فرض الله على المسلمين الزكاة وجعلها المولى عز وجل ركنا من أركان الدين لا يكتمل إسلام المرء وبدونها ومن أجلها قامت حروب الردة ووقف الصديق أبو بكر رضى الله عنها موقفا رائعا رافضا أية محاولة لتثبيط همته في قتال هؤلاء مانعى الزكاة وقال(أينقص الدين وأنا حى) وهذا يوضح أهمية الزكاة في الإسلام, وتطبيق الزكاة في المجتمع يحميه من الفساد حيث أنها تعمل على علاج الفقر, ومن ثم تطيب نفس الفقير تجاه الغنى وتجاه المجتمع ككل, فلا يسعى للسرقة أو الاختلاس ويعمل على حماية المال العام حيث في الحفاظ عليه فائدة تعود عليه وهى حقه في الزكاة إن كان من مستحقيها, ويجب البحث عن سبل وطرق لكيفية تطبيق الزكاة في الوقت المعاصر بشكل يحقق كل الأهداف المرجوة.
التكافل الإجتماعى: وهو ما من شأنه أيضا الحد من الهوة الشاسعة بين طبقات المجتمع وإشعار الفقراء والضعفاء بأن المجتمع لا ينساهم وأنه حريص على القيام بواجبه تجاههم وهذا له آثار إيجابية ويشعر الفقير بالإنتماء للمجتمع ويجعله حريصا على قوة هذا المجتمع بعيدا عن الفساد, وقد كان هذا التكافل موجودا في عهد النبى صلى الله عليه وسلم وفي قرون الإسلام الأولى, وقد كان الصديق رضى الله عنه يكفل مسطح بن أبى أثاثة, حتى تحدث مسطح في حادثة الإفك فقال في عائشة رضى الله عنها قولا شنيعا, فأقسم أبى بكر ألا ينفق عليه ولا يعطيه من ماله لكن الله عز وجل نهاه عن ذلك فعاد الصديق إلى ما كان عليه.
وثمة سبل كثيرة ووسائل مستنبطة من المنهج الإسلامى لمحاربة الفقر لا يتسع المقام لذكرها.

منع المسؤولين وذوى المناصب الكبرى من ممارسة التجارة
كتب أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رحمه الله إلى عماله كتابا فقال فيه (نرى أن لا يتجر إمام ولايحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير متى يتجر يستأثر ويصيب أموراً فيها عنت وإن حرص أن لا يفعل) , والسبب (وذلك إدراكا منه أن ممارسة العمال والولاة للتجارة، لا تخلو من أحد أمرين، إن لم تكن الإثنان معاً: فإما أن ينشغل في تجارته ومتابعتهما عن أمور واحتياجات المسلمين، وإما أن تحدث محاباة له في التجارة لموقعه، ويصيب أموراً ليست له من الحق في شئ، وبهذا القرار سد عمر منفذاً خطيراً قد يؤدي إلى فساد إداري قل ماتتوارى عواقبه)(14) , ما يحدث اليوم من كبار المسؤولين في الدول من فساد عظيم جزء أساسى من سببه قيام المسؤول بممارسة عمل تجارى خاص به.

فتح قنوات الإتصال بين الوالي والرعية
فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتنع عن لقاء الناس, بل كان يقابل كل من أراد لقاءه صلى الله عليه وسلم وعلى هذا سار الخلفاء الراشدون الخمسة المتتابعون وتبعهم على ذلك عمر بن عبدالعزيز الخليفة الراشد رحمه الله, وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المواسم (أما بعد فأيما رجل قدم إلينا في رد مظلمة أو أمر يصلح الله به خاصاً أو عاماً من أمر الدين، فله ما بين مائة دينار إلى ثلاثمائة بقدر ما يرى الحسبة وبعد السفر، لعل الله يجيء به حقاً أو يميت باطلاً، أو يفتح به من ورائه خيراً) , ولا يخفى على عاقل أهمية وجود وسيلة اتصال بين الحاكم والمحكومين, وفي ظل التطور التكنولوجى الهائل يجب على كل الحكام والمسؤولين أن يتواصلوا مع شعوبهم ومحكوميهم ومرؤوسيهم.

التوسعة على الموظفين والمسؤولين وزوى المناصب الكبرى في الأرزاق
وهو عين ما فعله أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه حينما تولى الخلافة, فحتى تكون هناك وقاية من الفساد, يجب أن نسد حاجة هؤلاء الأشخاص حتى لا يضطروا تحت وقع الضغوط المعيشية والحياتية وتحت ضغط المستوى الإجتماعى أن يمدوا أيديهم إلى أموال الناس فيأخذوا منها وهذا من باب سد الذرائع.

النهى عن أخذ الهدايا والهبات للموظفين والمسؤولين
وفي هذا وقاية للمجتمع من الفساد, فما الذى يدفع أى شخص إلى إعطاء هدية لموظف او مسؤول, إلا إذا كان يريد تحقيق مصلحة من ورائه, وحتى لو كان يريد حقه, فهذا الموظف يأخذ راتبا من أجل القيام بعمله فلماذا يأخذ الهدية؟!, وإذا كان يأخذ الهدية من الغنى فماذا يفعل الفقير الذى لا يملك ثمن الهدية؟!, لهذا فإن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله ينهاهم عن قبول الهدايا وقد رد على من قال له: ألم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقبل الهدية؟ فقال (بلى، ولكنها لنا ولمن بعدنا رشوة)

الرقابة المجتمعية (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر)
من خصائص منهج الإسلام في محاربة الفساد هو تميزه منذ قرون عديدة بما نسميه اليوم الرقابة المجتمعية والوقاية المجتمعية من الفساد, فالإسلام يدعو إلى بل يأمر بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقال ربنا عز وجل في كتابه الكريم " وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)" (سورة آل عمران) , وقد اختلف العلماء في حكم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فمنهم من قال بأنه فرض عين ومنهم من قال بأنه فرض كفاية, وله ثلاث درجات بينها لنا النبى صلى الله عليه وسلم فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) , وعن أهمية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في حماية المجتمع من الفساد وما يتبعه من الهلكة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) (18) , وفي الكتاب الكريم والسنة المطهرة من الآيات والأحاديث ما يبين كثيرا من أهمية وفضل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وحينما يتواصى الناس بينهم ويذكرون أنفسهم ليل نهار بالمعروف ويتناهون فيما بينهم عن المنكر ويعملون على تغييره والوقوف سدا منيعا ضده, ليس باستخدام العنف بل باللين والحكمة والموعظة الحسنة, أو بالإستعانة بالسلطة القائمة في مواجهة الفساد, فهذا يقى المجتمع من الفساد, وحينما نصل إلى المرحلة التى يقوم الناس فعلا بهذا الأمر وحين يدرك كل فرد في المجتمع أهمية دوره البسيط هذا في حماية الأمة ونهضتها فنكون قد قطعنا شوطا كبيرا جدا في محاربة الفساد قبل وقوعه وانتشاره في المجتمع ككل.

رقابة السلطة (الحسبة)
كما أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض على المسلمين في شخوصهم فهو أيضا فرض على الحاكم الذى يحكم الدولة الإسلامية, ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته رئيس الدولة الإسلامية يمارس سلطته في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتغييره, والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتغييره هو أحد أهداف قيام الدولة الإسلامية وهو يميزها عن غيرها من الدول, فيقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى (إذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو المعروف ، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر ، وهذا نعت النبي والمؤمنين , وهذا يبين لنا أهمية هذا الأمر في الدولة الإسلامية, (وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملا واحد ، من أعمال الدولة الإسلامية بل هو كل عملها ، هو الذي تسعى وراء تحقيقه بجميع وسائلها وأسبابها . ويخضع له ويعمل كل قسم من أقسامها وكل شعبة من شعبها) , (جميع الولايات الإسلامية مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) , (والولايات كلها الدينية مثل أمرة المؤمنين ، وما دونها من ملك ووزارة وديوانية سواء كانت كتابة خطاب أو كتابة حساب المستخرج أو مصروف أرزاق المقاتلة أو غيرهم ، وبكل إمارة حرب وقضاء وحسبة وفروع هذه الولايات إنما شرعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) , كل هذا غيره الكثير مما لا يتسع المقام لذكره يؤكد أهمية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى تمارسه الدولة.
ولأجل هذه الأهمية فقد أسس أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه وأرضاه نظام الحسبة, وقد اهتم العلماء اهتماما بالغا بنظام الحسبة وألفوا فيه المؤلفت وصنفوا فيه المصنفات ومن أشهر من كتب عنها هو الإمام ابن تيمية في كتابه الماتع (الحسبة في الإسلام).
ومن وظائف المحتسب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ومراقبة الأسواق العامة والموازين والمكاييل والمبايعات وأنواع الغش والتدليس والاحتكار والمعاملات الربوية, ودقة أماكن التربية والتعليم وأن يطلع على سير التعليم ومناهجه وأسلوب تلقينه ... فيعمل على منع ما هو فاسد منه وتشجيع ما هو حسن, ومراقبة الأبنية للتأكد من سلامتها ومطابقتها للمواصفات, ويمكن استحداث أية صلاحيات للمحتسب حتى يتمكن من القيام بعمله على الوجه الأكمل وتكون النتائج مناسبة.
ومن أهم مميزات الحسبة, هى القدرة على كشف الفساد ومواجهته في الحال دون إعطاء الفاسد أية فرصة للمراوغة أو للتهرب وإخفاء جريمته, وكذلك الحسم في القضايا وعدم تعطيل مصالح الناس, والأهم من ذلك أنها تعتبر من أنجع السبل لبث روح الإصلاح ومحاربة الفساد وتشجيع الناس على الكشف والإبلاغ عن المفسدين.
ويجب أن يتم وضع ضوابط للمشتغلين في هيئة الحسبة حتى تحقق النتائج المرجوة منها.

العدل والمساواة أمام القانون والقضاء
إن الإسلام لا يفرق بين الناس أما القانون, فالكل عنده سواء, الحاكم والمحكوم, الغنى والفقير, القوى والضعيف, لا ينحاز الإسلام لأى جهة أو شخص كائنا من كان, ولقد أرسى الإسلام دعائم المساواة بين البشر أمام القانون بآيات بينات من كتاب الله عز وجل وأحاديث صحيحة من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم, قال الله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)" (سورة النساء) , ولا يتحقق العدل في مجتمع من المجتمعات وهناك تمييز بين أفراد هذا المجتمع, فالتمييز ضد العدل, وقال النبى الكريم صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ, مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ, وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ, لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ فَخْرَهُمْ بِرِجَالٍ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِدَّتِهِمْ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنَ)(24) , وقال صلى الله عليه وسلم (لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى) , فالإسلام لا يفرق بين عربى ولا أعجمى, ولا يفرق بين أبيض ولا أسود, لا يفرق الإسلام إلا على أساس تقوى الله, وهذه لا يتعامل القانون معها, فالقانون لا ينقب عن التقى ويعفيه من العقاب ولا يجوز للقضاة ذلك.
ونسوق قصة تدل على العدل في الإسلام والمساواة أمام القانون بين جميع الناس أيا كانوا, ففي عهد النبى صلى الله عليه وسلم سرقت امرأة من بنى مخزوم وكانت سرقتها أن جحدت عارية عندها فرفع أمرها للنبى صلى الله عليه وسلم فأمر بقطع يدها, فجاء أهلها من بنى مخزوم بعد أن استعظموا أن يقول الناس أن امرأة من بنى مخزوم سرقت, إلى على بن أبى طالب يستشفعونه عند النبى صلى الله عليه وسلم فأبى فذهبوا إلى فاطمة الزهراء فأبت, فذهبوا إلى الحب بن الحب أسامة بن زيد رضى الله عنهما فذهب للنبى صلى الله عليه وسلم فغضب النبى صلى الله عليه وسلم وقال (أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فاختطب ثم قال إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) , ووالله لو لم يكن في الإسلام سوى هذا الحديث دليل على المساواة أمام القانون لكفى, فقد أقسم رسول الله أن فاطمة لو سرقت لقطع يدها, وفاطمة هى بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم, وزوجة أمير المؤمنين على بن أبى طالب, ووالدة الحسن والحسين وهى سيدة نساء أهل الجنة, وصاحبة المكانة العالية والمنزلة الرفيعة عند الأمة كلها.

تشديد العقوبة
جاء الإسلام بعقوبات شديدة على عدد من الجرائم، فجريمة السرقة عقوبتها في الإسلام قطع اليد، وهذه جريمة رادعة تجعل كل مجرم أو فاسد أو أي بشر كان، يفكر ألف مرة قبل مجرد التفكير في السرقة، خوفا من هذه العقوبة الشديدة التي ستظل مؤثرة عليه وعلى حياته بقية عمره، ولهذا فإن الذين طبق عليهم حد السرقة في التاريخ الإسلامي عدد قليل، هذا بالإضافة إلى أنه يرد الأموال أو الأشياء التي سرقها إلى أصحابها مرة أخرى، وهذا من عظمة هذا الدين، بخلاف ما نراه اليوم من عقوبات لا قيمة لها، لص يسرق ملايين من خزينة الدولة ولا يسجن سوى بضعة شهور في سجون مكيفة ليخرج ويستمتع بما سرق، وهذا التشديد في العقوبة يحمي المجتمع كله، بل إنه أيضا يمحو الدوافع لدى المجرمين والفاسدين، ويغلق معظم السبل والطرق والثغرات التي يرتكب بها جريمته، لأن تشديد العقوبة يسبقه كما أوضحنا توفير احتياجات أفراد المجتمع، وتحقيق العدالة.

الأحد، 29 ديسمبر 2013

بسم الله الرحمن الرحيم 

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

أحبابي في الله لقد غبت عنكم كثيرا ومضى زمن لم أنزل  دروسا ولاخطبا و لا تقارير لندوات علمية ....

وذلك لأنى سافرت  للعمل خارج البلد.... ولكن اعدكم أنى سأعمل على تقديم بعض الدراسات والندوات ...الاسلامية الحديثة الغاية من ذلك نفع المسلم أينما كان ...أحبكم في الله....  

هذا هو الايميل الخاص لمن أراد المراسلة : hichem.ltaif@gmail.com

السبت، 11 مايو 2013

                 


                                 


الاثنين، 6 مايو 2013



الأكاديمية الإسلامية المفتوحة
الدورة العلمية الثالثة
مقاصد الشريعة (5)
د. عمر بن عمر


تحدثنا في سبق عن المصلحة وتعريفها، ومراتبها، وضوابط المصلحة المعتبرة شرعًا، وأنه لا يُلتفت إلى المصلحة التي لم يعتبرها الشارع، حتى ولو زين لنا الشيطان، أو زينت لنا أهواؤنا بأن هذه مصلحة؛ فلا ينبغي أن يُلتفت إليها، وإنما المصلحة هي التي حددها الشارع، وبينها الله -سبحانه وتعالى- في كتابه، أوبينها رسولنا -صلى الله عليه وسلم- في سنته، أو اجتهد فيها العلماء، وبيَّنَّا كذلك شروط وضوابط مَن أراد أن ينظر في الأفعال هل هي من قبيل المصالح أو ليست من قبيل المصالح.
وانتهى بنا الحديث إلى شروط المصلحة، وقلنا: شروطها تتمثل في أيش؟
1- أن تكون ضرورية.
2- كليَّة.
3- قطعيَّة.
4- لا تتعارض مع النص الشرعي.
5- لا تفوِّت مصلحة أعلى.
إن شاء الله نكون من أصحاب اليمين، وإن شاء الله كما اجتمعنا هنا نجتمع على حوض نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ونشرب منه شربة لا نظمأ بعدها أبدًا. قولوا آمين.
قلنا الشرط الخامس: ألا تفوت مصلحة أكبر منها.
إمامنا الشاطبي -رحمه الله- ذكر قصد الشارع -أو مقاصد الشريعة- وحصرها في أربعة، وهي:
- قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداءً: وهذ ما يعني به المصلحة، وما يتعلق بالمصلحة.
- ثم بعد ذلك قال: قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام: أي أن الشارع ما وضع هذه الشريعة إلا ليفهمها الناس.
ولهذا كما قال الله -سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4].
فهذه الشريعة جاءت لتُفهَم، ولهذا جاءت باللغة العربية وهي مفهومة، والقرآن حمَّال أوجه، ممكن أنت تفهم من هذه الآية شيئًا، والآخر يفهم منها شيئًا آخر، لا حرج.
ولهذا عندما ننظر في تفسير سادتنا العلماء -رحمهم الله- نجد أشياء كثيرة، وكل واحد يفسر بما أوصله الله إليه.
- القصد الثالث، قال: وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها.
- والقصد الرابع قال: وضع الشريعة لإخراج المكلف -هذا فيما معناه- عن داعية أهوائه: أي أن هذه الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن أهوائهم، لأن النفس -كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53]، فالنفس -كما يُقال في الأمثال: "النفس طماعة فعودها القناعة".
ورسولنا -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى ثالث، وما يملأ بطن ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على مَن تاب».
فهذه كما ذكرنا المقاصد الأربعة، هذه التي ذكرها الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات، لكن اليوم -بإذن الله- سنتحدث عن قصد المكلف، أي قصد المكلفين، تحبون المقاصد في أربعة أيام! 45×4 = 180 أي ثلاث ساعات، تحبون تأخذون المقاصد كلها في ثلاث ساعات؟!
ما شاء الله! الناس جلست عليها سنوات حتى تأخذ هذا العلم، فهذا يحتاج إلى طول وقت وإلى صبر وإلى مصابرة حتى نفهم أيش هي مقاصد ديننا وكذا، ولكن ما لا يُدرك كله لا يُترك جُلَّه، معناها: ما لم نستطع إعطاؤه إياكم ؛ نعطيكم في هذا الدرس المبارك في هذا المبارك مع هذه الوجوه المباركة؛ نعطي نوع من الومضات للمقاصد، وبعد ذلك كل منكم يغرف -إن شاء الله- من بحر المقاصد من كتب المقاصد، وإذا ما فهمتوا شيء رقبتي سدَّادة، خذوا التليفون واعملوا دعاية للتليفونات، واسألوا ونجاوبكم.
فنتحدث اليوم -إن شاء الله- عن مقاصد المكلفين.
لأن إخوتي الكرام لماذا مقاصد المكلف؟ لماذا اختيار هذا الموضوع؟
لأن مقاصد الشريعة تظل مجرد شعارات ومجر نظريات إذا لم يكن قصد المكلف موافقًا لقصد الشارع، لابد أن نحسن قصدنا، لابد أن يكون قصدنا حسن، وأن يكون قصدنا صالح حتى يتوافق قصدنا مع قصد الشارع، فالذي يهمنا في هذا الكلام أن قصد المكلف ينبغي أن يكون موافقًا لقصد الشارع، وإذا لم يكن موافقًا لقصد الشارع فمعنى هذا أننا لا نستطيع أن نحقق من قصد الشارع شيئًا.
يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله: "لا ينبغي للمكلف أن يخالف ما قصده الشارع".
وقصد الشارع أيش هو؟
قصد الشارع هو: تحصيل الضروريات وما يكملها.
أيش يكملها؟
الحاجيات والتحسينيات.
فقصد الشارع هو المحافظة على هذه الضروريات وما يكملها، وكل من ابتغى في تكاليف الشريعة ما يُناقدها فهو يناقض الشريعة.
ربي قال: الصلاة. والصلاة كما بيَّن القرآن أن المقصد منها أيش؟
النهي -بارك الله فيكم جميعًا- عن الفحشاء والمنكر، كما قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].
فإذا كان قصد المكلف من هذه الصلاة ليس هذا القصد، وليس هذا الهدف، وليست هذه الغاية؛ وإنما قصده أن يُقال فلان مصلي ما شاء الله عليه!
أحكي لكم نكتة: قال: واحد كان يصلي في المسجد، ففيه اثنين جالسين يرياه يصلي، فالتفوا لبعضهما وقالا: ما شاء الله ما شاء الله! ما أحلى صلاته!
فالتفت لهم وهو يصلي وقال: ومع ذلك فأنا صائم.
يعني زيدوا واشكروا لي.
صلى وصام لأمر أردا أن يقضيه، فلما قضاه فلا صلى ولا صام، فيه ناس هدفهم الرياء -والعياذ بالله.
ولذا حذرنا منه نبينا -صلى الله عليه وسلم- «إياكم والشرك الأصغر».
قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء».
والحديث يطول في الرياء، فلهذا لابد أن يكون قصد المكلف موافقًا لقصد الشارع.
وما الدليل على أن الشارع اهتمَّ بقصد المكلفين؟
في القرآن وفي السنة، قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]، وآية ثانية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام 162، 163].
أي حياتي كلها لله، فيه أنشودة اسمها حياتي كلها لله، ما عندنا وقت! ولو كان عندنا وقت لكنا جئنا بواحد وقلنا له يقول لنا بيتين.
فقصد الإنسان لابد من الاهتمام به، أن حياتك يا مسلم كلها ينبغي أن تتوجه لله -سبحانه وتعالى.
يقول معاذ في جلسة مع أبي موسى الأشعري -والحديث في البخاري- يقول له: "إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي".
ما معنى احتسب نومتي؟
أي أحتسب أجرها عند الله -سبحانه وتعالى-، ونحن إن شاء الله -كما ذكرنا- على أبواب رمضان، ونسأل الله أن يبلغنا رمضان، وإن شاء الله نصومه بالصحة والعافية جميعًا.
فيقول المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم: «مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، ما معنى «واحتسابًا»؟
أي يحتسب أجره عن الله، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9].
فقال: "إني أحتسب نومتي"، أي حتى النوم.
النوم مباح أو لا؟ أو واجب؟
مباح، تحب ترقد؛ ارقد، ما تحب أن ترقد؛ فلا ترقد، نعم.
والأكل مباح في الكل، وهذا موضوع مهم في الموافقات لطلبة العلم، وأن يطلعوا عليه في الجزء الأول عندما تكلم عن المباح، لأن الأحكام التكليفية -إخوتي الكرام- خمسة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والمحرم.
وعند الحنفية سبعة، زادوا "الفرض" قبل "الواجب"، والواجب، وبعده المندوب، وبعده المباح، وبعده المكروه تنزيهًا، وزادوا المكروه تحريمًا، والمحرم، صاروا سبعة.
فالمباح حكم من الحكام التكليفية، فهو: ما لا يُثاب فاعله، ولا يُعاقب تاركه.
تحب تلبس جبَّة بيضاء؛ البس، تحب تلبس جبَّة خضراء؛ البس، لا يأتي واحد يحاسبني يقول لي: لماذا لبست؟!
تحب تلبس غترة -والغترة عند السعوديين بيضاء- تحب تعمل شماغ أحمر؛ اعمل، مباح، كله يدخل في دائرة الإباحة.
تحب تأكل مكرونة؛ كل، تحب تأكل كسكسي؛ كل؛ فهذه كله مباح.
هذا المباح يقول الإمام الشاطبي: "قد يتحول المباح بصالح القصد -والكلام بمعناه ليس بلفظه- إلى عبادة وقربة"، أي أن هذا المباح تحول من شيء لا يؤجر عليه الإنسان إلى شيء يؤجر عليه ويثاب، بماذا؟
بالنية، بالقصد الحسن، بالقصد الصالح.
ولذا يقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
«إنما الأعمال بالنيات»، معناها يا طلبة العلم: هذا فيه موضوع وفيه قاعدة أصولية، وهي دلالة الاقتضاء.
لأن أنواع الدلالات:
- دلالة العبارة.
- ودلالة الإشارة.
- ودلالة النص.
- ودلالة الاقتضاء.
معناها أننا نفهم النصوص، ولهذا إخواننا تبحروا في العلم، اقرؤوا ولا تتعبوا، وما تقول: قرأت كلمتين، أو قرات حديث أو حديثين، حتى لو حفظت القرآن كاملًا؛ لابد لفهم هذا القرآن من علوم، وهي التي يسمونها علوم الآلة، مثل النجار، أليس النجار عنده آلاته أو لا؟
فهذه آلات الصنعة، لازم يكون عندك أيها الطلب للعلم أداوت -آلات- حتى تفهم النص، لأن غدًا ستجلس في هذا المجلس -إن شاء الله- وستجلس في محلس اعلى منه، وتخاطب الناس وتفتي الناس، ستفتي الناس بأيش؟
لازم يكون عندك فهم لما قرره سادتنا العلماء من أول ما جاؤوا من عهد الصحابة، صحيح أصول الفقه لم يكن مدونًا في عهد صحابة رسول الله، وإنما كانوا يفهمونه بالسَّليقة، مثل الشعراء أيام زمان كانوا يقولون الشعر بالسَّليقة حتى جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي فوضوع علم الشعر الذي يسمونه علم العَروض.
الأصول ظل كذلك، بالسَّليقة الناس تفهم أن هذا ناسخ وهذا منسوخ، أن هذا مطلق وهذا مقيد، وأن هذا عام وهذا خاص خصصه، إلى غير ذلك، تفهمها بالسليقة، حتى جاء مَن؟
الإمام الشافعي فكتب كتابه الرسالة، فتعتبر الرسالة هي أول مؤلف ألف في أصول الفقه.
فالرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنما الأعمال »، هل معناها أنه لا عمل بدون نية؟
فيه أعمال بدون نية، طيب كيف الرسول قال: «إنما العمال بالنيات»؟
معناها: كأن قال: ما فيه عمل إلا بالنية.
فهذا الكلام يقتضي كلامًا، أي كأنه قال -صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما العمال المتقبلة ما كانت مصحوبة بنية".
ولهذا قال معاذ: "إني احتسب نومتي كما احتسب قومتي"، ما معنى "قومتي"؟
أي قيام الليل.
معناها: اعتبر هذه النومة التي يرقدها -وهي مباحة- قال أعتبر أجرها كاعتبار أجر صلاة ركعات في الليل.
فانت أيها المسلم إذا حسن وصلح قصدك فهذه الأعمال المباحة تتحول إلى ماذا؟
إلى عبادة.
لما تأتي تأكل لازوم تنوي، أنا آكل لماذا؟
حتى أمشي أهد جبالًا؟! آكل حتى أتقوى على طاعة الله.
أنا سأنام؛ سأنام لماذا؟
لأتقوى على العبادة.
لما نشتري لعبة، أو نشتري حلوى، أو نشتري حاجة؛ نقول: حتى أدخل السرور على إخوتي، أو على أولادي، أو على أحفادي، أو على أبناء إخواني، أو نحو ذلك؛ فتكون هذه هي هدية، ولكنها مصحوبة بنية وبقصد صالح، فتثاب على ذلك.
لما تميط الأذى من الطريق، وكما مرَّ معنا في دروس سابقة للشيخ، نذكركم بانونات الخمسة أم نسيتموها؟
قثال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، هل إماطة الأذى من الطريق تؤجر عليها إذا لم تكن بقصد حسن وبنية صالحة؟
لا، والله أنا في الطريق رأيت هاذ وقلت والله دعه حتى يقولوا معناه كذا وكذا، أحيانًا تلقى الطالب يقول لك: صباح الخير يا أستاذ، السلام عليكم يا أستاذ، أينما ألتفت يأتي يسلم عليَّ، بعد ما أكمل الفصل وما عاد يقرأ عندي؛ يراني يدور وجهه كأنه ما رآني.
طيب، هو يسلم عليَّ لماذا؟!
فيه بعض الطلبة تلقاه مع زميله ما يكلمك طوال العام، لكن قبل الامتحانات أهلا يا فلان، كيف أحوالك؟
خير إن شاء الله، تستغرب! وإذا به بعد قليل يقول: والله أت -ما شاء الله- تحضر الكثير، لو تعطيني الملخص للدروس أوصرها.
فالسلام كان لماذا؟
هل كان لقصد صالح -أي لقصد أخروي- أو لقصد دنيوي؟
وإنما كان لقصد دنيوي، فإذا كان لقصد دنيوي هذا يدخل في حديث الرسول: «فمن كان هجرته لدنيا»، فانت سلامك وتحيتك لأخيك، أو إماطة الأذى أو صلاتك ما كانت لله!
تعرفون -إخوتي الكرام- أول ما تسعر النار يوم القيامة على مَن؟
ثلاثة أصناف، من هم؟
1- عالم، يا لطيف! بدأتم بالعالم ولا حول ولا قوة إلا بالله، الله يعطينا المقصد الحسن.
2- المجاهد.
3- المتصدِّق.
فيؤتى بالعالم، ما فعلت؟
فيقول: يا رب، تعلمت العلم فيك وعلمته.
فيُقال له: كذبت، وإنما تعلمت العلم حتى يُقال فلان عالم وقد قيل، أخذت أجرك في الدنيا، ويؤمر ويُسحب إلى النار -والعياذ بالله.
ثم يؤتى بالمجاهد: ماذا فعلت؟
فيقول: يا ربِّ، جاهدت فيك حتى قتلت.
فيقال له: كذبت، وإنما جاهدت حتى يقال فلان شجاع، وقد قيل، ويُسحب إلى النار.
الثالث: الجواد الكريم المتصدق، فيُسأل فيقول: يا رب تصدقت فيك.
فيُقال له: كذبت، وإنما تصدقت ليُقال فلان جواد، أو فلان كريم، وقد قيل.
وقد ورد في الأثر: "كل الناس هلكى إلا العالمون، وكل العالِمين هلكى إلا العاملون"، والعلم وحده لا يكفي، فلازم من العمل، ولهذا ربي قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف 2، 3].
"فكل الناس هلكى إلا العالمون، وكل العالِمين هلكى إلا العاملون، وكل العاملين هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على وجل"، يا سترك يا رب! الله يخلص النية إن شاء الله.
فهذا قصد مهم بالنسبة للإنسان، فالآن الإمام العز على ذكر هذا يقول: "كل تصرفٍ لم يُحصِّل مقصوده فهو باطل" قاعدة ذهبية.
"كل تصرفٍ لم يُحصِّل مقصوده فهو باطل"، أي كل عمل ما فيه تحقيق لقصد الشرع فهو باطل.
ولهذا قال الله -سبحانه وتعالى- عن الكفار لأن قصدهم لم يكن قصدًا صالحًا، قال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
ننتقل الآن إلى علاقة قصد المكلف بالأفعال التي يقوم بها:
قد يقصد المكلف الموافقة -ما معنى الموافقة؟ أي موافقة الشرع- فيأتي الفعل موافقًا، فهذا لا خلاف في صحته.
نحن نحكم بالصحة، بعض الناس تأتي تسأل ويقول: يا شيخ، صلاتي مقبولة إذا صليت كذا وكذا؟
أقول له: القبول عند الله، وإنما أنا أقول لك أن صلاتك صحيحة أو صلاتك باطلة.
الجمهور لا يفرقون بين الباطل والفاسد، بينما الحنفية يفرقون بين الباطل والفاسد في المعاملات، لكن في العبادات لا فرق، مثلهم كمثل الجمهور، الجمهور كل المذاهب ما عدا الحنفية، الحنفية يفرقون بين الباطل والفاسد في مسألة المعاملات، أما العبادة باطلة أو فاسدة مثل بعض، طيب.
فالإنسان توجه إلى الله -سبحانه وتعالى- بصلاته فجاءت صلاته صحيحة؛ فهذا لا خلاف في صحته.
طيب، إنسان يقصد المخالفة فجاء فعله مخالفًا؛ فهذا لا خلاف في بطلانه، هو من الأول نواها للشر فجاء الشر -والعياذ بالله- نواها مفسدة فجاءت مفسدة.
طيب، الثالث: نوى -أو قصد، لأن النية والقصد مثل بعض- الموافقة فجاء فعله مخالفًا.
خرج للغابة يصطاد، فرأى سوادًا أمامه ظنه غزالة أو حيوان أو شيء، ورمى وإذا به إنسان.
هو نوى ماذا؟ قصده صالح أو غير صالح؟
صالح، لكن جاء الفعل مخالفًا.
مرة في منطقة في بلد خارج البلد هذا على ما أذكر، فكانت الشرطة تطلق النار على الكلاب، دخلت بعض الكلاب المدينة فأطلقوا عليها النار، فسبحان الله! الشرطي أطلق النار، فانطلقت الرصاصة فدخلت في ثقب من الباب فدخلت إلى ولد في بيته فتوفاه الله، فهذا قصده صالح أو فاسد؟
صالح، ولكن جاء الفعل مخالفًا.
فالشاطبي يقسم هذا النوع إلى أنه يعلم أنه خالف أو لا يعلم؟
فهذا نقول باختصار حتى لا نطيل عليم ولا نتشعب في المسألة: أن هذا يُعامل على قصده ونيته.
الرابع: نوى المخالفة فجاء الفعل موافقًا.
يعني مثلًا شاب من الشباب يغازل أو نحو كذا، وإذا بها زوجته! يا ويله!
فهذا يعامل على أيش؟
هل اعتدى على حقوق الناس؟
ما اعتدى على حق أحد، ولكن قصده كان المخالفة، فيُحاسب على الفعل، وإنما يُحاسب على القصد، لأن الأصل في المؤمن ألا يهمَّ ولا يفكر إلا فيما فيه خير، إلا فيما أمر الشرع به.
ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم: «من همَّ -أي من فكر، من قصد- بحسنة ففعلها كُتبت له حسنة إلى عشر أمثالها، ومن همَّ بحسنة ولم يفعلها كتبت له حسنة، ومن همَّ بسيئة وفعلها كتبت له سيئة، ومن هم بسيئة ولم يفعلها كتبت له حسنة»، لكن كتبت له حسنة مباشرة؟
فيه تفصيل، ماذا يقول المثل عندنا؟
"القط إذا ما لحق الشحمة يقول ما أنتنها!".
معناه: أن القط أراد أن يأكل الشحمة -أو اللحمة- فلم يصل إليها، حاول ولم يصل إليه، فلما لم يصل إليه قال: ما أنتنها من لحمة! ما تصلح هذه!
فقد يحاول الإنسان اشلر أو المفسدة، ولكن الحال حال الله، ربي أراد به الخير فلم يصل لها؛ فهذا يُكتب له على النية -على القصد- ولكنه لم يصل.
اما متى تكتب له الحسنة؟
إذا همَّ بسيئة أو بمفسدة ولم يفعلها بإرادته، فهذا تُكتب له حسنة.
ولعلكم تذكرون القصة التي رواها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الثلاثة نفر الذين آواهم المبيت إلى غار، فمن بينهم رجل له ابنة عمٍّ راودها عن نفسها فأبت، حتى جاءت سنة من السنوات العجاف احتاجت إلى مال، فطلبت منه المال فرادوها عن نفسها، قال: ما أعطيكِ المال إلا بكذا، فاستجابت، حتى إذا جلس منها مجلس الرجل من زوجته قالت له: يا فلان، اتقِ الله.
سمعتم الكلمة؟
نحن لما يأتي واح وتقول له: اتقِ الله.
يقول: أنا كفرت؟!
قالت: اتقِ الله، ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقِّه -أي بالزواج.
قال: قمت عنها وتركت لها المال، اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك ففرج عنَّا ما نحن فيه، فتزحزحت الصخرة.
فهذا الرجل معناها لما ترك المعصية تركها لماذا؟
لأنه لم يقدر عليها؟ أو كان أقدر ما يكون عليها؟
كان أقدر ما يكون عليها، ولكنه تركها لله -عز وجل.
ولهذا مريم عندما جاءها جبريل قالت: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18].
وساعات واحد يناديك: يا حاج، يا حاج. لماذا؟
حتى يذكرك بطاعة ربك، فانتبه!
فهذا تقريبًا ما وفقنا الله إليه، والحديث هذا لعل فيه شيء.
سؤال:
أحسن الله إليك، المخطئ الذي قصد النية الحسنة لا يحاسب؟ والله يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: 92] ؟
لا يُحاسب، لأنه قتله هنا، هل يحاسبة ربي -سبحانه وتعالى؟ أين الحساب؟ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: 92]، هل قال: "في عذاب جهنم" أم ماذا قال له وبماذا أمره؟
بالدية، والدية هذه هل هي حق لله أو حق للعباد؟
دائمًا خذوا القاعدة: "أن حقوق العباد مبنية على المشاحة، وحقوق الله مبينة على المسامحة".
فالله سامح في حقه لأنه قتله خطأً ولم يقصد قتله، وإنما حتى لا يذهب دم المؤمن هدرًا أوجب فيه الدية، والدية ليست عليه، وإنما الدية على العاقلة -أي على أقاربه.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يخلص أعمالنا، وأن يجعل قصودنا حسنة، ونياتنا صالحة، وألا نفكر إلا فيما يرضي ربنا، وألا يخطر ببالنا إلا ما يرضي ربنا.
أقول قولي هذا وأستسمح إخوتي الطلاب لأني قصرت بعض الشيء في حقهم، ولو كنا في قاعات الدرس لكان لنا كلام آخر، ولتعمقنا في هذه الدروس، ولكن بحضرة هذه الوجوه النيرة حاولنا -كما يقولون- "نضرب عصفورين بحجر"، لكن أنتم أحببنا نؤكلكم ونؤكل الطلبة بعض الشيء، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينفع بنا وبكم، ويوفقنا وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغعفروه إنه هو الغفور الرحيم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"