بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 6 مايو 2013



الأكاديمية الإسلامية المفتوحة
الدورة العلمية الثالثة
صفة الصلاة (3)
د. سعد الشثري


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد، فهذا اللقاء الثالث من لقاءاتنا في هذه الدورة المباركة نتحدث فيها عن صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- لنكون بذلك ممن امتثل قوله -صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وقد ذكرنا بالأمس كيفية صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الركعة الأولى حتى وصلنا إلى السجود الثاني في أواخر الركعة الأولى.
ونواصل الحديث في ذلك -بإذن الله عز وجل:
إذا فرغ الإنسان من سجوده الثاني في الركعة الأولى فإنه يقوم إلى الركعة الثانية، يقوم على أصابعه، وهل الأولى أن يرفع يديه أو أن يرفع ركبتيه؟
هذا من مواطن الخلاف بين الفقهاء يماثل الخلاف الذي يكون عند نزول الإنسان إلى السجود؛ هل يبتدئ بإنزال ركبتيه أولًا أو يبتدئ بإنزال يديه أولًا؟
وللعملاء في هذه المسألة قولان مشهوران بناءً على الاختلاف في فهم الحديث الوارد في هذا الباب حيث نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن مشابهة البعير في نزلوه، ولذا وقع الخلاف في تفسير كيفية ذلك.
ثم ينبغي أن نلاحظ أن الركعة الأولى تماثلها الركعة الثانية إلا في عدد من المسائل:
أولها: أن الركعة الثانية ليس فيها تكبيرة إحرام، تكبيرة الإحرام إنما تكون في الركعة الأولى، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عن الصلاة: «تحريمها التكبير»، فدل هذا على أن تكبيرة الإحرام إنما تكون في الركعة الأولى.
الثاني: الركعة الثانية فيها تكبيرة انتقال من السجود إلى القيام، والمشروع أن تكون عند الانتقال، وليس فيها رفع لليدين. لماذا؟
لأن في أحد طرفي هذا الانتقال سجود، ومن ثَم لم يُشرع رفع اليدين فيه إلى المنكبين كما ورد ذلك في حال الركوع وحال الرفع منه.
ثالثًا: وهكذا أيضًا هناك فرق في دعاء الاستفتاح وفي التعوذ، فإنه في الركعة الثانية لا يُقال.
ويُفعل في الركعة الثانية كما يُفعل في الركعة الأولى، إلا أنه في آخر الركعة الثانية بعد السجود يجلس الإنسان للتشهد، والمشروع أن يجلس مفترشًا، بأن ينصب رجله اليمنى، وأن يفرش رجله اليسرى، وأن يجعل إليتيه على رجله اليسرى، هذا هو المشروع، سواء كان ذلك في الصلاة الثلاثية أو الصلاة الرباعية أو كان ذلك في الصلاة الثنائية على الصحيح، ففي صلاة الفجر الصواب أنه يفترش كما هو مذهب طائفة من أهل العلم.
وآخرون ذهبوا إلى أنه يتورك، لكن الراجح من القولين أنه يفترش في هذه الحال.
وإذا جلس الإنسان للتشهد وضع يديه على فخذيه، فلا يلقم بهما ركبتيه، وإنما يضعهما على الفخذين، تكون اليد اليسرى ممدودة الأصابع مضمومة الأصابع، ويكن طرف الأصابع عند مبتدأ الركبة.
وأما بالنسبة لليد اليمنى: فإنه يقبض أصابعه، فيقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويشير بالسبابة، وقد ورد في ذلك أحاديث كلها مشروعة.
- فيجوز له أن يقبض الخنصر والبنصر ويجعل الوسطى مع الإبهما كالدائرة.
- ويجوز أن يقبضها، فيجعلها ممسوكة الأطراف، ويشير بأصبعه السبابة.
والصواب: أن في إصبعه السباب يشير عند ذكر الله -عز وجل- وعند التوحيد كما ورد ذلك في الأحاديث، «كلما ذكر الله أشار بأصبعه».
والإشارة بالأصبع تكون برفع السبابة إلى الأعلى، بدون تحريكها إلى جهة اليمين واليسار على الصحيح من أقوال أهل العلم كما هو ظاهر الأحاديث الواردة في هذا الباب.
وبعد ذلك يُشرع له أن يقول التحيَّات، والتحيَّات قد ورد فيها أحديث كثيرة، حديث ابن مسعود، وحديث ابن عباس، وحديث غيرهما من الصحابة، فبأي حديث وبأي لفظ قرأ الإنسان التحيات من هذه الألفاظ الواردة فإنه جائز ولا حرج عليه في ذلك، وتعد صلاته كاملة.
ونحن نختار ما ورد في حديث ابن مسعود، فإنه قد قال: "علمني النبي -صلى الله عليه وسلم- التشهد كفي بكفه وركبتي بركبته كما يعلمنا السورة في القرآن"، ثم ذكر اللفظ: «التحيات لله، والصلوات والطيباب، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله».
ثم قال في حديث ابن مسعود: «ثم ليدعُ بما شاء».
فيجوز للإنسان في هذا الحال أن يدعو، ويجوز له أن يدعو في صلاته بأي أمر يريده، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «ثم ليدعُ بعدُ بما شاء».
فقهاء الحنفية يقولون بأن لا يدعو إلا بالمأثور الوارد في القرآن، أو الوارد عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
قالوا: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين».
وعلماء الحنابلة يقولون بأنه لا يدعو بأمر من ملاذِّ الدنيا، فلا يقول: اللهم ارزقني جارية حسناء، ولا يقول: اللهم أعطني مالًا وفيرًا.
هكذا قالوا.
والصواب: أنه يجوز للإنسان أن يدعو بما شاء من أمور الدنيا والآخرة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثم ليدعُ بما شاء».
ثم إن كانت الصلاة ثنائية قرأ الصلاة الإبراهيمية، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد سأله الصحابة وعرفوه بأنهم قد علموا السلام عليه، فكيف يصلون؟
فأرشدهم إلى الصلاة الإبراهيمية، والصلاة الإبراهيمية وردت بألفاظ متعددة، بأي لفظٍ ذكر الإنسان أجزأه، وقد اختار طائفة من أهل العلم أنه يقول: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد».
ويدعو بعد ذلك بما شاء من الأدعية.
وإن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية لم يذكر الصلاة الإبراهيمية في هذا الموطن وقام للركعة الثالثة، ويُشرع له حينئذٍ أن يكبِّر، ويُشرع له في هذه الحال أيضًا أن يرفع يديه إلى المنكبين على الصحيح كما ورد ذلك في صحيح البخاري، خلافًا لأكثر الفقهاء في هذه المسألة.
ورفع اليدين هنا كرفعها عند تكبيرة الإحرام.
ثم بعد ذلك يقرأ سورة الفاتحة ولا يقرأ سورة أخرى مع سورة الفاتحة في الركعة الثلاثية والرباعية. هذا هو الأصل، وإن قرأها في مرات قليلة فلا حرج عليه في ذلك، فقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه دعا بمثل ذلك.
ثم بعد ذلك في آخر صلاتية سواء كانت ثلاثية كالمغرب أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء يجلس متورِّكًا.
ما معنى كونه متورِّكًا؟
معناها: أن ينصب رجله اليمنى وتكون بجانبه الإيمنو ثم يُدخل رجله اليسرى من تحت رجله اليمنى، ويضع إليته على الأرض ويكون عقب رجله اليسرى تحت إليته اليمنى.
وإن قدَّم رجله لتكون تحت مقدَّم رجله اليمنى فأيضًا هذا وارد عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
ويلاحظ هنا أنه بعد ذلك يُشرع للإنسان أن يسلم، والتسليم قد ورد فيه صيغ متعددة، منها أن يُسلم يمينًا ويسارًا، فيقول: السلام عليكم ورحة الله -على اليمين.
ويقول: السلام عليكم ورحمة الله -على اليسار.
وقد ورد ذلك في أحاديث جماعة كثيرة من الصحابة.
وورد في السنن من حديث عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان يسلم تسليمة واحدة وجاه قبلته».
ولكن المعهود الغالب من النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يسلم التسليمتين، ولذلك قال العلماء بأن التسليمة الأولى متعيِّنة على العبد وهي من الواجبات، كما قال بذلك الجمهور خلافًا للحنفية، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وتحليلها التسليم»، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وكان يُحافظ على التسليم.
وأما التسليمة الثانية فالصواب أنها سنة مستحبة وليست بواجبة متعينة، ومَن تركها لم يؤثر ذلك على صلاته على الصحيح من أقوال أهل العلم.
وبعد الصلاة يُشرع للإنسان أن يستغفر الله ثلاثًا، ثم يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام».
ويشرع له أن يهلل ثلاثًا لورود ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
جاء الفقراء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور -يعني أهل الأموال الكثيرة- بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدقون بها ويعتقون، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم، ولا يكون مثلكم إلا من فعل مثل فعلكم؟».
قالوا: بلى يا رسول الله.
فقال -صلى الله عليه وسلم: «تسبحون الله وتحمدونه وتكبرونه ثلاثًا وثلاثين دبر كل صلاة مكتوبة».
فسمع أهل الأموال مقالة إخوانهم ففعلوا مثل ذلك، فاشتكى الفقراء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مرة أخرى، فقال -صلى الله عليه وسلم: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء».
وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لما سئل أي الدعاء أسمع، قال: «دبر الصلاة المكتوبة، وجوف الليل الآخر».
واختلف العلماء في لفظة «دبر الصلاة المكوبة»، فقال طائفة: المراد بها آخر الصلاة قبل التسليم، كما يُقال: دبر الدابة الذي هو جزء منها، وليس مواليًا لها بعدها.
وقال آخرون بأن المراد بعد السلام، لأنه قد ورد في الحديث السابق قال: «تسبحون الله وتحمدونه وتكبرونه دبر كل صلاة»، وقد وقع الاتفاق على أن المراد بالدبر هنا أن يكون بعد التسليم.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: «لا تدعن دبر كل صلاة مكتوبة أن تقول: اللهم أعني على شكرك وذكرك وحسن عبادتك».
وورد عنه -صلى الله عليه وسلم- قوله «اللهم أغنني بحلالك عن حرامك، واكفني بفضلك عمَّن سواك»، فهذه أدعية مشروعةفي هذا الموطن.
ولم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يرفع يديه بعد الصلوات المكتوبة، وقد حرص الصحابة -رضوان الله عليهم- على نقل أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- كاملة، فنقلوا لنا كيف يضع يديه، وكيف يحرك أصابعه، ونقلوا لنا كل حركة من أجزاء بدنه، ولو كان -صلى الله عليه وسلم- بعد صلاته يرفع يديه بالدعاء لنقل ذلك الصحابة -رضوان الله عليهم- بل من دقتهم في هذا اللأمر أنهم نقلوا لنا ما يكون من النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد صلاة الليل، فقد جاء في حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي -رضي الله عنه- قال: «إن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا فرغ من صلاة الليل قال: سبحان الملك القدوس ثلاثًا يرفع صوته في الثالثة -أو قال: يمد صوته في الثالثة».
فانظر كيف نقلوا لنا تفاصيل كلامه -صلى الله عليه وسلم- حتى فيما يتعلق بصلاته في ليله مما يدلك على أنهم استوفوا نقل أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلواته.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الصلاة يذكر الله ويرفعه الصوت بالذكر، قال ابن عباس: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا برفع الصوت بالذكر"، وفي لفظ "بالتكبير".
ولكنهم لم يكونوا يذكرون الله ذكرًا جماعيًّا؛ بل كل واحد يذكر الله وحده بدون أن يتوافق القول منهم.
ومن الأمور التي ننبِّه عليها في هذا الباب أن هناك مكروهات في الصلاة على الإنسان أن يتعلمها ليجتنبها، من ذلك مثلًا: أن بعض الناس يعتقد أن تغميض العينين يحصل به الخشوع في الصلاة، وهذا فهم خاطئ، أخشع الناس في صلاته هو النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن -صلى الله عليه وسلم- يغمض عينيه، ولذلك يُقال لمن أغمض العينين: ليس هذا من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم.
وكذلك من الأمور المكروهة في الصلاة أن يعبث الإنسان في صلاته بأي نوع من أنواع العبث، وقد ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا كذلك فقال: «لو سكن قلب هذا لسكنت جوارحه».
وهكذا أيضًا يجتنب الإنسان فرقعة الأصابع في الصلاة أو تشبيك الأصابع، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن تشبيك الأصابع قبل الصلاة وقال: إن أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة، فلا يشبكنَّ أحدكم أصابعه»، فدل هذا على أن تشبيك الأصابع في الصلاة من المكروهات.
هكذا من المكروهات أن يصلي الإنسان هو مشتغل البال بأي نوع من أنواع أشغال الدنيا، فقد قال -صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان».
ومن الأمور المتعلقة بالصلاة: أن يتخذ الإنسان سترة في صلاته إذا صلى إمامًا أو صلى منفردًا، وأما بالنسبة للمأموم فإن سترة إمامه سترة له.
وهكذا بعد سلام الإمام فإن المسبوق بعد أن يقوم يجوز له أن يستتر بظهر مَن أمامه، فقد كان الناس يفعلون ذلك من عهد النبوة.
ومن الأمور التي ننبه عليها هنا: أن مَن سها في صلاته شُرع له أن يسجد سجود السهو، وسجود السهو سجدتنا يسجدهما المرء في أواخر الصلاة، يقول فيهما "سبحان ربي الأعلى" كما يقول في سجود الصلاة، وإن دعا فلا بأس في ذلك.
ويُكبر قبل كل سجدة وبعدها، والصواب أنه لا يُشرع أن يجلس للتشهد بعد سجود السهو لعدم ثبوت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلافًا لفقهاء الحنابلة.
والسهو يكون بثلاثة أنواع:
- إما بزيادة أشياء من الصلاة يظنها الإنسان من الصلاة.
- وإما بأن يسلم في أثناء صلاته.
- أو بنقصان واجب ليس بركن، كما لو نسي التشهد الأول.
- أو يكون بورود الشك على الإنسان.
إذا شك الإنسان فإن غلب على ظنه أحد الاحتمالين كما لو شك هل هي ثلاثة أو أربع فحينئذٍ يعمل بغالب ظنه إن كان عنده غالب ظن، فإن لم يكن عندهغالب ظن فإنه يعمل بالأقل. هذا هو مذهب الإمام مالك.
وأرجح الأقوال في هذه المسألة لما ورد من حديث ابن مسعود في الصحيحين وحديث أبي هريرة في السنن.
وبالنسبة لسجود السهو: الأصل أن يكون قبل السلام إلا في ثلاثة مواطن:
الأول: إذا سلم في أثناء صلاته.
والثاني: إذا كان شك في الصلاة وعمل بغالب ظنه.
والموطن الثالث: إذا نسي سجود السهو قبل السلام، فإنه يسجد بعد السلام.
ومن الأمور التي كان يحافظ عليها النبي -صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل.
فقد قال الله -جل وعلا: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79].
وقال -جل وعلا- عن المؤمنين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17].
وقال -جل وعلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة 16، 17].
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحافظ على ثمان ركعاتو وبعد ذلك يصلي الشفع والوتر بإحدى عشرة ركعة.
وقد ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه زاد على ذلك، فثبت من حديث ابن عباس في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى ثلاث عشرة ركعة.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يطيل في صلاة الليل، ويقرأ قراءة كثيرة.
قال حذيفة: "قرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- البقرة، وآل عمران، والنساء".
ومن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم: المحافظة على السنن الرواتب.
قال ابن عمر: "حفظت من النبي -صلى الله عليه وسلم- ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وحدثتني حفصة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي ركعتين قبل الفجر".
فهذه سنن الرواتب تكمِّل النقص الحاصل في صلواتك بالسهو وبالغفلة وبعدم حضور القلب ونحو ذلك، وفيها زيادة أجر وتكثير ثواب.
مثال ذل: في سنة الفجر يقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها».
وهناك قد ورد في حديث عائشة: «أربع ركعات قبل صلاة الظهر»، وبذلك يكون الإنسان قد صلى ثنتي عشر ركعة تطوعًا من غير الفريضة، فيُرجى أن يكون قد بُنيَ له قصر كما ورد ذلك في الحديث.
ومن الأمور التي يُشرع للناس أن يفعلوها: صلاة الوتر.
وقد قال الإمام أبو حنيفة بوجوبها، وجمهور أهل العلم على أنها من السنن المتأكدات وليست من الواجبات.
استدلوا على ذلك: بقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «وأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة»، ولم يكن منها صلاة الوتر.
وصلاة الوتر يجوز أن تُفعل بركعة على الصحيح خلافًا للحنفية، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة»، ويجوز أن تفعل بثلاث وبخمس إلى إحدى عشرة ركعة، فقد ورد ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
ومن الصلوات التي يعظم أجرها وثوابها: صلاة الضحى.
فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «على كل سلامى من ابن آدم صدقة»، ثم ذكر أنواع الصدقات، ثم قال -صلى الله عليه وسلم: «ويُجزئ من ذلك ركعتان يركعهما المرء من الضحى».
ومن الأعمال الصالحة: سجود التلاوة، فهناك آيات في القرآن يُشرع عند نهايتها أن يسجد الإنسان للتلاوة، وهذه السجدة فيها فضل عظيم وثواب جزيل، وجمهور العلماء على أن سجدة التلاوة صلاة يشترط لها شروط الصلاة، فلابد لها من وضوء، ولابد لها من استقبال القبلة، ولابد ان تغطي المرءة رأسها وجميع بدنها غير الوجه واليدين.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن سجود التلاوة ليس صلاة، وبالتالي لا تشترط له هذه الشروط، وورد ذلك عن ابن عمر وعن جماعة من التابعين.
ومن الأمور المتعلقة بهذا: أن نجتنب الصلوات النوافل في أوقات النهي، فهناك خمسة أوقات نهي عن الصلاة فيها:
أولها: من دخول وقت صلاة الفجر: فحينئذٍ إذا أذن للفجر فلا يشرع للناس أن يصلوا إلا سنة الفجر أو صلاة الفجر إلى بدء طلوع الشمس.
والوقت الثاني: من بدء طلوع الشمس إلى ارتفاعها قيد رمح بحيث تستقل عن الأرض.
والوقت الثالث: من توسط الشمس في كبد السماء إلى زوالها.
والوقت الرابع: من بعد صلاة العصر إلى بدء غروب الشمس.
ولاوقت الخامس: من بدء غروب الشمس إلى تمام غروبها.
فهذه أوقات نهي عن الصلاة فيها.
واختلف الفقهاء في ذوات الأسباب هل تفعل في أوقات النهي أو لا تفعل:
- فذهب فقهاء المالكية إلى انها لا تفعل في أوقات انهي.
- وذهب فقهاء الشافعية إلى أنها تفعل في أوقات النهي.
وذوات الأسباب مثل تحية المسجد، فهي ذات سبب، ومثل سنة الوضوء.
- وذهب طائفة من العلماء إلى التفريق بين أوقات النهي، فقالوا بأن أوقات النهي المطولة وهي التي بعد الفجر وبعد العصر؛ يُفعل فيها ذوات الأسباب، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ثبت عنه أنه قضى سنة الظهر البعدية بعد العصر.
وأما أوقات النهي المغلظة، وهي الثلاثة أوقات القليلة فإنها لا تفعل فيها ذوات الأسباب.
واستدلوا على ذلك بما ورد في صحيح مسلم من حديث عقبة بن عارم قال: «ثلاث ساعات نهانا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا»، وذكر فيها هذه الساعات الثلاث المغلظة.
ومن الأمور المتعلقة بالصلوات: أن العبد المؤمن يحرص على أدء صلواته المكتوبة في المسجد، فقد قال الله -عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور 36-38].
ومن الأمور التي وقع الاختلاف فيها: صلاة الجماعة، هل من الواجبات أو ليست من الواجبات المتحتمات؟
وللعلماء في ذلك أربعة اقوال مشهورة:
أولها: قول من يقول أن الجماعة شرط في صحة الصلاة، كما هو مذهب الظاهرية.
والقول الثاني: بأنها سنة، ومعنى كونها سنة: أن من تركها بالكلية فهو آثم، وأما إذا تركها في مرات قليلة فلا يأثم بذلك، وهذا هو مذهب مالك وطائفة.
والوقل الثالث: بأنها مستحبة.
والوقل الرابع: بانها واجبة، لكن تصح الصلاة بدونها. وهذا القول هو الذي تجتمع عليه الأقوال، وتجتمع عليه الأدلة، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل الأعمى الذي جاء يستأذنه في الصلاة في منزله، قال: «هل تسمع النداء؟».
قال: نعم.
قال: «فأجب».
وقال -صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، فأتخلف إلى رجال لا يشهدون الصلاة معنا فأحرِّق عليهم بيوتهم»، فدل هذا على أن صلاة الجماعة من الواجبات.
ومن الأمور التي نرغب فيها أيضًا: أن يحرص الإنسان على أذكار دخول المسجد، إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم»، وقال: «بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك».
وإذا خرج من منزله للمسجد استُحبَّ له أن يقول: «اللهم اجعل في قلبي نورًا، وعلى لساني نورًا، وعن يمين نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن أمامي نورًا، ومن خلفي نورًا، وأعطني نورًا».
فقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله عند خروجه للمسجد.
ويقول الإنسان أيضًا عند خروجه من المنز للمسجد ولغيره: «اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أُضل، أو أذل أ أُذل، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يُجهل عليَّ».
ويحرص الإنسان على التبكير لصلاة الجماعة ليكون في الصفوف الأولى، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عله لاستهموا».
ومن الأمور التي نرغب فيها: أن يحرص الناس على تسوية الصفوف، وعدم وجود انحراف فيها.
وهكذا أيضًا يحرصون على التصافِّ فيها، ويحرصون على وصل الصفوف الأولى، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «مَن وصل صفًّا وصله الله، ومَن قطع صفًّا قطعه الله»، وهكذا.
وأما بالنسبة لصحة الصلاة: فإن مَن صلى في المسجد فتصح صلاته ما دام في المسجد ولو كان بعيدًا عن المصلين، أما مَن صلى خارج المسجد فإنه لا تصح صلاته إلا إذا كانت الصفوف متصلة، فإنه لا يُقل عن الجماعة جماعة إلا لاجتماعهم، فمتى كانوا متفرقين لم يُسموا جماعة.
ويُلاحظ في هذا ألا يصلي الإنسان وحده خلف الصف، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا صلاة لفذٍّ خلف الصفِّ»، ورأى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا يصلي خلف الصف فأمره بالإعادة.
وجمهورأهل العلم يصححون صلاة مَن صلى خلف الصف خصوصًا إن كان محتاجًا.
وفي مذهب أحمد أن مَن صلى وحده خلف الصف فإنه يُعيد الصلاة، لهذه الأحاديث. ومذهب أحمد أسعد بالدليل.
ومن الصلوات التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحرص عليها ويهتم بها: صلاة العيد.
وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- النساء بالخروج إلى صلاة العيد حتى الحيض يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزلن المصلى.
وقالت له امرأة: المرأة لا تجد الجلباب.
قال: «لتُلبسها أختها من جلبابها».
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي صلاة العيد خارج البلد، وكان -صلى الله عليه وسلم- يبتدئ أول ما بتدئ بالصلاة، يبتدئ وقت صلاة العيد من ارتفاع الشمس، ونهاية صلاة العيد عند الجماهير بما قبل الزوال.
وكان -صلى الله عليه وسلم- لا يؤذن لصلاة العيد، ولا يُقيم لها، يبتدئ مباشرة بالصلاة، وكان يصلي صلاة العيد بركعتين، وقد وقع الاختلاف في عدد التكبيرات في صلاة العيد.
- فعند الإمام أبي حنيفة: أنه يكبر في الركعة الأولى بخمس تكبيرات، وفي الركعة الثانية بثلاث تكبيرات.
- وعند الإمام الشافعي: أنه يكبر بثمان تكبيرات في الركعة الأولى تشمل على تكبيرة الإحرام، ويكبر خمس تكبيرات في الركعة الثانية.
- وعند الإمام مالك والإمام أحمد: أنه يُكبِّر سبع تكبيرات في الركعة الأولى، ويكبر خمس تكبيرات في الركعة الثانية، سبع تكبيرات منها تكبيرة الإحرام، وخمس تكبيرات بدون تكبيرة الانتقال.
ولعل مذهب الإمام مالك أرجح الأقوال في هذه المسألة، لأنه هو الوارد في الأحاديث الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
وبعد الفراغ من الصلاة يخطب الناس، وجمهور أهل العلم أنه يخطب خطبتين، وقالوا إن الأحاديث التي فيها ذكر الخطبة مطلقة يفسرها عمل الناس المتناقل بالتواتر من عهد النبوة إلى زماننا الحاضر أنهم يخطبون خطبتين بعد صلاة العيد.
صلاة العيد اختلف العلماء في حكمها:
- فمنهم من رأى أنها من فروض الأعيان، كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة.
- ومنهم مَن رأى أنها من المستحبات.
- ومنهم مَن رأى أنها من فروض الكفايات.
ولعل هذا القول الأخير هو أرجح الأقوال في المسألة.
ومن الصلوات التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر بها: صلاة الخسوف والكسوف.
فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر أصحابه بذلك، قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة».
وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يأمر أيضًا بالأعمال الصالحة، بالصدقة، والعتاقة، والدعاء، والذكر ؛ عند خسوف القمر وكسوف الشمس.
وكان -صلى الله عليه وسلم- يصلي الخسوف والكسوف بركعتين، في كل ركعة ركوعان، فتكون الصلاة مشتملة على أربع ركوعات وربعد سجدات.
وكان -صلى الله عليه وسلم- يطيل القراءة في صلاة الكسوف، وخطب -صلى الله عليه وسلم- بعد صلاة الكسوف، فدل هذا على أن هذه الخطبة من المشروعات كما هو قول الجمهور خلافًا لفقهاء الحنابلة.
ومن الصلوات التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر بها ويحث أصحابه عليها: صلاة الاستسقاء.
فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما رأى أن الناس قد جاءهم الجدب والقحط وقلَّ علهم المطر وعدهم يومًا في المصلى، فخرج صباحًا متخشِّعًا متزلِّلًا متبذِّلًا -صلى الله عليه وسلم- حتى وصل إلى المصلى، فصلى بهم ركعتين كهيئة صلاة العيد، ثم خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- بهم وأكثر من الدعاء.
ومن الصلوات المشروعة أيضًا: صلاة الجنازة.
فإذا مات الميت فإنه يُكرم بالدعاء له، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: «ما من ميت يموت فيصلي عليه جماعة من الناس يبلغون الأربعين -وفي لفظ: صلوا ثلاثة صفوف- إلا شفعهم الله -جل وعلا- فيه».
وصفة صلاة الجنازة: انها بأربعة الكبيرات:
التكبيرة الأولى: يُشرع أن يُقرأ بعدها بسورة الفاتحة بدون أن يكون هناك دعاء استفتاح، وبدون سورة أخرى غير سورة الفاتحة.
وبعد التكبيرة الثانية: تقال الصلاة الإبراهيمية "اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
وبعد التكبيرة الثالثة يشرع أن يدعو الله -جل وعلا- ويخص الميت بأنواع الأدعية، ولا بأس أن يدعو في هذا الحال لغير الميت.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينوِّع أدعيته في صلاة الجنازة، ولذلك ليس هناك دعاء مخصوص، بأي دعاء تدعو به للميت تكون بذلك حققت المشروع في هذا الباب، ولكن إن دعوت بالأدعية الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو أفضل، لثلاثة أمور:
- أنك بذلك أولًا تقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم.
وثانيًا: تكون قد دعوت بالأدعية الجوامع المشتملة على ألفاظ قليلة ومعانٍ كثيرة.
وثالثًا: تأمن من الخطا ومن الزلل في أدعيتك، فكم من إنسان يدعو بدعاء يكون مخالفًا لما ورد في الشرع.
وبعد التكبيرة الرابعة: يشرع للإنسان أن يسلم، وقد ورد عن بعض أهل الحديث أنه يقول: «اللهم لا تفتنَّا بعده»، ثم بعد ذلك يسلم.
وقد وقع الاختلاف بين أهل العلم في رفع اليدين عند تكبيرات الجنازة.
أما التكبيرة الأولى: فمحل اتفاق أنه ترفع الأيدي فيه إلى حذو المناكب، ولكن وقع الخلاف في التكبيرات الأخرى:
• فعند الإمام أحمد والشافعي أنه يستحب رفع اليدين عند هذه التكبيرات.
• وعند الإمام مالك وأبي حنيفة أنه لا يستحب رفع اليدين في هذه المواطن.
ولعل الأظهر هو القول باستحباب رفع اليدين، ولذلك لما ورد في الحديث: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما صلى على النجاشي رفع يديه فكبَّر أربعًا»، فظاهر هذا اللفظ أنه رفع يديه في التكبيرات جميعًا.
ويدل عليه أيضًا ورود هذه التكبيرات عن عدد من الصحابة كابن عمر وزيد وغيرهم، ولم يرد عن غيرهم من الصحابة خلافهم في ذلك، فدل هذا على استحباب رفع الأيدي في هذه المواطن.
وأما بالنسبة للصلاة على الغائب: فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى على النجاشي وهو غائب لم يكن بين يديه.
ووقع الاختلاف بين أهل العلم:
- فقالت طائفة: يُصلى على كل غائب.
- وقال آخرون: لا يُصلى إلا على أهل الفضل والمكانة ممن لهم وقع في نشر دين الله.
- وقال آخرون بأنه إنما يصلي صلاة الغائب الولاة أو مَن أذن لهم الولاة، لأن ذلك لم يكن في عهد النبوة.
هذا شيء مما يتعلق بأحكام الصولات.
أسأل الله -جل وعلا- أن يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة.
أنبه هنا إلى مسألة وهي: صحة الصلاة خلف المخالف في الفروع، فلو كنتُ أرى أن أكل لحم الجزور ينقض الوضوء، ولكني رأيت فقيهًا مالكيًّا أكل لحم جزور فصلى فإنه يجوز لي أن أصلي خلفه، ولا حرج عليه في ذلك، وصلاتي تامَّة، وذلك لأنه تصح صلاته لنفسه، إن صلى باجتهاده فصحَّت إمامته لي.
وهكذا على الصحيح أنه يجوز أن يصلي الإنسان خلف الفاسق سواء بمعصية أو ببدعة، لأن الصحابة -رضوان الله عليهم- صلوا خلف الفسَّاق في زمانهم، وأقرُّوا ذلك ولم يقع بينهم خلاف.
أسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا وإياكم من المحافظين على الصلوات، اللهم انشر الصلاة في الأمة، اللهم أعد الأمة إلى دينك عودًا حميدًا، اللهم يا حي يا قيوم نسألك أن تصلح قلوبنا، اللهم أصلح قلوبنا، اللهم املأها من التقوى، اللهم املأها من مخافتك، اللهم املأها من رجائك، اللهم اجعلنا من المتوكلين عليك برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم ارفع درجاتنا في الجنة، اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى، اللهم يا حي يا قيوم اجمعني بإخواني وأحبتي هؤلاء عند نبيك -صلى الله عليه وسلم- في المقامات العلا من الجنة.
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا.







الأحد، 5 مايو 2013





الأكاديمية الإسلامية المفتوحة
الدورة العلمية الثالثة
صفة الصلاة (2)
د. سعد الشتري


.....
وقد يمرُّ علينا شيء من الخلافات الفقهية بين السادة الفقهاء، ولكن ليس معنى هذا أن الغالب في المسائل هو الخلاف.
فمثلًا في الصلاة: أساس الصلاة وأركانها محل اتفاق بين الفقهاء، فلا تجد فقيهًا يقول: لا تكبر تكبيرة الإحرام، ولا تجد فقيهًا يقول: لا تقرأ سورة الفاتحة، ولا تجد فقيهًا يقول: لا تركع، أو لا تسجد، أو لا تسجد للتشهد؛ فكل هذه مسائل محل اتفاق.
فجوهر الصلاة وعظمها وأركانها محل اتفاق بين الفقهاء، ولكن المسائل الخلافية مسائل يسيرة بالنسبة لأصول مسائل الصلاة، والمسائل الخلافية لها أسباب، ولها ثمرات ونتائج.
فأما الأسباب: فقد لا تصل بعض الأحاديث لبعض الفقهاء، فتخفى عليه السنة لم يعرفها.
وقد يكون ذلك الفقيه ظن أن تلك السنة لم تثبت، أو أنه يقابلها ما هو أقوى منه من الأدلة، ولا يكون الأمر كذلك.
وقد يكون الاختلاف بسبب إساءة الأتباع لفهم كلام الإمام، وإلى غير ذلك من الأسباب.
وهذا الخلاف له ثمرات عظيمة كثيرة، فمن تلك الثمرات:
- نماء البحث العلمي: فيتباحث الناس في مسائل الصلاة، ويتعرفون على أحكامها، لأنهم متى اختلفوا تباحثوا وتناقشوا، ورد بعضهم على بعض، فكان ذلك من أسباب ازدهار العلم ونمائه.
نأتي إلى موضوعنا وهو صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد ذكرنا شيئًا من المقدمات والشروط في مجلسنا الماضي، وفي هذا المجلس -بإذن الله عز وجل- ندخل في صفة الصلاة.
أول ذلك: إذا استقبل الإنسان القبلة يجب عليه أن يصلي قائمًا، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُصلِّ شيئًا من الفرائض إلا وهو قائم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: «صلِّ قائمَا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب»، كما في الصحيح من حديث عمران -رضي الله عنه.
ولما جاء الرجل الذي أساء في صلاته قال له النبي -صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة»، معناه أن القيام ركن من أركان الصلوات.
ثم يستقبل الإنسان القبلة، وينوي الدخول في الصلاة، والنية محلها القلب كما هو مفهوم النية في لغة العرب.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
إذا قصد الإنسان الصلاة يكون قد نوى، إذا علم أنه بعد قليل سيصلي يكون بذلك قد نوى الدخول في الصلاة.
أما التلفظ بالنية فلم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه تلفظ بالنية، ولذلك فهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- هو عدم التلفظ بالنية.
بعد ذلك يُشرع للإنسان أن يُكبر، وبه يدخل في الصلاة، والتكبير يكون بقول: الله أكبـر.
وعند أحمد ومالك لا يُجزئ إلا هذه اللفظة، فلو قال: الله الأكبر؛ لم يُجزئه خلافًا للشافعي. ولو قال: الله أعظم، لم يُجزئه خلافًا للإمام أبي حنيفة.
وكلامنا في نقل صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يُؤثر عنه -صلى الله عليه وسلم- إلا لفظ التكبير في دخوله للصلاة، وفي انتقاله بين أركان الصلاة، جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان يُكبِّر في كل خفض ورفع»، فهذا يشمل ما لو سجد سجود التلاوة في أثناء الصلاة، فإن هذا يُقال له خفض ورفع، ومن ثَم يُشرع له أن يُكبر عند ذهابه لسجود التلاوة، وعند رفعه منه.
تكبيرة الإحرام يتذكر الإنسان بها أن الله أكبر من كل شيء، ومن ثَمَّ يترك الهموم، ويترك الأفكار، ويُقبل على صلاته، لأنه بذلك يُناجي ربه كما ورد في الحديث الصحيح.
إذا كبَّر الإنسان استحضر الخشوع، والخشوع معنى عظيم في الصلاة يؤثر في قلب المصلي، وخشوع الإنسان له أسباب، من تلك الأسباب:
- أن يتفكر فيما سيقرأه في أثناء صلواته، فعندما تتفكر في قراءتك تكون بذلك ممن خشع في أثناء الصلاة.
- هكذا عندما تحرص على تطبيق السنة في جميع أفعالك في الصلاة تكون بذلك ممن خشع في الصلاة.
إذا استحضرت كيف تضه يديك، وكيف تضع قدميك، وكيف تضع ركبتيك، ونحو ذلك؛ حينئذٍ تكون بذلك قد تقربت لله -عز وجل- بهذه الأفعال، وفي نفس الوقت يكون ذلك من أسباب خشوعك في الصلاة.
قال الله -جل وعلا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1، 2].
يُستحب للإنسان عند تكبيرة الإحرام أن يرفع يديه حذو منكبيه. ما هو المنكب؟
المفصل الذي يكون بين الكتف والعضد، فهذا هو المنكب.
ويستحب له -على الصحيح- أن تكون أطراف أصابعه عند فروع أذنيه.
جاء في حديث ابن عمر وأبي حميد وغيرهما أنهما قالا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان يرفع يديه حذو منكبيه».
وفي حديث أبي هريرة أنه «كان يرفع يديه إلى فروع أذنيه»، فنجمع بينهما بأن يكون أسفل الكف حذو المنكبين، وأن تكون الأصابع عند فروع الأذنين، وبذلك نجمعبين الأحاديث الواردة في هذا الباب.
ورفع اليدين في هذا الموكن محل إجماع بين العلماء، وقد ورد رفع اليدين عند تكبيرة الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند الرفع من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة، فهذه المواطن الأربعة يُستحب للإنسان أن يرفع يديه إلى منكبيه فيها، وتكون أصابعه مضمومة ممدودة بعضها إلى جنب بعض، لا فراغات بينها، ممدودة غير مقبوضة.
قال أبو حميد الساعدي: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كبَّر رفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع».
وجاء في حديث ابن عمر إثبات الموطن الرابع: عند القيام من التشهد الأول.
بعد ذلك أي يضع يديه؟
قال جمهور أهل العلم بأنه يضع اليد اليمنى على اليد اليسرى لِمَا ورد من حديث جماعة في صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يضع يده اليمنى على يده اليسرى، وقد أخبر بعض الصحابة أن هذا الفعل من السنة، وبهذا قال جدمهور أهل العلم.
وقال بعض المالكية بانه يستحب أن يسدل يديه، وألا يضع اليد اليمن على اليد اليسرى، وأخذوا ذلك من فعل الإمام مالك، فإن الإمام مالك لما أفتى بأن أيمان المكره غير لازمة ضربه بعض الولاة، لأنهم خشوا من أن يأخذ بعض الناس بهذه الفتوى، فلا يلتزمون بطاعة الولاة؛ فضربوه حتى انخلعت كتفه -رحمه الله- فكان لا يستطيع أن يرفع يديه وأن يقبضهما، فظن أصحابه وتلاميذه بأنه يقول أن السنة في هذا الباب كذلك، وإلا فالإمام مالك قد نصَّ في كتاب الموطأ على استحباب وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى.
ولذلك تكلم بعض فقهاء المالكية على غيره من الفقهاء بالتشنيع عليهم في هذا الباب، فمثلًا لو شاهدت كلام الإمام ابن عبد البر في هذا الباب وفي شرحه في التمهيد لوجدته ينص صراحة على أن مذهب الإمام مالك -رحمه الله- هو قبض اليد اليسرى باليد اليمنى.
أين توضع؟
ليس في ذلك أحاديث ثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورد في حديث أنه على الصدر، لكنه فيه راوٍ متكلَّمٌ فيه عند ابن حبَّان، وورد أنه يضعه فوق السرَّة، وأنه تحت السرَّة، وكلها أحاديث لم تثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
وبكل محل من هذه المحالِّ أخذ بعض الفقهاء، لكن بما أن الباب لا يثبت فيه شيء فنقول: الأمر في هذا واسع، فلا فرق بين موطن وموطن آخر.
كيف يقبض يده اليسرى بيده اليمنى.
ورد أنه يقبض اليدي باليد، وورد أنه يقبض الساعد ويقبض المفصل.
ولذلك نقول: بان المستحب في هذا الباب أن يضع الإنسان يده اليمنى بحيث تكون على جزء من كفه، وعلى المفصل، وعلى جزء من السَّاعد، وبلذك يكون قد امتثل الأحاديث الواردة في هذا الباب.
ماذا يقرأ بعد هذا؟
قال جمهور أهل العلم: يستحب له أن يدعو بدعاء الاستفتاح، وقد ورد في ذلك ألفاظ متعددة، منها ما ورد في حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم: رأيت إسكاتتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيها؟
فقال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد».
والإمام الشافعي اختار ما ورد في حديث علي أنه يقول في دعاء الاستفتاح: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات...»، إلى آخر ما ورد في الآية.
والإمام أحمد كان يختار أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك»، كما ورد ذلك مرفوعًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- وموقوفًا على عمر -رضي الله عنه.
وكل هذه واردة.
والإمام مالك كان يقول بعدم مشروعية دعاء الاستفتاح، لأنه قد ورد في حديث أنس قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] ".
ولذلك قال بعدم مشروعية دعاء الاستفتاح.
وقال الجمهور بان حديث أنس يُراد به ما يتعلق بالقراءة والجهر بها، القراءة المجهور بها، بخلاف ما يُسرُّ به.
وبعد دعاء الاستفتاح يستعيذ من الشيطان، ويبسمل، فإن كان في الصلاة السرية فلا إشكال أنه يبسمل سرًّا، وأما بالنسبة للصلاة الجهرية فعند الإمام الشافعي أنه يستحب له أن يجهر بالبسملة، واستدل على ذلك بأن قال: "هي آية من سورة الفاتحة"، ولذلك يرى كثير من الشافعية بطلان صلاة مَن لم يقرأ بالبسملة.
والصواب: أن البسملة ليست آية من سورة الفاتحة، وإنما هي آية للفصل بين السور وفي مقدمة السور، وذلك لما ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين.
قال الله: حمدني عبدي.
وإذا قال العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
قال الله: أثنى علي عبدي.
وإذا قال العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
قال الله: مجدني عبدي.
وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل.
وإذا قرأ بقية السورة قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل».
فلم يذكر البسملة، مما يدل على أن البسملة ليست آية من سورة الفاتحة، ومن ثَم يُقال بعدم استحباب الجهر بها في الصلوات الجهرية.
ثم بعد ذلك يقرأ سورة الفاتحة، وسورة الفاتحة ركن في الصلاة، وهذا بالنسبة للإمام والمنفرد، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وأخبر أن الصلاة التي لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب خداج، يعني ناقصة.
أما بالنسبة للمأموم:
فقد اختلف الفقهاء في حكم قراءةى الفاتحة بالنسبة للمأموم على ثلاثة أقوال مشهورة:
فالقول الأول: بأن قراءة الفاتحة للمأموم مستحبة في الصلوات الجهرية، والصوات السرية، وليست بواجبة.
والقول الثاني: بأنها واجبة في السرية دون الجهرية.
والقول الثالث: بان قراءة الفاتحة واجبة في الصلوات الجهرية، والصوات السرية.
ومعنى كونها واجبة: أنها تسقط حال العذر كما لو لم يدرك الإنسان إلا الركوع، فإنه يُدرك بذلك الركعة كما في حديث أبي بكرة لما أقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على احتساب الركعة بإدراكه للركوع؛ فدل هذا على أن قراءة الفاتحة ليست بركن.
وأما كونها واجبة فهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، وهو مذهب الإمام الشافعي -رحمه الله- خلافًا لجمهور الفقهاء.
ودليل ذلك: ما ورد في سنن أبي داوود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بأصحابه، فلما فرغ من الصلاة قال: «من ذا الذي ينازوعني بالقراءة؟». ثم قال -صلى الله عليه وسلم: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وهذا الخطاب موجَّه للمأموم، وليس موجهًا للإمام ولا للمنفرد.
وهذا الحديث من رواية ابن إسحاق صاحب السيرة، وهو صدوق ولكنه يدلِّس، فلا يُقبل ما لا يُصرح فيه بالتحديث، وقد صرح بالتحديث كما ورد في بعض أسانيد -أو طرق- هذا الحديث.
ولذلك قلنا بأن قراءة الفاتحة من الواجبات.
وعلى الإنسان أن يتعلم قراءة الفاتحة وأن يضبطها، وأن ينطقها على وِفق لغة العرب بمخارج الحروف المعتادة عند العرب، وأن يتعلم ذلك.
وإذا عجز الإنسان عن حفظها أمكنه أن يكتبها، وأن يستمع إليها، وأن يقرأها في أثناء صلاته.
ثم بعد ذلك يُستحب له أن يقرأ سورة بعد سورة الفاتحة، وذلك في الركعتين الأوليين من الصلوات، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في الصلوات الجهرية ويجهر بالقراءة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: «وإذا قرأ -يعني الإمام- فأنصتوا»، أي استمعوا لقراءته.
وقد قال -عز وجل: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].
وقد حُكيَ اتفاق الصحابة على أن هذه الآية يدخل في مدلولها قراءة الإمام في الصلوات.
دثم بعد ذلك يُستحب للإنسان أن يسكت قليلًا في أثناء القراءة، وقد ورد في بعض الأحاديث قال: «كان يسكت بعد القراءة».
فاختلف الفقهاء في هذه اللفظة: هل المراد بها أنه يسكت بعد قراءة الفاتحة؟ أو أنه يسكت بعد تمام القراءة وقبل الركوع؟
وللعلماء في ذلك قولان مشهوران، ويظهر لي أن المراد بالحديث الإسكاتة بعد قراءة الفاتحة، وقبل قراءة السورة الأخرى.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُنوِّع بين القراءة، فيقرأ مرة بقصار السور، ومرة بطوالها، وكان الغالب في صلاة الفجر أن يطول فيه القراءة، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78].
وأما بالنسبة لصلاة المغرب: فكان يقرأ فيها بقصار السور، وربما قرأ فيها بالمتوسط منها، فقرأ مرة بالمرسلات، ومرة بالطور، وربما قرأ بالطوال، فقد ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه «قرأ بسورة الأعراف في صلاة المغرب».
وأما بالنسبة لصلاة العشاء: فقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل إلى أن يقرأ في صلاة العشاء بـ "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى" والغاشية، وما تلاهما من السور.
وأما بالنسبة لصلاة الفجر: فكان -كما تقدم- يطيل القراءة، وربما قلَّل القراءة، وفقد ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- «أنه قرأ في سورة الفجر بسورة "والتين"»، ولكن أكثر أهل العلم يقولون بأنه قراها في السفر، ولم يقرأها في الحضر.
ثم بعد ذلك يُكبر، وهذه التكبيرة تكبيرة الركوع، يركع ويكبر في أثناء الركوع.
ويستحب أن تكون التكبيرة في أثناء الانتقال، بحيث يبتدئ بها مع بدء الانتقال، وينتهي مع انتهاء الانتقال، واستقراره في الركوع، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكبر في الركوع في كل خفضٍ ورفع، وجعل هذا التكبير للانتقال، ولذلك قلنا يستحب أن يكون التكبير في أثناء الانتقال.
وإذا كبر في أثناء انتقاله يُستحب له في هذه الحال أن يرفع يديه -كما تقدم- وقد ورد ذلك في الأحدايث الصحيحة، ورفع اليدين هو قول لجماهير أهل العلم خلافًا للإمام أبي حنيفة، وقد ورد في رفع اليدين في هذا الموطن عن قرابة خمسة عشر صحابيًّا.
والإمام أبو حنيفة يستدل بما ورد في السنن من حديث ابن مسعود: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، ثم لا يعود»، ولكن هذا الحديث ضعيف الإسناد جدًّا، ولم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن ثَم قيل باستحباب رفع اليدين في المواطن الثلاثة الأخرى.
إذا كبر للركوع وركع فإنه حينئذٍ يساوي ظهره، وقد ورد في حديث لأبي حميد قال: «ثم هصر ظهره».
وقد ورد في بعض الألفاظ «أنه يساوي رأسه مع ظهرها»، وأنه «لو صُبَّ الماء على ظهره لم يسقط منه شيئ»، كما ورد ذلك في الخبر.
وقد ورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه».
كانوا في أول الإسلام يضعون اليدين بين الركبتين، ثم بعد ذلك نُسخ فجُعل وضع اليدين على الركبتين، ويُشرع أن يُفرق بين أصابعه، وقد ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان يُجافي بين يديه وعضديه»، يجعل بينهما مجالًا، ولا يُلصق اليد بالجنب.
ثم بعد ذلك يقول في أثناء الركوع: «سبحان ربي العظيم»، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «أما الركوع فعظموا فيه الرب».
وورد في الحديث أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74]، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في كوعكم».
ويستحب عند العلماء أن يقولها ثلاثة، والواجب عند أحمد أن يقولها واحدة، والجمهور يقولون بأنها من المستحبات، ومذهب أحمد في القول بالوجوب أرجح، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أمر بذلك فقال: «اجعلوها في ركوعكم»، وقال: «فعظموا»، والأصل في ألفاظ الأوامر أن تكون للوجوب، ولكنها ليست من الأركان، فمن تركها نسيانًا لم تبطل صلاته بذلك، بخلاف مَن ترك الركوع.
ثم بعد ذلك يرفع من الركوع ويقول: «سمع الله من حمده»، بمعنى: استجاب له، استجاب الله -جل وعلا- لمن يحمده.
وحينئذٍ نقول: يُتسحب لمن يدعو الله أن يحمد الله -جل وعلا- في أثناء الدعاء، وأن يتقرب بذلك لله -جل وعلا- ليكون ذلك من أسباب استجابة الدعاء.
وقد ورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلًا يدعو لم يحمد الله في جعائه ولم يُصلِّ على نبيه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «لقد عجل هذا»، ثم أرشد أصحابه إلى أن يحمدوا الله، وأن يصلوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعائهم.
ثم بعد ذلك يقف ويعود إلى وقوفه السابق، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال: «وإذا قال -يعني الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد».
وقد وردت بألفاظ متعددة:
- ورد بلفظ: «ربنا لك الحمد».
- و «ربنا ولك الحمد» بزيادة الواو.
- وورد بلفظ: «اللهم ربنا لك المحمد»، بزيادة "اللهم".
- وورد بلفظ: «اللهم ربنا ولك الحمد»، بزيادة "اللهم" والواو.
وكلها ثابتة على الصحيح.
وإذا قال الإنسان أيَّ هذه الألفاظ فإنه يُجزئ.
فإن سأل سائل: أيها أفضل؟
قلنا: الأفضل فيها لأكثر في الألفاظ، لأن كل لفظ ينطقه الإنسان في صلاته يؤجر عليه.
ثم بعد ذلك يُشرع للإنسان أن يذكر الله -جل وعلا- وقد ورد في ذلك أن رجلًا قال: "اللهم لك الحمد حمدًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى"، فابتدرته الملائكة ليسجلوا لفظه.
أما بالنسبة لوضع اليدين؛ فما المشروع في اليدين في هذه الحال؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال مشهورة:
- فعند الإمام مالك وأبي حنيفة: أنه لا يُشرع وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في هذا الموطن.
- وعند الإمام أحمد أو وضع اليد اليمنى على اليسرى والسدل سواء، فيرى أن القبض والسَّدل سواء بالنسبة لما بعد الركوع.
- ويرى الإمام الشافعي استحباب القبض.
ولعل مذهب الإمام الشافعي في هذه المسألة أرجح، لأمرين:
• الأمر الأول: ما ورد في الأحاديث قال: «كنا نؤمر بوضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة»، ولم يفرق بين ما كان قبل الركوع، وما كان بعده.
• الدليل الثاني: ما ورد في حديث أبي حميد الساعدي أنه قال: «فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل عظم -أو قال: كل فقار- إلى مكانه»، وكان مكان اليدين قبل الركوع هو كونهما مقبوضتين.
ولهذا فإن القول بالقبض أرجح القولين في هذه المسألة، والخلاف فيها من قديم وليس خلافًا ناشئًا.
ثم بعد ذلك يستحب للإنسان أن يذكر الله -عز وجل- في هذا الموطن.
وأما بالنسبة لدعاء القنوت:
- فإن كان في النوازل فإن يُشرع دعاء القنوت على الصحيح من أقوال أهل العلم، لما ورد في حديث أنس «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قنت شهرًا يدعو على قبائل من العرب قتلوا القراء»، فدل هذا على مشروعية قنوت النوازل.
وقد اختلف الفقهاء في قنوت النوازل هل يختص بالفجر أو يختص بالصلوات الجهرية أو يكون عامًّا في جميع الصلوات؟
والأظهر أنه يُشرع في جميع الصلوات، ولكنه ليس على سبيل الوجوب، وذلك لأنه قد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- القنوت في كل منها، فدل ذلك على مشروعيتها في الجميع.
- وأما بالنسبة للقنوت في صلاة الفجر في غير النوازل: فقد اختاره طائفة من أهل العلم، وهو مذهب الإمام الشافعي، وقول لكثير من المالكيَّة.
واستدلوا على ذلك بما ورد في حديث أنس، والجمهور على أن دعاء القنوت في الفجر إنما يكون في النوازل خاصَّة، ولا يكون لجميع الأيام.
استدلوا على ذلك بأن أحاديث القنوت قيَّدته بشهر، واستدلوا بما ورد من حديث أبي برزة أنه قال عن القنوت في الفجر: "يا بني محدَث"، يعني أنه أمر جديد لم يكن عليه أهل الزمان الأول.
ثم بعد ذلك يُشرع للإنسان أن يسجد، والسجود من واجبات الصلاة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77]، فهو ركن فيها، مَن لم يسجد في صلاته بطلت صلاته، وليست صلاته بصحيحة إلا أن يكون عاجزًا عن السجود.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، قمننٌ أن يُستجاب لكم».
ويُشرع للإنسان عند السجود وعند الهوي إلى الأرض أن يُكبِّر دون أن يرفع يديه لما ورد في حديث ابن عمر أنه لما ذكر رفع اليدين حذو المنكبين قال: «ولم يكن يفعل ذلك عند السجود»، فأي انتقال يكون قبل السجود أو بعد السجود فإنه لا يُشرع فيه رفع اليدين حذو المنكبين.
وأما الانتقال الذي قبله سجود وليس بعده سجود فإنه يُشرع فيه رفع اليدين لما ورد من حديث ابن عمر في هذا الباب.
ثم يقول في أثناء النزول لسجوده: الله أكبر، فهذا ذكر مشروع عند كل انتقال.
يقول في أثناء السجود: "سبحان ربي الأعلى".
قال أحمد بجوب ذلك خلافًا للجمهور.
واستدل على ذلك بانه لما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في سجودكم»، وهذا حديث حسن الإسناد، والطلب فيه قد جاء بصيغة الأمر، والأصل في الأوامر أن تكون للوجوب.
والواجب أن يقولها الإنسان مرة، وإذا قالها ثلاثًا فحينئذٍ وصل درجة الكمال، وإن زاد أو اكثر من الأدعية والأذكار في أثناء السجود فإنه يكون حينئذٍ يُرجى له أن يكون قد نال الأجر والثواب من رب العزة والجلال.
وأما بالنسبة لكيفية السجود: فإنه يسجد بجعل الأعضاء السبعة على الأرض، جاء في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم». ما هي هذه الأعظم؟
أولًا: أصابع القدمين.
وثانيًا: الركبتان.
هذه أربعة.
ثالثًا: اليدان. هذه ستة.
رابعًا: الجبهة والأنف. هذا هو السابع.
فهذه سبعة أعضاء يجب على الإنسان أن يضع هذه الأعضاء على الأرض، وإذا لم يضعها على الأرض فإن سجوده لا يكون تامًّا؛ بل يكون سجودًا باطلًا، ولا تصح صلاته حينئذٍ.
ولو قُدِّر أنه وضع هذه الأعضاء ولو للحظة أجزأته.
ولا يجب أن تصل إلى الأرض، يعني لو سجد على شيء غير مباشر كما لو سجد على طرف ثوبه، أو سجد على كوفيَّته، أو سجد على شيء من ثيابه، أو كان عليه جوارب أو خِفاف؛ فحينئذٍ يُقال له بأنه قد سجد على الأعضاء السبعة.
مَن عجز عن السجود على جبهته سقط عنه السجود كله، وحينئذٍ مَن كان يصلي على الكرسي لعجز فإنه لا يضع شيئًا أمامه يسجد عليه، وإنما يومئ بالسجود إيماءً، ولا يُشرع له في هذه الحال أن يضع سجادة أو يضع طاولة ليسجد عليها.
وبالنسبة لأصابع القدمين: يستحب أن تكون أصابع القدمين موجَّهة إلى جهة القبلة بأن يميلهما ويضغط عليهما قليلًا لتكون متوجهة إلى القبلة.
ويُلاحظ أن بعض الناس عند السجود قد يرفع قدميه ولا يجعلهما على الأرض، فهذا خطأ ولا تتم الصلاة بذلك.
وهكذا أيضًا بالنسبة لليدين: يستحب أن تضم الأصابع وألا تفرق، وأن تكون الأصابع ممدودة، وأن تكون حذو منكبيه على وِفق رفعه لليدين في تكبيرة الإحرام. فهذا هو المشروع.
ويستحب للرجل أن يجافي بين عضديه، وألا يجعل يديه مجاورتين لجنبيه إذا لم يُضايق لمن حوله.
وهكذا أيضًا يستحب له أن يُطيل في سجوده، يمعنى أن يباعد بين محل سجوده وبين محلِّ ركبتيه.
وهكذا أيضًا لابد من وضع الكفين على الأرض، فلا يصح أن يضع كفيه على فخذيه، فإنه لا تصح الصلاة في هذه الحال، ولا يصح له أن يضع يديه على رأسه فتبطل الصلاة حينئذٍ.
ويجب على الإنسان أن يرفع مرفقيه وساعديه عن الأرض، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عن انبساطٍ كانبساط الكلب.
وبعد ذلك يُشرع له أن يجلس، وأن يكبر عند الجلوس، ويشرع له في هذا الجلوس أن يكون مفترشًا.
ما معنى كونه مفترشًا؟
أن ينصب رجله اليمنى، وأن يجلس على رجله اليسرى التي يضعها مفروشة على الأرض، هذا هو الصحيح من قولي أهل العلم في كيفية الجلوس.
ويشرع له في اليدين أن يضع يديه مضمومة الأضابع على فخذيه، فلا يجعلهما على ركبتيه، وإنما يجعلهما على فخذيه، بحيث يكون أطراف الأصابع قبل الركبتين بقليل.
وأما ما يفعله الناس من قبض الركبتين باليد فهذا ليس واردًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلاف ما ورد عنه -صلى الله عليه وسلم.
ماذا يقول في الجلسة بين السجدتين؟
يدعو الله -عز وجل- بما حضر عنده، وإن قال: «رب اغفر لي، وراحمني، وعافني واعفُ عني، وارزقني»، فهذا أيضًا من الأذكار الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
ثم بعد ذلك يُكبِّر للسجود بدون رفع اليدينو تكون تكبيرته موازية لانتقاله أولها بأولها، وآخر التكبير بآخر الانتقال، ويفعل في سجدته الثانية كما فعل في السجدة الأولى.
وبذلك نكون قد أتممنا الركعة، ولعلنا نواصل ما يتعلق بصفة الصلاة في يوم غدٍ -بإذن الله عز وجل.
أسأل الله -جل وعلا- أن يسبغ عليكم نعمه، وأن يدر عليكم خيراته، وأن يرزقكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يجعلكم من الهداة المهتدين.
اللهم أصلح قلوبنا جميعًا، اللهم يا حي يا قيوم املأها من التقوى والسرور والسَّكينة برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واجعل أعمالنا على البر والتقوى برحمتك يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم اجعلنا من المحافظين على صلواتنا، واللهم اجعلنا ممن يحافظ على الصلاة مع الجماعة، وممن يؤديها على أكمل وجوهها برحمتك يا أرحم الراحمين.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات 180-182].


ه �J �0� � `�� @� �ته وبرحمته بامته: «ربِّ أصحابي أصحابي».
فيُقال: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».
الإحداث في الدين من أعظم ما يصد الناس عن كوثر سيد المرسلين -عليه الصلاة والسلام- وعن حوضه -عليه أفضل الصلاة واتم السلام.
الركن السادس من أركان الإيمان: الإيمان باليوم بالقدر خيره وشره.
الإيمان بالقدر دلَّ عليه كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ما هي الآية في القرآن تدل على الإيمان بالقدر؟
 ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49].
ودلَّ عليه سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنها هذا الحديث -حديث جبريل عليه السلام.
الإيمان بالقدر من الأمور التي كانت فيها بوادر إحداث البدع في الإسلام، حينما نبتت نابتة في عهد الصحابة يُنكرون علم الله -جل وعلا- فكفَّرهم الصحابة -رضوان الله عليهم- ثم اندثرت هذه المقالة.
كيف نؤمن بالقضاء والقدر؟
أربعة أركان للمسلم في إيمانه بقضاء الله وقدره:
الركن الأول: الإيمان بعلم الله -جل وعلا.
فالله -سبحانه وتعالى- علم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
فالله -سبحانه وتعالى- لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: 61]، وقال -سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282].
فالركن الأول من أركان الإيمان: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء، ولا نقول كما يقول بعض أهل البدع أن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا- بل الله -سبحانه وتعالى- يعلم كل شيء -عز وجل.
الأمر الثاني في الإيمان بالقضاء والقدر: الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء.
قال -عز وجل: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12].
وقال -صلى الله عليه وسلم- واسمع لهذا الحديث فإنه يدل على عظمة الله: «لما خلق الله القلم قال له: اكتب.
قال: ربِّ، وما أكتب؟
قال: اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة».
فكل شيء مكتوب في هذا الكتاب العظيم، وهو اللوح المحفوظ.
طيب، يقول البعض كما يقول بعض العقلاني: جماد يتكلم؟!
عندنا طائفة من الناس تقول لك: الحديث إذا لم يقبله عقلي فأنا لا أصدقه. كيف الجماد يتكلم؟
نقول: الله -عز وجل- قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أو كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11].
في الحديث -وهذا من الأحاديث التي ينكرونها وهو في صحيح البخاري: النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لأبي ذر، كان معه حينما غربت الشمس، قال: «هل تعلم أين ذهبت الشمس؟».
قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: «إنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها أن تشرق مرة أخرى، فيأذن الله لها، وإنه يوشك أن تأتي أن تسجد فلا يؤذن لها، ويُقال لها: عودي من حيث شئتي، فذلك طولع الشمس من مغربها».
هذا الحديث في صحيح البخاري، يأتي البعض يقول: لا والله، عقلي ما يقبله.
عقل مَن؟! ما العقل الذي سنحتكم إليه؟!
وهذا ما كان يقوله شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في درء تعارض العقل والنقل حينما يقولون: نريد أن العقول تقبل هذا الأمر، ومع أنه لا يوجد شيء في القرآن ولا في صحيح السنة إلا وهو يوافق العقول، لكن مَن شرح الله -عز وجل- صدره استوعب هذا.
إذن الإيمان الأول: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء.
الثاني: الإيمان بان الله -عز وجل- كتب كل شيء في اللوح المحفوظ.
الإيمان الثالث: الإيمان بمشيئة الله -عز وجل- النافذة.
كل ما في هذا الكون فهو بمشيئة الله، لا يكون شيء إلا والله -عز وجل- شاءه، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [البقرة: 253].
وقال -عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: 137].
فكل ما في هذا الكون لا يكون إلأا بمشيئة الله، حتى أفعال العباد لا تكون إلا بمشيئة الله -جل وعلا.
الرابع والأخير: هو الإيمان بالخلق.
الإيمان بأن الله خلق كل شيء، فيؤمن المسلم بأن الله -عز وجل- خالق السماء، وخالق الأرض، وخالق الناس، وخالق أفعالهم، فلا عمل للإنسان إلا والله -عز وجل- خلقه، لأن الله هو الذي خلق الإنسان، وهذا من الأمور التي بيَّنها نبينا -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «إن الله خالق كل صانع وصنعته».
هذه الأركان الأربعة جمعها الشاعر في بيت من الشعر من أجل أن يسهل حفظها، فقال:
"علم كتابة مولانا مشيئته".
علم: هذا الركن الأول:
كتابة: هذا الثاني.
علم كتابة مولانا مشيئته ** خلقه وهو إيجاد وتكوين
العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق؛ هذه هي أركان الإيمان بقضاء الله وقدره.
علم كتابة مولانا مشيئته ** خلقه وهو إيجاد وتكوين
هذه هي أركان الإيمان الستة التي وردت في حديث جبريل -عليه السلام.
هناك تفاصيل كثيرة تتعلق بالمشيئة، المشيئة الكونية، والمشيئة القدرة، وهناك مسائل كثيرة تتعلق بالاستدلال بالقدر في المصائب وفي المعائب وغيرها من المسائل، لكن بعض الأمور قد لا يناسب طرحها بشكل عام، لكن هذه هي أهم المسائل وأبرز المسائل التي يبحثها العلماء في هذا المجال.
هناك كتاب أنصحكم جميعًا به -أو سلسلة من الكتب- تتحدثت عن هذه القضايا بالتفصيل، وهي سلسلة العقيدة للشيخ عمر الأشقر، وهو من علماء الأردن، له ستة كتب: كتاب الإيمان بالله، وكتاب القضاء والقدر، وغيرها من الكتب.
أيضًا من الكتب المفيدة في القضاء والقدر: كتاب لأخينا إيراهيم الحمد، له كتاب بعنوان القضاء والقدر.
كذلك كتاب رسالة ماجستير للدكتور عبد الرحمن المحمود، تحدث فيها عن عقيدة أهل السنة في القضاء والقدر.
وعمومًا يجمع هذه جميعًا العودة الصادقة لكتاب الله، وإلى سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.
غدًا -إن شاء الله- نكمل بقية حديثنا في حديث جبريل -عليه السلام.
نختم هذا اللقاء بالدعاء، فنقول: اللهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم يا رب الأرباب، يا مسبب الأسباب، اللهم يا خالق خلقه من تراب، اللهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم آمنَّا في أوطاننا، اللهم أسعد أرواحنا، وأنر قلوبنا بكتابك، وبطاعتك وطاعة رسولك -صلى الله عليه وسلم- اللهم أسعد صدورنا وأقر أعيننا برؤية عزِّ الإسلام وانتصار المسلمين، اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم كن لهم عونًا ونصيرًا، اللهم إن بإخواننا في سوريا من الضر واللأواء ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم فرج همهم، اللهم نفِّس كربهم، اللهم كن لهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم سدِّد رميهم، اللهم عليك بعدوهم، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا عسيرًا إلا يسَّرته، ولا مريضًا إلا شفيته.
اللهم يسر أمورنا، وفرج كروبنا، واشرح صدورنا، اللهم اجعلنا ممن يرفع لا إله إلا الله، وارفعنا بها، واجعلها آخر كلامنا من الدنيا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا جميعها يا ذا الجلال والإكرام، اللهم كما جمعتنا في هذا المكان المبارك اللهم اجمعنا في دار كرامتك، وفي مستقر رحمتك يا ذا الجلال والإكرام.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات 180-182].

بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"