بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 4 مايو 2013


الأكاديمية الإسلامية المفتوحة


الدورة العلمية الثالثة


مقاصد الشريعة (2)


د. عمر بن عمر


 


اللهم صلِّ على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.


أحييكم بتحية الإسلام: فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


وأما بعد، فأشكر للقائمين على هذه الدورة استضافتي فيها مع ثلة من إخواننا الدعاة إلى الله نحسبهم من الصالحين، ونسأل الله لهم التوفيق أينما حلوا وأينما كانوا، وأن ينفع الله بهم العباد والبلاد.


وفي حضور هذا الجمع المبارك؛ نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعله جمعًا مباركًا مميمونًا، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، وأن يعصمنا وإياكم من الشيطان حيثما كنَّا.


حديثنا اليوم -إخوتي الكرام، أخواتي الكريمات- عن مقاصد الشريعة، ومقاصد الشريعة من الأمور التي لم تُدرج في عهد رسول الله بهذا الاسم، وإن كانت معلومة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو الذي أرسى قواعدها، وهو الذي بناها، وهو الذي بينها، وبيَّن أن هذه الشريعة إنما أنزلت لجلب المصالح للناس وتكميلها، ودرء المفاسد عنهم وتقليلها.


فهذه الشريعة جاءت لحكمة، جاءت لمقصد، جاءت لغاية، فهذه الغايات وهذه المقاصد وهذه المعاني -كما يسميها البعض- وهذه الحِكَم -كما يسميها البعض الآخر، ويسميها الفقهاء بالأسرار، كما يقولون: أسرار الشريعة.


فهذه الأسرار جاء بها وبينها الله -سبحانه وتعالى- إما في كتابه، أو بينها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في سنته المطهرة، أو استنبطها فيما بعد سادتنا العلماء -رحمهم الله تعالى.


فمقاصد الشريعة اليوم نحتاج إليها كثيرًا، ونحتاج إلى معرفتها وفهمها حتى نعيشها وحتى نطبقها في حياتنا، فكثير من المشاكل، وكثير من المآسي، وكثير من الاختلافات؛ إنما سببه البعد عن فهم مقاصد هذا الدين، وعن الحكم والغايات التي من أجله أنزل، فيقول الإمام الشاطبي -رحمه الله- في كتابه الموافقات، والإمام الشاطبي هو يعتبر أول من دوَّن هذه المقاصد بعد الإمام العز، وإنما الإمام العز المتوفى سنة ستين بعد ستمئة للهجرة كتب كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام، فهذا الكتاب يعتبر هو اللبنة الأولى في علم مقاصد الشريعة، فهو أرجع مقاصد هذا الدين إلى مقصد واحد وهو: جلب المصالح للناس.


لأن درء المفاسد هو يرجع في حقيقة الأمر إلى جلب المصالح، لنك -أيها المسلم- إذا ردأت المفسدة عن أخيك فإنك بالتالي قد جلبت له أيش؟


جلبت له مصلحة.


فردَّ الشريعة كلها إلى جلب المصالح للناس.


جاء بعده بتقريبا 130 سنة الإمام الشاطبي المتوفى 790 للهجرة، جاء بعده وكتب كتابه الموافقات، وهو معروف هذا الكتاب، وموجود عندنا في مكتباتنا ولعل الكثير منكم يملك هذا الكتاب، وهو ضروري لكل مسلم أن يطلع عليه، فكتب كتابه هذا، من بين ما ذكره -رحمه الله- في هذا الكتاب: أن سبب الخلاف القائم بين الفقهاء يرجع في كثير من الأحيان إلى الغفلة عن مقاصد هذا الدين.


الغفلة عن مقاصد هذا الدين تسببت في ماذا؟


في بعد الناس عن بعضها، وتسببت في الاختلافات، فصرنا نفهم الدين فهمًا كانه فهمًا حرفيًّا، أو كأننا نأخذ حديثًا أو نأخذ آية مبتورة عن سياقها أو بعيدة عن موقعها، وبعيدة عن النصوص الأخرى، ثم نحكم بذلك الحكم.


فجاء الإمام الشاطبي وكتب كتابه "المقاصد" في محاولة لجمع شتات هذه الأمة، ولتوحيد صفِّ المسلمين، لأن توحيد صف المسلمين مقصد من مقاصد هذا الدين يدل عليه قوله -سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال/46].


ويقول رسولنا -صلى الله عليه وآله وسلم: «المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا»، ثم شبَّك -صلى الله عليه وسلم- بين أصابعه، أي أن المسلمين ينبغي أن يكونوا مترابطين فيما بينهم، متوحدين متآخين بروح الله، متحابِّين في الله، لا يضرهم مَن خالفهم، ولا يهمهم مَن يتكلم فيهم، والمسلمون أمة واحدة، ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً﴾ [الأنبياء/92].


فالمسلم من شرق الأرض إلى غربها، ومن جنوبها إلى شمالها هو أخو المسلم، «المسلم أخو المسلم» كما بين -صلى الله عليه وآله وسلم- «لا يظلمه ولا يخذله ولا يُسلمه»، فالمسلم أخو المسلم، وهذه الأخوة التي نفتقدها في يومنا هذا، هذه مقاصد الدين، مقاصد هذا الشرك كما قال -صلى الله عليه وسلم- في خطبة الوداع: «وكونوا عباد الله إخوانا».


هذه الأخوة التي افتقدناها اليوم، وصرنا نتعلل بعلل قد يكون بعضها صحيحًا، وقد يكون بعضها لا أساس له من الصحة بحجة أن هذا في مذهبه كذا، وهذا مذهبه كذا، وهذا ينتمي إلى كذا، وهذا ينتمي إلى كذا، فتفرقت بنا السبل -والعياذ بالله- ونسينا المقصد الأساس لهذا الدين هو أن نكون أمة واحدة، وأن نكون إخوانًا متاحبين متآخين بروح الله، يغار المسلم على أخيه الامسلم، ويأخذ بيه، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يُسلمه.


هذه ابتعدت عنَّا في صراعات، ونستطيع أن نقول: في صراعات المذاهب، ابتعدت عنَّا في التعصب -إن صح التعبير- ولا بأس أن نقول: التعصب إلى بعض المذاهب، أو إلى بعض الاتجاهات حتى صارت كما قال الله -سبحانه وتعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم/32]، أو يقول المثل عندنا في تونس "كل واحد له ذكاؤه، أيش يهمني؟"، لا، المسلم أخو المسلم، قد نختلف، ولا ضير -إخوتي الكرام، أخواتي الكريمات- لا ضير في الاختلاف، ولا خوف ومن الاختلاف، فقد كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يختلفون، وكانوا في بعض الأحيان تختلف آراؤهم وتختلف فتاويهم، ولكن هذا الاختلاف لم يُذهب لأخوتهم، ولم يُذهِب لحب بعضهم لبعض، وقد اختلفوا في كثير من المسائل الفقهية، اختلفوا في كثير من المسائل، والمجال ليس مجال سردها، وإنما مثلًا في الربا هل الربا هو ربا الفضل فقط أو ربا النسيئة؟ أو ربا الفضل وربا النسيئة، اختلفوا في كثير من المسائل الأخرى وخالف بعضهم بعضًا، ومع ذلك ظل صفوهم واحدًا، وظلوا متماسكين مترابطين متآخين بروح هذا الدين، ومتاحبين في الله -عز وجل- وما ضرهم الاختلاف.


قد نختلف، لأن الله -سبحانه وتعالى- عندما خلق الناس خلق الناس لهم عقول، وبهذا تميز الإنسان عن سائر الكائنات، بعقولنا ميزنا الله -سبحانه وتعالى- وبعقولنا شرفنا الله -سبحانه وتعالى- وبعقولنا فضلنا الله -عز وجل- ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء/70].


فضلنا بأيش؟


إذا كان بالأكل؛ فكثير من الحيوانات -أكرمكم الله- مَن يأكل أكثر من الإنسان.


إذا فُضَّلنا بالطول؛ فهناك مَن هو أطول منَّا.


فإذا فُضَّلنا بالسرعة؛ فهناك من الحيونات مَن هو أسرع منَّا.


إذا فُضِّلنا بالأمور الجنسية؛ فهناك من الحيونات من هو أكثر منَّا.


إذن فُضِّلنا بأيش؟


فضلنا بالعقل، والعقل جعله الله -سبحانه وتعالى- مناط التكليف. أيش معنى "مناط"؟


أي متعلَّق التكليف، أي أن الإنسان لا يكون ملفًا إلا إذا كان له أيش؟


عقل، وإذا ذهب العقل فيُرفع القلم، فلا تكليف.


فإذا كان الله -سبحانه وتعالى- ميَّزنا بالعقل؛ فهل جعل عقولنا واحدة؟


كم عددنا تقريبًا في المسجد؟


خمسة آلاف؟ ألفين؟ إذا تحب تنقص فقل ألف؛ ففي هذا الألف نجد ألف عقل، كل واحد يفكر، وكلٌّ له طريقة تفكيره، وهذا من فضل الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه القيم، وهو كتيب صغير كتبه بعنوان -أو الموسوم- برفع الملام عن الأئمة الأعلام، من الأسباب التي اعتذر فيها للعلماء ولاختلافاتهم ذكر اختلاف العقول واختلاف الناس في الفهم، فأنت تفهم من النص شيئًا، وأنا أفهم من النصِّ شيئًا آخر، وقد كان الأمر كذلك في عهد سلفنا -رحمهم الهل- في عهد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما أؤسل مجموعة إلى بني قريظة فقال كما في رواية مسلم: «لا يصلين أحدكم الظهر -والرواية المعروفة: العصر- إلا في بني قريظة، فانطلق القوم» فلما حان وقت الصلاة أيش يحصل؟ تعرفون أم لا؟


اختلفوا، الحمد لله في الاختلاف رحمة، مجموعة صلَّت، والمجموعة الثانية ما صلَّت.


المجموعة الأولى صلَّت لماذا؟ هل أخذت بحرفيَّة النص؟


لا، وإنما أخذت -وليس الظاهر هو الحرفية- أخذت بمعنى النص، عندما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «لا يصلين أحدكم الظهر إلا في بني قريظة» قالوا: إنما كان يعني رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أن نسرع إلى درجة أن نصل إلى بني قريظة قبل الظهر فنصلي هناك، وبما أننا امتثلنا للأمر وأسرعنا وأدركتنا الصلاة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء/103]، إذن وقفوا وصلوا.


الفريق الثاني: أخذوا بظاهر النص، وبحرفية الناس، قال: «لا تصلون إلا في بني قريظة»، حتى وإن صليناها بعد صلاة العشاء، امتثلوا للأمر أو ما امتثلوا؟


امتثلوا للأمر، والفريق الأول حتى تعرف امتثلوا أو ما امتثلوا؛ لما رجعوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأخبروه الخبر ماذا فعل؟


أقرَّ الطائفتين.


ما معنى أقرَّ الطائفتين؟


معناها: لم يخطِّئ أي فريق، أنتم بارك الله فيكم، وأنتم بارك الله فيكم، والجميع بارك الله فيه.


أيش معناها؟


معناها: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أقرَّ الاجتهاد أو ما أقره؟


أقر الاجتهاد.


لماذا يا أخي اليوم لما أختلف أنا وإياك في أن نصلي ركعتين عندما ندخل إلى المسجد والإمام يخطب؛ لماذا تقول لي: لا تصلي؟!


أيضًا هذا اجتهاد منك، أنت تقول: لا تصلي. أنا أقول: أصلي.


هذا يقول: نصلي بعد العصر هذه صلاة ذات سبب تحية المسجد، الآخر يقول: لا نصلي؛ يا سيدي الخلاف هذا سيؤدي بنا إلى التفرقة أم إلى الوحدة والمحبة؟


أنت فهمت شكل، وأنا فهمت شكل، ورضي الله عن الجميع، فقد كان الفريق الول هم سلف هذه المة في الأخذ بالمقاصد والأخذ بغايات هذا الدين.


عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما تولى الخلاف جاءه المؤلفة قلوبهم، تعرفون المؤلفة قلوبهم أم لا؟


المؤلفة قلوبهم التي قلوبهم ما زالت تحبِّذ الدنيا على الآخرة، ما زالت الفلوس تغلبهم، تحب نسلم معك نسلم لكن أعطني فلوسًا، نسلم بالإيجار، فكان بعض الصحابة كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إما ترسيخًا للدين في قلوبهم، أو يتألفهم خوفًا من شرهم.


فلما تولى عمر جاء بعض هؤلاء وطلبوا الزكاة، والزكاة حق من حقوقهم في كتاب الله أو لا؟ تحفظون الآية أو لا تحفظونها؟


 ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة/60].


فقالوا له: يا أمير المؤمنين أعطنا حقَّنا.


أمير المؤمنين -رضي الله عنه- بثاقب نظره وفهمه لشرع ربه، وهو المبشر بالجنة، وهو الصحابي الجليل الذي يقول عنه رسولنا -صلى الله عليه وسلم: «ما سار عمر في طريق إلا وسلك الشيطان طريقًا آخر»، فلا يلتقيان، إذا حضرت الملائكة غابت الشياطين.


فهذا عمر لما جاءه هؤلاء القوم قال: "لا حق لكم في الزكاة"، إذا كنتم تحبون تسلموا لله فأهلًا وسهلًا بكم؛ اسلموا، وإذا كنتم تسلمون لكي نعطيكم فلوس أو نكثر بكم عدد المسلمين وسواد المسلمين؛ فالمسلمون اليوم عددهم كثير، وإذا كانوا يعطونكم الفلوس من أجل الخوف منكم؛ فالإسلام قوي وما نخاف منكم.


عمر -رضي الله عنه- الشجاع، كل الصحابة -رضي الله عنهم- عندما هاجروا من مكة هاجروا سرًّا، إلا عمر عندما أراد أن يهاجر إلى مكة ماذا فعل؟


طاف بالبيت حتى يودع البيت، ثم التفت إلى كفار قريش قال: "من أراد أن تثكله أمه، أو ترمل زوجته؛ فليلقني خلف والوادي".


نحن ماذا نقول بالتونسي؟


"الرجل فيكم يخرج لي".


انظروا لعزة الإسلام وقوة الإسلام، مَن هو عمر؟


هو رجل، أو سوبرمان؟


هو رجل، لكن عندما دخل قلبه الإيمان أصبح رجل -كما قال أخوكم- كألف، أصبح لا يخاف في الله لومة لائم، شعر بعزة الإسلام، ولهذا تحداهم جميعًا، فهذا عمر -رضي الله عنه- فهم هذا الشرع أن الدين له مقاصد، وأن الدين له معاني، ليس مجرد حرفيات، لأنَّا لو تمسكنا بحرفية النص لا بأس بذلك، ولكن أحيانًا في خضم هذه الأحداث، وفي خضم القضايا المستجدة، وفي خضم ما يتعرض له الناس اليوم من مشاكل ومن مستجدات؛ هذه المستجدات تحتاج إلى ماذا إخوتي الكرام؟


تحتاج إلى حلول، تحتاج إلى أحكام، هذه الأحكام نستعين بعد الله -سبحانه وتعالى- على معرفة حكمها بفهمنا لمقاصد شرعنا، وبفهمنا لمقاصد ديننا وغاياته وأهدافه.


اليوم -والعياذ بالله- الأمة نجدها اهتمت -أو كثير حتى لا نظلم ولا نعمم- كثير من الناس اليوم اهتم بأيش؟


اهتم بالفروع وضيع الأصول، اهتممنا بعض القضايا، القضايا ما نقول لا يجب أن نهتم بها؛ لابد نهتم بديننا، ديننا دين شامل، دين متكامل كما قال ربي -سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة/208]، أما لو لبست القفاز وأدخلت إصبعك هذا وإصبعك هذا وتدع هذا؛ تتعب أو لا تتعب؟!


تتعب.


لكن لما تدخل أصابعك كلها ترتاح، ولهذا ربي قال: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة/208].


فديننا دين متكامل، دين شامل ينبغي أن ندخل فيه بأكملنا، أن ندخل فيه في جميع مجالاتنا، ما نأتي اقتصادنا في وادٍ وعبادتنا في وادٍ، وسياستنا في وادٍ، وعلاقتنا في وادٍ، ويقولون فصل الدين عن الدولة!!


فالإسلام جاء ليهيمن، ليحكم بين الناس، ليحكم بينهم بالحق ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص/26].


فإذا اتبع الإنسان هواه واتخذ جانبًا من جوانب هذا الدين لم يدخل في السلم كافة.


فنحن مجتمعنا اليوم يحتاج إلى ماذا؟


نحتاج إلى أن نجد الحلول والأحكام الشرعية لجميع قضايانا، وهذه الحلو والأحكام لا نجدها إلا في كتاب الله، أو في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو بفهمنا لمقاصد شرعنا ولمقاصد ديننا، فهذا يساعدنا كثيرًا على حل قضايانا، وعلى توحيدنا، وعلى السير في الصراط المستقيم كما أمرنا ربنا -سبحانه وتعالى- وهو ما نردد في كل صلاة أن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة/6].


أي صراط هذا الصراط؟


الذي قال عنه ربنا -سبحانه وتعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة/7]، والآية الثانية: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء/69]، هذا هو الرفيق، الرفيق في الطريق هو مَن يُريك الحق، ومَن يُعينك عليه.


هذه المقاصد -إخوتي الكرام- عندما نريد أن نتحدث عنها وان نفصِّل الحديث في بعضها؛ فهذه المقاصد:


- إما أن تكون مقاصد عامة.


- وإما أن تكون مقاصد جزئية.


- وإما أن تكون مقاصد خاصة.


مقاصد عامة: وهي التي تعم الشريعة بأسرها، تعم الأحكام بأكملها تقريبًا، كرفع الحرج عن الناس والتخفيفة عنهم، فهذا مقصد من مقاصد هذا الدين، والله -سبحانه وتعالى- يقول في ذلك: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج/78]، وفي آية أخرى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة/185].


في حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما أرسل معاذًا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن ماذا قال لهما؟


قال: «بشِّرا ولا تنفرا، ويسِّرا ولا تعسِّرا»، هذا مقصد من مقاصد ديننا، ونحن نعيش في خواتيم ثورة، أو أبواب ثورة؟


فبعد هذه الثورة المباركة التي منَّ الله بها علينا فأصبحنا نتكلم في دين الله ونقول كلمة الحق لا نخاف في الله لومة لائم، وقد كنا لا نستطيع أن نقول حتى "لا إله إلا الله" جهارًا، أو يا ويله مَن يمشي للمسجد ويصلي الصبح أو كذا، لكن هذا من فضل الله -سبحانه وتعالى.


وشعبنا كان مغيبًا عن شرع الله، كان بعيدًا كل البعد عن دين الله، فأحوج ما نحتاج إليه اليوم هو فهم مقاصد شرعنا، وكيف ننزل هذا المقصد "رفع الحرج عن الناس، والتخفيف عنهم" كيف ننزله في واقعنا اليوم عندما ندعوا الناس إلى دين الله، عندما ندعوا الناس إلى شرع الله؟ كيف نعاملهم المعاملة الطيبة؟


ربنا -سبحانه وتعالى- يقول لموسى -عليه السلام- وهو رسول، موسى رسول ومعه أخو هارون وزير ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه 29، 34].


فقال له عندما أراد أن يرسله إلى فرعون ماذا قال له؟


هل قال له اكسر رأسه؟ هل قال له يا كافر؟ ماذا قال له؟


 ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى﴾ [طه 43، 44].


قولا له أيش؟


قولًا لينًا. فرعون الذي ادَّعى الربوبية، فرعون الذي قال للناس أنا ربكم الأعلى، وقال: أو لك إله غيري لما جاءه موسى وبدأ يكلمه، قال: عندك رب غيري؟!


ومع ذلك ربنا -سبحانه وتعالى- قال: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه 43، 44].


نحن أحوج ما نحتاج أن نطبق هذا المقصد في دعوتنا، في علاقتنا فيما بيننا، في كلامنا مع الناس، المسلم هيِّنٌ ليِّنٌ كيِّسٌ فطِنٌ، واحد قرأه "المسلم كِيس قطن"!


كَيِّسٌ فَطِنٌ هيِّنٌ ليِّنٌ، يقول سيدنا -صلى الله عليه وآله وسلم: «ما كان اللين في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه».


فنحن في دعوتنا اليوم في علاقتنا فيما بيننا ينبغي أن نكون هينين لينين، نعامل الناس بالتي هي أحسن، وقد قرأ علينا إمامنا في صلاة المغرب -جزاه الله عنا خير الجزاء- ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت/33]، وقال تتمية الآية بعدها: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت/34]، لكن هذه تكون لمن؟


قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت/35]، تحبون أن تكونوا من الذين صبروا أو لا؟


اصبروا على إخوانكم في تونس.


نحكي للطلبة قبل أيام كيف نحتاج إلى صبر ومصابرة، وأن شعبنا لا زال لا يفهم دينه، فقلت لهم: واحد كان معلم في منطقة في مناطقنا هنا، قام يصلي في الفجر فوجد الناس سبقوه قيامًا، ولاحظهم يصلون سنة الفجر، ويجلسوا حتى ان تشرق الشمس، فإذا أشرقت الشمس ماذا فعلوا؟


يقوموا يصلون صلاة الصبح؟


ماذا تفعلون؟ وما الحكاية؟


قالوا: هذه صلاة سنة الفجر، وهذا الصبح، والصبح وقته بعدما تشرق الشمس.


فحكيت الحكاية فقامت طالبة -وأحسبها من الصادقات الصالحات- قالت: قسمًا بالله يا أستاذ هذا حصل معي هذه الأيام في سكن الطالبات، تقوم الطالبة تصلي سنة الفجر وتجلس حتى تشرق الشمس وتصلي الصبح.


هذا شعبنا لا يفهم دينه.


كنت مرة ماشٍ في منطقة هناك في الشمال، ووقفت أشتري "هندي" وهو التين الشوكي، ووقفت أسأل البائع: يا فلان تصلي؟


قال: لا، ما أصلي.


قلت له: لماذا لا تصلي.


قال لي: لا أصلي!


قلت له: تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟


قال لي: مَن محمد؟


بهذا اللفظ! لا يفهم حتى مَن هو محمد!


وقناة الإنسان مع أنها قبل القافلة الأخيرة استمع إليها فمروا بقرية مع أنها العائلة التي اتصلوا بها لا تحفظ سورة الفاتحة، فكيف هادوا الناس؟


معناه أننا نحبهم ومتمسكين بديننا، ونحبهم كذلك اتباعًا للسلف الصالح، اصبروا قليلًا يا شباب، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت/35].


نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا من الذي يصبرون ويصابرون ويرابطون حتى يأتينا الفلاح، وأن يجعلنا من أصحاب الحظ العظيم.


أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



وأستسمحكم على الإطالة، والله أعلم، وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.









الخميس، 2 مايو 2013



بسم الله الرحمن الرحيم  والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
انطلقت على بركة الله تعالى فعاليات الدورة العلمية الثالثة في مجال  العلم الشرعي تحت اشراف ثلة من العلماء والدعاة  من تونس ومن مصر ومن السعودية   وسأتولى ان شاء الله نقل الدروس  التي ستجرى في هذه الدورة نفعنا الله واياكم .وغفر الله لنا جميعا.



         موضوع الدرس ان شاء الله غدا الجمعة سيكون ان شاء الله في العقيدة  



     موضوع خطبة الجمعة بالجامع الكبير بمارث سيكون : " يوم العرض على الله"


                            أخوكم في الله الأستاذ هشام لطيف


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله ولي الصالحين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
الحمد لله الذي منَّ علينا بالإسلام، وأكرمنا بالقرآن، وجعلنا من أتباع المصطفى -عليه الصلاة والسلام.
اللهم لك الحمد حمدًا طيبًا مباركًا يملأ السماء وأقطارها، والأرض، والبر، والبحر، لك الحمد حمدًا سرمديًّا، يقل مداد البحر عن كتبه حصرًا، لك الحمد مقرونًا بشكرك دائمًا، لك الحمد في الأولى، لك الحمد في الأخرى.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، وخيرته من خلقه الرسول المرتضى، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى مَن سلك سبيلهم أو سار أو استنار بهدي محمد -صلى الله عليه وسلم.
أيها الإخوة والأخوات، أقول لكم في مطلع هذا اللقاء:
أهلًا وسهلًا والسلام عليكمُ


وتحية منَّا تُزفُّ إليكمُ

إخواننا من أجمل الدنيا بكم


لا تقبح الدنيا وفيها أنتمُ

فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم -كما جمعنا في هذا المكان المبارك- أن يجمعنا في دار كرامته، وفي مستقر رحمته في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أيها الأحبة، مَن مثلنا اليوم؟! مَن أسعد منَّا مجلسًا اليوم؟! نجتمع في بيت من بيوت الله، نلتقي على شهادة ألا إله إلا الله، عليها ولاؤنا، وعليها براؤنا، نوالي من أجلها، ونعادي من أجلها، إنها كلمة التوحيد الخالدة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
مَن مثلنا -أيها الأحبة- نجني في هذا المجلس الخير، نجني قول نبينا -صلى الله عليه وسلم-، وهنيئًا لنا الأجر إذا أخلصنا النية لله -جل وعلا- يقول سيدي -صلى الله عليه وسلم: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده».
فأسأل الله -عز وجل- أن يذكرنا فيمن عنده، وأن ينظر إلينا بنظر الرحمة والرضى، وأن يجعلنا وإياكم وإخواننا وأخواتنا وجميع مَن يتابعونا ممن يُقال لهم في نهاية المجلس: انصرفوا مغفورًا لكم، اللهم آمين.
أيها الأحبة، نجتمع في هذه الدورة العلمية، نجتمع لننهل من معين العلم، لستُ بأعلمكم، ولا بأفقهكم، وهنا في هذا المجلس المبارك من علماء الزيتونة ومن مشايخنا مَنْ هم أحق بالحديث؛ لكن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بوَّب في كتابه باب: حديث المفضول في حضرة الفاضل.
فيطرح المسلم ما لديه تذكيرًا لإخوانه، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55].
اسمحوا لي -أيها الأحبة- في مطلع هذا اللقاء أن أتحدث ببعض الآيات والأحاديث في فضل العلم ومكانة أهله، في فضل العلم الذي نجتمع جميعًا عليه، ونتحلَّق جميعًا عليه، نرجو -بإذن الله جل وعلا- أن يجعلنا الله -سبحانه- ممن فقَّههم في هذا الدين العظيم.
يأتي عبد الله بن عباس -حَبْرُ الأمة وبحرها وحِبْرُها وترجمان القرآن رضي الله عنه وأرضاه- فيُقدَّم للنبي -صلى الله عليه وسلم- غلامًا صغيرًا، فيأخذه -عليه الصلاة والسلام- فيُحنَّكَه بريقه -صلى الله عليه وسلم- ثم يدعو له بهذه الدعوات المباركة.
فيقول له -عليه الصلاة والسلام: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل».
ثم تأملوا إلى قول الله -سبحانه وتعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18].
من الذي يشهد؟
إنه الله -جل وعلا.
شهد الله بأعظم شهادة، وهي شهادة الوحدانية لله رب العالمين، ثم الله -جل وعلا- أشهد ملائكته، ثم أشهد أهل العلم، فأهل العلم أشهدهم الله -جل وعلا- وهذا يدل على فضلهم ومكانتهم ومنزلتهم، ثم أشهدهم الله على أعظم مشهود، وهي شهادة التوحيد الخالدة "لا إله إلا الله".
ثم تأملوا -يا رعاكم الله- إلى قول نبينا -صلى الله عليه وسلم: «مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين».
ورد في بعض الأحاديث -وفيها طعن في صحتها: «ومن لم يُرد الله به خيرًا لم يُبالِ به»، لكن الإمام ابن حجر -رحمه الله- قال: "إن الحديث ضعيف، لكن معناه صحيح".
مَن لم يهتم بالعلم، مَن لم يتعلم كيف يُصلي، كيف يزكي، كيف يعبد الله، كيف يُحب الله، كيف يخشع لله؛ فإنه قد قصَّر في حق نفسه، فأعظم أمرٍ يتقرب به العبد إلى الله بعد توحيده وشهادة أن لا إله إلا الله: هو أن يطلب العلم الشرعي.
ثم تأملوا إلى قول نبينا -صلى الله عليه وسلم- اسمع إلى هذا الحديث العظيم: خمس أمور جعلها نبينا -صلى الله عليه وسلم- لمن سلك طريق العلم -نسأل الله أن يجعلنا جميعًا من أهل العلم- يقول سيدي -صلى الله عليه وسلم- كما في سنن أبي داوود عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال -عليه الصلاة والسلام: «مَن سلك» -واحسب معي- «طريقًا يلتمس فيه» تجارة؟! رزقاً؟!- «يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة» هذه واحدة.
«مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة»، ونسأل الله أن يجعلنا جميعًا من أهل هذا الطريق.
«وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع».
قال العلماء: من تواضع الملائكة لأهل العلم أنها تبسط أجنحتها بالدعاء لمعلم الناس الخير.
قال: «وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب».
هنا سؤال يطرحه -كما يقول شيخنا الشيخ محمد حسان- إمامنا ابن القيم، قال: لماذا شبَّه الله -جل وعلا- العالمَ بضوء القمر ولم يشبهه بالشمس مع أن ضوء الشمس أشد؟
قال: لهذا سببان:
الأول: أن العالم لمَّا كان يستمد نوره من الوحي كان كالقمر الذي يستمد نوره من الشمس.
أما الآخر: فلأن القمر يختلف، فالقمر تارة يكون محاقًا، وتارة يكون هلالًا، وتارة يكون بدرًا، وكذلك العلماء، منهم مَن هو كالبدر في تمامه، ومنهم مَن هو دون ذلك، ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: 132].
قال في نهاية الحديث: «وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر».
أتى الصحابي الجليل أبو هريرة -رضي الله عنه- فدخل إلى السوق، فقال للناس وهم يبيعون ويشترون: أنتم ها هنا تبيعون وتشترون وميراث محمد -صلى الله عليه وسلم- يُقسَّم؟!
قالوا: أين يا أبا هريرة؟
قال: في مسجد رسول الله.
ذهب الناس ودخلوا إلى مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- فوجودا الناس ما بين تالٍ للقرآن، وما بين عالم، مما بين معلم، مما بين مصلٍّ، قالوا: أين ميراث محمد يا أبا هريرة؟
قال: هذا ميراث محمد -صلى الله عليه وسلم- فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر.
ما الذي نجنيه؟
إذا تعلمنا العلم؛ لكل شيء ثمرة، فما ثمرة تعلم العلم؟
أول هذه الثمار: الحياة الطيبة التي ننشدها جميعًا، كل واحد منَّا ينشد راحة البال. وطمأنينة النفس واستقرارها، ألسنا كلنا كذلك؟
يقول الله -جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
من أعظم ما يجلب لك الطمأنينة: العلم؛ لأن العلم يكشف الله -عز وجل- به الشبهات، ولأن العلم يعرفك بالله -جل وعلا-، من كان بالله أعلم كان لله أخشى وأتقى له -سبحانه وتعالى.
استمع إلى قول الله -سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله: "إن العلم حياة ونور، وإن الجهل موت وظلمة، والشر كله بسبب عدم الحياة والنور، والخير كله بسبب الحياة والنور".
ولهذا يجب على المسلم أن يحرص جاهدًا على أن يتعلم العلم وأن يتعلم مع العلم أدبه. ما الأدب؟
طالب العلم مميَّز، مميز في كلامه، مميز في قوله، مميز في عبادته، لابد أن يكون متميزًا عن الآخرين؛ لأن العلم إذا لم يكن صاحبه به عاملًا، فإنه يكون عليه وبالًا، وكم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه -والعياذ بالله.
لا بد أن تحرص على العلم، يقول الإمام أحمد -رحمه الله: "ما استمعتُ إلى حديث صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا عملت به ولو مرة واحدة حتى لا يكون حجة عليَّ عند الله -سبحانه وتعالى".
أدب طالب العلم ثلاثة أنواع، وهذه من الكنوز العظيمة التي يقررها العلماء:
- أعظم الأدب: الأدب مع الله.
- ثم الأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
- ثم الأدب مع خلق الله.
كيف يكون الأدب مع الله؟
يقول العلماء: الأدب مع الله بثلاثة أمور:
الأمر الأول: صيانة معاملته أن يشوبها نقيصة، إذا قمت إلى الصلاة فأدِّ الصلاة كما أمر الله -جل وعلا.
الله يقول في كتابه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]. فأدِّ العبادة كما أمر الله، وأدِّها كما أمر رسول الله، قال -صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
إذن هذا الأمر الأول: صيانة معاملته أن يشوبها نقيصة.
الأمر الآخر: صيانة القلب أن يتلفت إلى غير الله.
انظر إلى قلبك عند الشدائد وعند الرجاء، هل قلبك مع الله أم مع غير الله -جل وعلا؟
إن كان قلبك مع الله فقد تأدبت مع الله -جل وعلا-، إذا نزلت بك المضائق ونزلت بك الشدائد؛ فاجعل رجاءك وتعلقك بالله -سبحانه وتعالى.
الأمر الثالث: صيانة إرادته أن تتعلَّق بما يمقتك عليه، لا تكون إرادات الإنسان وشهواته دائمًا مع نفسه، وإنما تكون لله -سبحانه وتعالى.
الأمر الآخر: الأدب مع النبي -صلى الله عليه وسلم: يقول الله -جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2].
كان إمام دار الهجرة؛ الإمام مالك -رحمه الله-، كان -رحمه الله- إذا أراد أن يذهب إلى مسجد رسول الله ليعلم الناس حديث رسول الله، اغتسل -رحمه الله- وتبخَّر وتطيَّب، فإذا رفع أحد صوته في مجلسه نهره، وقال: "ترفع صوتك فوق صوت حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟!".
فكان هذا أدبهم مع رسولنا -صلى الله عليه وسلم.
اسمع إلى الأدب: العباس بن عبد المطلب عم النبي -صلى الله عليه وسلم- قيل له: مَن أكبر؛ أنت أم رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟
قال: "رسول الله أكبر مني، وأنا أسنُّ منه".
كان الصحابة يقرعون باب النبي -صلى الله عليه وسلم- بأظفارهم أدبًا مع رسول الله -عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
وهكذا يجب أن يكون الأدب مع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم.
كيف يعرف المسلم أنه تأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟
بثلاثة أمور:
- أولًا: طاعته فيما أمر.
- ثانيًا: اجتناب ما عنه نهى وزجر.
- ثالثًا: ألا يُعبَد الله إلا بما شرعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
وبالجملة: فيجب أن يكون أدب العالم وطالب العلم كما أمر الله -عز وجل.
يقول الإمام الجرجاني -رحمه الله:
يَقُولونَ لِيْ فِيْكَ انْقِبَاضٌ وَإِنَّما


رَأَوا رَجلاً عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَمَا

أَرَى النَّاسَ مَن دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهمْ


وَمَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَا

وَلَمْ أَقْضِ حَقَّ العِلْمِ إِنْ كانَ كُلَّمَا


بَدَا طَمَعٌ صَيَّرْتُهُ لِيَ سُلَّمَا

إلى أن قال:
ولو أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ صَانُوهُ صَانَهَمْ


ولو عَظَّمُوهُ في النُّفُوسِ لَعُظِّمَا

الأمر الآخر: وهو الحديث عن موضوع هذا الدرس، وهو العقيدة، عقيدة الإمام مالك -رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
وقبل هذا أقدم بمقدمة عن أهمية هذه العقيدة.
الله -جل وعلا- خلقنا في هذه الحياة، وأوجدنا فيها لحكمة عظيمة وغاية نبيلة، وهي توحيد الله -سبحانه وتعالى.
يقول الله -جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، فالله -سبحانه وتعالى- ما خلق الناس سدًى، وما تركهم هملًا لا يُؤمرون ولا يُنهون؛ وإنما خلقهم لحكمة عظيمة وهي عبادة الله -سبحانه وتعالى.
نبينا -صلى الله عليه وسلم- مكث في مكة ثلاثة عشرة سنة، منها ثلاث سنين في دعوته السرية، ثم عشرٌ في دعوته الجهرية، كانت هذه الدعوة منصبة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة -سبحانه وتعالى.
بل إن دعوة الأنبياء جميعًا هي إلى هذا الأصل العظيم.
قال الله في قوم عاد وثمود: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59].
وقال -عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].
نبينا -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أنا أولى بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء إخوة لعلَّات، أمهاتهم شتى -يعني شرائعهم- ودينهم واحد».
ما هو دين الأنبياء؟
الإسلام.
دين محمد -صلى الله عليه وسلم: الإسلام، ودين إبراهيم: الإسلام، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132].
وقال الله -جل وعلا- عن بلقيس: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44].
فالإسلام بمعناه العام هو دين جميع الأنبياء والمرسلين -عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.
بعث الله -جل وعلا- محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؛ ليدعو الناس إلى عبادة الله -جل وعلا- وكان يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59]، وكانت هذه الكلمة وهذه الشهادة تعني أن يتخلى أهل مكة عن عبادة الأصنام والأوثان وعن عبادة غير الله -جل وعلا.
لما أتى أبو جهل والأخنس بن شُريك وسادة أهل مكة إلى عم النبي -صلى الله عليه وسلم- أبي طالب، قالوا: يا أبا طالب، والله ما عدنا نصبر على فعل ابن أخيك، فإما أن تكفه عنَّا أو ننازلك أنت وإياه.
فاستدعى ابن أخيه، وأتى النبي -صلى الله عليه وسلم.
قال: ما تريد من قومك؟
قال: «أريد منهم كلمة واحدة، إذا قالوها خضعت لهم العرب ودانت لهم العجم، ودفعوا الجزية عن ذلٍّ وهم صاغرون».
قال أبو جهل: وربك عشر كلمات -ليست كلمة، كلمة وتأتي بهذا الخير؟!- لك عشر كلمات.
قال: «قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا».
فقال: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا، إن هذا لشيء عجاب.
كان الناس في جاهلية عمياء، ومن ذلك الرجل الذي كان يعبد صنمًا في أرض الكنانة، يعبد صنمًا يُقال له "سعد"، فكان من عادة العرب قبل الإسلام أن مَن رُزقَ بمائة ناقة يذهب بها إلى هذا الصنم ليُباركها، فرُزِقَ بمائة ناقة، فذهب إلى الصنم، فلما رأت الإبلُ الصنمَ ندَّت وشردت في كل مكان.
فذهب الأعرابي يجمع إبله من هنا ومن هنا حتى غربت الشمس، فلما جمع إبله أراد أن ينصرف، لكنه أراد أن يُعاقب مَن تسبب في هذا الأمر؛ فعاد إلى الصنم فأخذ صخرة وفلع بها رأسه وقال -وكان اسم الصنم سعد:
أَتَيْنَا إِلَـى سَعْدٍ لِيَجْمَـعَ شَمْلَنَـا


فَشَتَّتَنَا سَعْدٌ فَلا كَانَ مِنْ سَعدِ

وَهَلْ سَعْـدُ إِلا صَخْـرَةٌ بِتَنْوفَـةٍ


مِنَ الأَرْضِ لا تَدْعُو إلى غَيٍّ وَلا رُشْدِ

بنو حنيفة كان لهم صنم من تمر فإذا جاعوا أكلوه، فقال عنهم الشاعر:
أَكَلَتْ حَنِيفَةُ رَبَّهَا


زَمَنَ التَّقَحُّمِ والمَجَاعَة

لَمْ يَحْذَرُوا مِن رَبِّهِمْ


سُوءَ العَوَاقِبِ والتِّبَاعَه

فالحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، ومنَّ علينا بالقرآن.
وهذا التوحيد هو أعظم نعمة على الإطلاق منَّ الله -جل وعلا- بها علينا، أعظم نعمة أن الله -جل وعلا- جعلك من أبوين مُسلمين، وتخرج وتعي وأنت تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
هل تعلمون -أيها الإخوة- أنه في هذا الزمان لا زال هناك مَن يعبد الأصنام؟ هل تعلمون أنه في هذا الزمان مَن لا زال يعبد الفئران؟
هناك مَن يعبد الفئران من دون الله -جل وعلا-، وهناك مَن يعبد الخمور مَن دون الله، ومعابد تُبنى لهذا الأمر، أنت من بين الخلائق جميعًا جعلك الله -عز وجل- من عباده المؤمنين.
الإمام بشر الحافي -رحمه الله- كان يومًا مع تلاميذه يُسامرهم ويجالسهم، فهمَّ أن يخرج في ليلة شاتية، فتتح الباب وأخرج إحدى رجليه ووقف وقوفًا طويلًا، فظن تلاميذه أن سوءً أصابه، فذهبوا إليه قالوا: ما لك -رحمك الله- أصابك مكروه؟ أحل بك شيء؟
قال: "لا، ولكنني تذكرتُ -هو اسمه ماذا؟ بشر- في وقوفي هذا بشرًا اليهودي، وبشرًا النصراني، وبشرًا المجوسي، ثم تذكرتُ نعمة الله عليَّ بأن جعلني بشرًا المسلم من غير حول مني ولا قوة، فأحمد الله على هذه النعمة".
الحمد لله على نعمة الإسلام، اشكروه على هذه النعمة فهي من أعظم النعم على الإطلاق، نسأل الله أن يُميتنا على الإسلام وأن يحيينا على الإسلام، وأن يبعثنا وهو راضٍ عنَّا غير غضبان، إنه جواد كريم.
هذه العقيدة وهذا التوحيد الذي أتى به محمد -صلى الله عليه وسلم- الأصل فيه ومصدر التلقي فيه هو كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]. وقال -سبحانه وتعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: 92]. وآيات كثيرة كلها تؤكد على هذا المعنى العظيم وهو وجوب طاعة الله، وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم.
يقول -عليه الصلاة والسلام- واسمع، النبي كان يضرب الأمثال من أجل أن يَنْشَط أصحابه ويوصل لهم المعنى الذي يريد -عليه الصلاة والسلام- قال -صلى الله عليه وسلم: «إنما مثلي ومثلكم: كمثل رجل أتى إلى قومه فقال لهم: يا قوم يا قوم؛ إني رأيت الجيش بعيني، وإنه مصبحكم، وأنا النذير العُريان، فالنجاة النجاة. قال: فأطاعه قوم، فساروا على مهل فنجوا، وعصاه آخرون، فناموا فصبحهم الجيش فأهلكهم، فكذلك مثل مَن أطاعني فيما جئت به ومثل مَن عصاه -صلى الله عليه وسلم».
وهذا التوحيد -أيها الأحبة- على ثلاثة أنواع:
التوحيد الأول: توحيد الله -جل وعلا- في ربوبيته.
والثاني: توحيد الله في ألوهيته.
والثالث: توحيد الله في أسمائه وصفاته.
وعُلمت هذه الأنواع الثلاثة باستقراء كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.
ومن أول من استنبط، من أقدم العلماء الذين استنبطوا هذا المعنى الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في تفسيره.
ما هو توحيد الربوبية؟
توحيد الربوبية: أن نوحِّد الله بأفعاله -سبحانه وتعالى- من خلقنا؟
الله.
من رزقنا؟
الله.
من أحيانا؟
الله.
مَن يميتنا؟
الله.
إنه الله -جل وعلا- هذا هو توحيد الربوبية.
وهذا التوحيد لا يُعلم أحد أنه ضل فيه، حتى فرعون الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38] ؛ قال حينما أدركه الغرق: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90].
قال الله -جل وعلا: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 91].
التوحيد الآخر: توحيد الألوهية.
وهو أن نوحد الله بأفعالنا، صلواتنا، زكاتنا، عبادتنا، خشوعنا، كلها يجب أن تكون خالصة لله -سبحانه وتعالى.
الآخر: أن نؤمن بأسماء الله -جل وعلا- وصفاته ونثبتها كما أثبتها الله لنفسه، وأثبتها له رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ بل نؤمن كما قال الله -جل وعلا- بأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
أخيرًا -أيها الأحبة: هذا التوحيد الذي نتعلمه يجب أن يكون له أثر في حياتنا، كيف تعرف أنك وقد وحدت الله؟
لا بد أن يكون لهذا التوحيد أثر، وأثر التوحيد يتأتى من خلال تعظيمنا لله -سبحانه وتعالى.
من نحن؟!
لا شيء أمام ملكوت الله -جل وعلا.
اسمعوا -أيها الأحبة- إلى حديث العباس بن عبد المطلب: يقول العباس -رضي الله عنه وأرضاه: قال -صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟».
الأرض التي نحن عليها والسماء الدنيا التي نبصرها بأعيننا؛ كم بينها؟
قال -صلى الله عليه وسلم: «بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وبين كل سماء وسماء -وكم عددها؟ سبع- مسيرة خمسمائة سنة، وكِثَف كل سماء -يعني سمك السماء الواحدة- مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة وعرش الرحمن -جل وعلا- بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله -جل وعلا- فوق ذلك لا يخفى عليه شيء من كلام بني آدم».
أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- تقول: "سبحان مَن وسع سمعه الأصوات، والله لقد أتت المجادِلة -خولة رضي الله عنها- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تجادله في زوجها، وما بيني وبنها إلا جدار، فخفي عليَّ بعض كلامها، وسمعها رب العالمين من فوق سبع سماوات، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: 1]".
تعظيم الله -جل وعلا- يظهر للعبد في أثناء قوله، فلا يقول قولًا إلا أذن الله به، ولا يعمل عملًا إلا ما أمر الله به، ولا يترك نهيًا إلا إذا نهاه الله -جل وعلا.
قال -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي رافع الخشني، وهو من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرَّم حرمات فلا تنتهكوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها».
فالحمد لله أولًا أن جعلنا من أهل الإسلام، ونسأله ثانيًا أن يجعلنا من المعظمين لله -جل وعلا- رب العالمين، إنه -سبحانه وتعالى- جواد كريم.
أنتم بشوق وأنا كذلك بشوق إلى أن نستمع لفضيلة الشيخ محمد حسان، فيتحفنا بما أجاده الله -عز وجل-، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- بمنِّه وكرمه أن يجزيكم خير الجزاء، وكما جمعنا في هذه الحياة على طاعته أن نجتمع في مستقر رحمته في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
بارك الله فيكم، والآن مع الشيخ -بارك الله فيه.

د. عبد الله الوصيف
مقاصد الشَّريعة (1)
بسم الله الرحمن الرحيم، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمُرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله ومَن سار عن نهجه إلى يوم الدين.
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أُرحِّب بالمشايخ: الدكتور الشيخ حسَّان، والدكتور الزَّهراني.
وبُودي أن تكون هذه الجلسة مُسامرةً، ولكن لا تُسعفني كلمات الشُّكر للمشايخ؛ لأنَّ هذه الكلمات مهما كانت لا تكفي للتَّعبير عن سعادتي بحضورهم.
مفهوم الثقافة باعتبار اللُّغة العربية، قد وردت بعض المُشتقَّات في العربية لمعاني الكلمة، منها: ما ورد في القرآن بمعنى اللِّحاق: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ [الممتحنة: 2].
والثقافة تتصف بصفتي: الثَّبات، والانفتاح.
وتتسع هذه الثقافة الإسلامية لتستوعب الإنسانية جمعاء، متى أمكن تحقق الفَهم الواضح الجَلِي، وتطبيقه السَّليم السَّوي لأسس ومصادر الوحي الصَّحيح للثقافة الإسلامية: القرآن الكريم، والسُّنة النبوية الشَّريفة، وما استُمدَّ منهما من أحكامٍ وحِكَمٍ وَفْقَ المناهج العلمية السَّليمة، وبدون هذا الفهم الواضح الجلي والتَّطبيق السَّليم السَّوي لا يمكن أن تتحقق الثَّقافة على الوجه الأمثل الجامع المانع، وأن تكون لها المصداقية المُقنعة التي أمر بها الإسلامُ، وعرفها التاريخُ لقرونٍ طِوالٍ، ونحن نعرف كيف سادت الثقافة الإسلامية وانتفع بها الناسُ في كثيرٍ من القارات الأرضية شرقًا وغربًا، وجنوبًا وشمالًا.
أجل، لقد جاء الإسلامُ بدعوةٍ عامَّةٍ لكلِّ البشرية، لا تخصُّ أهلَ مكة ولا أهلَ الجزيرة العربية كما يزعم بعضُ المستشرقين، ولا تخصُّ زمانًا ولا مكانًا محدَّدًا، فهي دعوةٌ عالميةٌ كونيَّةٌ بحقٍّ، خالدة في أحكامها وحِكَمِها وآدابها وقِيَمها.
قال محمد إقبال -رحمه الله: "زمزم فينا، غير أنَّه مَن يُعَرِّفُنَا كيف نشرب زمزم؟"، إشارةً إلى: كيف نعرف السُّنن الكونيَّة ذات الأبعاد العالمية في الثقافة الإسلامية كما عَرفها أسلافنا من قبل، حتى ينتفع الناسُ في الحال وفي الاستقبال بها.
فنحن إذن نفتقر إلى جهدٍ علميٍّ دعويٍّ جماعيٍّ نيِّرٍ واعٍ يُؤدي إلى التَّقدم والرُّقي، ويكشف عن مفهوم العالمية، ويكشف عن مدى صلاحيتها للبشرية في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكانٍ.
قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 28، 29]، وقال تعالى في سورة القلم: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: 51، 52]، وجاء في سورة سبأ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: 28]، وقال في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]، وفي سورة الأنبياء جاء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وفي سورة يوسف ورد قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: 103، 104]، وجاء في سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19]، وقال تعالى في نفس السورة -سورة الأنعام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 90].
وهذه الآيات كلها مكيَّة مما يدلُّ على أنَّ عالمية الرسالة قد تقرَّرت منذ نزول القرآن، وفي العهد المكي الذي تعرَّض فيه الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- وَصَحَابَتُهُ إلى الأذى الشَّديد من أهل مكة الذين كان أغلبهم يُعارضون الرِّسالة حتى لو خُصُّوا هم بها دون غيرهم.
ولم تنزل بالمدينة المنورة سوى آية واحدة من سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]، وهذه الآية تُصرِّح بختم النبوة لكلِّ أهل الأرض جميعًا، وسيظل كتابُ الله وسُنَّةُ رسوله الدُّستور الأشمل والأعم للناس كافَّةً لمَن شاء منهم أن يستقيم.
هكذا نرى أنَّ مفهوم العالمية والكونيَّة بكلِّ معانيها من الشُّمول والعموم قد تقرَّر في الرسالة الإسلامية، وتقرَّر فيها مبدأ الحرية أيضًا، ومبدأ رفض الإكراه وحقّ الاختيار، ومبدأ تَحَمُّلِ المسئولية: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38]، وهكذا أسفر الصُّبح لذي عينين.
وبحسب ما تقدَّم يُمكننا تعريف الثقافة الإسلامية بأنَّها: المعرفة الجامعة لأصول النُّظُم العقدية والتَّشريعية، والقِيَم الخُلُقيَّة التي جاء بها الإسلامُ، وعمل الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- على نشرها وتجسيمها، وتابعه الصَّحابة من بعده، ودرج الخلفُ من بعدهم عليها، وخاصَّةً كبار الأئمة والمجتهدين ممن توافرت فيهم شروط الاجتهاد؛ فعملوا على تعميق وإبراز المفاهيم الكليَّة الكبرى؛ لتكون علامات مُضيئة على طريق السَّالكين من أبناء الأمَّة جيلًا بعد جيلٍ إلى أيام الناس هذه، أي عبر مسيرة الأمة الإسلامية كما نرى في عمل المجامع الإسلاميَّة اليوم والجامعات الإسلامية المتكاملة اليوم.
ناهيك أنَّ الأمة الإسلامية رُغْم سِعة ميادين حياتها وعمرها الطويل عبر الأمكنة والأزمنة قد استطاعت أن تجمع وتُوحِّد بين مختلف الأجناس في مختلف الأَصْقَاع.
أليس في هذا ردٌّ على مَن يدَّعي أنَّ العالمية في الثَّقافة للعَولمة الغربية؟!
أليس في هذا ردٌّ على الذين يستنسخون الثَّقافة الأجنبية من أبنائنا ويُسقِطونها علينا إسقاطًا؛ لتحويل مجرى تاريخنا الذي عرفناه طويلًا، خاصَّةً في تونس منذ نحو خمس وخمسين سنة، والأمَّة لولا إصابتها، ولولا الدور الكبير الذي رسَّخه الصَّحابة هنا في هذه الرُّبوع في القيروان وفي بلادٍ أخرى، ثم في جامع الزَّيتونة- لولا ذلك لانسلخت الأمَّة من هُويتها ودينها.
إذن ثقافتنا ما مُقَوِّماتها -الثقافة الإسلامية والثقافة الوطنية؟ ما مُقَوِّمات الثقافة الوطنية؟
مُقَوِّمات الثقافة الوطنية هي:
أولًا: ما ورد في أصول الإسلام من الثَّوابت، ثم ما استنبطه كبارُ المجتهدين من الأحكام والحِكَم من أجل رفض الخلاف والتَّناقض بين الأمم؛ لأنَّ غياب المعرفة العلميَّة بين الشباب ينتج عنه التَّناقضات، وينتج عنه المُعارضات، وينتج عنه التَّضارب، وهذا ما نراه -للأسف- في هذه الأيام بين بعض الشَّباب -هداهم الله- وهم مُخلِصون صادقون في أحاسيسهم؛ لأنَّهم يُسارعون في رفض بعضهم البعض، في حين أنَّ الإسلام يدعوهم إلى أن يكونوا أمَّةً واحدةً: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92].
فكيف لا يُصلي الشَّباب معًا؟! وكيف نلتقي في الحفلات، أو في الاجتماعات الخارجية، أو في المقارِّ، أو في المناسبات، ثم نفترق في المساجد؟!
هذا لعمري شيءٌ فظيعٌ.
أنا أُوصي الشَّباب هنا بأن يتعلَّموا.
وقد اكتفيتُ بهذا في هذه المحاضرة؛ لأنَّ المحاضرة ستطول أكثر من ساعة، وأعرف أنَّ هناك مَن ينتظر غيري، كما استمعتُ منذ لحظةٍ للكلمة المأثورة: "زامر الحيِّ لا يُطرِب"، وإن كان هذا المثل خارجًا عن ثقافتنا وليس من الثقافة الإسلامية للأسف، لكنَّه كاللغة مفروضة علينا.
ألا تعرفون أنَّ لغتنا معظمها مُشوَّهًا باللغة الفرنسية؟ وأنَّ واجهات المحلات مشوهة؟ حتى الجوال البسيط الذي تُرسل رسالةً من خلاله فتكتبها بالأحرف الأجنبية؟!
من أين هذا يا أيُّها الإخوة؟
هو من تأثير الثَّقافة الأجنبية التي تأتينا بواسطة الاستشراق والاستعمار والتَّنصير، وهي التي تُؤثر في تفريق الصُّفوف، وتُعطِّل عوامل الوحدة، وتُحبِط العزائم، وتُفرِّق الصُّفوف.
علينا -أيُّها الإخوة- أن نلتفت إلى الثقافة الإسلامية، ولن نصل إلى الثقافة الإسلامية ما لم نتعلم العلوم الإسلامية، خاصَّةً القرآن الكريم وعلومه، والسُّنة النبوية وعلومها، وما استُمد منهما من العلوم والمعارف الأخرى؛ كي نصعد إلى الوعي الذي يقودنا إلى محبَّة بعضنا بعضًا، ألا يدعونا الإسلامُ إلى المحبَّة فيما بيننا، بل إلى محبَّة الآخرين؟!
الإسلام يدعونا إلى الانفتاح على غيرنا، وإنما ينهانا الله -سبحانه وتعالى- عن الذين اعتدوا علينا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]، ويأتي النَّهي بعد ذلك عن الذين قاتلونا في الدين وحاربونا، أو حاربونا في اقتصادنا، أو عطَّلوا العمال وصرفونا عن النَّهضة بفوز هذه الثَّورة المباركة التي هي ثورة الشَّباب بالدرجة الأولى، أعني الشيوخ والشباب، فلا يجوز الاحتكار هنا، ولكن الشباب لديهم مستقبل، والثورة تهمهم كثيرًا وتهمنا معهم، فهم أبناؤنا وبناتنا.
فعلينا إذن أن نلتفت إلى معرفة الثقافة الإسلامية من حيث هي إسلامية.
لذلك أنا الآن سأُفسح المجالَ بحسب ما جاءني من التَّنبيه من الإخوة الذين لا ترونهم، ولكني أراهم يقولون: إنَّ الشَّباب والشيوخ ينتظرون التَّدخل من طرف بعض المشايخ الضُّيوف الذين نُرحِّب بهم كثيرًا ونُحبهم، وقد جاءوا لمُساعدتنا، فلتسمعوا منهم أكثر -بارك الله فيكم- وأُؤجِّل محاضرتي إلى حصَّةٍ أخرى؛ لأنَّها تتطلَّب وقتًا، وهي أيضًا خاصَّة ببعض المتعلمين من الجامعيين ومَن شاكلهم.
أعانكم الله ووفَّقكم، والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السبت، 27 أبريل 2013





                               خطبة الجمعة بالجامع الكبير بمارث //تونس
 

                     لفضيلة الشيخ :هشام لطيف //امام خطيب بالجامع الكبير    

بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"