بحث هذه المدونة الإلكترونية
الثلاثاء، 8 ديسمبر 2015
قبسات من زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الزهد في حقيقته هو الإعراض عن الشيء، ولا يطلق هذا الوصف إلا على من تيسر له أمر من الأمور فأعرض عنه وتركه زهداً فيه، وأما من لم يتيسّر له ذلك فلا يقال إنه زهد فيه، ولذلك قال كثير من السلف: إن عمر بن عبد العزيز كان أزهد من أويس رحمة على الله الجميع، وقال مالك بن دينار عن نفسه: الناس يقولون مالك زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أي إنه هو الزاهد حقيقة، فإن الدنيا كانت بين يديه فلم يلتفت إليها.
وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا، وأقلهم رغبة فيها، مكتفياً منها بالبلاغ، راضياً فيها بحياة الشظف، ممتثلاً قول ربه عز وجل: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى} [طه: 131]، مع أن الدنيا كانت بين يديه، ومع أنه أكرم الخلق على الله، ولو شاء لأجرى له الجبال ذهباً وفضة.
وقد ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره عن خيثمة أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعطه نبياً قبلك، ولا نعطي أحداً من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله، فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله عز وجل في ذلك: {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا} [الفرقان: 10]، وخُيِّر صلى الله عليه وسلم بين أن يكون ملِكاً نبياً أو عبداً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً.
وأما حياته صلى الله عليه وسلم ومعيشته فعجب من العجب، يقول أبو ذر رضي الله عنه: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرّة المدينة، فاستقبلَنا أحدٌ، فقال: "يا أبا ذر": قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا، تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار، إلا شيئاً أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه"، ثم مشى فقال: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وقليل ما هم"[1]، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا -وفي رواية– كفافا"، ودخل عليه عمر رضي الله عنه يوماً، فإذا هو مضطجع على رمالٍِ وحصيٍر ليس بينه وبينه فراش، وقد أثّر في جنبه، قال عمر: فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر، فقلت: ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم وسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فقال: "أوَفي شك أنت يا ابن الخطاب، أولئك قوم عُجِّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا"، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: "ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها"، وكان فراشه صلى الله عليه وسلم من الجلد وحشوه من الليف.
وأما طعامه فقد كان يمر عليه الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة، وما توقد في بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، وإنما هما الأسودان التمر والماء، وربما ظل يومه يلتوي من شدة الجوع وما يجد من الدَّقل - وهو رديء التمر - ما يملأ به بطنه، وما شبع صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز برٍّ حتى قبض، وكان أكثر خبزه من الشعير، وما أُثر عنه أنه أكل خبزاً مرقّقا أبدا، ولم يأكل صلى الله عليه وسلم على خِوان - وهو ما يوضع عليه الطعام - حتى مات، بل إن خادمه أنس رضي الله عنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبزٍ ولحم إلا حين يأتيه الضيوف.
ولم يكن حاله في لباسه بأقل مما سبق، فقد شهد له أصحابه رضي الله عنهم بزهده وعدم تكلّفه في لباسه وهو القادر على أن يتّخذ من الثياب أغلاها، يقول أحد الصحابة واصفاً لباسه: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلّمه في شيء فإذا هو قاعد وعليه إزار قطن له غليظ ، ودخل أبو بردة رضي الله عنه إلى عائشة أم المؤمنين فأخرجت كساء ملبدا وإزارا غليظا، ثم قالت: قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين الثوبين، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية.
وإن المرء ليقف متعجبا أمام ما يذكره علماء السير من وصفٍ لبيوت النبي صلى الله عليه وسلم وقلة متاعها، فلم يكن فيها شيءٌ يملأ العين من الأثاث ونحوه ، وما ذلك إلا زهداً في الدنيا وإعراضاً عنها.
ولم يترك صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة، قالت عائشة رضي الله عنها: " توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في رفِّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفٍّ لي، فأكلتُ منه حتى طال عليَّ "، ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهوديّ مقابل شيءٍ من الشعير.
إن ما ذكرناه في هذه العجالة هو شيء يسير من أخبار إمام الزاهدين وسيد العابدين صلى الله عليه وسلم، وغيرها كثير لم يذكر، وستظل هذه الأخبار شواهد صدق على نبوته وزهده وإيثاره ما عند الله عز وجل، وإن فيها دعوة للأمة وللأجيال المؤمنة للزهد في الدنيا والحذر من فتنتها، فلو كانت الدنيا دليل محبة الله لصاحبها، لفاز بها خير الخلق وأكرمهم على الله.
"وما أرسلناك الا رحمة للعالمين"
ان مدارسة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء في عهدها المكي أو فيما تلا ذلك من العهد المدني بتفاصيله الكبيرة، هي من الإيمان ومن مقتضيات محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلاقاً من هذا فسنعرض إن شاء الله تعالى ثلاث قضايا:
أولاها: أهمية السيرة النبوية.
وثانيها: مصادرها.
وثالثها: المنهج الصحيح لدراسة هذه السيرة.
فأما القسم الأول وهو المتعلق بأهمية هذه السيرة، فلاشك أن رسولنا صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل، وسيد ولد آدم، وهو أفضلهم عليه الصلاة والسلام، ولاشك أن هذه السيرة تعنينا نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم عناية خاصة؛ فهو رسولنا ونحن أمته، وهو خاتم الرسل، ولا ننتظر رسولاً بعده أبداً، وعيسى عليه الصلاة والسلام أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينزل في آخر الزمان، ولكنه إذا نزل يكون متابعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاكماً بالقرآن، وقاتلاً للخنزير، وكاسراً للصليب، ورافعاً للجزية، فلا يقبل من اليهود والنصارى إلا الإسلام على شريعة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أو السيف، ثم إنه يدفن بعد ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة.
الأمور التي تبرز من خلالها أهمية السيرة النبوية:
وأهمية سيرة النبي عليه الصلاة والسلام تبرز من خلال عدة أمور:
منها: عناية السلف رحمهم الله تعالى بهذه السيرة النبوية الكريمة: ولو أن الإنسان تدبر كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبون هذا النبي الكريم لوجد أنهم كانوا يحبونه محبة عظيمة جداً، حتى إنهم رضي الله عنهم وأرضاهم لما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وعلموا أنهم قد فقدوه، وأنه انقطع الوحي بينهم وبين السماء، أصيبوا بصدمة عظيمة ذهلت لها عقولهم، حتى إن أحد الصحابة يعبر عن ذلك ويقول: "فلما أن دفنّا رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكرت لنا قلوبنا؛ فما هي والله بالتي نعرف".
وصار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنقلون في الشوارع والطرقات في المدينة، وكأنهم طير بلله المطر ينتقل من زاوية إلى زاوية؛ من شدة ما لقوا من الحزن لفقد هذا النبي الكريم والرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم، فإذا كانت هذه عناية هؤلاء الصحابة فعناية سلفنا الصالح من التابعين ومن بعدهم كانت على مثل ذلك، فحرصوا على متابعته، وحرصوا على مدارسة سيرته صلى الله عليه وسلم؛ حتى إن أحد أئمة التابعين -وهو الإمام الزهري الذي يُعتبر أحد مَن دوّن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كان يقول عن علم المغازي: إنه علم الآخرة والدنيا.
وقد روي عن إسماعيل بن محمد بن سعد قال: "كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه ويعدَّها علينا، ويقول: "يا بني، هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها"، يربي رحمه الله تعالى عليها أولاده.
وعن علي بن الحسين قال: "كنا نعلم مغازي نبي الله صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن".
وهذا منهم رحمهم الله تعالى دليل على حرصهم على أن يربوا أولادهم على معرفة هذه السيرة النبوية الكريمة، وعلى معرفة تفاصيلها؛ حتى تمتلئ قلوبهم محبة لهذا النبي العظيم وعظمة لهذا الدين وهذا الإسلام، ولئلا تمتلئ قلوبهم بمحبة الخرافات والأساطير وقصص الممثلين والممثلات وغيرهم مما لا فائدة منه أبداً، فيجب أن تملأ قلوب الصغار وتملأ قلوب الأولاد بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه وسيرته وتفاصيلها، وإن قلباً امتلأ محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلماً بسيرته وبسراياه ومغازيه وأموره كلها، لقلب قَمِنٌ أن يكون قلباً تواباً أواباً رجاعاً إلى ربه تبارك وتعالى عاملاً بالإسلام داعياً إليه خادماً له معتزاً به.
وما أحرانا في عصرنا الحاضر أن نغرس في قلوب أولادنا هذه السيرة النبوية الكريمة بدل أن يغرسها وتغرسها وسائل الإعلام بقصص الكافرين والكافرات والفاسقين والفاسقات، نسأل الله السلامة والعافية.
ولقد كتب ابن القيم رحمه الله تعالى في (زاد المعاد) مقدمة عظيمة عن أهمية سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن منزلة هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، ومما قاله بعد مقدمة طويلة:
"ومن هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر؛ فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا يُنال رضا الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاؤوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فُرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء؟!".
وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف هديه وسيرته وشأنه وما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشريعته وحزبه.
وعلى هذا فإن سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم إنما هي سيرة خاصة، ونحن محتاجون إليها إذا أردنا أن نكون من المؤمنين المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
والعجيب، أن كثيراً ممن يهتم بتاريخنا الإسلامي تجده يركز على قضايا مادية، كالزخرفة والفنون والبنايات وغيرها، ويجعلها هي رمز الحضارة الإسلامية، ويؤلف في ذلك المؤلفات الطويلة، ثم يغفل عن إظهار وإشهار سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيها من عظمة، وما فيها من جهاد، وما فيها من دروس وعبر، فلاشك أن هذه السيرة النبوية مليئة ومليئة للمسلمين بأن يكون هذا النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لهم؛ فكلٌ يقتدي به عليه الصلاة والسلام، فالمؤمن الذي يريد أن يهتدي بهدى الله يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا يقتدي به المجاهد الذي يقود الجهاد في سبيل الله، والداعية الذي يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، والزوج الذي يريد أن يربي أسرته على المنهج الصحيح، والرجل الذي يريد أن يعلم أصحابه وأولاده ما يريدونه من العلم، وهكذا. فسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتميز بشمولها التام، وبأنها سيرة متكاملة شاملة لجميع مناحي الحياة، قد نجد عند الناس في تواريخهم من برز في القتال، أو من برز في العلم، لكن أن نجد من هو قدوة يجب اتباعه ومن برز في جميع الأمور؛ فلا نجد ذلك إلا في هذا النبي الحبيب الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.
أهمية دراسة سيرة الخلفاء الراشدين:
وأود بهذه المناسبة أن أشير في ختام هذه المقدمة القصيرة عن أهمية سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى أن من المهم مدارسة سيرة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتداء بهم فقال:
«اقتدوا باللذين من بعدي؛ من أصحابي، أبي بكر وعمر» [صححه الألباني]، وقال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» [صححه الألباني].
والأمر الثاني -وهو المهم جداً- أن الخلافة الراشدة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أول تطبيق عملي للإسلام بدون الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى لا يأتي قائل ويقول: أين نحن من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله مؤيد بالوحي ومؤيد بالمعجزات.. إلى آخره؟ فنقول له: نعم، هذه سيرة واجب اتباعها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بذل الأسباب، وكان بشراً عليه الصلاة والسلام، لكنه كان نبياً، أما خلافة الخلفاء الراشدين فهي تطبيق عملي قريب متكامل لما أراده الرسول صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن نهتم بدراسة تاريخهم وسيرتهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وأن نمحصها.
وننتقل بعد ذلك إلى الفقرة الثانية وهي المتعلقة بمصادر سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القرآن الكريم مصدر من مصادر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم:
ومصادر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً:
وأولها: القرآن الكريم، والقرآن الكريم هو كتاب الله ووحيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولأن القرآن الكريم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقاً حسب الأحوال والحوادث فإن هذا الكتاب الكريم كان تطبيقاً عملياً لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بدءاً بدعوته إلى أن انتقل عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، ومن ثمَّ فإن القرآن الكريم يتميز عن غيره من المصادر بعدة ميزات:
أولاها: أنه كلام الله، فمدارسته عبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا فقال: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: آلم حرف، ولكن ألف حرف وميم حرف» [رواه الترمذي وصححه الألباني]، فكون الإنسان يقرأ القرآن ويتدارسه هو عبادة أولاً.
الميزة الثانية: أن في القرآن العظيم إشارات تفصيلية لبعض الأحداث في السيرة النبوية لا يمكن أن نجدها في كتب السيرة الأخرى، ومن تدبر كلام الله سبحانه وتعالى سيجد ذلك واضحاً بيناً، فمن قرأ سورة التوبة وكيف قص الله علينا ما جرى في غزوة تبوك، أو قرأ سورة آل عمران وما جرى في غزوة أحد، أو قرأ سورة الأحزاب وما جرى في غزوة الأحزاب؛ سيجد في هذه الآيات القرآنية من التفاصيل ما لا يجده في كتب السيرة النبوية.
والميزة الثالثة للقرآن وكونه مصدراً مهماً لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام: أن القرآن فيه ربط عجيب بين سير الحدث وقصة الحدث وربطه بالعقيدة والإيمان والقضاء والقدر، بمعنى: أن كتب السيرة تسرد عليك الأحداث سرداً، لكن إذا قرأتها من القرآن العظيم تجده يعقب عليها بتعقيبات تزن هذه الأحداث وتقومها، وتربطها بالملك العلي جل جلاله، وما دام الأمر كذلك فأنت حينما تقرأ الآيات المتعلقة ببعض أحداث سيرته صلى الله عليه وسلم، تجد ربطها بالإيمان بالله وبأسمائه وصفاته وبما كتبه الله وقدره وبعلامات الإيمان، وتجد فضح المنافقين وأحوالهم وأوصافهم.. إلى آخره.
الميزة الرابعة: أن السيرة أحياناً تكون مرتبطة بزمان أو مكان أو حدث معين، ولكن في القرآن العظيم تتحول هذه الحادثة من قصة معينة إلى درس كبير ومنهج متكامل يتعدى ظروف الزمان والمكان، ويتعدى ظروف الحدث، ومن ثمَّ يأتي في هذه الآيات الكريمات تحليل لهذا الحدث وتعقيب عليه؛ بحيث يتحول إلى درس يقرؤه الإنسان ولا يمله إلى يوم القيامة، وهذه ميزة القرآن العظيم أنه لا يمله الإنسان، ولا يخلق من كثرة الرد أبداً.
الميزة الخامسة: أن هناك أحداثاً جاءت في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن جاء تفصيلها في القرآن أكثر مما جاء في السيرة، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش وزواجها قبله من مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه وأرضاه، فإن الله ذكر ذلك في قصة الأحزاب بما لا نجد تفاصيله وتعقيباته في غيره من كتب السيرة.
الميزة السادسة: أن كتاب الله سبحانه وتعالى وهو يذكر هذه الأحداث يركز على خصائص سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فيركز على عموم رسالته، وعلى أن مهمة الرسول هي البلاغ، كما أنه يركز على أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر وليس ملكاً، كما أنه يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ولا نبي بعده، وهكذا. وينبغي أن نعلم أن مدارسة هذا القرآن العظيم وتتبع السيرة النبوية من خلاله لابد لها من أمور، فلابد من مراجع، ومن أهم هذه المراجع كتب التفسير، ومن أهم كتب التفسير تفسير الطبري وتفسير ابن كثير رحمهما الله تعالى، ثم يأتي بعد ذلك كتب أسباب النزول وغيرها. وأود أن أشير بهذه المناسبة إلى أن أحد الكتاب حاول أن يكتب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم فقط، وهو الأستاذ محمد عزت؛ وذلك في كتابه (سيرة الرسول) التي كتبها في مجلدين، فأراد أن يقتصر على سيرة النبي عليه الصلاة والسلام من القرآن الكريم، ولكن ينبغي أن يعلم أنه لا يُكتفى بالقرآن العظيم؛ لأن كثيراً من التفصيلات لابد من الرجوع فيها إلى كتب الحديث النبوي وإلى كتب السيرة؛ ليتبين المراد منها، لكنها محاولة جيدة منه.
المصدر الثاني: هو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: وينبغي أن نعلم أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم والذي عني المسلمون بتدوينه عناية تامة، فيه من تفاصيل أحداث السيرة الأمر العجيب، ولدينا ما صح من الحديث النبوي، أقصد ما أُلف بقصد جمع الصحيح، فهناك من ألف كتابه وجعله صحيحاً، كـالبخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، وفيهما من أحداث السيرة النبوية الشيء الكثير والكثير جداً، وعليك أن تقرأه بثقة واطمئنان؛ لأنه ثابت صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتجد في البخاري وفي مسلم أبواباً في فضائل الصحابة، وتجد أبواباً في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتجد أبواباً في المغازي، وتجد أبواباً في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم، وجهاده للكفار، وهكذا، ففيها من التفصيلات ما قد لا تجده في غيرها من المصادر الأخرى، إضافة إلى كتب السنة الأخرى كبقية السنن الأربع: الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وهكذا مسند الإمام أحمد وكتب المعاجم، كمعاجم الطبراني الصغير والكبير والأوسط، ومسند أبي يعلى الموصلي، وغيرها من دواوين السنة الكبرى، والأجزاء الحديثية الصغرى، فهذه كلها فيها الكثير والكثير مما لو جمع لكان سيرة متكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن هذه الكتب الحديثية منها ما هو مرتب على الأبواب فيسهل أحياناً الوصول إليها، كما في البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي؛ حيث يسهل وصول الإنسان إلى الأبواب التي يريدها وتتعلق بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وهناك كتب أخرى ليست كذلك، بل تحتاج إلى العلماء، وتحتاج إلى الفهارس؛ حتى نستفيد منها، كمسند الإمام أحمد؛ لأن الإمام أحمد جعله على مسانيد الصحابة، ومن ثمَّ فإن الإنسان الذي يريد أن يستفيد من هذا المسند لابد أن يتتبع المسند من أوله إلى آخره، ويستعين -مثلاً- بالفتح الرباني وإن كان لم يذكر الأحاديث المكررة، لكن الفتح الرباني حول المسند إلى الأبواب. وكذلك أيضا المعجم الكبير للطبراني أو المعجم الأوسط أو مسند أبي يعلى الموصلي أو غيرها، فهذه كلها مسانيد جاءت على ترجمة الصحابة، وأحياناً على ترجمة شيوخ أولئك المحدثين، فالوصول إلى أحداث السيرة فيها يحتاج إلى فهرسة، ويحتاج إلى جهود العلماء في ذلك. وينبغي أن نعلم أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم وما صح منه -كما في البخاري و مسلم مثلاً- فيه من البيان والتوضيح لبعض الأحداث المشكلة الشيء الكثير، وسأذكر بعض الأمثلة المتعلقة بالعهد المدني: مما كان في العهد المدني أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا غزوة بني المصطلق التي تُسمى غزوة المريسيع، فتجد -مثلاً- في سيرة ابن إسحاق أنه يذكر فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام ثم قاتلهم، لكن تجد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم داهمهم وهم غارون، فبحث العلماء هذه القضية: هل لابد قبل القتال من الدعوة إلى الإسلام؟ وكيف نجمع بين حديث البخاري وما قاله ابن إسحاق في سيرته؟ فهنا نجد أن البخاري رحمه الله تعالى أوثق، وأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً هجم على بني المصطلق وهم غارّون، حيث هجم عليهم هجوماً صاعقاً، وسبى ذراريهم، وغنم أموالهم، وجرى في تلك الغزوة ما جرى، لكن يبقى السؤال: هل معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم وفيه: «وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال)، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام» ، يعني: ادعهم قبل ذلك، فهل معنى ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح البخاري - داهمهم ولم يدعهم؟ الجواب: لا، بل الراجح أنه داهمهم، لكن كان بنو المصطلق قد بلغتهم الدعوة، وإذا كان الأمر كذلك يزول الإشكال في هذه المسألة، وهكذا إذا حلل الإنسان يجد في كتب الحديث النبوي من الترجيحات الشيء الكثير والكثير جداً.
القسم الثالث: كتب الشمائل المحمدية التي تشرح شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وصفاته الخلقية والخلقية عليه الصلاة والسلام: ومن أهم المراجع في هذا الباب: كتاب الترمذي صاحب الجامع الصحيح، فله كتاب اسمه (الشمائل المحمدية)، وهذا الكتاب طبع، وقد اختصره وحكم على أحاديثه الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله فمختصره موجود، وفيه شرح لشمائل النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الكتب التي طبعت في الشمائل ولكن إلى الآن لم تحقق: كتاب (أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه) لـأبي الشيخ الأصبهاني المتوفى سنة (369هـ)، لكن هذا الكتاب حتى الآن -على حد علمي- لم يحقق تحقيقاً متكاملاً.
والكتاب الثالث -وهو كتاب مشهور عند كثير من الناس- هو: كتاب (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) للقاضي عياض المتوفى سنة (544هـ)، وهذا الكتاب خرج أحاديثه السيوطي رحمه الله تعالى في كتاب مطبوع اسمه (مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا) ، وهو مطبوع، ولكن ينبغي أن نعلم أن كتاب (الشفا) للقاضي عياض وإن كان أجاد فيه في بعض المواضع إلا أنه رحمه الله قد وقع في الخطأ في بعضها، ومن ثمَّ نجد للصوفية عناية كبيرة بهذا الكتاب، فالكتاب فيه أشياء جيدة، لكن من الملاحظات عليه أنه تكلم -مثلاً- عن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والسفر إليه، ورجح جواز ذلك، وهذا كما هو معلوم مخالف لعقيدة السلف رحمهم الله تعالى.
الأمر الثاني: أنه لما ذكر أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم صار يقرنها بأسماء الله، فيقول أن الله من أسمائه: الأول والآخر، ومن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أول من تنشق عنه الأرض... إلخ. وأقول: إن في مثل هذه المسائل نوع مبالغة لا تنبغي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشر، وقد أمر عليه الصلاة والسلام بألا نرفعه فوق منزلته.
ومن الكتب الجيدة الممتازة جداً: (الشمائل) للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، وهذا الكتاب جزء من البداية والنهاية، وقد طبع مستقلاً، وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان عن سيرة ابن كثير رحمه الله تعالى.
الرابع :كتب دلائل النبوة التي فيها شرح لدلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ومعجزاته: لأن النبي صلى الله عليه وسلم له معجزة هي القرآن الكريم، وله عليه الصلاة والسلام معجزات أخرى كثيرة جداً كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرونها كبيرة، وقد عني العلماء بذكر هذه الدلائل وتفاصيلها؛ لأنها دالة على نبوته صلى الله عليه وسلم وفي أثناء هذه الدلائل شرح كبير لكثير من أحداث السيرة النبوية. ومن كتب الدلائل -وهو أهمها-: كتاب دلائل النبوة للفريابي وقد طبع أخيراً، وهو كتاب صغير، لكنه جيد. وهناك كتاب آخر مطبوع اسمه: (دلائل النبوة) لـأبي نعيم الأصبهاني. وهناك أيضاً كتاب ثالث طبع أخيراً واسمه(دلائل النبوة) للبيهقي، لكن كتاب البيهقي هذا كتاب كبير يقع في عدة مجلدات، وفيه بعض الأحاديث الضعيفة، فينبغي لمن اطلع عليه أن يميز صحيحها من ضعيفها. وللسيوطي رحمه الله تعالى كتاب اسمه: (الخصائص الكبرى) وقد طبع هذا الكتاب قديماً، ثم طبع أخيراً بتعليقات للشيخ محمد خليل الهراس رحمه الله تعالى.
القسم الخامس: كتب السيرة النبوية: وبدء تدوين السيرة النبوية ليس هذا مناسبة شرحه، وربما أنها سبقت في مناسبة أخرى، لكن نعرض لبعض كتب السير المشهورة، ومن أهمها: سيرة ابن إسحاق المتوفى سنة (150 أو سنة 151هـ)، وسيرة ابن إسحاق رحمه الله تعالى كانت مسطورة، ثم هذبها ابن هشام ، وعرفت عند الناس جميعاً باسم: سيرة ابن هشام، وفيها اعتماد كامل على سيرة ابن إسحاق ، مع بعض الحذف والاختصار في بعض المواضع.
وسيرة ابن إسحاق الأصل وجد منها قطعة تقع في مجلد، طبعت أخيراً بتحقيق محمد حميد الله، ثم طبعت طبعة أخرى بتحقيق سهيل بكار. وسيرة ابن هشام هذه هي السيرة النبوية المشهورة بين الناس، والتي عمل العلماء لها شروحاً، وممن شرح غريبها الخشني، وشرحه مطبوع، وممن شرحها الإمام السهيلي واسم شرحه (الروض الأنف)، وقد طبع قديماً في أربعة أجزاء، ثم طبع أخيراً قبل سنوات في سبعة مجلدات بتحقيق عبد الرحمن الوكيل طباعة جيدة، وقد حرص السهيلي على بعض التعليقات وبعض التعقيبات، وشرح بعض الغوامض.
وينبغي أن يعلم أن سيرة ابن هشام هذه هي سيرة ينبغي التثبت من أحداثها تصحيحاً وتضعيفاً، فليس ما فيها كله صحيح، وإنما يجب مقارنتها بغيرها من السير وبحديث الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن فيها بعض الروايات الضعيفة، وخاصة ما يتعلق بعهد الجاهلية أو بحياة النبي صلى الله عليه وسلم الأولى وما يتعلق بولادته ونحوها، لكن ابن إسحاق ثقة في باب المغازي، فإذا لم نجد ما يعارضه من الأحاديث الصحيحة فإننا نعتمد ما قاله ابن إسحاق رحمه الله تعالى. وهناك جزء من السيرة لـأبي إسحاق الفزاري المتوفى سنة (186هـ)، وأبو إسحاق الفزاري روى له الجماعة، فهو أحد الثقات، وقد طبع أيضاً جزء من كتابه هذا، وهو كتاب جيد لم يقتصر فيه على السيرة النبوية، وإنما ذكر فيها ما يتعلق بالأمور المتعلقة بمعاملة الناس في أثناء الجهاد والغنائم، ففيه تفصيلات وأحكام أخرى. ومن المغازي المشهورة مغازي الواقدي المتوفى سنة (207هـ) ، لكن الواقدي هذا متروك ، ولما كان ضعيفاً نجد المستشرقين عنوا عناية كبيرة بسيرة الواقدي ومغازيه، وتركوا سيرة ابن إسحاق رحمه الله تعالى، وكان الأولى هو العكس: تقديم سيرة ابن إسحاق على مغازي الواقدي.
ومن كتب السيرة أيضاً: ما كتبه محمد بن سعد كاتب الواقدي المتوفى سنة (230هـ) -وهو ثقة- مقدمة لكتابه (الطبقات الكبرى) ، ففيه تفصيلات بالأسانيد لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مرجع مهم. ومن كتب السيرة أيضاً: (الدرر في اختصار المغازي والسير) لـابن عبد البر القرطبي الإمام المشهور المتوفى سنة (463هـ) وكتابه مطبوع، وقد تابع فيه ابن إسحاق ، لكنه رحمه الله تعالى زاد على ذلك بروايات من الحديث النبوي من صحيح البخاري ومن سنن أبي داود ومن غيرها من الكتب. وهناك كتب أخرى فيها عناية بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مفصلة، ومنها: (شرح المواهب اللدنية) للقسطلاني، وهو كتاب كبير جداً حاوٍ لكثير من المسائل المتعلقة بشمائل الرسول وسيرته ومغازيه وصفاته وأحواله، ففيه تفصيل كبير، ويتميز أن فيه تحقيقات حديثية وترجيحات، فتجده إذا ذكر الحديث يرجع إلى كتاب البخاري أو إلى كتاب مسلم ، ويذكر الروايات، ويناقشها، ويرجح بينها، فهو مرجع مهم في هذا. ومن كتب السير المشهورة: كتاب (السيرة الحملية) وهي مطبوعة، لكن يُحذر مافيها من روايات ضعيفة؛ لأن فيها روايات إسرائيلية كثيرة. ومن السير أيضاً: كتاب(سبل الهدى والرشاد) لـمحمد بن يوسف الدمشقي الشامي المتوفي سنة (942هـ)، وقد طبع من الكتاب ستة أجزاء وهو كتاب كبير، لكنه كتاب شامل، وفيه ما يجب أن يحذر منه من بعض القضايا العقدية، ومن بعض الروايات الضعيفة.
السادس : الكتب التي ألفت عن الصحابة، وترجمت لهم: ففيها تفاصيل لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. والكتب المؤلفة عن الصحابة كثيرة، منها (معرفة الصحابة) لـأبي نعيم الأصبهاني . ومنها (أسد الغابة) لـعز الدين ابن الأثير، ومنها (الإصابة) لـابن حجر العسقلاني، رحمهم الله تعالى، وغيرها كتب كثيرة، وهي مشهورة، وفيها تفاصيل حياة الصحابة المتعلقة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن المصادر لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم التي يستفاد منها: كتب التاريخ.
وكتب التاريخ نوعان:
النوع الأول: الكتب التي دونت لتاريخ الحرمين الشريفين، مثل (تاريخ مكة) للفاكهي، ومثل(تاريخ مكة) للأزرقي، ومثل ( العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين) ، ومثل (خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى) للسمهودي، فهذه الكتب وإن كانت كتباً تاريخية هامة إلا أن من يريد أن يبحث في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسيجد منها ما يفيده، على أن يمحص هذه الروايات ويدرسها. القسم الثاني من كتب التاريخ هي: كتب التاريخ العامة، مثل(تاريخ الطبري)؛ فإن تاريخ الطبري هذا فيه من التفاصيل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الشيء الكثير، لكنه رحمه الله كان يسوقها بأسانيدها، ومن أسندك فقد أحالك، فعلى الإنسان ألا يأخذ ما يرد في تاريخ الطبري على أنه قضية مسلمة، وإنما عليه أن يدرس أسانيدها، ويمحصها، ويقارن بينها وبين الروايات الأخرى، ومثلها كتاب (أنساب الأشراف) للبلاذري؛ فإن في مقدمة هذا الكتاب ترجمة وافية للرسول صلى الله عليه وسلم. ومنها: كتاب (البداية والنهاية) لـابن كثير؛ فإنه أسند سيرة مطولة للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد طبعت مستقلة باسم (السيرة النبوية لـابن كثير) ، ويُعتبر هذا الكتاب من أهم كتب السيرة؛ لأن ابن كثير رحمه الله تعالى كان مهتماً بالحديث، وكان مهتماً بمقارنة أحداث السيرة التي يذكرها ابن إسحاق أو غيره بما في صحيح البخاري و مسلم و الترمذي وغيرها من الروايات، فكتابه هذا مفيد جداً، ونقول: إنه من أفضل كتب السيرة التي يجب أن يُعتنى بها.
وهناك أيضاً كتاب آخر وهو: كتاب (التاريخ) للذهبي رحمه الله تعالى، فإنه أفرد مجلدين كبيرين أحدهما للسيرة النبوية، والثاني لمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الذهبي إماماً محدثاً، ومن ثمَّ فإنه رحمه الله تعالى حرص حرصاً شديداً على مقارنة هذه السيرة بغيرها والحكم على كثير من رواياتها، فهو كتاب مهم جداً، وقد طبع ما يتعلق بالسيرة وما يتعلق بعهد الخلفاء الراشدين من هذا الكتاب، كما طبعت منه أجزاء أخرى فيما بعد ذلك. وأيضاً: كتب التاريخ المختلفة، ولا نريد أن نتتبعها.
كتب يجب الحذر منها:
ونحن نتدارس مصادر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فنحن أن نحذر من الكتب التي يسمونها: كتب الأدب، وكتب دواوين الشعر، ونحوها، ككتاب (الأغاني) لـأبي الفرج الأصبهاني أو (العقد الفريد) أو غيرها من الكتب؛ فإن هذه فيها تفاصيل بأحداث السير وبأحداث جرت بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ينبغي أن نعلم أن هذه التفاصيل يجب ألا تؤخذ قضية مسلمة، وأن نعلم أن فيها كثيراً من الدس والكذب على أولئك الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فلا يجوز لمسلم أن يجعل مثل هذه الكتب مصدراً له، لا في تاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته ولا في تاريخ الصحابة، ولا في تاريخ عهود الخلفاء الراشدين وما جرى بينهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ......
أقسام الدراسات المعاصرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:
أما الكتابات المعاصرة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فينبغي أن نعلم أن هذه الكتابات قسمان: منها قسم تأثر فيه أصحابه بدراسات المستشرقين والمبشرين. وينبغي أن أشير في هذه المناسبة إلى أن المستشرقين والمبشرين ألفوا كتباً كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكثير من هذه الكتب وبعضها قد ترجم إلى العربية، وكثير منها مملوء حقداً وبغضاً وسباً وشتماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، فينبغي أن نحذر من هذه الدراسات الاستشراقية، وتبعهم على ذلك بعض أذنابهم ممن ينسبون إلى المسلمين، وكان من الدراسات التي تأثرت بهم ما كتبه طه حسين في كتابه (على هامش السيرة)، فهذا الكتاب مملوء بالخرافات، ولا ينبغي أن يعتمد عليه أبداً. وكذلك أيضاً هناك كتب أخرى وإن كانت أقل خطورة من هذا الكتاب إلا أنها تأثرت بتلك الدراسات الاستشراقية وبالغزو الاستعماري.
ومنها ما كتبه محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد)، أو في كتابه الآخر (في منزل الوحي)، فالكتابان وإن كانا جميلين بديعين إلا أنه قلد فيهما مناهج المستشرقين والمبشرين، فمثلاً: أراد أن يجعل من النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه واحداً من البشر العاديين، ومن ثم سمى كتابه (حياة محمد)، يعني: يريد ألا يجعل هناك معجزة إلا القرآن، فيبعد عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما يسميه هؤلاء مخالفاً للعقل من المعجزات ومن المغيبات، ويريد أن يعرض سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عرضاً كما يقول: ليتناسق مع مقتضيات الحياة ومع بذل الأسباب البشرية، فجاء عرضه في سيرته بعيداً عن تلك القضايا المهمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والتي هي من معجزاته ودلائل نبوته عليه الصلاة والسلام.
ومثله ما كتبه العقاد في كتابه (عبقرية محمد)، وعنوانه يدل على مقصده منه! فمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُقاس بغيره من العظماء، وإنما يجب أن تختص دراسته بكونه نبياً ورسولاً من عند الله تبارك وتعالى.
ثم إنه بدأت دراسات جادة وجيدة لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولنقد كتب السيرة، ومن تلك الدراسات الجيدة ما كتبه عدد من الباحثين في جامعة أم القرى وفي الجامعة الإسلامية، فإن هؤلاء كتبوا عدة رسائل درسوا فيها بعض المسائل المتعلقة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم دارسة حديثية نقدية ممتازة، فمثلاً: درسوا بيعة العقبة وأحداثها، ودرسوا هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحداثها، ودرسوا غزوة بدر، ومن هذه الدراسات ما يتعلق بغزوة بني المصطلق، وما يتعلق منها بصلح الحديبية، وما يتعلق منها بغزوة تبوك، وقد طبعت أكثر هذه الدراسات، وهي دراسات مهمة جداً.
وكان للشيخ محمد أمين المصري رحمه الله تعالى فضل في ذلك بعد الله تعالى؛ فإنه أول من اقترح هذه الدراسات، وأشرف على عدد من هذه البحوث، وتوفي رحمه الله تعالى منذ زمن، ثم تابع الإشراف على هذه الرسائل الأستاذ الشيخ الدكتور أكرم العمري ، وهو موجود الآن في المدينة، وقد حرص الدكتور أكرم العمري على متابعة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى متابعة هذه الرسائل لإخراج سيرة جيدة متكاملة مبنية على الدراسة الحديثية المؤصلة. ومن الدراسات التي اهتمت بالسيرة النبوية ما كتبه الأستاذ محمد سرور زين العابدين (دراسات في السيرة النبوية)، فإن هذا الكتاب قد طبع، ودرس فيه كثيراً من مناهج السيرة النبوية، ونقد نقداً ممتازاً كثيراً من مناهج المستشرقين وأذنابهم من المستغربين، ودراسته هذه مطبوعة. ومنها أيضاً ما كتبه أكرم العمري الذي أشرت إليه قبل قليل؛ فإنه له دراسات ممتازة جداً، حول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الدراسات الممتازة له ما كتبه بعنوان: (المجتمع المدني في عهد النبوة)، وهو جزءان: جزء يتعلق بخصائص هذا العهد وتنظيماته الأولى، والجزء الثاني يتعلق بالجهاد ضد المشركين، وقد طبعت هذين الجزءين الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وفيه دراسة ممتازة جداً وتأصيل جيد لدراسة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام. وهناك دراسات كثيرة ومتعددة اختلفت مناهجها وسبلها، وتعدادها يطول بنا.
أهم الكتب والمصادر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:
فإن قيل في ختام المصادر: فما أهم المصادر لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأود أن أشير إلى أن من أهم كتب السيرة الكتب التالية:
الكتاب الأول: (تاريخ الإسلام) للذهبي، ففيه المقدمة التي أشرت إليها قبل قليل، وهي قسمان:
قسم في السيرة النبوية، وقسم في المغازي.
الكتاب الثاني: (السيرة النبوية) لـابن كثير.
الكتاب الثالث: (زاد المعاد) لـابن القيم رحمه الله تعالى، وهذا كتاب عجيب جداً، فكتاب (زاد المعاد) الذي ألفه ابن القيم رحمه الله تعالى وهو في طريقه إلى الحج فيه من التفاصيل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وسيرته وفقهها ما يعتبر من الكتب الفريدة في بابه، فينبغي ألا يخلو بيت من هذا الكتاب بعد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب التفسير.
وابن القيم رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالسيرة النبوية أعقب كل حدث بذكر الدروس المستفادة منه، وهذا الكتاب مهم جداً، وقد طبع محققاً في خمسة مجلدات، وسادسها هو الفهارس، فاحرصوا على اقتناء هذا الكتاب والقراءة فيه؛ فإن فيه فوائد جمة، وإن فيه من التحقيقات الكثيرة الكبيرة ما يحتاج إليه المسلم في حياته.
وهذا الكلام كله بعد سيرة ابن إسحاق؛ لأن ابن إسحاق له من التفاصيل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما يعتبر من جاء بعده تلميذاً له يستفيد منه.
ومن هذه الكتب أيضاً: (فتح الباري) لـابن حجر العسقلاني، وأود أن أشير إلى أن هذا الكتاب فيما يتعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم مهم جداً؛ لأنه لما شرح الأحاديث المتعلقة بالسيرة سواء في الأبواب التي بوبها البخاري رحمه الله فيما يتعلق بالمغازي والسير والجهاد ونحوها وفضائل الصحابة ونحوها والمناقب ونحوها، أو ما يتعلق بالأحاديث التي بوب لها البخاري في باب الأحكام لكنها متعلقة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد تميز ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه (فتح الباري) بشرح الأحاديث وتمحيصها، ومقارنة الروايات ومدارستها، وفي هذا ما يحتاج إليه أي إنسان يريد أن يطلع على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتفاصيلها، فالكتاب مليء ومليء بالفوائد العلمية الكبيرة، ومنه ما يتعلق بسيرة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.
ومن الكتب الجميلة جداً والمهمة جداً في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: كتاب (مختصر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم) للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ووالده محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى له كتاب مختصر في السيرة؛ ركز فيه على ما يتعلق بالجاهلية وعادات المشركين؛ ليبين كيف كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حرباً على الشرك وعادات الجاهلية وأحوالها، لكن ولده عبد الله له مختصر في مجلد كبير، اقتصر فيه على ما ورد عن ابن إسحاق رحمه الله تعالى، إلا أنه أضاف إليه تعليقات وتحقيقات أخذها من ابن القيم ومن غيره.. فهذه أهم مصادر السيرة.
القسم الثالث:
منهج دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:
ودراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تقوم على عدة أسس وصفات، ومن أهمها:
أولاً: ينبغي أن تكون الدراسة لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم منطلقة من عزة الإسلام وأحقيته في الحكم والسيادة، وأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من أحد ديناً غيره. وهذه قضية مهمة جداً.
فمن يدرس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يبنيها على هذا الأساس؛ إذ ليست سيرة النبي صلى الله عليه وسلم سيرة رجل من الناس، وإنما يبنيها على أن هذا الإسلام لا يقبل الله من أحد ديناً غيره، وعلى أن هذا الإسلام لا يمكن أن تتم معرفته إلا بمدارسة سيرة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وينبغي البعد عن الروح الانهزامية في تحرير وتحليل قضايا السيرة النبوية، فجهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرسه الإنسان على أنه دين أمر الله سبحانه وتعالى به، لا على أن المسلمين لم يقصدوا به كذا، ولم يقصدوا منه كذا، وإنما كان دفاعاً، ولم ينتشر الإسلام بالسيف، ولم ولم... إلى آخر العبارات التي جاءتنا من سموم المستشرقين والمبشرين.
نعم قال الله تبارك وتعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [سورة البقرة: 256]، لكن الله سبحانه وتعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [سورة التوبة: 123]، وقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}[سورة التوبة: 29]، فالجهاد ليس فيه روح انهزامية، ونحن ندرس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من خلال الأحكام الشرعية التي تبين كيف أن هذا نبي من عند الله، وأن الله سبحانه وتعالى أمره بأن يبلغ دينه فقال: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].
ومن الأمثلة على الروح الانهزامية لبعض من يدرس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ما فعله بعضهم حينما مر على قصة بني قريظة حينما خانوا النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب، وقصتهم طويلة وهي مفصلة في كتب السيرة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن هزم الأحزاب رجع إلى بني قريظة، وكانت له مع جبريل قصة حينما ألقى النبي صلى الله عليه وسلم السلاح فدخل عليه جبريل فقال: "يا محمد! ألقيت السلاح؟"، قال: "نعم". قال: "فإن الملائكة لم تلق بعد السلاح". قال: "وماذا؟"، قال: "اذهب إلى بني قريظة"، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولبس لأمته وذهب إلى بني قريظة وحاصرهم حتى استسلموا، فلما استسلموا أرادوا أن تكون حالهم كحال بني النضير الذين وهبهم النبي صلى الله عليه وسلم لـعبد الله بن أبي ابن سلول ؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم وافق على أن يُؤخذ منهم السلاح، وتُسلم لهم نفوسهم وأموالهم، فأرادوا ذلك، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم فيهم حليفهم في الجاهلية سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه. فقبل النبي صلى الله عليه وسلم في أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وقبلوا هم ذلك، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا سعد بن معاذ، وكان قد أصيب بجرح، فلما أقبل سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزلوه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد آن لـسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فقال: احكم في بني قريظة يا سعد"، أي: احكم في هؤلاء الخونة، فقال سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه: "أحكم فيهم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم وأموالهم". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات"، أي: أن حكمك هو حكم الله الجبار جل جلاله، وأتي بهؤلاء الملاعين، وكانوا قرابة السبعمائة رجل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
.
الاثنين، 7 ديسمبر 2015
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على اشرف المرسلين
رسالة
الى الشباب في تونس وفي كل بلد الاسلام
كتاب الفتن لنعيم بن حماد .. رقم الحديث: 557
حديث موقوف) حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، وَرِشْدِينُ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ ، عَنْ أَبِي رُومَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : " إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الأَرْضَ فَلا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ ، وَلا أَرْجُلَكُمْ ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لا يُؤْبَهُ لَهُمْ ، قُلُوبُهُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ ، هُمْ أَصْحَابُ الدَّوْلَةِ ، لا يَفُونَ بِعَهْدٍ وَلا مِيثَاقٍ ، يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ ، أَسْمَاؤُهُمُ الْكُنَى ، وَنِسْبَتُهُمُ الْقُرَى ، وَشُعُورُهُمْ مُرْخَاةٌ كَشُعُورِ النِّسَاءِ ، حَتَّى يَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ " .
هذا هو عصر الفتن بامتياز الذي حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.والذي رويت فيه أحاديث صحيحة من طريق حذيفة بن اليمان ومن طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.قال صلى الله عليه وسلم "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الساعي.من تشرف لها تستشرفه...."والحديث رواه الامام البخاري ومسلم وأحمد في مسنده.والمقصود بذلك أنه ستقع احداث ووقائع في بلاد الاسلام تجعل العاقل حائرا شاكا يلتبس عليه الحق ....ولا يدري أي وجهة يتبع....ولا أي طريق يتبع.....
ولعلك أخي في الله .....أختى في الله.....ترى أنى صدرت كلامي بحديث روي عن الامام على رضي الله عنه وأرضاه.....
المقصد من ذلك هو تحذير الشباب المسلم الذي من المفترض أن يبني حياته وينميها ويتدرج في مراحل الحصول على العلم لنيل المهام الموكولة بعهدته في المستقبل لا أن يذهب الشباب ضحية الفتاوى التى يصدق فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"دعاة على أبواب جهنم".....ولا أن يذهب الشباب ضحية مشاريع ليست مشاريعهم....
ولعل كثيرا من الناس يعتقد أن الأوائل لم يبتلوا .....في دينهم.... وفي حياتهم أبدا .....ان الابتلاء سنة كونية الى ان يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.ولكن المتصفح لكتاب الله ولسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ....يقف على حقيقة استلهمها النبي من كتاب الله ومن وحي النبوة الطاهرة في ضرورة تربية الشباب تربية اسلامية طاهرة واعدادهم الاعداد السليم بغية تكليف بمهام للنهوض ببلاد الاسلام والحفاظ على كل شبر من أجل أن لايسقط في أيادي المتربصين.....
رسالتى الى الشباب اليوم ....هي تحذيرهم من الوقوع فريسة بعض العصابات الارهابية....ليكن في علمكم أن الله حرم قتل النفس المسلمة ...والمعاهد والذمي ....وأن النبي صلى الله عليه وسلم بين وفصل في حرمة الدماء....وجاءت الشريعة الاسلامية لتبين أنه من مقاصدها حفظ الدين وحفظ العقل وحفظ النفس وحفظ المال وحفظ النسب....
ان كل الفتاوى التى أفتت بما تعلمون في كل بلاد الاسلام .....تقع تحت ضغط التوجيه والمصالح....والكيل بمكيالين....انهم يتنعمون بالحياة الفارهة في حين يرسل شبابنا الى أتون الحروب ..انهم يرسلون أبناءهم الى الدول المتقدمة للدراسة واتمام تعليمهم الجامعي...في حين يرسل شبابنا الى الموت .....
اللهم قد بلغت فاشهد
اللهم قد بلغت فاشهد
اللهم قد بلغت فاشهد....
حديث موقوف) حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، وَرِشْدِينُ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ ، عَنْ أَبِي رُومَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : " إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الأَرْضَ فَلا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ ، وَلا أَرْجُلَكُمْ ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لا يُؤْبَهُ لَهُمْ ، قُلُوبُهُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ ، هُمْ أَصْحَابُ الدَّوْلَةِ ، لا يَفُونَ بِعَهْدٍ وَلا مِيثَاقٍ ، يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ ، أَسْمَاؤُهُمُ الْكُنَى ، وَنِسْبَتُهُمُ الْقُرَى ، وَشُعُورُهُمْ مُرْخَاةٌ كَشُعُورِ النِّسَاءِ ، حَتَّى يَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ " .
هذا هو عصر الفتن بامتياز الذي حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.والذي رويت فيه أحاديث صحيحة من طريق حذيفة بن اليمان ومن طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.قال صلى الله عليه وسلم "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الساعي.من تشرف لها تستشرفه...."والحديث رواه الامام البخاري ومسلم وأحمد في مسنده.والمقصود بذلك أنه ستقع احداث ووقائع في بلاد الاسلام تجعل العاقل حائرا شاكا يلتبس عليه الحق ....ولا يدري أي وجهة يتبع....ولا أي طريق يتبع.....
ولعلك أخي في الله .....أختى في الله.....ترى أنى صدرت كلامي بحديث روي عن الامام على رضي الله عنه وأرضاه.....
المقصد من ذلك هو تحذير الشباب المسلم الذي من المفترض أن يبني حياته وينميها ويتدرج في مراحل الحصول على العلم لنيل المهام الموكولة بعهدته في المستقبل لا أن يذهب الشباب ضحية الفتاوى التى يصدق فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"دعاة على أبواب جهنم".....ولا أن يذهب الشباب ضحية مشاريع ليست مشاريعهم....
ولعل كثيرا من الناس يعتقد أن الأوائل لم يبتلوا .....في دينهم.... وفي حياتهم أبدا .....ان الابتلاء سنة كونية الى ان يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.ولكن المتصفح لكتاب الله ولسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ....يقف على حقيقة استلهمها النبي من كتاب الله ومن وحي النبوة الطاهرة في ضرورة تربية الشباب تربية اسلامية طاهرة واعدادهم الاعداد السليم بغية تكليف بمهام للنهوض ببلاد الاسلام والحفاظ على كل شبر من أجل أن لايسقط في أيادي المتربصين.....
رسالتى الى الشباب اليوم ....هي تحذيرهم من الوقوع فريسة بعض العصابات الارهابية....ليكن في علمكم أن الله حرم قتل النفس المسلمة ...والمعاهد والذمي ....وأن النبي صلى الله عليه وسلم بين وفصل في حرمة الدماء....وجاءت الشريعة الاسلامية لتبين أنه من مقاصدها حفظ الدين وحفظ العقل وحفظ النفس وحفظ المال وحفظ النسب....
ان كل الفتاوى التى أفتت بما تعلمون في كل بلاد الاسلام .....تقع تحت ضغط التوجيه والمصالح....والكيل بمكيالين....انهم يتنعمون بالحياة الفارهة في حين يرسل شبابنا الى أتون الحروب ..انهم يرسلون أبناءهم الى الدول المتقدمة للدراسة واتمام تعليمهم الجامعي...في حين يرسل شبابنا الى الموت .....
اللهم قد بلغت فاشهد
اللهم قد بلغت فاشهد
اللهم قد بلغت فاشهد....
والى لقاء يومي قريب.....ان شاء الله
متابعة لكل ما يقع ......واسهاما في التوجيه والانارة ...اخلاصا لله....
الأربعاء، 21 أكتوبر 2015
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على اشرف المرسلين
احبابي في الله
لقد آليت على نفسي طوال هذه السنين الخمس أن أتأمل في الأحداث التى تجري في بلدي تونس وفي سائر بلا دالعرب والمسلمين
وفي العالم ايضا
أردت بفضل الله أن أتجنب الفتن متسلحا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما استطعت ولا أزكي نفسي فالله عليم بحالى
ولذلك وانا أعظ نفسي قبل أن اعظك اخي في الله ابدأ برياضة النفس الموصلة الى معرفة الله أدب نفسك أشبعها من يقين الايمان والتوحيد وتامل في الايات الكونية والقرآنية ...انأى بنفسك عن الفتن و عن التموقع مع هذا أو ذاك او النصرة لهذا أو ذاك.....
يوم القيامة تنقطع كل الأسباب الا ماكان لله باق .....
لم تستثن الفتن أي شيء ....حتى المساجد التى هي بيوت الله ...قال تعالى " ..وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا" أصبحت تفجر واصبح يدعى فيها لغير الله تعالى ,,,,
أدعو الله ان يحفظنا ويحفظكم ويحفظ سائر بلاد الاسلام والمسلمين
سيكون معنا تواصل باذن الله تعالى.......
والصلاة والسلام على اشرف المرسلين
احبابي في الله
لقد آليت على نفسي طوال هذه السنين الخمس أن أتأمل في الأحداث التى تجري في بلدي تونس وفي سائر بلا دالعرب والمسلمين
وفي العالم ايضا
أردت بفضل الله أن أتجنب الفتن متسلحا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما استطعت ولا أزكي نفسي فالله عليم بحالى
ولذلك وانا أعظ نفسي قبل أن اعظك اخي في الله ابدأ برياضة النفس الموصلة الى معرفة الله أدب نفسك أشبعها من يقين الايمان والتوحيد وتامل في الايات الكونية والقرآنية ...انأى بنفسك عن الفتن و عن التموقع مع هذا أو ذاك او النصرة لهذا أو ذاك.....
يوم القيامة تنقطع كل الأسباب الا ماكان لله باق .....
لم تستثن الفتن أي شيء ....حتى المساجد التى هي بيوت الله ...قال تعالى " ..وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا" أصبحت تفجر واصبح يدعى فيها لغير الله تعالى ,,,,
أدعو الله ان يحفظنا ويحفظكم ويحفظ سائر بلاد الاسلام والمسلمين
سيكون معنا تواصل باذن الله تعالى.......
الخميس، 23 يناير 2014
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
الى شباب الأمة ممن اختلط عليهم الأمر ووقعوا في فتن الأهواء ودعوات أئمة البترودولار
اقرؤوا هذه الرسالة للقاضي محجوب التونسي في عهد حمودة ياشا وهو يرد على رسالة محمد عبد الوهاب
وانظروا الى الحجج .....لتعلموا من غرر بكم و قذفكم في أتون الموت ....عوض أن تكونوا فاعلين في مجتمعاتكم.....
والله ولي التوفيق.....
في أواخر القرن 18 بعث محمد بن عبد الوهاب (الذي تنسب إليه الطائفة الوهابية) إلى الأقطار مشرقا ومغربا رسالة دعوية لإتّباع الناس له والولاء له والتهديد من خالفه بالشرك واستباح قتله. يمكن اعتبار هذه الرسالة موجزا لكتابه "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد".
رسالة بن عبد الوهاب كان لها صدى و شاعت فى القطر التونسي ممّا أضطّر حمودة باشا، باي تونس من 26 ماي 1782 إلى 15 سبتمبر 1814، أن يطلب من علماء عصره أن يوضِّحوا للنّاس الحقّ. كتب الردّ على هذه الرسالة عمر المحجوب، فقيه، قاضي الجماعة بتونس و إماما ثالثا بجامع الزّيتونة ( 1724 ـ 1807 م)
ردّ عمر المحجوب كان مفحما إلى درجة أن محمد بن عبد الوهاب لم يجب على هذه الرسالة الرسمية التي أرسلها له حمودة باشا باي تونس .ودليلا على عدم نزاهة الوهابيون نجد فى كتبهم التى توزع مجانا فى العالم كله وفى مواقعهم الكثيرة على الإنترنت نص رسالة محمد بن عبد الوهاب ولكن لا تجد أبدا ردّ عمر المحجوب!
نصّ الردّ للعلامة عمر المحجوب موجود بكتاب المؤرخ التونسي أحمد بن أبي الضياف : "إتحاف أهل الزمان في أخبار ملوك تونس وعهد الأمان" وبكتاب إبراهيم السمنودي : "سعادة الدارين في الردّ على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية" ج 2 ص 181ـ192 وقد وسمها بالرسالة الرحمانية
فيما يلي نص ردّ عمر المحجوب على رسالة محمد بن عبد الوهاب ويتبعها نص رسالة عبد الوهاب.
ردّ عمر المحجوب علي رسالة محمد عبد الوهاب :
"{ربنا افتَحْ بيننا وبينَ قومِنا بالحَقِّ وأنتَ خيرُ الفاتحين} [سورة الأعراف/89]، {ربنا لا تجعلنا فتنةً للقومِ الظالمين* ونجِّنا برحمتِكَ من القومِ الكافرين} [سورة يونس/85ء86]، {يا أيُّها الذينَ أمنوا عليكُم أنفُسَكُم لا يضُرُّكُم من ضَلَّ إذا اهتَدَيتُم إلى الله مرجِعُكُم جميعًا فيُنَبِّئُكم بما كنتم تعملون} [سورة المائدة/105]، {يا أيُّها الذينَ أمنوا لا تُحِلُّوا شعائرَ اللهِ ولا الشهرَ الحرامَ ولا الهَدْيَ ولا القلائِدَ ولا أمِّينَ البيتَ الحرامَ يبتغونَ فضلاً مِن ربِّهم ورِضوانًا وإذا حَلَلْتُم فاصطادوا ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَئَانُ قومٍ أن صَدُّوكُمْ عنِ المسجدِ الحرامِ أن تعتدوا وتعاونوا على البِرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثمِ والعُدوان} [سورة المائدة/2].
أما بعد هذه الفاتحة التي طلعت في سماء المفاتحة، فإنك راسلتنا تزعمُ أنك القائم بنصرة الدين، وأنك تدعو على بصيرة لما دعا إليه سيد الأولين والآخرين، وتحثُّ على الاقتفاء والاتباع، وتنهى عن الفرقة والابتداع، وأشرت في كتابك إلى النهي عن الفرقة واختلاف العباد، فاصبحت كما قال الله تعالى: {ومِنَ الناسِ مَن يُعجبُكَ قولُهُ في الحياةِ الدنيا ويُشهِدَ اللهَ على ما في قلبهِ وهوَ ألدُّ الخِصام* وإذا تولَّى سعى في الارضِ ليُفسِدَ فيها ويُهلِكَ الحرْثَ والنسلَ واللهُ لا يحبُّ الفساد} [سورة البقرة/204ء205].
وقد زعمت أن الناس قد ابتدعوا في الإسلام أمورًا، وأشركوا بالله من الأموات جمهورًا في توسلهم بمشاهد الأولياء عند الأزمات، وتشفعهم بهم في قضاء الحاجات، ونذر النذور إليهم والقربات، وغير ذلك من أنواع العبادات، وأن ذلك كله إشراك برب الأرضين والسموات، وكفر قد استحللتم به القتال وانتهاك الحرمات، ولعمر الله إنك قد ضللت وأضللت، وركبت مراكب الطغيان بما استحللت، وشنّعت وهوّلت، وعلى تكفير السلف والخلف عوَّلت، وها نحن نحاكمك إلى كتاب الله المحكم، وإلى السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما ما أقدمت عليه من قتال أهل الإسلام، وإخافة أهل البلد الحرام، والتسلط على المعتصمين بكلمتي الشهادة، وأدمتم إضرام الحرب بين المسلمين وإيقاده، فقد اشتريتم في ذلك حُطام الدنيا بالآخرة، ووقعتم بذلك في الكبائر المتكاثرة، وفرقتم كلمة المسلمين، وخلعتم من أعناقكم ربقة الطاعة والدين، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيَّنوا ولا تقُولوا لمن ألقى إليكم السلامَ لستَ مؤمنًا تَبْتَغونَ عَرَضَ الحياةِ الدُّنيا فعِندَ اللهِ مغانِمُ كثيرةٌ} [سورة النساء/94]، وقال عليه الصلاة والسلام: "أُمرتُ أنا أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" –أي ومحمد رسول اللهء "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله" [10].
وحيث كنت لكتاب الله معتمدًا [11]، ولعماد سنته مستندًا [12]، فكيف بعد هذا –ويحكء تستحلُّ دماء أقوام بهذه الكلمة ناطقون، وبرسالة النبي صلى الله عليه وسلم مصدقون، ولدعائم الإسلام يُقيمون، ولحوزة الإسلام يحمون، وبعبدة الأصنام يقاتلون، وعلى التوحيد يناضلون، وكيف قذفتم أنفسكم في مهواة الإلحاد، ووقعتم في شق العصا والسعي في الأرض بالفساد؟.
وأما ما تأوَّلته من تكفيرهم بزيارة الأولياء والصالحين، وجعلهم وسائط بينهم وبين رب العالمين، وزعمت أن ذلك شنشنةُ الجاهلية الماضين، فنقول لكم في جوابه: معاذ الله أن يعبد مسلم تلك المشاهد، وأن يأتي إليها معظمًا تعظيم العابد، وأن يخضع لها خضوع الجاهلية للأصنام، وأن يعبدها بسجود أو ركوع أو صيام، ولو وقع ذلك من جاهل لانتهض إليه ولاة الامر والعظماء، وأنكره العارفون والعلماء، وأوضحوا للجاهل المنهج القويم، وهدوء الصراط المستقيم.
وأما ما جنحت إليه وعوَّلت في التفكير عليه، من التوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على العدى، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب الأرضين والسموات، إلى أخر ما ذكرتم، موقدًا به نيران الفرقة والشتات، فقد أخطأت فيه خطأ مبينًا، وابتغيت فيه غير الإسلام دينًا، فإن التوسل بالمخلوق مشروع، ووارد في السنة القويمة ليس بمحظور ولا ممنوع، ومشارعُ الحديث الشريف بذلك مفعمة، وأدلته كثيرة محكمة، تضيق المهارق عن استقصائها، ويكلُّ اليراع إذا كُلف بإحصائها، ويكفي منها توسل الصحابة والتابعين، في خلافة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، واستقساؤهم عام الرمادة بالعباس، واستدفاعُهم به الجدب والبأس، وذلك أن الارض أجدبت في زمن عمر رضي الله عنه، وكانت الريح تذرو ترابًا كالرماد لشدة الجدب، فسميت عام الرمادة لذلك، فخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس بن عبد المطلب يستسقي للناس، فأخذ بضبْعَيْهِ وأشخصه قائمًا بين يديه وقال: اللهم إنّا نتقرب إليك بعم نبيك، فإنك تقول وقولك الحق: {وأمَّا الجِدارُ فكانَ لغُلامَينِ يتيمَيْنِ في المدينةِ وكانَ تحتهُ كنزٌ لهُما وكانَ أبوهُما صالحًا} [سورة الكهف/82]، فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دنونا به إليك مستغفرين ثم أقبل على الناس وقال: استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، والعباس عيناه تنضحان يقول: اللهم أنت الراعي لا تُهمِلِ الضالةَ ولا تدعِ الكسير بدار مَضْيَعة، فقد ضرع الصغير ورقّ الكبير وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغثهم بغياثكَ قبل أن يقنطوا فيهلكوا، إنه لا يبأس من رَوْحك إلا القوم الكافرون، اللهم فأغثهم بغياثك فقد تقرَّب القومُ إليك بمكانتي من نبيك عليه السلام، فنشأت سحابة ثم تراكمت، وماسَتْ فيها ريح ثم هزّت، ودرَّت بغيثٍ واكفٍ، وعاد الناس يتمسحون بردائه ويقولون له: هنيئًا لك ساقيَ الحرمين [13].
فأخبرني –يا أخ العربء هل تكفّر بهذا التوسل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وتكفر معه سائر من حضر من الصحابة والتابعين، لكونهم جعلوا بينهم وبين الله واسطة من الناس، وتشفّعوا إليه بالعباس، وهل أشركوا بهذا الصنيع مع الله غيره، وما منهم إلا من أنهضته للدين القويم غيرة. كلا والله، وأقسم بالله وتالله، بل مكفّرهم هو الكافر، والحائد عن سبيلهم هو المنافق الفاجر، وهم أهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "اقتدوا بمن بعدي: أبي بكر وعمر" [14].
وإذا قدحت في هذا الجمع من الصحابة الذين منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وغيرهما فمن أين وصل لك هذا الدين، و[من] رواه لك مبلغًا عن سيد المرسلين؟ ثم ما تصنع يا هذا في الحديث الآخر الذي رواه مسلم [15] في صحيحه مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم في أويس، وأنه أخبر به عليه الصلاة والسلام وهو من أعلام النبوءة، وأمر عمر بطلب الاستغفار منه، وأنه طلب منه ذلك واستغفر له، وقد قال الله تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام: {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنَّا كُنَّا خاطِئين} [سورة يوسف/97].
فالزائر للأولياء والصالحين إما أن يدعو الله لحاجته، ويتوسل بسرّ ذلك الولي في إنجاح بُغيته، كفعل عمر في الاستسقاء، أو يستمدَّ من المزور الشفاعة له وإمداده بالدعاء كما في حديث أويس القرني، إذ الأولياء والعلماء كالشهداء أحياء في قبورهم [16]، إنما انتقلوا من دار الفناء إلى دار البقاء.
فأيُّ حرج بعد هذا يا أيها القائم للدين، في زيارة الأولياء والصالحين؟ وأي منكر تقوم بتغييره، وتقتحم شقّ العصا وإضرام سعيره؟ ولعلك من المبتدعة الذين ينكرون أنواعًا كثيرة من الشفاعة، ولا يثبتونها إلا لأهل الطاعة، كما أنه يلوح من كتابك إنكار كرامات الأولياء، وعدم نفع الدعاء، وكلها عقائد عن السنة زائغة، وعن الطريق المستقيم رائغة.
وقولكم إن ما قلتموه لا يخالف فيه أحد من المسلمين، افتراء ومَيْن، وإلحاد في الدين، لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لغير الأنبياء الشفاعة، كالعلماء والصلحاء وأحاد المؤمنين، فمنهم من يشفع للقبيلة ومنه من يشفع للفئام من الناس كما ورد أيضًا أن أويسًا القرني يشفع في مثل ربيعة ومضر [17].
وأما المعتزلة فإنهم منعوا شفاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم وأثبتوا الشفاعة العظمى من هول الموقف، والشفاعة للمؤمنين المطيعين أو التائبين في رفع الدرجات، ولم يثبتوا الشفاعة لأهل الكبائر الذين لن يتوبوا في النجاة من النار بناء على مذهبهم الفاسد من التكفير بالذنوب، وأنه يجب عليها التعذيب.
وأما ما جنحت إليه من هدم ما بُنيَ على مشاهد الأولياء من القباب، من غير تفرقة بين العامر والخراب، فهي الداهية الدهياء والعظيمة العظمى من الظلم التي أظلك الله فيها على علم: {ومَنْ أظلمُ مِمَّن منَعَ مساجِدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُهُ وسعى في خرابِها أولئِكَ ما كانَ لهم أن يدخُلوها إلا خائِفينَ لهُمْ في الدنيا خِزْيٌ ولهُم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ} [سورة البقرة/114]. وكأنك سمعت في بعض المحاضر بعض الأحاديث الواردة في النهي عن البناء على المقابر، فتلقَّفْته مجملاً من غير بيان، وأخذته جُزافًا من غير مكيال ولا ميزان، وجعلت ذلك وليجةً إلى ما تقلدته من العسف والطغيان، في هدم ما على قبور الأولياء والعلماء من البنيان. ولو فاوضت الأئمة، واستهديت هداة الأمة، الذين خاضوا من الشريعة لُججها، واقتحموا ثَبَجها، وعالجوا غِمارها، وركبوا تيارها، لأخبروك أن محلّ ذلك الزجر، ومطلع ذلك الفجر، في البناء في مقابر المسلمين المعدّة لدفن عامّتهم لا على التعيين، لِما فيه من التحجير على بقية المستحقين، ونبش عظام المسلمين.
وأما ما يبنيه المسلمون في أملاكهم المملوكة لهم، ليصلوا بمن يُدفن هناك حبلهم، فلا حرج يلحقهم، ولا حرمة ترهقهم. فكما لا تحجير عليهم في بناء أملاكهم دُورًا أو حوانيت أو مساجد، كذلك لا حرج عليهم في جعلها قبابًا أو مقامات أو مشاهد.
ثم ليتك إذ تلقفت ذلك منهم، ووعيته عنهم، أن تعيد عليهم السؤال، وتشرح لهم نازلة الحال، وهل يجوز بعد النزول والوقوع، هدم ما بُني على الوجه الممنوع، وهل هذا التخريب محظور أو مشروع. فإذا أجابوك أنه من معارك الانظار، ومحل اختلاف العلماء والنُّظار، وأن منهم من يقول بإبقائه على حاله، رعيا للحائز في إتلاف ماله، وأن له شبهة في الجملة تحميه، وفي ذلك البناء منفعة للزائر تقيه. ومنهم من شدد النكير، وأبى إلا الهدم والتغيير.
فإذا تحقق عندك هذا، فكيف تقدم هذا الإقدام وتخوض مزالق الأقدام، وتطلق العنان في هدم كل مقام، من غير مراعاة في الدين ولا ذمام. فإذا انفتحت لك هذه الأبواب، نظرت بنظر أخر ليس فيه ارتياب، وهو أن المنكر الذي اقتضى نظرُك تغييره، ليس متفقًا عليه عند أهل البصيرة، وأنه من مدارك الاجتهاد، وقد سقط عنك القيام فيه والانتقاد.
ثم بعد الوصول إلى هذا المقام، أعد نظرًا في إيقاد نار الحرب بين أهل الإسلام، واستباحة المسجد الحرام، وإخافة أهل الحرمين الشريفين، والاستهوان لإصابة لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فسيتضح لك أنك غيَّرت المنكر في زعمك، ويحسب اعتقادك وفهمك، وأتيت بجمل كثيرة من المناكر، وطائفة عديدة من الكبائر، أذيت بها نفسك والمسلمين، وابتغيت بها غير سبيل المؤمنين، وتعرضت بها لإذاية الأولياء والصالحين، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث رواه البخاري [18] والإمام، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل قال من عادى لي وليًّا فقد أذنني بحرب"، فكفى بالتعرض لحرب الله خطرًا، وقذفًا في العطب وضررًا.
وأما إنكار زيارة القبور، فأي حرج فيها أو محظور، وأي ذميمة تطرقها أو تعروها، مع ثبوت حديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" [19]، فإن هذا الحديث ناسخ لما ورد من النهي عن زيارتها، وماحٍ لما في أول الإسلام من حماية الأمة من أسباب ضلالتها، لقرب عهدها بجاهليتها، وعبادة أصنامها وألهتها. وكيف تمنع من زيارتها والنبي صلى الله عليه وسلم قد شرعها، وسامَ رياضها وأربعها، فقد ثبت في حديث عائشة أم المؤمنين أنه صلى الله عليه وسلم زار بقيع الغرقد واستغفر فيه لموتى المسلمين [20]، وثبت أيضًا أنه زار قبر أمه أمنة بنت وهب [21] واستغفر بها [22].
وأخذ بذلك الصحابة والتابعون، ودرج عليه العلماء والسلف الماضون، فقد ثبت في الاحاديث المروية عن أئمة الهدى ونجوم الاقتداء، أن فاطمة سيدة نساء العالمين زارت عمها سيد الشهداء، وذهبت من المدينة إلى جبل أحد، ولم ينكر من الصحابة أحد، وهم إذ ذاك بالمدينة متآمرون، وعلى إقامة الدين متناصرون. أفنجعل هؤلاء أيضًا مبتدعين، وأنهم سكتوا عن الابتداع في الدين؟ كلا والله، بل يجب علينا اتباعهم، ومن أدلة الشريعة إجماعهم.
وقد مضت على ذلك العلماء في جميع الاقطار، وانتدبوا بأنفسهم للاستمداد من قبور الصلحاء وقضاء الأوطار، و[دونوا] [23] ذلك في كتبهم ومؤلفاتهم، وسطروه في دواوينهم وتعليقاتهم، وقسموا الزيارة إلى أقسام، وأوضحوا ما تلخص لديهم بالأدلة الشرعية من الأحكام.
وذلك أن الزيارة إن كانت للاتعاظ والاعتبار، فلا فرق في جوازها بين قبور المسلمين والكفار، وإن كانت للترحم والاستغفار من الزائر، فلا منع فيها إلا في حق الكافر، فإن الشريعة أخبرت بعدم غفران كفره وعليه حملوا قوله تعالى: {ولا تُصَلِّ على أحدٍ منهُم ماتَ أبدًا ولا تَقُمْ على قبرهِ} [سورة التوبة/84]. وإن كانت الزيارة لاستمداد الزائر من المزور، وتوخي المكان الذي فضله مشهور، والدعاء عند قبره لامر من الأمور، فلا حرج فيها ولا محظور، بل هو مندوب إليه، ومرغّب فيه، وإنه مما تشد المطي إليه، ومن خالف في هذا الحكم سبيل جمهورهم، واتبع من الشبهات مخالف منشورهم، فقد شدد العلماء في النكير عليه، وسددوا سهام النقد إليه، وأشرعوا نحوه رماح التضليل، وأرهفوا له سيوف التجهيل، واتفقت كلمتهم على بدعته في الاعتقاد، وثنوا إليه عنان الانتقاد، ومن يُضلل الله فما له من هاد.
وأما النهي [24] الوارد في شد المطي لغير المساجد الثلاثة فإنما هو بالنسبة لنذر الصلاة فيها، فإنه لا يختلف ثواب الصلاة لديها [25].
وأما المزارات فتختلف في التصريف مقاماتها، وتتفاوت في ذلك كراماتها، وذلك لسرّ في الاستمداد والأمداد لا تطلع عليه، وضُرب بسور له باب بينك وبين الوصول إليه، وقد اوضح ذلك حجة الإسلام، ومن شهد له بالصديقية العلماء والاولياء العظام.
وأما ادماجكم لقبور الأنبياء في أثناء النكير، والتضليل لزائرها والتكفير، فهو الذي أحفظ عليكم الصدور، وأترع حياض الكراهة والنفور، وسدد إليكم سهام الاعتراض، وأوقد شُواظ بغض والارتماض.
فقل لي –يا أخا العربء هل قمت لنصرة الدين أن لنقض عراه، وهل أنت مصدق بالوحي لنبيه أن قائل: إن هو إلا إفك افتراه؟ وما تصنع بعد اللتيَّا والتي، في حديث "من زار قبري وجبت له شفاعتي" [26]؟ وأخبرني هل تضلل سليمان بن داود في بنائه على قبر الخليل ومن معه من أنبياء بني إسرائي؟ وما تقول –ويحكء في الحديث الذي رواه جهابذة الرواة، وصححه المحدثون الثقات، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لما أسري بي إلى بيت المقدس، مرّ بي جبريل على قبر إبراهيم عليهما السلام، فقال لي انزل فصلّ هنا ركعتين، فإن ههنا قبر أبيك إبراهيم عليه السلام" [27]. وعنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر أنه قال: "من لم تُمكنْه زيارتي فليزُر قبر إبراهيم الخليل عليه السلام" [28]. فأين تذهب بعد هذا يا هذا؟ وهل تجد لنفسك مدخلاً أو معاذًا؟ وهل أبقيت بعد تضليل جميع الأنبياء ملاذًا؟ {ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذْ هَدَيْتنا وهبْ لنا من لدُنكَ رحمةً إنكَ أنتَ الوهاب} [سورة أل عمران/8].
وأما تلميحكم للأحاديث التي تتلقفونها، ولا تحسنونها ولا تعرفونها، فهِمْتُم بسبب ذلك في أودية الضلالة، ولم تشيموا بها إلا بُرُوق الجهالة، وسلكتم شِعابها من غير خبير، ونحوتم أبوابها بلا تدبرر ولا تدبير، فإن حديث: "لا تتخذوا قبري مسجدًا" [29]، محمله عند البخاري على جعله للصلاة متعبدًا، حفظًا للتوحيد، وحماية للجاهل من العبيد، لأن المصلي للقبلة يصير كأنه مصلٍّ إليه [30]، فحمى صلى الله عليه وسلم حمى ذلك من الوقوع فيه. وأما قصده للزيارة والاستشفاع والاستمداد ببركته والانتفاع، وقصد المسلمين إياه من سائر البقاع، فما يسعنا إلا الاتباع.
وكذلك ما لوَّحْتَ به إلى شدّ الرحال، فإنك أخطأت في الاستشهاد به في نازلة الحال، وذلك أن الحصر في المساجد، دون سائر المشاهد.
وكذلك ما لمحت إليه من حديث تعظيم القبر بإسراجه، فإنك أخطأت فيه واضح منهاجه، مع بهرجة نقده في رواجه، ومحمله –على فرض صحتهء على فعل ذلك للتعظيم المجرد عن الانتفاع للزائرين، أما إذا كان القصد به انتفاع اللائذين والمقيمين، فهو جائز بلا مَيْن.
وأما ما تدَّعونه من ذبح الذبائح والنذور، وتبالغون في شأنها التغيير والتنكير، وتصف ألسنتكم الكذب، وتثيرون في شأنها الهرج والشغب، فكون الذبائح المذكورة مما أهِلَّ به لغير الله مكابرةٌ لليعان، وقذفٌ بالإفك والبهتان، فإنا بلونا أحوال أولئك الناذرين، فلم نر أحدًا منهم يسمي عند ذبحها اسم ولي من الصالحين، ولا يلطخ الضرائح، بدم تلك الذبائح، ولا يأتون بفعل من الأفعال، الحاكمة على تحريم الذبيحة والإهلال.
وأما نذرها لتلكم المزارات، فليس على أنها من باب الديانات، ولا أن من لم يفعل ذلك يكون ناقص الدين في العادات، وإنما يقصدون بذلك مقاصد الرُّقى والنشر [31]، والانتفاع في الدنيا بسر في التصدق بها استتر، ولم يدر منها إلا ما اشتهر.
والواجب علينا وعليكم الرجوع في حكم نذرها إلى العلماء الأعلام، المتضلعين من دراية الاحكام، المقيمين لقسطاسها، المسرجين لنبراسها، الناقبين على أساسها، ومن لديهم محك عسجدها ونحاسها.
فإن كنتم تقيمون، ومن مخالفة الشريعة تتجرمون {فسْئَلوا أهلَ الذِّكرِ إن كنتم لا تعلمون} [سورة النحل/43]، {ولا تَقْعُدوا بكُلِّ صِراطٍ تُعدون} [سورة الأعراف/86]، فإنهم يهدونكم السبيل، ويفتونكم في هذه المسألة بالتفصيل، وأن هذا الناذر إن نذر تلك الذبائح للولي المعيّن بلفظ الهدي والبدنة، فقد جاء بالسيئة مكان الحسنة، ولكن ما رأينا من خلعَ في هذا المحظور رسَنَه، ولا من اهتصَرَ فَتَنه، وإن نذر تلك الذبائح لمحل الزيارة، بغير هاته العبارة، وكان من الذبائح التي تقبل أن تكون هديًا، فهل يلزمه أن يسعى به لذلك المزار سعيًا، أو لا يلزمه إلا التصدق به في موضعه رعيًا، خلاف في مذهب مالك شهير، قرره النحارير.
وإن كان ذلك النذر مما لا يصح إهداؤه، فالقاصد للفقراء الملازمين بمحل الشيخ يلزمه بعثه وإنهاؤه، والقاصد للولي في نذره وتشرعه، لا يلزمه إلا التصدق به في موضعه.
وإذا اتضح لديك الحال، فأي داعية للحرب والقتال؟ وهل يتميز المشروع من هذه الصور بالمحظور، إلا بالنيات التي لا يعلمها إلا العالم بما في الصدور؟ والله إنما كلفنا بالظاهر، ووكل إليه أمر السرائر. ولم يقيّض بالخواطر نقيبًا، ولا جعل عليها مهيمنًا من الولاة ولا رقيبًا.
وإذا التزمت سدَّ الذريعة بالمنع من المشروع، خوفًا من الوقوع في الممنوع، فالتزم هذا الالتزام، في سائر العبادات الواقعة في الإسلام، التي لا تفرقة فيها بين المسلم والكافر، إلا بما انطوت عليه الضمائر. فإن المصلي في المسجد يحتمل أن يقصد عبادة الحجارة، بمثل ما احتمل صاحب الذبائح والزيارة، والصائم يحتمل أن يقصد بصومه تصحيح المزاج، أو المداواة والعلاج، والمزكي يحتمل أن يقصد مقصدًا دنيويًا، أو معبودًا جاهليًا، والمُحرِم بحج أو عمرة، يحتمل أن ينوي ما يوجب كفره.
وإذا وصلت إلى هذا الالتزام، نقضت سائر دعائم الإسلام، والتبس أهل الكفر بأهل الإيمان، وأفضى الحال إلى هدم جميع الأركان، واستبيحت دماء جميع المسلمين، وهدمت صلواتهم ومساجدهم وصوامعهم أجمعين.
فانظر أيها الإنسان، ما هذا الهذيان، وكيف لعب بك الشيطان، وماذا أوقعك فيه من الخسران. فارجع عن هذا الضلال المبين، وقل ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين.
وأما ما جلبتم من الاحاديث الواردة في تغيير النبي صلى الله عليه وسلم للقبور، وأنه أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بطمسها وتسويتها، فقد أخطأتم الطريق في فهمها، ولم يأتِكم نبأ علمها، ولو سألتم عن ذلك ذويه، لأخبروكم بأن محمله طمس ما كانت الجاهلية عليه، وكانت عادتهم إذا مات عظيم من عظمائهم، بنوا على قبره بناء كأُطُمٍ من أطامهم، مباهاة وفخرًا، وتعاظمًا وكبرًا، فبعث صلى الله عليه وسلم من يمحو من الجاهلية أثارها، ويطمس مباهاتها وفخارها، وإلا فلو كان كما ذكرتم، لكان حكم التسنيم [32] كحكم ما أنكرتم.
وإذا استبان لكم واتضح لديكم، انقلبت الحجة التي أتيتم بها عليكم، وكيف تجعلون تلك الأحاديث حجة قاضية على وجوب كون القبور ضاحية [33]، والفرق ظاهر بين البناء على القبور، وحفر القبور تحت البناء، فالأول من فعل الجاهلية الوارد فيه ما ورد، والثاني هو الذي يعوزكم فيه المستند، ولا يوافقكم على تعميم النهي أحد.
وأما ما نزعتم إليه من التهديد، وقرعتم فيه بآيات الحديد، وذكرتم "أن من لم يُجِب بالحجة والبيان، دعوناه بالسيف والسنان"، فاعلم يا هذا أننا لسنا ممن يعبد الله على حرف، ولا ممن يفرُّ عن نصرة دينه من الزحف، ولا ممن يظن بربه الظنون، أو يتزحزح عن الوثوق بقوله تعالى: {فإذا جاءَ أجلُهُم لا يَسْتأخِرونَ ساعةً ولا يستقدِمون} [سورة الأعراف/34]، ولا ممن يميل عن الاعتصام بالله سرًا وعلنًا، أو يشك في قوله تعالى: {قُل لن يُصيبَنا إلا ما كتبَ اللهُ لنا} [سورة التوبة/51]، وما بنا من وهن ولا فشل، ولا ضعف في النكاية ولا كسل، ننتصر للدين ونحمي حماه، وما النصر إلا من عند الله.
وأما ما جال في نفوسكم، ودار في رؤوسكم، وامتدت إليه يد الطمع، وسوَّلته الأماني والخدع، من أنكم من الفئة الذين هم ومن حالفهم لا يضرهم من خالفهم، وأنكم من الطائفة الظاهرين على الحق، وأن هذه المناقب تساق إليكم وتَحقُّ، فكلا وحاشا أن يكون لكم في هذه المناقب من نصيب، أو يصير لكم إرثها بفرض أو تعصيب، فإن هذا الحديث وإن كان واردًا صحيحًا [34]، إلا أنكم لم تُوفُّوا طريقه تنقيحًا، فإن في بعض رواياته "وهم بالمغرب" [35] وهي تحجبكم عن هذه المناقب، وتبعدكم عنها بعد المشارق من المغارب.
فانفض يديك مما ليس إليك، ولا تمدَّنَّ عينيك إلى من حرِّمت عليك، فإنكاح الثريا من سهيل، أمكن من هذا المستحيل.
أما أهل هذه الأصقاع والذين بأيديهم مقاليد هذه البقاع، فهم أجدر أن يكونوا من إخواننا، وتمتدُّ أيديهم إلى خِوانها، لصحة عقائدهم السنية، واتباعهم سبيل الشريعة المحمدية، ونبذهم للابتداع في الدين، وانقيادهم للإجماع وسبيل المؤمنين.
وقد أنبأتنا في هذا الكتاب، وأعربت في طيّ الخطاب، عن عقائد المبتدعة، الزائغين عن السنة المتبعة، الراكبين مراكب الاعتساف، الراغبين عن جمع الكلمة والائتلاف، فالنصيحة النصيحة، أن تنزع لباس العقائد الفاسدة وتتسربل العقائد الصحيحة، وترجع إلى الله وتؤمن بلقاه، ولا تكفّر أحدًا بذنب اجتناه، فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله.
وزبدة الجواب وفذلكة الحساب، أنك إن قفوت يا أخا العرب نصحك، وأسَوْت بالتوبة جرحك، وأدملت بالإنابة قرحك، فمرحبًا بأخي الصَّلاح، وحيَّهلا بالمؤازر على الطاعة والنجاح، وجمع الكلمة والسماح، وإن أطلت في لُجّة الغواية سبْحَكَ وشيدت في الفتنة صرحك، واختلتَ عارضًا رُمحك، فإن بني عمك فيهم رماح، وما منهم إلا من يتقلد الصفاح، ويجيل في الحرب فائز القِداح.
والله تعالى يسدد سهام الأمة الساعية فيما يحبه ويرضاه، ويُخمد ضرام الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله والسلام" انتهى.
في أواخر القرن 18 بعث محمد بن عبد الوهاب (الذي تنسب إليه الطائفة الوهابية) إلى الأقطار مشرقا ومغربا رسالة دعوية لإتّباع الناس له والولاء له والتهديد من خالفه بالشرك واستباح قتله. يمكن اعتبار هذه الرسالة موجزا لكتابه "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد".
رسالة بن عبد الوهاب كان لها صدى و شاعت فى القطر التونسي ممّا أضطّر حمودة باشا، باي تونس من 26 ماي 1782 إلى 15 سبتمبر 1814، أن يطلب من علماء عصره أن يوضِّحوا للنّاس الحقّ. كتب الردّ على هذه الرسالة عمر المحجوب، فقيه، قاضي الجماعة بتونس و إماما ثالثا بجامع الزّيتونة ( 1724 ـ 1807 م)
ردّ عمر المحجوب كان مفحما إلى درجة أن محمد بن عبد الوهاب لم يجب على هذه الرسالة الرسمية التي أرسلها له حمودة باشا باي تونس .ودليلا على عدم نزاهة الوهابيون نجد فى كتبهم التى توزع مجانا فى العالم كله وفى مواقعهم الكثيرة على الإنترنت نص رسالة محمد بن عبد الوهاب ولكن لا تجد أبدا ردّ عمر المحجوب!
نصّ الردّ للعلامة عمر المحجوب موجود بكتاب المؤرخ التونسي أحمد بن أبي الضياف : "إتحاف أهل الزمان في أخبار ملوك تونس وعهد الأمان" وبكتاب إبراهيم السمنودي : "سعادة الدارين في الردّ على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية" ج 2 ص 181ـ192 وقد وسمها بالرسالة الرحمانية
فيما يلي نص ردّ عمر المحجوب على رسالة محمد بن عبد الوهاب ويتبعها نص رسالة عبد الوهاب.
ردّ عمر المحجوب علي رسالة محمد عبد الوهاب :
"{ربنا افتَحْ بيننا وبينَ قومِنا بالحَقِّ وأنتَ خيرُ الفاتحين} [سورة الأعراف/89]، {ربنا لا تجعلنا فتنةً للقومِ الظالمين* ونجِّنا برحمتِكَ من القومِ الكافرين} [سورة يونس/85ء86]، {يا أيُّها الذينَ أمنوا عليكُم أنفُسَكُم لا يضُرُّكُم من ضَلَّ إذا اهتَدَيتُم إلى الله مرجِعُكُم جميعًا فيُنَبِّئُكم بما كنتم تعملون} [سورة المائدة/105]، {يا أيُّها الذينَ أمنوا لا تُحِلُّوا شعائرَ اللهِ ولا الشهرَ الحرامَ ولا الهَدْيَ ولا القلائِدَ ولا أمِّينَ البيتَ الحرامَ يبتغونَ فضلاً مِن ربِّهم ورِضوانًا وإذا حَلَلْتُم فاصطادوا ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَئَانُ قومٍ أن صَدُّوكُمْ عنِ المسجدِ الحرامِ أن تعتدوا وتعاونوا على البِرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثمِ والعُدوان} [سورة المائدة/2].
أما بعد هذه الفاتحة التي طلعت في سماء المفاتحة، فإنك راسلتنا تزعمُ أنك القائم بنصرة الدين، وأنك تدعو على بصيرة لما دعا إليه سيد الأولين والآخرين، وتحثُّ على الاقتفاء والاتباع، وتنهى عن الفرقة والابتداع، وأشرت في كتابك إلى النهي عن الفرقة واختلاف العباد، فاصبحت كما قال الله تعالى: {ومِنَ الناسِ مَن يُعجبُكَ قولُهُ في الحياةِ الدنيا ويُشهِدَ اللهَ على ما في قلبهِ وهوَ ألدُّ الخِصام* وإذا تولَّى سعى في الارضِ ليُفسِدَ فيها ويُهلِكَ الحرْثَ والنسلَ واللهُ لا يحبُّ الفساد} [سورة البقرة/204ء205].
وقد زعمت أن الناس قد ابتدعوا في الإسلام أمورًا، وأشركوا بالله من الأموات جمهورًا في توسلهم بمشاهد الأولياء عند الأزمات، وتشفعهم بهم في قضاء الحاجات، ونذر النذور إليهم والقربات، وغير ذلك من أنواع العبادات، وأن ذلك كله إشراك برب الأرضين والسموات، وكفر قد استحللتم به القتال وانتهاك الحرمات، ولعمر الله إنك قد ضللت وأضللت، وركبت مراكب الطغيان بما استحللت، وشنّعت وهوّلت، وعلى تكفير السلف والخلف عوَّلت، وها نحن نحاكمك إلى كتاب الله المحكم، وإلى السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما ما أقدمت عليه من قتال أهل الإسلام، وإخافة أهل البلد الحرام، والتسلط على المعتصمين بكلمتي الشهادة، وأدمتم إضرام الحرب بين المسلمين وإيقاده، فقد اشتريتم في ذلك حُطام الدنيا بالآخرة، ووقعتم بذلك في الكبائر المتكاثرة، وفرقتم كلمة المسلمين، وخلعتم من أعناقكم ربقة الطاعة والدين، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيَّنوا ولا تقُولوا لمن ألقى إليكم السلامَ لستَ مؤمنًا تَبْتَغونَ عَرَضَ الحياةِ الدُّنيا فعِندَ اللهِ مغانِمُ كثيرةٌ} [سورة النساء/94]، وقال عليه الصلاة والسلام: "أُمرتُ أنا أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" –أي ومحمد رسول اللهء "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله" [10].
وحيث كنت لكتاب الله معتمدًا [11]، ولعماد سنته مستندًا [12]، فكيف بعد هذا –ويحكء تستحلُّ دماء أقوام بهذه الكلمة ناطقون، وبرسالة النبي صلى الله عليه وسلم مصدقون، ولدعائم الإسلام يُقيمون، ولحوزة الإسلام يحمون، وبعبدة الأصنام يقاتلون، وعلى التوحيد يناضلون، وكيف قذفتم أنفسكم في مهواة الإلحاد، ووقعتم في شق العصا والسعي في الأرض بالفساد؟.
وأما ما تأوَّلته من تكفيرهم بزيارة الأولياء والصالحين، وجعلهم وسائط بينهم وبين رب العالمين، وزعمت أن ذلك شنشنةُ الجاهلية الماضين، فنقول لكم في جوابه: معاذ الله أن يعبد مسلم تلك المشاهد، وأن يأتي إليها معظمًا تعظيم العابد، وأن يخضع لها خضوع الجاهلية للأصنام، وأن يعبدها بسجود أو ركوع أو صيام، ولو وقع ذلك من جاهل لانتهض إليه ولاة الامر والعظماء، وأنكره العارفون والعلماء، وأوضحوا للجاهل المنهج القويم، وهدوء الصراط المستقيم.
وأما ما جنحت إليه وعوَّلت في التفكير عليه، من التوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على العدى، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب الأرضين والسموات، إلى أخر ما ذكرتم، موقدًا به نيران الفرقة والشتات، فقد أخطأت فيه خطأ مبينًا، وابتغيت فيه غير الإسلام دينًا، فإن التوسل بالمخلوق مشروع، ووارد في السنة القويمة ليس بمحظور ولا ممنوع، ومشارعُ الحديث الشريف بذلك مفعمة، وأدلته كثيرة محكمة، تضيق المهارق عن استقصائها، ويكلُّ اليراع إذا كُلف بإحصائها، ويكفي منها توسل الصحابة والتابعين، في خلافة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، واستقساؤهم عام الرمادة بالعباس، واستدفاعُهم به الجدب والبأس، وذلك أن الارض أجدبت في زمن عمر رضي الله عنه، وكانت الريح تذرو ترابًا كالرماد لشدة الجدب، فسميت عام الرمادة لذلك، فخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس بن عبد المطلب يستسقي للناس، فأخذ بضبْعَيْهِ وأشخصه قائمًا بين يديه وقال: اللهم إنّا نتقرب إليك بعم نبيك، فإنك تقول وقولك الحق: {وأمَّا الجِدارُ فكانَ لغُلامَينِ يتيمَيْنِ في المدينةِ وكانَ تحتهُ كنزٌ لهُما وكانَ أبوهُما صالحًا} [سورة الكهف/82]، فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دنونا به إليك مستغفرين ثم أقبل على الناس وقال: استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، والعباس عيناه تنضحان يقول: اللهم أنت الراعي لا تُهمِلِ الضالةَ ولا تدعِ الكسير بدار مَضْيَعة، فقد ضرع الصغير ورقّ الكبير وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغثهم بغياثكَ قبل أن يقنطوا فيهلكوا، إنه لا يبأس من رَوْحك إلا القوم الكافرون، اللهم فأغثهم بغياثك فقد تقرَّب القومُ إليك بمكانتي من نبيك عليه السلام، فنشأت سحابة ثم تراكمت، وماسَتْ فيها ريح ثم هزّت، ودرَّت بغيثٍ واكفٍ، وعاد الناس يتمسحون بردائه ويقولون له: هنيئًا لك ساقيَ الحرمين [13].
فأخبرني –يا أخ العربء هل تكفّر بهذا التوسل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وتكفر معه سائر من حضر من الصحابة والتابعين، لكونهم جعلوا بينهم وبين الله واسطة من الناس، وتشفّعوا إليه بالعباس، وهل أشركوا بهذا الصنيع مع الله غيره، وما منهم إلا من أنهضته للدين القويم غيرة. كلا والله، وأقسم بالله وتالله، بل مكفّرهم هو الكافر، والحائد عن سبيلهم هو المنافق الفاجر، وهم أهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "اقتدوا بمن بعدي: أبي بكر وعمر" [14].
وإذا قدحت في هذا الجمع من الصحابة الذين منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وغيرهما فمن أين وصل لك هذا الدين، و[من] رواه لك مبلغًا عن سيد المرسلين؟ ثم ما تصنع يا هذا في الحديث الآخر الذي رواه مسلم [15] في صحيحه مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم في أويس، وأنه أخبر به عليه الصلاة والسلام وهو من أعلام النبوءة، وأمر عمر بطلب الاستغفار منه، وأنه طلب منه ذلك واستغفر له، وقد قال الله تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام: {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنَّا كُنَّا خاطِئين} [سورة يوسف/97].
فالزائر للأولياء والصالحين إما أن يدعو الله لحاجته، ويتوسل بسرّ ذلك الولي في إنجاح بُغيته، كفعل عمر في الاستسقاء، أو يستمدَّ من المزور الشفاعة له وإمداده بالدعاء كما في حديث أويس القرني، إذ الأولياء والعلماء كالشهداء أحياء في قبورهم [16]، إنما انتقلوا من دار الفناء إلى دار البقاء.
فأيُّ حرج بعد هذا يا أيها القائم للدين، في زيارة الأولياء والصالحين؟ وأي منكر تقوم بتغييره، وتقتحم شقّ العصا وإضرام سعيره؟ ولعلك من المبتدعة الذين ينكرون أنواعًا كثيرة من الشفاعة، ولا يثبتونها إلا لأهل الطاعة، كما أنه يلوح من كتابك إنكار كرامات الأولياء، وعدم نفع الدعاء، وكلها عقائد عن السنة زائغة، وعن الطريق المستقيم رائغة.
وقولكم إن ما قلتموه لا يخالف فيه أحد من المسلمين، افتراء ومَيْن، وإلحاد في الدين، لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لغير الأنبياء الشفاعة، كالعلماء والصلحاء وأحاد المؤمنين، فمنهم من يشفع للقبيلة ومنه من يشفع للفئام من الناس كما ورد أيضًا أن أويسًا القرني يشفع في مثل ربيعة ومضر [17].
وأما المعتزلة فإنهم منعوا شفاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم وأثبتوا الشفاعة العظمى من هول الموقف، والشفاعة للمؤمنين المطيعين أو التائبين في رفع الدرجات، ولم يثبتوا الشفاعة لأهل الكبائر الذين لن يتوبوا في النجاة من النار بناء على مذهبهم الفاسد من التكفير بالذنوب، وأنه يجب عليها التعذيب.
وأما ما جنحت إليه من هدم ما بُنيَ على مشاهد الأولياء من القباب، من غير تفرقة بين العامر والخراب، فهي الداهية الدهياء والعظيمة العظمى من الظلم التي أظلك الله فيها على علم: {ومَنْ أظلمُ مِمَّن منَعَ مساجِدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُهُ وسعى في خرابِها أولئِكَ ما كانَ لهم أن يدخُلوها إلا خائِفينَ لهُمْ في الدنيا خِزْيٌ ولهُم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ} [سورة البقرة/114]. وكأنك سمعت في بعض المحاضر بعض الأحاديث الواردة في النهي عن البناء على المقابر، فتلقَّفْته مجملاً من غير بيان، وأخذته جُزافًا من غير مكيال ولا ميزان، وجعلت ذلك وليجةً إلى ما تقلدته من العسف والطغيان، في هدم ما على قبور الأولياء والعلماء من البنيان. ولو فاوضت الأئمة، واستهديت هداة الأمة، الذين خاضوا من الشريعة لُججها، واقتحموا ثَبَجها، وعالجوا غِمارها، وركبوا تيارها، لأخبروك أن محلّ ذلك الزجر، ومطلع ذلك الفجر، في البناء في مقابر المسلمين المعدّة لدفن عامّتهم لا على التعيين، لِما فيه من التحجير على بقية المستحقين، ونبش عظام المسلمين.
وأما ما يبنيه المسلمون في أملاكهم المملوكة لهم، ليصلوا بمن يُدفن هناك حبلهم، فلا حرج يلحقهم، ولا حرمة ترهقهم. فكما لا تحجير عليهم في بناء أملاكهم دُورًا أو حوانيت أو مساجد، كذلك لا حرج عليهم في جعلها قبابًا أو مقامات أو مشاهد.
ثم ليتك إذ تلقفت ذلك منهم، ووعيته عنهم، أن تعيد عليهم السؤال، وتشرح لهم نازلة الحال، وهل يجوز بعد النزول والوقوع، هدم ما بُني على الوجه الممنوع، وهل هذا التخريب محظور أو مشروع. فإذا أجابوك أنه من معارك الانظار، ومحل اختلاف العلماء والنُّظار، وأن منهم من يقول بإبقائه على حاله، رعيا للحائز في إتلاف ماله، وأن له شبهة في الجملة تحميه، وفي ذلك البناء منفعة للزائر تقيه. ومنهم من شدد النكير، وأبى إلا الهدم والتغيير.
فإذا تحقق عندك هذا، فكيف تقدم هذا الإقدام وتخوض مزالق الأقدام، وتطلق العنان في هدم كل مقام، من غير مراعاة في الدين ولا ذمام. فإذا انفتحت لك هذه الأبواب، نظرت بنظر أخر ليس فيه ارتياب، وهو أن المنكر الذي اقتضى نظرُك تغييره، ليس متفقًا عليه عند أهل البصيرة، وأنه من مدارك الاجتهاد، وقد سقط عنك القيام فيه والانتقاد.
ثم بعد الوصول إلى هذا المقام، أعد نظرًا في إيقاد نار الحرب بين أهل الإسلام، واستباحة المسجد الحرام، وإخافة أهل الحرمين الشريفين، والاستهوان لإصابة لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فسيتضح لك أنك غيَّرت المنكر في زعمك، ويحسب اعتقادك وفهمك، وأتيت بجمل كثيرة من المناكر، وطائفة عديدة من الكبائر، أذيت بها نفسك والمسلمين، وابتغيت بها غير سبيل المؤمنين، وتعرضت بها لإذاية الأولياء والصالحين، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث رواه البخاري [18] والإمام، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل قال من عادى لي وليًّا فقد أذنني بحرب"، فكفى بالتعرض لحرب الله خطرًا، وقذفًا في العطب وضررًا.
وأما إنكار زيارة القبور، فأي حرج فيها أو محظور، وأي ذميمة تطرقها أو تعروها، مع ثبوت حديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" [19]، فإن هذا الحديث ناسخ لما ورد من النهي عن زيارتها، وماحٍ لما في أول الإسلام من حماية الأمة من أسباب ضلالتها، لقرب عهدها بجاهليتها، وعبادة أصنامها وألهتها. وكيف تمنع من زيارتها والنبي صلى الله عليه وسلم قد شرعها، وسامَ رياضها وأربعها، فقد ثبت في حديث عائشة أم المؤمنين أنه صلى الله عليه وسلم زار بقيع الغرقد واستغفر فيه لموتى المسلمين [20]، وثبت أيضًا أنه زار قبر أمه أمنة بنت وهب [21] واستغفر بها [22].
وأخذ بذلك الصحابة والتابعون، ودرج عليه العلماء والسلف الماضون، فقد ثبت في الاحاديث المروية عن أئمة الهدى ونجوم الاقتداء، أن فاطمة سيدة نساء العالمين زارت عمها سيد الشهداء، وذهبت من المدينة إلى جبل أحد، ولم ينكر من الصحابة أحد، وهم إذ ذاك بالمدينة متآمرون، وعلى إقامة الدين متناصرون. أفنجعل هؤلاء أيضًا مبتدعين، وأنهم سكتوا عن الابتداع في الدين؟ كلا والله، بل يجب علينا اتباعهم، ومن أدلة الشريعة إجماعهم.
وقد مضت على ذلك العلماء في جميع الاقطار، وانتدبوا بأنفسهم للاستمداد من قبور الصلحاء وقضاء الأوطار، و[دونوا] [23] ذلك في كتبهم ومؤلفاتهم، وسطروه في دواوينهم وتعليقاتهم، وقسموا الزيارة إلى أقسام، وأوضحوا ما تلخص لديهم بالأدلة الشرعية من الأحكام.
وذلك أن الزيارة إن كانت للاتعاظ والاعتبار، فلا فرق في جوازها بين قبور المسلمين والكفار، وإن كانت للترحم والاستغفار من الزائر، فلا منع فيها إلا في حق الكافر، فإن الشريعة أخبرت بعدم غفران كفره وعليه حملوا قوله تعالى: {ولا تُصَلِّ على أحدٍ منهُم ماتَ أبدًا ولا تَقُمْ على قبرهِ} [سورة التوبة/84]. وإن كانت الزيارة لاستمداد الزائر من المزور، وتوخي المكان الذي فضله مشهور، والدعاء عند قبره لامر من الأمور، فلا حرج فيها ولا محظور، بل هو مندوب إليه، ومرغّب فيه، وإنه مما تشد المطي إليه، ومن خالف في هذا الحكم سبيل جمهورهم، واتبع من الشبهات مخالف منشورهم، فقد شدد العلماء في النكير عليه، وسددوا سهام النقد إليه، وأشرعوا نحوه رماح التضليل، وأرهفوا له سيوف التجهيل، واتفقت كلمتهم على بدعته في الاعتقاد، وثنوا إليه عنان الانتقاد، ومن يُضلل الله فما له من هاد.
وأما النهي [24] الوارد في شد المطي لغير المساجد الثلاثة فإنما هو بالنسبة لنذر الصلاة فيها، فإنه لا يختلف ثواب الصلاة لديها [25].
وأما المزارات فتختلف في التصريف مقاماتها، وتتفاوت في ذلك كراماتها، وذلك لسرّ في الاستمداد والأمداد لا تطلع عليه، وضُرب بسور له باب بينك وبين الوصول إليه، وقد اوضح ذلك حجة الإسلام، ومن شهد له بالصديقية العلماء والاولياء العظام.
وأما ادماجكم لقبور الأنبياء في أثناء النكير، والتضليل لزائرها والتكفير، فهو الذي أحفظ عليكم الصدور، وأترع حياض الكراهة والنفور، وسدد إليكم سهام الاعتراض، وأوقد شُواظ بغض والارتماض.
فقل لي –يا أخا العربء هل قمت لنصرة الدين أن لنقض عراه، وهل أنت مصدق بالوحي لنبيه أن قائل: إن هو إلا إفك افتراه؟ وما تصنع بعد اللتيَّا والتي، في حديث "من زار قبري وجبت له شفاعتي" [26]؟ وأخبرني هل تضلل سليمان بن داود في بنائه على قبر الخليل ومن معه من أنبياء بني إسرائي؟ وما تقول –ويحكء في الحديث الذي رواه جهابذة الرواة، وصححه المحدثون الثقات، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لما أسري بي إلى بيت المقدس، مرّ بي جبريل على قبر إبراهيم عليهما السلام، فقال لي انزل فصلّ هنا ركعتين، فإن ههنا قبر أبيك إبراهيم عليه السلام" [27]. وعنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر أنه قال: "من لم تُمكنْه زيارتي فليزُر قبر إبراهيم الخليل عليه السلام" [28]. فأين تذهب بعد هذا يا هذا؟ وهل تجد لنفسك مدخلاً أو معاذًا؟ وهل أبقيت بعد تضليل جميع الأنبياء ملاذًا؟ {ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذْ هَدَيْتنا وهبْ لنا من لدُنكَ رحمةً إنكَ أنتَ الوهاب} [سورة أل عمران/8].
وأما تلميحكم للأحاديث التي تتلقفونها، ولا تحسنونها ولا تعرفونها، فهِمْتُم بسبب ذلك في أودية الضلالة، ولم تشيموا بها إلا بُرُوق الجهالة، وسلكتم شِعابها من غير خبير، ونحوتم أبوابها بلا تدبرر ولا تدبير، فإن حديث: "لا تتخذوا قبري مسجدًا" [29]، محمله عند البخاري على جعله للصلاة متعبدًا، حفظًا للتوحيد، وحماية للجاهل من العبيد، لأن المصلي للقبلة يصير كأنه مصلٍّ إليه [30]، فحمى صلى الله عليه وسلم حمى ذلك من الوقوع فيه. وأما قصده للزيارة والاستشفاع والاستمداد ببركته والانتفاع، وقصد المسلمين إياه من سائر البقاع، فما يسعنا إلا الاتباع.
وكذلك ما لوَّحْتَ به إلى شدّ الرحال، فإنك أخطأت في الاستشهاد به في نازلة الحال، وذلك أن الحصر في المساجد، دون سائر المشاهد.
وكذلك ما لمحت إليه من حديث تعظيم القبر بإسراجه، فإنك أخطأت فيه واضح منهاجه، مع بهرجة نقده في رواجه، ومحمله –على فرض صحتهء على فعل ذلك للتعظيم المجرد عن الانتفاع للزائرين، أما إذا كان القصد به انتفاع اللائذين والمقيمين، فهو جائز بلا مَيْن.
وأما ما تدَّعونه من ذبح الذبائح والنذور، وتبالغون في شأنها التغيير والتنكير، وتصف ألسنتكم الكذب، وتثيرون في شأنها الهرج والشغب، فكون الذبائح المذكورة مما أهِلَّ به لغير الله مكابرةٌ لليعان، وقذفٌ بالإفك والبهتان، فإنا بلونا أحوال أولئك الناذرين، فلم نر أحدًا منهم يسمي عند ذبحها اسم ولي من الصالحين، ولا يلطخ الضرائح، بدم تلك الذبائح، ولا يأتون بفعل من الأفعال، الحاكمة على تحريم الذبيحة والإهلال.
وأما نذرها لتلكم المزارات، فليس على أنها من باب الديانات، ولا أن من لم يفعل ذلك يكون ناقص الدين في العادات، وإنما يقصدون بذلك مقاصد الرُّقى والنشر [31]، والانتفاع في الدنيا بسر في التصدق بها استتر، ولم يدر منها إلا ما اشتهر.
والواجب علينا وعليكم الرجوع في حكم نذرها إلى العلماء الأعلام، المتضلعين من دراية الاحكام، المقيمين لقسطاسها، المسرجين لنبراسها، الناقبين على أساسها، ومن لديهم محك عسجدها ونحاسها.
فإن كنتم تقيمون، ومن مخالفة الشريعة تتجرمون {فسْئَلوا أهلَ الذِّكرِ إن كنتم لا تعلمون} [سورة النحل/43]، {ولا تَقْعُدوا بكُلِّ صِراطٍ تُعدون} [سورة الأعراف/86]، فإنهم يهدونكم السبيل، ويفتونكم في هذه المسألة بالتفصيل، وأن هذا الناذر إن نذر تلك الذبائح للولي المعيّن بلفظ الهدي والبدنة، فقد جاء بالسيئة مكان الحسنة، ولكن ما رأينا من خلعَ في هذا المحظور رسَنَه، ولا من اهتصَرَ فَتَنه، وإن نذر تلك الذبائح لمحل الزيارة، بغير هاته العبارة، وكان من الذبائح التي تقبل أن تكون هديًا، فهل يلزمه أن يسعى به لذلك المزار سعيًا، أو لا يلزمه إلا التصدق به في موضعه رعيًا، خلاف في مذهب مالك شهير، قرره النحارير.
وإن كان ذلك النذر مما لا يصح إهداؤه، فالقاصد للفقراء الملازمين بمحل الشيخ يلزمه بعثه وإنهاؤه، والقاصد للولي في نذره وتشرعه، لا يلزمه إلا التصدق به في موضعه.
وإذا اتضح لديك الحال، فأي داعية للحرب والقتال؟ وهل يتميز المشروع من هذه الصور بالمحظور، إلا بالنيات التي لا يعلمها إلا العالم بما في الصدور؟ والله إنما كلفنا بالظاهر، ووكل إليه أمر السرائر. ولم يقيّض بالخواطر نقيبًا، ولا جعل عليها مهيمنًا من الولاة ولا رقيبًا.
وإذا التزمت سدَّ الذريعة بالمنع من المشروع، خوفًا من الوقوع في الممنوع، فالتزم هذا الالتزام، في سائر العبادات الواقعة في الإسلام، التي لا تفرقة فيها بين المسلم والكافر، إلا بما انطوت عليه الضمائر. فإن المصلي في المسجد يحتمل أن يقصد عبادة الحجارة، بمثل ما احتمل صاحب الذبائح والزيارة، والصائم يحتمل أن يقصد بصومه تصحيح المزاج، أو المداواة والعلاج، والمزكي يحتمل أن يقصد مقصدًا دنيويًا، أو معبودًا جاهليًا، والمُحرِم بحج أو عمرة، يحتمل أن ينوي ما يوجب كفره.
وإذا وصلت إلى هذا الالتزام، نقضت سائر دعائم الإسلام، والتبس أهل الكفر بأهل الإيمان، وأفضى الحال إلى هدم جميع الأركان، واستبيحت دماء جميع المسلمين، وهدمت صلواتهم ومساجدهم وصوامعهم أجمعين.
فانظر أيها الإنسان، ما هذا الهذيان، وكيف لعب بك الشيطان، وماذا أوقعك فيه من الخسران. فارجع عن هذا الضلال المبين، وقل ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين.
وأما ما جلبتم من الاحاديث الواردة في تغيير النبي صلى الله عليه وسلم للقبور، وأنه أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بطمسها وتسويتها، فقد أخطأتم الطريق في فهمها، ولم يأتِكم نبأ علمها، ولو سألتم عن ذلك ذويه، لأخبروكم بأن محمله طمس ما كانت الجاهلية عليه، وكانت عادتهم إذا مات عظيم من عظمائهم، بنوا على قبره بناء كأُطُمٍ من أطامهم، مباهاة وفخرًا، وتعاظمًا وكبرًا، فبعث صلى الله عليه وسلم من يمحو من الجاهلية أثارها، ويطمس مباهاتها وفخارها، وإلا فلو كان كما ذكرتم، لكان حكم التسنيم [32] كحكم ما أنكرتم.
وإذا استبان لكم واتضح لديكم، انقلبت الحجة التي أتيتم بها عليكم، وكيف تجعلون تلك الأحاديث حجة قاضية على وجوب كون القبور ضاحية [33]، والفرق ظاهر بين البناء على القبور، وحفر القبور تحت البناء، فالأول من فعل الجاهلية الوارد فيه ما ورد، والثاني هو الذي يعوزكم فيه المستند، ولا يوافقكم على تعميم النهي أحد.
وأما ما نزعتم إليه من التهديد، وقرعتم فيه بآيات الحديد، وذكرتم "أن من لم يُجِب بالحجة والبيان، دعوناه بالسيف والسنان"، فاعلم يا هذا أننا لسنا ممن يعبد الله على حرف، ولا ممن يفرُّ عن نصرة دينه من الزحف، ولا ممن يظن بربه الظنون، أو يتزحزح عن الوثوق بقوله تعالى: {فإذا جاءَ أجلُهُم لا يَسْتأخِرونَ ساعةً ولا يستقدِمون} [سورة الأعراف/34]، ولا ممن يميل عن الاعتصام بالله سرًا وعلنًا، أو يشك في قوله تعالى: {قُل لن يُصيبَنا إلا ما كتبَ اللهُ لنا} [سورة التوبة/51]، وما بنا من وهن ولا فشل، ولا ضعف في النكاية ولا كسل، ننتصر للدين ونحمي حماه، وما النصر إلا من عند الله.
وأما ما جال في نفوسكم، ودار في رؤوسكم، وامتدت إليه يد الطمع، وسوَّلته الأماني والخدع، من أنكم من الفئة الذين هم ومن حالفهم لا يضرهم من خالفهم، وأنكم من الطائفة الظاهرين على الحق، وأن هذه المناقب تساق إليكم وتَحقُّ، فكلا وحاشا أن يكون لكم في هذه المناقب من نصيب، أو يصير لكم إرثها بفرض أو تعصيب، فإن هذا الحديث وإن كان واردًا صحيحًا [34]، إلا أنكم لم تُوفُّوا طريقه تنقيحًا، فإن في بعض رواياته "وهم بالمغرب" [35] وهي تحجبكم عن هذه المناقب، وتبعدكم عنها بعد المشارق من المغارب.
فانفض يديك مما ليس إليك، ولا تمدَّنَّ عينيك إلى من حرِّمت عليك، فإنكاح الثريا من سهيل، أمكن من هذا المستحيل.
أما أهل هذه الأصقاع والذين بأيديهم مقاليد هذه البقاع، فهم أجدر أن يكونوا من إخواننا، وتمتدُّ أيديهم إلى خِوانها، لصحة عقائدهم السنية، واتباعهم سبيل الشريعة المحمدية، ونبذهم للابتداع في الدين، وانقيادهم للإجماع وسبيل المؤمنين.
وقد أنبأتنا في هذا الكتاب، وأعربت في طيّ الخطاب، عن عقائد المبتدعة، الزائغين عن السنة المتبعة، الراكبين مراكب الاعتساف، الراغبين عن جمع الكلمة والائتلاف، فالنصيحة النصيحة، أن تنزع لباس العقائد الفاسدة وتتسربل العقائد الصحيحة، وترجع إلى الله وتؤمن بلقاه، ولا تكفّر أحدًا بذنب اجتناه، فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله.
وزبدة الجواب وفذلكة الحساب، أنك إن قفوت يا أخا العرب نصحك، وأسَوْت بالتوبة جرحك، وأدملت بالإنابة قرحك، فمرحبًا بأخي الصَّلاح، وحيَّهلا بالمؤازر على الطاعة والنجاح، وجمع الكلمة والسماح، وإن أطلت في لُجّة الغواية سبْحَكَ وشيدت في الفتنة صرحك، واختلتَ عارضًا رُمحك، فإن بني عمك فيهم رماح، وما منهم إلا من يتقلد الصفاح، ويجيل في الحرب فائز القِداح.
والله تعالى يسدد سهام الأمة الساعية فيما يحبه ويرضاه، ويُخمد ضرام الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله والسلام" انتهى.
الأربعاء، 15 يناير 2014
المبحث الأول: تعريف الخوارج لغة
الخوارج في اللغة جمع خارج، وخارجي اسم مشتق من الخروج، وقد أطلق علماء اللغة كلمة الخوارج في آخر تعريفاتهم اللغوية في مادة (خرج) على هذه الطائفة من الناس؛ معللين ذلك بخروجهم عن الدين أو على الإمام علي، أو لخروجهم على الناس
.
وقد أطلقت كلمة الخوارج هذه في كتب اللغة على طائفة من أهل الآراء والأهواء لخروجها على الدين أو على الإمام علي رضي الله عنه. فيقول الأزهري في (تهذيب اللغة): والخوارج: قوم من أهل الأهواء لهم مقالة على حدة. وهو تعريف ابن منظور والفيروزآبادي أيضاً
. ويقول الزبيدي عنهم: هم الحرورية والخارجية طائفة منهم، وهم سبع طوائف سموا به لخروجهم على الناس أو عن الدين أو عن الحق أو عن علي كرم الله وجهه بعد صفين
...
المبحث الثاني: تعريف الخوارج اصطلاحا
اختلف العلماء في التعريف الاصطلاحي للخوارج، وحاصل ذلك:
منهم من عرفهم تعريفاً سياسياً عاماً، اعتبر الخروج على الإمام المتفق على إمامته الشرعية خروجاً في أي زمن كان.
قال الشهرستاني: (كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجياً، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين لهم بإحسان والأئمة في كل زمان)
.ومنهم من خصهم بالطائفة الذين خرجوا على الإمام علي رضي الله عنه. قال الأشعري: (والسبب الذي سُمّوا له خوارج؛ خروجهم على علي بن أبي طالب)
.زاد ابن حزم بأن اسم الخارجي يلحق كل من أشبه الخارجين على الإمام عليّ أو شاركهم في آرائهم في أي زمن. وهو يتفق مع تعريف الشهرستاني
.وعرفهم بعض علماء الإباضية بأنهم طوائف من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين أولهم نافع بن الأزرق
.، ولم أر هذا التعريف عند أحد غير الإباضية.وهذا التعريف لأبي إسحاق أطفيش يريد منه أن لا علاقة بين المحكمة الأولى –الذين لا يعتبرهم خوارج لشرعية خروجهم كما يزعم- وبين من بعدهم إلى قيام نافع سنة 64هـ، وهذا التعريف غير مقبول حتى عند بعض علماء الإباضية، ويبقى الراجح هو التعريف الثاني؛ لكثرة من مشى عليه من علماء الفرق في تعريفهم بفرقة الخوارج، وقيام حركتهم ابتداء من خروجهم في النهروان، وهو ما يتفق أيضاً مع مفهوم الخوارج كطائفة ذات أفكار وآراء اعتقاديه أحدثت في التاريخ الإسلامي دوياً هائلاً.

وأما في اصطلاح علماء الفرق فيؤخذ وجهات نظر ثلاثة في التعريف بالخوارج:
- من يرى أنهم الخارجون على الإمام الحق في أي زمان.
- من يرى أنهم الخارجون عن الإمام علي ومن يرون رأيهم.
- ومن يرى أنهم الخارجون بعد الإمام علي ابتداءً من الأزارقة.

وتعريف الشهرستاني هذا تعريف عام يشمل أقسام الخروج، ولا يخص فرقة الخوارج، إذ الخروج على إمام المسلمين ينقسم إلى أقسام:
أولا: من خرج لمنازعة في الملك، ولكنه خرج غضبا للدين، ومن أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة، مثل الحسين بن علي
، وأهل المدينة في وقعة الحرة، وزيد بن علي زين العابدين
.ثانيا: من خرج على ولي الأمر بتأويل سائغ
يقره الكتاب والسنة، وهذا ما كان من أصحاب الجمل وصفين إذ خرجوا على علي رضي الله عنه لا معاندين مطالبين بالملك، بل لرأي رأوه واجتهاد صاروا إليه من طلب القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه
.ثالثا: من خرج لطلب الملك فقط، وكان القتال على الدنيا وهؤلاء هم البغاة حقا
.وقد جاء الوعيد والذم لهذه الطائفة المفرقة للأمة السافكة لدماء المسلمين من أجل الدنيا والملك.رابعا: من خرج على الإمام وعلى الجماعة المسلمة للدعاء إلى معتقدهم
، فخروج هؤلاء نابع من مخالفة لأصول في الشريعة الاعتقادية أو العلمية
.والقسم الرابع هذا الخارج للدعاء إلى معتقده هو الذي وردت فيه نصوص نبوية في ذمه، والأمر بقتاله لأن خطره عظيم على الأمة المسلمة وهو أخطر أقسام الخروج السابقة، يقول ابن تيمية رحمه الله: "وقد اتفق الصحابة والعلماء بعدهم على قتال هؤلاء
، فإنهم بغاة على جميع المسلمين سوى من وافقهم على مذهبهم، وهم يبدؤون المسلمين بالقتال، ولا يندفع شرهم إلا بالقتال، فكانوا أضر على المسلمين من قطاع الطريق؛ فإن أولئك مقصودهم المال، فلو أعطوه لم يقاتلوا، وإنما يتعرضون لبعض الناس، وهؤلاء يقاتلون الناس على الدين حتى يرجعوا عما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة إلى ما ابتدعه هؤلاء بتأويلهم الباطل وفهمهم الفاسد للقرآن...وهم شر على المسلمين من غيرهم، فإنهم لم يكن أحد شرا على المسلمين منهم ولا اليهود ولا النصارى؛ فإنهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم، مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم، مكفرين لهم وكانوا متدينين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة"
.إذا الخوارج بتعريف عام: "كل من خرج على الإمام وعلى الجماعة المسلمة بالسيف للدعاء إلى معتقده وكان خروجه نابعا من مخالفة الأصول في الشريعة" فهذا التعريف أقرب لتعريف الخوارج كفرقة من الفرق، أما من خرج لغير ذلك مما تقدم فيطلق عليهم اسم الخروج العام، ويطلق عليهم خوارج "كحكم شرعي، وصفة لفعلهم.
ونجد د/ ناصر العقل يعرف الخوارج كفرقة من الفرق أنهم: "الذين يكفرون بالمعاصي ويخرجون على أئمة المسلمين وجماعتهم"
. وهذا التعريف عام وإن كان أخص مما ذكره الشهرستاني إلا أنه يشمل كل من سار على هذا المنهج، وإن تسمى باسم آخر غير الخوارج، أو انتمى إلى فرقة أخرى، إذ كل من خرج على إمام المسلمين وجماعتهم بالسيف، وكان الدافع لهذا الخروج عقيدة يعتقدها من تكفير المخالفين أو بدعة يدعو إليها يسمى خارجيا، ويعتبرون خوارج ويلحقهم الذم الوارد في النصوص
، لذلك يطلق على فرقة الرافضة خوارج مارقة بهذا المعنى
.وإن كانت الخوارج والرافضة كلها تكفر بالمعاصي
، وترى الخروج على إمام المسلمين وجماعتهم على خلاف فيما بينهم في تفصيل ذلك إلا أن الفيصل بينهما هو القول في علي رضي الله عنه، فالخوارج الحرورية تكفره، والرافضة تتولاه. لذا إذا أردنا أن نعرف الخوارج الحرورية بتعريف خاص بهم كفرقة من الفرق، لا كحكم شرعي فيهم أو تعريف عام لهم نقول: هم كل من كفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعثمان وأصحاب الجمل ومن رضي بالتحكيم، وهم الذين يكفرون بالمعاصي
، ويرون الخروج على إمام المسلمين وجماعتهم، ويتولون فرقة المحكمة الأولى
.فهؤلاء هم الخوارج الحرورية وهم المرادون في هذا المبحث والله أعلم، والخوارج فرق متعددة، عدها بعضهم وأوصلها إلى العشرين
.
الفصل الثالث: نشأة الخوارج
اختلف المؤرخون وعلماء الفرق في تحديد بدء نشأتهم، وخلاصة ذلك ما يلي:
أنهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
أنهم نشأوا في عهد عثمان رضي الله عنه.
أنهم نشأوا في عهد علي رضي الله عنه حين خرج عليه طلحة والزبير، كما يزعم بعض علماء الإباضية.
أو حين خرج الخوارج من المحكمة عن جيشه كما هو الراجح.
أنهم ظهروا في عهد نافع بن الأزرق ابتداء من سنة 64هـ، كما تقدم في التعريف بهم. وفيما يلي مناقشة تلك الأقوال وبيان الصحيح منها:
أما بالنسبة للقول الأول، فإن المقصود به ما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم من قيام ذي الخويصرة- عبد الله ذي الخويصرة التميمي- في إحدى الغزوات في وجه الرسول معترضاً على قسمة الرسول صلى الله عليه وسلم للفيء، وأنه لم يعدل - حاشاه - في قسمتها.
وقد قال بهذا القول كثير من العلماء منهم: الشهرستاني وابن حزم وابن الجوزي، والآجري، إلا أنه ينبغي التفريق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراء وتجمع قوي.
فذو الخويصرة لا يعتبر في الحقيقة زعيماً للخوارج، لأن فعلته حادثة فردية- تقع للحكام كثيراً- ولم يكن له حزب يتزعمه ولا كان مدفوعاً من أحد - إلا طمعه وسوء أدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فيمكن القول بأن نزعة الخروج قد بدأت بذرتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

وأما بالنسبة للقول الثاني، فهو رأي لبعض العلماء أيضاً كابن كثير وابن أبي العز
, ولكن يرد على هذا أن أولئك الثوار البغاة كان هدفهم قتل عثمان وأخذ المال، ولا ينطبق عليهم وصف فرقة ذات طابع عقائدي خاص، ولهذا اندمجوا مع المسلمين بعد تنفيذ جريمتهم ولم يشكلوا فرقة مستقلة –وإن كان فعلهم يعتبر خروجاً عن الطاعة وخروجاً على الإمام –إلا أنهم ليسوا هم الخوارج كفرقة عقائدية سياسية لما تقدم.وأما بالنسبة للقول الثالث؛ وهو للورجلاني الإباضي، فأنه قول مردود؛ فإن طلحة والزبير رضي الله عنهما لا يصح وصفهما بالخوارج ولا ينطبق عليهما وصف الخوارج كفرقة، وكان معهما أيضاً أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد شهد الله لها بالإيمان، وطلحة والزبير رضي الله عنهما من العشرة المبشرين بالجنة
.وأما بالنسبة للقول بأن نشأتهم تبدأ من قيام نافع بن الأزرق؛ فإنه لم يقل به غير من ذكرنا من علماء الإباضية؛ لنفيهم وجود صلة ما بين المحكمة ومن سار على طريقتهم وبين الأزارقة بعدهم، وهو قول غير مقبول لوجود تسلسل الأحداث وارتباطها من المحكمة إلى ظهور نافع بن الأزرق.
والحاصل أن الخوارج بالمعنى الصحيح اسم يطلق على تلك الطائفة ذات الاتجاه السياسي والآراء الخاصة، والتي خرجت عن جيش الإمام علي رضي الله عنه والتحموا معه في معركة النهروان الشهيرة
.ومما نذكره هنا محاورات بين علي رضي الله عنه والخوارج، تصور لنا مدى التعنت الذي اتصف به الخوارج.

يختلف المؤرخون في تحديد بدء نشأة الخوارج هل كان ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو في عهد عثمان أو في عهد علي رضي الله عنهما أو أن نشأتهم لم تبدأ إلا بظهور نافع بن الأزرق وخروجه عام 64هـ؟
وسوف نتناول أقوال المؤرخين في هذا المقام بالعرض والدراسة واختيار ما نراه صحيحا منها.
القول الأول:
أن أول الخوارج هو ذو الخويصرة أو عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي الذي بدأ الخروج بالاعتراض على النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الفيء واتهامه إياه بعدم العدل وقد ورد في حديث البخاري تحت باب (من ترك قتال الخوارج للتألف وأن لا ينفر الناس عنه) عن أبي سعيد قال: ((بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمى فقال: اعدل يا رسول الله . فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل. قال عمر بن الخطاب دعني أضرب عنقه . قال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته ، وصيامه مع صيامه ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شىء، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل إحدى يديه - أو قال ثدييه - مثل ثدي المرأة - أو قال مثل البضعة - تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه ، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال فنزلت فيه وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ))
، فهو على ما يبدو من تبويبه لهذا الحديث يعتبر ذا الخويصرة أول الخوارج وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك قتله للتألف.وقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله هذا الحديث مع اختلاف في الألفاظ
وقد اقتصر في تسمية ذلك الخارجي الأول على (ذي الخويصرة) بينما هو في البخاري عبد الله بن ذي الخويصرة وربما رجع ذلك إلى اشتهار عبد الله باسم أبيه ذي الخويصرة فاقتصر مسلم على الشهرة بينما ذكر البخاري اسمه كاملاً.وسواء كان الخارج على النبي هو عبد الله أو أباه؛ فإن الحادثة قد وقعت بهذه الصورة وقد أورد مسلم عدة روايات حول هذه القضية ولكنه لم يصرح بالاسم إلا في رواية أبي سعيد، وفي بعض الروايات التي ذكرها الإمام مسلم عن أبي سعيد ذكر أوصاف ذلك الرجل دون ذكر اسمه كما في قوله: ((بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسمها الرسول صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر؛ الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان قال: فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم. فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد. قال: فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن يطع الله إن عصيته، أيأمنني على أهل الأرض ولا تؤمنوني؟ قال: ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله (يرون أنه خالد بن الوليد)، فقال رسول الله: إن من ضئضئ
هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد))
.وقد أخبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ببعض أوصافهم التي أخبره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووقع مصداق ذلك حين قتلهم علي بن أبي طالب في معركة النهروان، كما جاء في كلام عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب قالوا: لا حكم إلا لله قال علي: كلمة حق أريد بها باطل؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم (وأشار إلى حلقه)، من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي، فلما قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا. ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه. قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم: زاد يونس في روايته: قال بكير: وحدثني رجل عن أبي حنين أنه قال: رأيت ذلك الأسود )
.وقد ذهب إلى القول بأن أول الخوارج هو ذو الخويصرة كثير من العلماء منهم ابن الجوزي وذلك في قوله: أن " أول الخوارج وأقبحهم حالة ذو الخويصرة " . وقوله: " فهذا أول خارجي خرج في الإسلام وآفته أنه رضي برأي نفسه ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
.ومنهم ابن حزم
، وهو رأي الشهرستاني أيضاً حيث يقول: وهم الذين أولهم ذو الخويصرة وآخرهم ذو الثدية
، واعتبر اعتراض ذي الخويصرة خروجا صريحا؛ إذ إن الاعتراض على الإمام الحق يسمى خروجاً فكيف بالاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ويقول بعد أن ذكر حديث ذي الخويصرة: وذلك خروج صريح على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيا فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجياً
.وينقل الطالبي عن أبي بكر محمد بن الحسن الآجري أنه يرى أن أول الخوارج كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنهم بعد ذلك خرجوا من بلدان شتى واجتمعوا وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى قدموا المدينة فقتلوا عثمان، ثم خرجوا بعد ذلك على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
.القول الثاني:
وهو للقاضي علي بن علي بن أبي العز الحنفي شارح (الطحاوية)، الذي يرى أن نشأة الخوارج بدأت بالخروج على عثمان رضي الله عنه في تلك الفتنة التي انتهت بقتله وتسمى الفتنة الأولى – يقول: فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى
.ويسمي ابن كثير الذين ثاروا على عثمان وقتلوه خوارج فيقول: وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شيء كثير جدا
.القول الثالث:
وهو للورجلاني حيث يعتبر أن نشأة الخوارج بدأت منذ أن فارق طلحة والزبير علياً رضي الله عنه وخرجا عليه بعد مبايعتهما له، ثم يقول: وشرعا دين الخوارج دينا؛ فلهما أجور الخوارج وأوزارهما
.القول الرابع:
أن نشأة الخوارج بدأت سنة 64هـ بقيادة نافع بن الأزرق في أواخر ولاية ابن زياد وهذا الرأي لعلي يحيى معمر الإباضي
. وهو في هذا الرأي يتابع قطب الأئمة أبي إسحاق أطفيش الإمام الإباضي الذي يرى أن ما حدث بين الإمام علي وبين الطائفة التي انفصلت عن جيشه والتي سميت فيما بعد بالمحكمة إنما هو نوع من أنواع الفتن الداخلية التي وقعت بين المسلمين في ذلك العصر؛ حيث اعتبرت تلك الطائفة أن علياً رضي الله عنه قد زالت عنه الإمامة الشرعية حينما قبل التحكيم، ولهذا فقد ولوا عبد الله بن وهب الراسبي في زهده وتقواه ودعى هذا بدوره عليا للدخول في طاعته بعد أن اختاره من معه من الصحابة وغيرهم
– كما يدعي الخوارج.فلم يكن ما حدث بين علي ومن معه في نظر أصحاب هذا الرأي إلا فتنة انتهت على نحو ما انتهت عليه وليس خروجا على الإمام، كما هو المعنى الحقيقي للخروج الذي يرون أنه لم يبتدئ إلا بخروج نافع بن الأزرق. أما ما كان قبل ذلك من حركات ثورية على علي رضي الله عنه والأمويين من بعده فهي مجرد ثورات ومواقع حربية دارت بين الفريقين وليست خروجا بالمعنى الصحيح. يقول في هذا أبو إسحاق أطفيش:
" الخوارج طوائف من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين رؤوسهم: نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، ومحمد بن الصفار، ومن شايعهم، وسموا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق وعن الأمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك "
.ويقول علي يحيى معمر: " سبق إلى أذهان أكثر الناس – بسبب خطأ المؤرخين في ربط الأحداث – أن المحكمة الذين قتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في وقعة النهروان هم أصل الخوارج وهو مفهوم خاطئ؛ فإن المحكمة قد قتلوا في النهر ولم ينج منهم إلا تسعة أفراد، ثم ثار على الحكم الأموي طوائف كثيرة من الناس جماعات وأفرادا، حتى ظهر الخوارج في أواخر ولاية ابن زياد سنة 64 هـ, بقيادة نافع بن الأزرق، فمعركة النهروان هي فتنة بين الصحابة وقعت بين الإمام علي بن أبي طالب والمحكمة
. ومما يجدر بالذكر أنه قد استبعد أن يكون الناجون من حرب النهروان تسعة فقط كما يأتي ذلك فيما بعد. وهنا أثبت ذلك العدد تأكيدا لرأيه في بدء نشأة الخوارج .القول الخامس:
أن نشأتهم بدأت بانفصالهم عن جيش الإمام علي رضي الله عنه وخروجهم عليه، وهذا الرأي هو الذي عليه الكثرة الغالبة من العلماء إذ يعرفون الخوارج بأنهم هم الذين خرجوا على علي بعد التحكيم ، ومن هؤلاء الأشعري فقد أرخ للخوارج، وأقدم من أرخ لهم منهم هم الخارجون على الإمام علي وقال عنهم: " والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي بن أبي طالب
.وقد تابعه في صنيعه البغدادي؛ حيث بدأ التاريخ للخوارج بذكر الخارجين على علي رضي الله عنه
. وكذلك يرى أبو الحسين الملطي أن الفرقة الأولى للخوارج هي المحكّمة
.وقد سار على هذا الرأي أصحاب المعاجم ودوائر المعارف ( في مادة الخروج) والكتاب المحدثون الذين كتبوا عن الفرق الإسلامية كالأستاذ أحمد أمين والشيخ أبو زهرة والغرابي رحمهم الله وغيرهم، والمؤرخون في تأريخهم لأحداث الفتنة الكبرى.
يقول الأستاذ أحمد أمين: واسم الخوارج جاء من أنهم خرجوا على علي وصحبه
.ويقول الشيخ أبو زهرة: اقترن ظهور هذه الفرقة (أي الخوارج) بظهور الشيعة، فقد ظهر كلاهما كفرقة في عهد علي رضي الله عنه وقد كانوا من أنصاره
. وصاحب كتاب (الأديان) وهو إباضي يعتبر خروج الخوارج إنما كان على علي حينما حكم
.وقد أصبح إطلاق اسم الخوارج على الخارجين عن الإمام علي أمرا مشتهرا بحيث لا يكاد ينصرف إلى غيرهم بمجرد ذكره.
هذه هي الأقوال في بدء نشأة الخوارج، وعلينا في اختيار ما نراه صحيحا منها أن نفرق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراؤها الخاصة، ولها تجمعها الذي تحافظ عليه وتعمل به على نصرة هذه الآراء.
والواقع أن نزعة الخروج – أو بتعبير أدق بدء نزعة الخروج – قد بدأت بذرتها الأولى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتراض ذي الخويصرة عليه. لكن هل كان خروجا حقيقيا أم كان مجرد حادثة فردية اعترض فيها واحد من المسلمين على طريقة تقسيم الفيء طمعا في أن يأخذ منه نصيبا أكبر؟ وهو الأمر الذي سنرجحه فيما بعد.
أما تعبير النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي الخويصرة بأن له أصحابا فقد يجوز:
أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد توقع وجود أصحاب يؤيدون هذا الرجل حيث استطاع الاعتراض على صاحب الدعوة، فامتنع عن قتله تألفا له ولهم.
ويجوز أيضا أن يكون ذلك القول كان توقعاً من النبي عليه السلام وإخبارا عما سيكون من عاقبة هذا الرجل وأمثاله؛ إذ إن الاعتراض على شخصيته صلى الله عليه وسلم يجعل من المتوقع أن يوجد الاعتراض على الخلفاء من بعده والخروج عليهم من باب أولى.
ويجوز أن يكون قصد النبي صلى الله عليه وسلم بالأصحاب لهذا الرجل هم من يكونون على شاكلته في مستقبل الأيام بحيث يكونون متابعين له على فكرته، وإن لم يتزعم قيادتهم في هذا الخروج على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الخلفاء.
لقد مضى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يكن لذي الخويصرة ذكر في هذه العهود بعد تلك الحادثة لا بنفسه ولا مع من يمكن أن يكونوا على شاكلته. ولم يذكر التاريخ - فيما اطلعت عليه – أنه كان كذلك من الثائرين على عثمان رضي الله عنه أو أنه كان له أبناء أو أصحاب ينتسبون إليه في تلك الثورة مع أن الفارق الزمني بين ورود الحديث فيه وبين أحداث الفتنة الكبرى يسمح بمثل هذا لو كان.
كل هذا يجعل من هذه الحادثة التي ارتكبها ذو الخويصرة حادثة فردية في وقتها؛ حيث لم يشتهر بالخروج ولم تعرف له آراء خاصة يتميز بها ولم يكون له حزبا سياسيا معارضا وإن لم يمنع هذا من اعتباره الفيء لمجرد نزعة الخروج في صورة ساذجة، إذا صح أن يكون الاعتراض على تقسيم الفيء خروجا.
وأما القول بأن نشأتهم تبدأ بثورة الثائرين على عثمان رضي الله عنه، فلا شك أن ما حدث كان خروجا عن طاعة الإمام إلا أنه لم يكن يتميز بأنه خروج فرقة ذات طابع عقائدي خاص لها آراء وأحكام في الدين، غاية ما هنالك أن قوما غضبوا على عثمان واستحوذ عليهم الشيطان حتى أدى بهم إلى ارتكاب جريمة قتله ثم دخلوا بين صفوف المسلمين كأفراد منهم.
وفيما يتعلق بالقول بأن طلحة والزبير رضي الله عنهما كانا أول الخارجين على علي – كما يقول الورجلاني – فمن الصعب عليه إثبات ذلك. فقد كان معهما أم المؤمنين عائشة ومن معهم من المسلمين، و على كل فقد انتهت موقعة الجمل واندمج من بقي منهم في صفوف المسلمين دون أن تجمعهم رابطة فكرية معينة كتلك التي حدثت بين الخوارج على علي في جيشه فيما بعد، وكان خروجهم باسم المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه فإذا كان قد بدئ الخروج على علي بخروج أصحاب موقعة الجمل فإنه لا ينطبق عليهم مصطلح الخوارج كطائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الدينية الخاصة، وطلحة والزبير من العشرة الذين بشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، فكيف يجوز أن يعتبرا من الخوارج ويطبق عليهما أحاديث المروق الواردة في الخوارج؟!
أما القول بأن نشأتهم تبدأ من قيام نافع بن الأزرق فإنه لم يقل به غير علي يحيى معمر تبعا لقطب الأئمة الإباضية أبي إسحاق أطفيش لنفيهم وجود صلة ما بين المحكمة ومن ثار على طريقتهم وبين الأزارقة بعدهم، وهو قول غير مقبول لوجود تسلسل الأحداث وارتباطها من المحكمة إلى ظهور نافع بن الأزرق بحيث يظهر أن الأولين هم سلف الخوارج جميعا، كما سنبين هذا عند الكلام عن حركات الخوارج وفرقهم.
وهكذا يتضح الفرق بين مجرد وجود نزعة الاعتراض أو الثورة خروجا عن طاعة الإمام، وبين الخروج في شكل طائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة؛ كخروج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه منذ وقعة صفين، وهم الذين ينطبق عليهم مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وهذا هو القول الأخير الذي نختاره ونسير عليه في هذه الرسالة مؤرخين لهذه الطائفة دارسين لآرائهم.
والواقع أن هذا هو ما يشهد له واقع تلك الحركة التي أحدثت دويا هائلا في تاريخ هذه الأمة الإسلامية عدة قرون تميزت فيها بآراء ومعتقدات وأنظمة لفتت إليها أنظار علماء التاريخ والفرق الإسلامية، بخلاف ما سبقها من حركات فإنها لم يكن لها أثر فكري أو عقائدي يذكر.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)