بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 20 أبريل 2010

نبذ من "بداية مجتهد"/8

كتاب بيع الخيار حذف التشكيل‏.‏

-والنظر في أصول هذا الباب، أما أولا فهل يجوز أم لا‏؟‏ وإن جاز، فكم مدة الخيار‏؟‏ وهل يشترط النقدية فيه أم لا‏؟‏ وممن ضمان المبيع في مدة الخيار‏؟‏ وهل يورث الخيار أم لا‏؟‏ ومن يصح خياره ممن لا يصح‏؟‏ وما يكون من الأفعال خيارا كالقول‏؟‏‏.‏ أما جواز الخيار فعليه الجمهور، إلا الثوري وابن أبي شبرمة وطائفة من أهل الظاهر‏.‏ وعمدة الجمهور حديث حبان بن منقذ وفيه ‏"‏ولك الخيار ثلاثا‏"‏ وما روي في حديث ابن عمر ‏"‏البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار‏"‏‏.‏ وعمدة من منعه أنه غرر وأن الأصل هو اللزوم في البيع إلا أن يقوم دليل على جواز البيع على الخيار من كتاب الله أو سنة ثابتة أو إجماع‏.‏ قالوا‏:‏ وحديث حبان إما أنه ليس بصحيح، وإما أنه خاص لما شكي إليه صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع‏.‏ قالوا‏:‏ وأما حديث ابن عمر وقوله فيه ‏"‏إلا بيع الخيار‏"‏ فقد فسر المعنى المراد بهذا اللفظ، وهو ما ورد فيه من لفظ آخر وهو ‏"‏أن يقول أحدهما لصاحبه اختر‏"‏ وأما مدة الخيار عند الذين قالوا بجوازه فرأى مالك أن ذلك ليس له قدر محدود في نفسه وأنه إنما يتقدر بتقدير الحاجة إلى اختلاف المبيعات، وذلك يتفاوت بتفاوت المبيعات فقال‏:‏ مثل اليوم واليومين في اختيار الثوب، والجمعة والخمسة أيام في اختيار الجارية، والشهر ونحوه في اختيار الدار‏.‏ وبالجملة فلا يجوز عنده الأجل الطويل الذي فيه فضل عن اختيار المبيع‏.‏ وقال الشافعي وأبو حنيفة‏:‏ أجل الخيار ثلاثة أيام لا يجوز أكثر من ذلك‏.‏ وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن يجوز الخيار لأي مدة اشترطت، وبه قال داود‏.‏ واختلفوا في الخيار المطلق دون المقيد بمدة معلومة، فقال الثوري والحسن ابن جني وجماعة بجواز اشتراط الخيار مطلقا ويكون له الخيار أبدا، وقال مالك‏:‏ يجوز الخيار المطلق ولكن السلطان يضرب فيه أجل مثله‏.‏ وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز بحال الخيار المطلق ويفسد البيع‏.‏ واختلف أبو حنيفة والشافعي إن وقع الخيار في الثلاثة الأيام زمن الخيار المطلق، فقال أبو حنيفة‏:‏ إن وقع في الثلاثة الأيام جاز، وإن مضت الثلاثة فسد البيع؛ وقال الشافعي‏:‏ بل هو فاسد على كل حال، فهذه هي أقاويل فقهاء الأمصار في مدة الخيار، وهي هل يجوز مطلقا أو مقيدا‏؟‏ وإن جاز مقيدا فكم مقداره‏؟‏ وإن لم يجز مطلقا فهل من شرط ذلك أن لا يقع الخيار في الثلاث أم لا يجوز بحال‏؟‏ وإن وقع في الثلاث‏.‏

فأما أدلتهم فإن عمدة من لم يجز الخيار هو ما قلناه‏.‏ وأما عمدة من لم يجز الخيار إلا ثلاثا فهو أن الأصل هو أن لا يجوز الخيار فلا يجوز منه إلا ما ورد فيه النص في حديث منقذ بن حبان أو حبان بن منقذ، وذلك كسائر الرخص المستثناة من الأصول مثل استثناء العرايا من المزابنة وغير ذلك‏.‏ قالوا‏:‏ وقد جاء تحديد الخيار بالثلاث في حديث المصراة وهو قوله ‏"‏من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام‏"‏ وأما حديث منقذ، فأشبه طرقه المتصلة ما رواه محمد ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمنقذ وكان يخدع في البيع ‏"‏إذا بعت فقل لا خلابة وأنت بالخيار ثلاثا‏"‏‏.‏ وأما عمدة أصحاب مالك، فهو أن المفهوم من الخيار هو اختيار المبيع، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون ذلك محدودا بزمان إمكان اختيار المبيع، وذلك يختلف بحسب مبيع مبيع، فكأن النص إنما ورد عندهم تنبيها على هذا المعنى، وهو عندهم من باب الخاص أريد به العام، وعند الطائفة الأولى من باب الخاص أريد به الخاص‏.‏

وأما اشتراط النقد فإنه لا يجوز عند مالك وجميع أصحابه لتردده عندهم بين السلف والبيع، وفيه ضعف‏.‏ وأما ممن ضمان المبيع في مدة الخيار فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وأصحابه والليث والأوزاعي‏:‏ مصيبته من البائع والمشتري أمين، وسواء كان الخيار لهما أو لأحدهما؛ وقد قيل في المذهب إنه إن كان هلك بيد البائع فلا خلاف في ضمانه إياه، وإن كان هلك بيد المشتري فالحكم كالحكم في الرهن والعارية إن كان مما يغاب عليه فضمانه منه، وإن كان مما لا يغاب عليه فضمانه من البائع‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إن كان شرط الخيار لكليهما أو للبائع وحده فضمانه من البائع والمبيع على ملكه، وأما إن كان شرطه المشتري وحده فقد خرج المبيع عن ملك البائع ولم يدخل في ملك المشتري، وبقي معلقا حتى ينقضي الخيار، وقد قيل عنه إن على المشتري الثمن، وهذا يدل على أنه دخل عنده في ملك المشتري‏.‏

وللشافعي قولان‏:‏ أشهرهما أن الضمان من المشتري لأيهما كان الخيار‏.‏ فعمدة من رأى أن الضمان من البائع على كل حال أنه عقد غير لازم، فلم ينتقل الملك عن البائع كما لو قال بعتك ولم يقل المشتري قبلت‏.‏ وعمدة من رأى أنه من المشتري تشبيهه بالبيع اللازم وهو ضعيف لقياسه موضع الخلاف على موضع الاتفاق‏.‏ وأما من جعل الضمان لمشترط الخيار إذا شرطه أحدهما ولم يشترطه الثاني فلأنه إن كان البائع هو المشترط فالخيار له إبقاء للمبيع على ملكه، وإن كان المشتري هو المشترط له فقط فقد صرفه البائع من ملكه وأبانه فوجب أن يدخل في ملك المشتري إذا كان المشتري هو الذي شرطه فقط قال‏:‏ قد خرج عن ملك البائع لأنه لم يشترط خيارا ولم يلزم أن يدخل في ملك المشتري لأنه شرط الخيار في رد الآخر له، ولكن هذا القول يمانع الحكم، فإنه لابد أن تكون مصيبته من أحدهما، والخلاف آيل إلى هل الخيار مشترط لإيقاع الفسخ في البيع أو لتتميم البيع، فإذا قلنا لفسخ البيع فقد خرج من ضمان البائع، وإن قلنا لتتميمه فهو في ضمانه‏.‏

-‏(‏وأما المسألة الخامسة‏)‏ وهي هل يورث خيار المبيع أم لا‏؟‏ فإن مالكا والشافعي وأصحابهما قالوا‏:‏ يورث، وإنه إذا مات صاحب الخيار فلورثته من الخيار مثل ما كان له؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ يبطل الخيار بموت من له الخيار ويتم البيع، وهكذا عنده خيار الشفعة وخيار قبول الوصية وخيار الإقالة‏.‏ وسلم لهم أبو حنيفة خيار الرد بالعيب‏:‏ أعني أنه قال يورث، وكذلك خيار استحقاق الغنيمة قبل القسم وخيار القصاص وخيار الرهن‏.‏ وسلم لهم مالك خيار رد الأب ما وهبه لابنه، أعني أنه لم ير لورثة الميت من الخيار في رد ما وهبه لابنه ما جعل له الشرع من ذلك‏:‏ أعني للأب، وكذلك خيار الكتابة والطلاق واللعان‏.‏ ومعنى خيار الطلاق أن يقول الرجل لرجل آخر طلق امرأتي متى شئت، فيموت الرجل المجعول له الخيار، فإن ورثته لا يتنزلون منزلته عند مالك‏.‏ وسلم الشافعي ما سلمت المالكية للحنفية من هذه الخيارات، وسلم زائدا خيار الإقالة والقبول فقال‏:‏ لا يورثان‏.‏ وعمدة المالكية والشافعية أن الأصل هو أن تورث الحقوق والأموال إلا ما قام دليل على مفارقة الحق في هذا المعنى للمال‏.‏ وعمدة الحنفية أن الأصل هو أن يورث المال دون الحقوق إلا ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالأموال، فموضع الخلاف هل الأصل هو أن تورث الحقوق كالأموال أم لا‏؟‏ وكل واحد من الفريقين يشبه من هذا ما لم يسلمه له خصمه منها بما يسلمه منها له ويحتج على خصمه؛ فالمالكية والشافعية تحتج على أبي حنيفة بتسلميه وراثة خيار الرد بالعيب، ويشبه سائر الخيارات التي يورثها به؛ والحنفية تحتج أيضا على المالكية والشافعية بما تمنع من ذلك، وكل واحد منهم يروم أن يعطي فارقا فيما يختلف فيه قوله ومشابها فيما يتفق فيه قوله، ويروم في قوله خصمه بالضد، أعني أن يعطي فارقا فيما يضعه الخصم متفقا، ويعطي اتفاقا فيما يضعه الخصم متباينا، ومثل ما تقول المالكية‏:‏ إنما قلنا إن خيار الأب في رد هبته لا يورث، لأن ذلك خيار راجع إلى صفة في الأب لا توجد في غيره وهي الأبوة، فوجب أن لا تورث لا إلى صفة في العقد‏.‏ وهذا هو سبب اختلافهم في خيار خيار، أعني أنه من انقدح له في شيء منها أنه صفة للعقد ورثه، ومن انقدح له أنه صفة خاصة بذي الخيار لم يورثه‏.‏

-‏(‏وأما المسألة السادسة‏)‏ وهي من يصح خياره فإنهم اتفقوا على صحة خيار المتبايعين، واختلفوا في اشتراط خيار الأجنبي، فقال مالك‏:‏ يجوز ذلك والبيع صحيح؛ وقال الشافعي في أحد قوليه‏:‏ لا يجوز إلا أن يوكله الذي جعل له الخيار ولا يجوز الخيار عنده على هذا القول لغير العاقد، وهو قول أحمد؛ وللشافعي قول آخر مثل قول مالك، وبقول مالك قال أبو حنيفة؛ واتفق المذهب على أن الخيار للأجنبي إذا جعله له المتبايعان، وأن قوله لهما‏.‏ واختلف المذهب إذا جعله أحدهما فاختلف البائع ومن جعل له البائع الخيار أو المشتري ومن جعل له المشتري الخيار، فقيل القول في الإمضاء، والرد قول الأجنبي سواء اشترط خياره البائع أو المشتري، وقال عكس هذا القول من جعل خياره هنا كالمشورة، وقيل بالفرق بين البائع والمشتري‏:‏ أي أن القول في الإمضاء والرد قول البائع دون الأجنبي، وقول الأجنبي دون المشتري إن كان المشتري هو المشترط الخيار؛ وقيل القول قول من أراد منهما الإمضاء، وإن أراد البائع الإمضاء، وأراد الأجنبي الذي اشترط خياره الرد ووافقه المشتري، فالقول قول البائع في الإمضاء، وإن أراد البائع الرد وأراد الأجنبي الإمضاء ووافقه المشتري فالقول قول المشتري؛ وكذلك إن اشتراط الخيار للأجنبي المشتري، فالقول فيهما قول من أراد الإمضاء، وكذلك الحال في المشتري؛ وقيل بالفرق في هذا بين البائع والمشتري‏:‏ أي إن اشترطه البائع فالقول قول من أراد الإمضاء منهما، وإن اشترطه المشتري فالقول قول الأجنبي، وهو ظاهر ما في المدونة، وهذا كله ضعيف‏.‏ واختلفوا فيمن اشترط من الخيار ما لا يجوز، مثل أن يشترط أجلا مجهولا وخيارا فوق الثلاث عند من لا يجوز الخيار فوق الثلاث، أو خيار رجل بعيد الموضع بعينه‏:‏ أعني أجنبيا، فقال مالك والشافعي‏:‏ لا يصح البيع وإن أسقط الشرط الفاسد؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ يصح البيع مع إسقاط الشرط الفاسد، فأصل الخلاف هل الفساد الواقع في البيع من قبل الشرط يتعدى إلى العقد أم لا يتعدى، وإنما هو في الشرط فقط‏؟‏ فمن قال يتعدى أبطل البيع وإن أسقطه؛ ومن قال لا يتعدى قال‏:‏ البيع يصح إذا أسقط الشرط الفاسد لأنه يبقى العقد صحيحا‏.‏

كتاب بيع المرابحة حذف التشكيل‏.‏

-أجمع جمهور العلماء على أن البيع صنفان‏:‏ مساومة ومرابحة؛ وأن المرابحة هي أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به السلعة ويشترط عليه ربحا ما للدينار أو الدرهم‏.‏ واختلفوا من ذلك بالجملة في موضعين‏:‏ أحدهما فيما للبائع أن يعده من رأس مال السلعة مما أنفق على السلعة بعد الشراء مما ليس له أن يعده من رأس المال‏.‏ والموضع الثاني إذا كذب البائع للمشتري فأخبره أنه اشتراه بأكثر مما اشترى السلعة به، أو وهم فأخبر بأقل مما اشترى به السلعة ثم ظهر له أنه اشتراها بأكثر، ففي هذا الكتاب بحسب اختلاف فقهاء الأمصار بابان‏:‏ الباب الأول‏:‏ فيما يعد من رأس مال مما لا يعد، وفي صفة رأس المال الذي يجوز أن يبني عليه الربح‏.‏ الثاني‏:‏ في حكم ما وقع من الزيادة أو النقصان في خبر البائع بالثمن‏.‏

الباب الأول‏.‏ فيما يعد من رأس المال مما لا يعد، وفي صفة رأس المال الذي يجوز أن يبني عليه الربح‏.‏ حذف التشكيل

-فأما ما يعد في الثمن مما لا يعد، فإن تحصيل مذهب مالك في ذلك أن ما ينوب البائع على السلعة زائدا على الثمن ينقسم ثلاثة أقسام‏:‏ قسم يعد في أصل الثمن ويكون له حظ من الربح‏.‏ وقسم لا يعد في أصل الثمن ولا يكون له حظ من الربح‏.‏ وقسم لا يعد في أصل الثمن ولا يكون له حظ من الربح‏.‏ فأما الذي يحسبه في رأس المال ويجعل له حظا من الربح فهو ما كان مؤثرا في عين السلعة مثل الخياطة والصبغ‏.‏ وأما الذي يحسبه في رأس المال ولا يجعل له حظا من الربح فما لا يؤثر في عين السلعة مما لا يمكن البائع أن يتولاه بنفسه كحمل المتاع من بلد إلى بلد وكراء البيوت التي توضع فيها‏.‏ وأما ما لا يحتسب فيه الأمرين جميعا، فما ليس له تأثير في عين السلعة مما يمكن أن يتولاه صاحب السلعة بنفسه كالسمسرة والطي والشد‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ بل يحمل على ثمن السلعة كل ما نابه عليها‏.‏ وقال أبو ثور‏:‏ لا يجوز المرابحة إلا بالثمن الذي اشترى به السلعة فقط إلا أن يفصل ويفسخ عنده إن وقع قال لأنه كذب، لأنه يقول له‏:‏ ثمن سلعتي كذا وكذا وليس الأمر كذلك، وهو عنده من باب الغش‏.‏ وأما صفة رأس الثمن الذي يجوز أن يخبر به فإن مالكا والليث قالا فيمن اشترى سلعة بدنانير والصرف يوم اشتراها صرف معلوم ثم باعها بدراهم والصرف قد تغير إلى زيادة أنه ليس له أن يعلم يوم باعها بالدنانير التي اشتراها لأنه من باب الكذب والخيانة، وكذلك إن اشتراها بدراهم ثم باعها بدنانير وقد تغير الصرف‏.‏ واختلف أصحاب مالك من هذا الباب فيمن ابتاع سلعة بعروض هل يجوز له أن يبيعها مرابحة أم لا يجوز‏؟‏ فإذا قلنا بالجواز فهل يجوز بقيمة العرض أو بالعرض نفسه‏؟‏ فقال ابن القاسم‏:‏ يجوز له بيعها على ما اشتراه به من العروض ولا يجوز على القيمة‏.‏ وقال أشهب‏:‏ لا يجوز لمن اشترى سلعة بشيء من العروض أن يبيعها مرابحة لأنه يطالبه بعروض على صفة عرضه، وفي الغالب ليس يكون عنده فهو من باب بيع ما ليس عنده‏.‏ واختلف مالك وأبو حنيفة فيمن اشترى سلعة بدنانير فأخذ في الدنانير عروضا أو دراهم هل يجوز له بيعها مرابحة دون أن يعلم بما نقد أم لا يجوز‏؟‏ فقال مالك‏:‏ لا يجوز إلا أن يعلم ما نقد؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ يجوز أن يبيعها منه مرابحة على الدنانير التي ابتاع بها السلعة دون العروض التي أعطى فيها أو الدراهم؛ قال مالك أيضا فيمن اشترى سلعة بأجل فباعها مرابحة أنه لا يجوز حتى يعلم بالأجل‏.‏ وقال الشافعي إن وقع كان للمشتري مثل أجله؛ وقال أبو ثور‏:‏ هو كالعيب وله الرد به، وفي هذا الباب في المذهب فروع كثيرة ليست مما قصدناه‏.‏

الباب الثاني‏.‏ في حكم ما وقع من الزيادة أو النقصان في خبر البائع بالثمن‏.‏ حذف التشكيل

-واختلفوا فيمن ابتاع سلعة مرابحة على ثمن ذكره، ثم ظهر بعد ذلك إما بإقراره وإما ببينة أن الثمن كان أقل والسلعة قائمة؛ فقال مالك وجماعة‏:‏ المشتري بالخيار، إما أن يأخذ بالثمن الذي صح أو يترك إذا لم يلزمه البائع أخذها بالثمن الذي صح وإن ألزمه لزمه؛ وقال أبو حنيفة وزفر‏:‏ بل المشتري بالخيار على الإطلاق، ولا يلزمه الأخذ بالثمن الذي إن ألزمه البائع لزمه؛ وقال الثوري وابن أبي ليلى وأحمد وجماعة‏:‏ بل يبقى البيع لازما لهما بعد حط الزيادة؛ وعن الشافعي القولان‏:‏ القول بالخيار مطلقا، والقول باللزوم بعد الحط‏.‏ فحجة من أوجب البيع بعد الحط أن المشتري إنما أربحه على ما ابتاع به السلعة لا غير ذلك، فلما ظهر خلاف ما قال وجب أن يرجع إلى الذي ظهر، كما لو أخذه بكيل معلوم فخرج بغير ذلك الكيل أنه يلزمه توفية ذلك الكيل‏.‏ وحجة من رأى أن الخيار مطلقا تشبيه الكذب في هذه المسألة بالعيب، أعني أنه كما يوجب العيب الخيار كذلك يوجب الكذب‏.‏ وأما إذا فاتت السلعة فقال الشافعي‏:‏ يحط مقدار ما زاد من الثمن وما وجب له من الربح؛ وقال مالك‏:‏ إن كانت قيمتها يوم القبض أو يوم البيع على خلاف عنه في ذلك مثل ما وزن المبتاع أو أقل فلا يرجع عليه المشتري بشيء، وإن كانت القيمة أقل خير البائع بين رده للمشتري القيمة أو رده الثمن أو إمضائه السلعة بالثمن الذي صح‏.‏ وأما إذا باع الرجل سلعته مرابحة ثم أقام البينة أن ثمنها أكثر مما ذكره وأنه وهم في ذلك وهي قائمة، فقال الشافعي‏:‏ لا يسمع من تلك البينة لأنه كذبها؛ وقال مالك‏:‏ يسمع منها ويجبر المبتاع على ذلك الثمن، وهذا بعيد لأنه بيع آخر‏.‏ وقال مالك في هذه المسألة‏:‏ إذا فاتت السلعة أن المبتاع مخير بين أن يعطي قيمة السلعة يوم قبضها أو أن يأخذها بالثمن الذي صح، فهذه هي مشهورات مسائلهم في هذا الباب‏.‏ ومعرفة أحكام هذا البيع تنبني في مذهب مالك على معرفة أحكام ثلاثة مسائل وما تركب منها، حكم مسألة الكذب، وحكم مسألة الغش، وحكم مسألة وجود العيب‏.‏ فأما حكم الكذب فقد تقدم‏.‏ وأما حكم الرد بالعيب فهو حكمه في البيع المطلق‏.‏ وأما حكم الغش عنده فهو تخيير البائع مطلقا، وليس للبائع أن يلزمه البيع وإن حط عنه مقدار الغش كما له ذلك في مسألة الكذب، هذا عند ابن القاسم‏.‏ وأما عند أشهب، فإن الغش عنده ينقسم قسمين‏:‏ قسم مؤثر في الثمن، وقسم غير مؤثر‏.‏ فأما غير المؤثر فلا حكم عنده فيه‏.‏ وأما المؤثر فحكمه عنده حكم الكذب‏.‏ وأما التي تتركب فهي أربع مسائل‏:‏ كذب وغش، وكذب وتدليس، وغش وتدليس بعيب، وكذب وغش وتدليس بعيب؛ وأصل مذهب ابن القاسم فيها أنه يأخذ بالذي بقي حكمه إن كان فات بحكم أحدهما أو بالذي هو أرجح له إن لم يفت حكم أحدهما، إما على التخيير حيث يمكن التخيير، أو الجمع حيث يمكن الجمع، وتفصيل هذا لائق بكتب الفروع، أعني مذهب ابن القاسم وغيره‏.‏

كتاب بيع العرية حذف التشكيل‏.‏

-اختلف الفقهاء في معنى العرية والرخصة التي أتت فيها في السنة، فحكى القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي أن العرية في مذهب مالك هي أن يهب الرجل ثمرة نخلة أو نخلات من حائطه لرجل بعينه، فيجوز للمعرى شراؤها من المعري له بخرصها تمرا على شروط أربعة‏:‏ أحدها‏:‏ أن تزهي‏.‏ والثاني أن تكون خمسة أوسق فما دون، فإن زادت فلا يجوز‏.‏ والثالث أن يعطيه التمر الذي يشتريها به عند الجذاذ، فإن أعطاه نقدا لم يجز‏.‏ والرابع أن يكون التمر من صنف تمر العرية ونوعها، فعلى مذهب مالك الرخصة في العرية إنما هي في حق المعري فقط، والرخصة فيها إنما هي استثناؤها من المزابنة، وهي بيع الرطب بالتمر الجاف الذي ورد النهي عنه، ومن صنفي الربا أيضا‏:‏ أعني التفاضل والنَّساء، وذلك أن بيع ثمر معلوم الكيل بثمر معلوم بالتخمين وهو الخرص، فيدخله بيع الجنس الواحد متفاضلا، وهو أيضا ثمر بثمر إلى أجل، فهذا هو مذهب مالك فيما هي العرية، وماهي الرخصة فيها، ولمن الرخصة فيها‏؟‏‏.‏ وأما الشافعي فمعنى الرخصة الواردة عنده فيها ليست للمعري خاصة، وإنما هي لكل أحد من الناس أراد أن يشتري هذا القدر من التمر‏:‏ أعني الخمسة أوسق أو ما دون ذلك بتمر مثلها؛ وروي أن الرخصة فيها إنما هي معلقة بهذا القدر من التمر لضرورة الناس أن يأكلوا رطبا وذلك لمن ليس عنده رطب ولا تمر ‏(‏هكذا بالنسخ، ولعله‏:‏ وعنده تمر يشتري، إذ هي فسحة لمن عنده تمر وليس عنده رطب أن يشتري الرطب بالتمر، ولذلك اشتراط الشافعي دفع التمر نقدا، فتأمل ا هـ مصححه‏)‏ يشتري به الرطب‏.‏

والشافعي يشترط في إعطاء التمر الذي تباع في العرية أن يكون نقدا، ويقول‏:‏ إن تفرقا قبل القبض فسد البيع‏.‏ والعرية جائزة عند مالك في كل ما ييبس ويدخر، وهي عند الشافعي في التمر والعنب فقط ولا خلاف في جوازها فيما دون الخمسة الأوسق عند مالك والشافعي، وعنهما الخلاف إذا كانت خمسة أوسق، فروي الجواز عنهما والمنع، والأشهر عند مالك الجواز‏.‏ فالشافعي يخالف مالكا في العرية في أربعة مواضع‏:‏ أحدها في سبب الرخصة كما قلنا‏.‏ والثاني أن العرية التي رخص فيها ليست هبة، وإنما سميت هبة على التجوز‏.‏ والثالث في اشتراط النقد عند البيع‏.‏ والرابع في محلها‏.‏ فهي عنده كما قلنا في التمر والعنب فقط، وعند مالك في كل ما يدخر وييبس‏.‏ وأما أحمد بن حنبل فيوافق مالكا في أن العرية عنده هي الهبة، ويخالفه في أن الرخصة إنما هي عنده فيها للموهوب له أعني المعرى له لا المعري، وذلك أنه يرى أن له أن يبيعها ممن شاء بهذه الصفة لا من المعري خاصة كما ذهب إليه مالك‏.‏

وأما أبو حنيفة فيوافق مالكا في أن العرية هي الهبة، ويخالفه في صفة الرخصة، وذلك أن الرخصة عنده فيها ليست هي من باب استثنائها من المزابنة ولا هي في الجملة في البيع، وإنما الرخصة فيها عنده من باب رجوع الواهب في هبته إذ كان الموهوب له لم يقبضها وليست عنده ببيع، وإنما هي رجوع في الهبة على صفة مخصوصة، وهو أن يعطي بدلها تمرا بخرصها‏.‏ وعمدة مذهب مالك في العرية أنها بالصفة التي ذكر سنتها المشهورة عندهم بالمدينة، قالوا‏:‏ وأصل هذا أن الرجل كان يهب النخلات من حائطه فيشق عليه دخول الموهوب له عليه، فأبيح له أن يشتريها بخرصها تمرا عند الجذاذ‏.‏ ومن الحجة له في أن الرخصة إنما هي للمعري حديث سهل بن أبي حثمة ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالرطب إلا أنه رخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا‏"‏ قالوا‏:‏ فقوله يأكلها رطبا دليل على أن ذلك خاص بمعريها، لأنهم في ظاهر هذا القول أهلها‏.‏

ويمكن أن يقال إن أهلها هم الذين اشتروها كائنا من كان، لكن قوله رطبا هو تعليل لا يناسب المعري، وعلى مذهب الشافعي هو مناسب، وهم الذين ليس عندهم رطب ولا تمر يشترونها به، ولذلك كانت الحجة للشافعي‏.‏ وأما أن العرية عنده هي الهبة فالدليل على ذلك من اللغة، فإن أهل اللغة قالوا‏:‏ العرية هي الهبة، واختلف في تسميتها بذلك، فقيل لأنها عريت من الثمن، وقيل إنها مأخوذة من عروت الرجل أعروه إذا سألته، ومنه قوله تعالى ‏{‏وأطعموا القانع والمعتر‏}‏ وإنما اشترط مالك نقد الثمن عند الجذاذ أعني تأخيره إلى ذلك الوقت، لأنه تمر ورد الشرع بخرصه، فكان من سنته أن يتأجل إلى الجذاذ أصله الزكاة، وفيه ضعف، لأنه مصادمة بالقياس لأصل السنة‏.‏ وعنده أنه إذا تطوع بعد تمام العقد بتعجيل التمر جاز، وأما اشتراطه جوازها في الخمسة الأوسق أو فيما دونها، فلما رواه عن أبي هريرة ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق‏"‏ وإنما كان عن مالك في الخمسة الأوسق روايتان الشك الواقع في هذا الحديث من الراوي‏.‏ وأما اشتراطه أن يكون من ذلك الصنف بعينه إذا يبس، فلما روي عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها تمرا‏"‏ خرجه مسلم‏.‏ وأما الشافعي فعمدته حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنه نهى عن المزابنة التمر بالتمر إلا أصحاب العرايا، فإنه أذن لهم فيه وقوله ‏"‏فيها يأكلها أهلها رطبا‏"‏‏.‏ والعرية عندهم هي اسم لما دون الخمسة الأوسق من التمر، وذلك أنه لما كان العرف عندهم أن يهب الرجل في الغالب من نخلاته هذا القدر فما دونه، خص هذا القدر الذي جاءت فيه الرخصة باسم الهبة لموافقته في القدر للهبة، وقد احتج لمذهبه بما رواه بإسناد منقطع عن محمود بن لبيد أنه قال لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إما زيد بن ثابت وإما غيره‏:‏ ما عراياكم هذه‏؟‏ قال‏:‏ فسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب أتى وليس بأيديهم نقد يبتاعون به الرطب فيأكلونه مع الناس، وعندهم فضل من قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي بأيديهم يأكلونها رطبا، وإنما لم يجز تأخير نقد التمر لأنه بيع الطعام بالطعام نسيئة‏.‏

وأما أحمد فحجته ظاهر الأحاديث المتقدمة أنه رخص في العرايا ولم يخص المعري من غيره‏.‏ وأما أبو حنيفة فلما لم يجز عنده المزابنة وكانت إن جعلت بيعا نوعا من المزابنة رأى أن انصرافها إلى المعري ليس هو من باب البيع وإنما هو من باب رجوع الواهب فيما وهب باعطاء خرصها تمرا، أو تسميته إياها بيعا عنده مجازا، وقد التفت إلى هذا المعنى مالك في بعض الروايات عنه، فلم يجز بيعها بالدراهم ولا بشيء من الأشياء سوى الخرص، وإن كان المشهور عنه جواز ذلك‏.‏ وقد قيل إن قول أبي حنيفة هذا هو من باب تغليب القياس على الحديث، وذلك أنه خالف الأحاديث في مواضع منها أنه لم يسمها بيعا، وقد نص الشارع على تسميتها بيعا‏.‏ ومنها أنه جاء في الحديث أنه نهى عن المزابنة ورخص في العرايا، وعلى مذهبه لا تكون العرية استثناء من المزابنة، لأن المزابنة هي في البيع‏.‏ والعجب منه أنه سهل عليه أن يستثنيها من النهي عن الرجوع في الهبة التي لم يقع فيها الاستثناء بنص الشرع، وعسر عليه أن يستثنيها مما استثنى منه الشارع، وهي المزابنة، والله أعلم‏.‏

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما‏)‏‏.‏

كتاب الإجارات حذف التشكيل‏.‏

-والنظر في هذا الكتاب شبيه بالنظر في البيوع‏:‏ أعني أصوله تنحصر بالنظر في أنواعها وفي شروط الصحة فيها والفساد وفي أحكامها، وذلك في نوع نوع منها، أعني فيما يخص نوعا نوعا منها، وفيما يعم أكثر من واحد منها فهذا الكتاب ينقسم أولا إلى قسمين‏:‏ القسم الأول‏:‏ في أنواعها وشروط الصحة والفساد‏.‏ والثاني‏:‏ في معرفة أحكام الإجارات، وهذا كله بعد قيام الدليل على جوازها‏.‏ فلنذكر أولا ما في ذلك من الخلاف ثم نصير إلى ذكر ما في ذينك القسمين من المسائل المشهورة، إذ كان قصدنا إنما هو ذكر المسائل التي تجري من هذه الأشياء مجرى الأمهات، وهي التي اشتهر فيها الخلاف بين فقهاء الأمصار‏.‏ فنقول‏:‏ إن الإجارة جائزة عند جميع فقهاء الأمصار والصدر الأول‏.‏ وحكي عن الأصم وابن علية منعها‏.‏ ودليل الجمهور قوله تعالى ‏{‏إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين‏}‏ الآية، وقوله ‏{‏فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن‏}‏ ‏.‏ ومن السنة الثابتة ما خرجه البخاري عن عائشة قالت ‏"‏استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خِرّيتا ‏[‏أي دليلا حاذقا عالما بالطرق‏.‏ دار الحديث‏]‏ وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما‏"‏ وحديث جابر ‏"‏أنه باع من النبي صلى الله عليه وسلم بعيرا وشرط ظهره إلى المدينة‏"‏ وما جاز استيفاؤه بالشرط جاز استيفاؤه بالأجر، وشبهة من منع ذلك أن المعاوضات إنما يستحق فيها تسليم الثمن بتسليم العين كالحال في الأعيان المحسوسة والمنافع في الإجارات في وقت العقد معدومة، فكان ذلك غررا ومن بيع ما لم يخلق، ونحن نقول‏:‏ إنها وإن كانت معدومة في حال العقد فهي مستوفاة في الغالب، والشرع إنما لحظ من هذه المنافع ما يستوفي في الغالب، أو يكون استيفاؤه وعدم استيفاؤه على السواء‏.‏

-‏(‏القسم الأول‏)‏ وهذا القسم النظر فيه إلى جنس الثمن وجنس المنفعة التي يكون الثمن مقابلا له وصفتها‏.‏ فأما الثمن فينبغي أن يكون مما يجوز بيعه، وقد تقدم ذلك في باب البيوع‏.‏ وأما المنفعة فينبغي أن تكون من جنس ما لم ينه الشرع عنه، وفي كل هذه مسائل اتفقوا عليها واختلفوا فيها؛ فمما اجتمعوا على إبطال إجارته كل منفعة كانت لشيء محرم العين، كذلك كل منفعة كانت محرمة بالشرع، مثل أجر النوائح وأجر المغنيات، وكذلك كل منفعة كانت فرض عين على الإنسان بالشرع مثل الصلاة وغيرها، واتفقوا على إجارة الدور والدواب والناس على الأفعال المباحة، وكذلك الثياب والبسط‏.‏ واختلفوا في إجارة الأرضين وفي إجارة المياه وفي إجارة المؤذن، وفي الإجارة على تعليم القرآن، وفي إجارة نزو الفحول‏.‏ فأما كراء الأرضين فاختلفوا فيها اختلافا كثيرا؛ فقوم لم يجيزوا ذلك بتة وهم الأقل، وبه قال طاوس وأبو بكر ابن عبد الرحمن؛ وقال الجمهور بجواز ذلك‏.‏ واختلف هؤلاء فيما يجوز به كراؤها؛ فقال قوم‏:‏ لا يجوز كراؤها إلا بالدراهم والدنانير فقط، وهو مذهب ربيعة وسعيد بن المسيب؛ وقال قوم‏:‏ يجوز كراء الأرض بكل شيء ما عدا الطعام، وسواء كان ذلك بالطعام الخارج منها أو لم يكن، وما عدا ما ينبت فيها كان طعاما أو غيره، وإلى هذا ذهب مالك وأكثر أصحابه‏.‏ وقال آخرون‏:‏ يجوز كراء الأرض بما عدا الطعام فقط؛ وقال آخرون‏:‏ يجوز كراء الأرض بكل العروض والطعام وغير ذلك ما لم يكن بجزء مما يخرج منها من الطعام، وممن قال بهذا القول سالم بن عبد الله وغيره من المتقدمين، وهو قول الشافعي وظاهر قول مالك في الموطأ؛ وقال قوم‏:‏ يجوز كراؤها بكل شيء وبجزء مما يخرج منها، وبه قال أحمد والثوري والليث وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وابن أبي ليلى والأوزاعي وجماعة‏.‏ وعمدة من لم يجز كراءها بحال ما رواه مالك بسنده عن رافع بن خديج ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع‏"‏ قالوا‏:‏ وهذا عام، وهؤلاء لم يلتفتوا إلى ما روى مالك من تخصيص الراوي له حين روى عنه، قال حنظلة‏:‏ فسألت رافع بن خديج عن كرائها بالذهب والورق فقال‏:‏ لا بأس به‏.‏ وروي هذا عن رافع ابن عمر وأخذ بعمومه، وكان ابن عمر قبل يكري أرضه فترك ذلك، وهذا بناء على رأي من يرى أنه لا يخصص العموم بقول الراوي‏.‏ وروي عن رافع ابن خديج عن أبيه قال ‏"‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إجارة الأرضين‏"‏ قال أبو عمر بن عبد البر‏.‏

واحتجوا أيضا بحديث ضمرة عن ابن شوذب عن مطرف عن عطاء عن جابر قال‏:‏ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ‏"‏من كانت له أرض فليزرعها أو ليُزرعها ولا يؤاجرها‏"‏ فهذه هي جملة الأحاديث التي تمسك بها من لم يجز كراء الأرض‏.‏ وقالوا أيضا من جهة المعنى‏:‏ إنه لم يجز كراؤها لما في ذلك من الغرر، لأنه ممكن أن يصيب الزرع جائحة من نار أو قحط أو غرق، فيكون قد لزمه كراؤها من غير أن ينتفع من ذلك بشيء‏.‏ قال القاضي‏:‏ ويشبه أن يقال في هذا إن المعنى في ذلك قصد الرفق بالناس لكثرة وجود الأرض كما نهى عن بيع الماء، ووجه الشبه بينهما أنهما أصلا الخلقة‏.‏ وأما عمدة من لم يجز كراءها إلا بالدراهم والدنانير فحديث طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"‏إنما يزرع ثلاثة، رجل له أرض فيزرعها، ورجل منح أرضا فهو يزرع ما منح، ورجل اكترى بذهب أو فضة‏"‏ قالوا‏:‏ فلا يجوز أن يتعدى ما في هذا الحديث والأحاديث الأخر مطلقة وهذا مقيد، ومن الواجب حمل المطلق على المقيد‏.‏ وعمدة من أجاز كراءها بكل شيء ما عدا الطعام، وسواء كان الطعام مدخرا أو لم يكن حديث يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار عن رافع بن خديج قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من كانت له أرض فليزرعها أو ليُزرعها أخاه بثلث ولا ربع ولا بطعام معين‏"‏ قالوا‏:‏ وهذا هو معنى المحاقلة التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، وذكروا حديث سعيد بن المسيب مرفوعا، وفيه‏:‏ والمحاقلة استكراء الأرض بالحنطة‏.‏ قالوا‏:‏ وأيضا فإنه من باب بيع الطعام بالطعام نسيئة‏.‏

وعمدة من لم يجز كراءها بالطعام ولا بشيء مما يخرج منها، أما بالطعام فحجته حجة من لم يجز كراءها بالطعام‏.‏ وأما حجته على منع كرائها مما تنبت فهو ما ورد من نهيه صلى الله عليه وسلم عن المخابرة، قالوا‏:‏ وهي كراء الأرض بما يخرج منها وهذا هو قول مالك وكل أصحابه‏.‏ وعمدة من أجاز كراءها بجميع العروض والطعام وغير ذلك مما يخرج منها أنه كراء منفعة معلومة بشيء معلوم، فجاز قياسا على إجارة سائر المنافع، وكأن هؤلاء ضعفوا أحاديث رافع‏.‏ روي عن سالم ابن عبد الله وغيره في حديث رافع أنهم قالوا‏:‏ اكترى رافع‏.‏ قالوا‏:‏ وقد جاء في بعض الروايات عنه ما يجب أن يحمل عليها سائرها قال ‏"‏كنا أكثر أهل المدينة حقلا، قال‏:‏ وكان أحدنا يكري أرضه ويقول‏:‏ هذه القطعة لي وهذه لك، وربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏خرجه البخاري‏.‏ وأما من لم يجز كراءها بما يخرج منها، فعمدته النظر والأثر‏.‏ وأما الأثر فما ورد من النهي عن المخابرة، وما ورد من حديث ابن خديج عن ظهير بن رافع قال ‏"‏نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان رفقا بنا، فقلت ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق قال‏:‏ ‏"‏دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ما تصنعون بمحاقلكم‏؟‏ قلنا‏:‏ نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تفعلوا، ازرعوها أو زارعوها أو أمسكوها‏"‏ وهذا الحديث اتفق على تصحيحه الإمامان البخاري ومسلم‏.‏ وأما من أجاز كراءها بما يخرج منها فعمدته حديث ابن عمر الثابت ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم على نصف ما تخرجه الأرض والثمرة‏"‏ قالوا‏:‏ وهذا الحديث أولى من أحاديث رافع لأنها مضطربة المتون، وإن صحت أحاديث رافع حملناها على الكراهية لا على الحظر، بدليل ما خرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه قال ‏"‏إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها ولكن قال‏:‏ إن يمنح أحدكم أخاه يكن خيرا له من أن يأخذ منه شيئا‏"‏ قالوا‏:‏ وقد قدم معاذ بن جبل اليمن حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يخابرون فأقرهم‏.‏ ‏(‏وأما إجارة المؤذن‏)‏ فإن قوما لم يروا في ذلم بأسا؛ وقوما كرهوا ذلك‏.‏ والذين كرهوا ذلك وحرموه احتجوا بما روي عن عثمان بن أبي العاص قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا‏"‏ والذين أباحوه قاسوه على الأفعال غير الواجبة، وهذا هو سبب الاختلاف، أعني هل هو واجب أم ليس بواجب‏؟‏‏.‏

وأما الاستئجار على تعليم القرآن فقد اختلفوا فيه أيضا، وكرهه قوم، وأجازه آخرون‏.‏ والذين أباحوه قاسوه على سائر الأفعال، واحتجوا بما روي عن خارجة بن الصامت عن عمه قال‏:‏ ‏"‏أقبلنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتينا على حي من أحياء العرب فقالوا‏:‏ إنكم جئتم من عند هذا الرجل فهل عندكم دواء أو رقية، فإن عندنا معتوها في القيود، فقلنا لهم نعم، فجاءوا به، فجعلت أقرأ عليه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية أجمع بريقي ثم أتفل عليه، فكأنما أنشط من عقال، فأعطوني جعلا، فقلت لا حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته فقال‏:‏ ‏"‏كل فلعمري لمن أكل برقية باطلا فلقد أكلت برقية حقا‏"‏ وبما روي عن أبي سعيد الخدري ‏"‏أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا في غزاة، فمروا بحي من أحياء العرب، فقالوا‏:‏ هل عندكم من راق، فإن سيد الحي قد لدغ أو قد عرض له، قال‏:‏ فرقي رجل بفاتحة الكتاب فبرئ، فأعطى قطيعا من الغنم، فأبى أن يقبلها، فسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ بم رقيته‏؟‏ قال‏:‏ بفاتحة الكتاب، قال‏:‏ وما يدريك أنها رقية‏؟‏ قال‏:‏ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ خذوها واضربوا لي معكم فيها بسهم‏"‏‏.‏ وأما الذين كرهوا الجعل على تعليم القرآن فقالوا‏:‏ هو من باب الجعل على تعليم الصلاة‏.‏ قالوا‏:‏ ولم يكن الجعل المذكور في الإجارة على تعليم القرآن وإنما كان على الرقي، وسواء كان الرقي بالقرآن أو غيره الاستئجار عليه عندنا جائز كالعلاجات‏.‏ قالوا‏:‏ وليس واجبا على الناس، وأما تعليم القرآن فهو واجب على الناس‏.‏ وأما إجارة الفحول من الإبل والبقر والدواب، فأجاز مالك أن يكري الرجل فحله على أن ينزو أكواما معلومة، ولم يجز ذلك أبو حنيفة ولا الشافعي‏.‏

وحجة من لم يجز ذلك ما جاء من النهي عن عسيب الفحل؛ ومن أجازه شبهه بسائر المنافع، وهذا ضعيف لأنه تغليب القياس على السماع‏.‏ واستئجار الكلب أيضا هو من هذا الباب، وهو لا يجوز عند الشافعي ولا عند مالك‏.‏ والشافعي يشترط في جواز استئجار المنفعة أن تكون متقومة على انفرادها، فلا يجوز استئجار تفاحة للشم، ولا طعام لتزين الحانوت، إذ هذه المنافع ليس لها قيم على انفرادها، فهو لا يجوز عند مالك ولا عند الشافعي‏.‏ ومن هذا الباب اختلاف المذهب في إجارة الدراهم والدنانير، بالجملة كل ما لا يعرف بعينه، فقال ابن القاسم‏:‏ لا يصح إجارة هذا الجنس وهو قرض، وكان أبو بكر الأبهري وغيره أن ذلك يصح وتلزم الأجرة فيه، وإنما منع من منع إجارتها، لأنه لم يتصور فيها منفعة إلا بإتلاف عينها؛ ومن أجاز إجارتها تصور فيها منفعة، مثل أن يتحمل بها أو يتكثر أو غير ذلك مما يمكن أن يتصور في هذا الباب، فهذه هي مشهورات مسائل الخلاف المتعلقة بجنس المنفعة‏.‏ وأما مسائل الخلاف المتعلقة بجنس الثمن فهي مسائل الخلاف المتعلقة بما يجوز أن يكون ثمنا في المبيعات وما لا يجوز‏.‏

ومما ورد النهي فيه من هذا الباب ما روي ‏"‏أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن عسيب الفحل وعن كسب الحجام وعن قفيز الطحان‏"‏ قال الطحاوي‏:‏ ومعنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان هو ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من دفع القمح إلى الطحان بجزء من الدقيق الذي يطحنه، قالوا‏:‏ وهذا لا يجوز عندنا، وهو استئجار من المستأجر بعين ليس عنده، ولا هي من الأشياء التي تكون ديونا على الذمم، ووافقه الشافعي على هذا‏.‏ وقال أصحابه‏:‏ لو استأجر السلاخ بالجلد والطحان بالنخالة أو بصاع من الدقيق فسد لنهيه صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان، وهذا على مذهب مالك جائز، لأنه استأجره على جزء من الطعام؛ معلوم، وأجرة الطحان ذلك الجزء وهو معلوم أيضا‏.‏ وأما كسب الحجام؛ فذهب قوم إلى تحريمه، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا‏:‏ كسبه رديء يكره للرجل؛ وقال آخرون‏:‏ بل هو مباح‏.‏ والسبب في اختلافهم تعارض الآثار في هذا الباب؛ فمن رأى أنه حرام احتج بما روي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من السحت كسب الحجام‏"‏، وبما روي عن أنس بن مالك قال ‏"‏حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كسب الحجام‏"‏ وروي عن عون بن أبي جحيفة قال‏:‏ اشترى أبي حجاما فكسر محاجمه، فقلت له يا أبت لم كسرتها‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم‏"‏‏.‏ وأما من رأى إباحة ذلك، فاحتج بما روي عن ابن عباس قال ‏"‏احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره‏"‏ قالوا‏:‏ ولو كان حراما لم يعطه، وحديث جابر ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أبا طيبة فحجمه، فسأله كم ضريبتك‏؟‏ فقال‏:‏ ثلاثة آصع، فوضع عنه صاعا‏"‏ وعنه أيضا ‏"‏أنه أمر للحجام بصاع من طعام‏"‏ وأمر موالية أن يخففوا عنه‏"‏

‏

‏(‏القسم الأول‏)‏ وهذا القسم النظر فيه إلى جنس الثمن وجنس المنفعة التي‏‏

وأما الذين قالوا بكراهيته فاحتجوا بما روي أن رفاعة بن رافع أو رافع بن رفاعة جاء إلى مجلس الأنصار فقال ‏"‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام وأمرنا أن نطعمه ناضحنا‏"‏ وبما روي ‏"‏عن رجل من بني حارثة كان له حجام، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنهاه، ثم عاد فنهاه، ثم عاد فنهاه، فلم يزل يراجعه حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اعلف كسبه ناضحك وأطعمه رقيقك‏"‏‏.‏ ومن هذا الباب أيضا اختلافهم في إجارة دار بسكنى دار أخرى، فأجار ذلك مالك ومنعه أبو حنيفة، ولعله رآها من باب الدين بالدين، وهذا ضعيف، فهذه مشهورات مسائلهم فيما يتعلق بجنس الثمن وبجنس المنفعة‏.‏ وأما ما يتعلق بأوصافها فنذكر أيضا المشهور منها؛ فمن ذلك أن جمهور فقهاء الأمصار مالك وأبو حنيفة والشافعي اتفقوا بالجملة أن من شرط الإجارة أن يكون الثمن معلوما والمنفعة معلومة القدر، وذلك إما بغايتها مثل خياطة الثوب وعمل الباب، وإما بضرب الأجل إذا لم تكن لها غاية مثل خدمة الأجير، وذلك إما بالزمان إن كان عملا واستيفاء منفعة متصلة الوجود مثل كراء الدور والحوانيت، وإما بالمكان إن كان مشيا مثل كراء الرواحل‏.‏ وذهب أهل الظاهر وطائفة من السلف إلى جواز إجارات المجهولات مثل أن يعطي الرجل حماره لمن يسقي عليه أو يحتطب عليه بنصف ما يعود عليه‏.‏ وعمدة الجمهور أن الإجارة بيع فامتنع فيها من الجهل ‏{‏لمكان الغبن‏}‏ ما امتنع في المبيعات‏.‏ واحتج الفريق الثاني بقياس الإجارة على القراض والمساقاة؛ والجمهور على أن القراض والمساقاة مستثنيان بالسنة فلا يقاس عليهما لخروجهما عن الأصول؛ واتفق مالك والشافعي على أنهما إذا ضربا للمنفعة التي لبس لها غاية أمدا من الزمان محدودا، وحددوا أيضا أول ذلك الأمد، وكان أوله عقب العقد أن ذلك جائز‏.‏ واختلفوا إذا لم يحددوا أول الزمان أو حددوه ولم يكن عقب العقد، فقال مالك‏:‏ يجوز إذا حدد الزمان ولم يحدد أوله، مثل أن يقول له‏:‏ استأجرت منك هذه الدار سنة بكذا أو شهرا بكذا، ولا يذكر أول ذلك الشهر ولا أول تلك السنة؛ وقال الشافعي لا يجوز، ويكون أول الوقت عند مالك وقت عقد الإجارة، فمنعه الشافعي لأنه غرر، وأجازه مالك لأنه معلوم بالعادة، وكذلك لم يجز الشافعي إذا كان أول العقد متراخيا عن العقد، وأجازه مالك‏.‏ واختلف قول أصحابه في استئجار الأرض غير المأمونة، والتغيير فيما بعد من الزمان؛ وكذلك اختلف مالك والشافعي في مقدار الزمان الذي تقدر به هذه المنافع؛ فمالك يجيز ذلك السنين الكثيرة، مثل أن يكري الدار لعشرة أعوام أو أكثر، مما لا تتغير الدار في مثله؛ وقال الشافعي‏:‏ لا يجوز ذلك لأكثر من عام واحد‏.‏ واختلف قول ابن القاسم وابن الماجشون في أرض المطر وأرض السقي بالعيون وأرض السقي بالآبار والأنهار؛ فأجاز ابن القاسم فيها الكراء بالسنين الكثيرة؛

وفصل ابن الماجشون فقال‏:‏ لا يجوز الكراء في أرض المطر إلا لعام واحد، وأما أرض السقي بالعيون فلا يجوز كراؤها إلا لثلاثة أعوام وأربعة؛ وأما أرض الآبار والأنهار فلا يجوز إلا لعشرة أعوام فقط‏.‏ فالاختلاف ههنا في ثلاثة مواضع‏:‏ في تحديد أول المدة، وفي طولها، وفي بعدها عن وقت العقد‏.‏ وكذلك اختلف مالك والشافعي إذا لم يحدد المدة وحدد القدر الذي يجب لأقل المدة مثل أن يقول‏:‏ أكتري منك هذه الدار الشهر بكذا، ولا يضربان لذلك أمدا معلوما، فقال الشافعي‏:‏ لا يجوز؛ وقال مالك وأصحابه‏:‏ يجوز على قياس‏:‏ أبيعك من هذه الصبرة بحساب القفيز بدرهم، وهذا لا يجوز غيره‏.‏ وسبب الخلاف اعتبار الجهل الواقع في هذه الأشياء هل هو من الغرر المعفو عنه أو المنهي عنه‏؟‏ ومن هذا الباب اختلافهم في البيع والإجارة، أجازه مالك، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة، ولم يجز مالك أن يقترن بالبيع إلا الإجارة فقط‏.‏ ومن هذا الباب اختلافهم في إجارة المشاع؛ فقال مالك والشافعي‏:‏ هي جائزة؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ لا تجوز، لأن عنده أن الانتفاع بها مع الإشاعة متعذر؛ وعند مالك والشافعي أن الانتفاع بها ممكن مع شريكه كانتفاع المكري بها مع شريكه‏:‏ أعنى رب المال‏.‏ ومن هذا الباب استئجار الأجير بطعامه وكسوته، وكذلك الظئر، فمنع الشافعي ذلك على الإطلاق، وأجاز ذلك مالك على الإطلاق‏:‏ أعني في كل أجير؛ وأجاز ذلك أبو حنيفة في الظئر فقط‏.‏ وسبب الخلاف هل هي إجارة مجهولة، أم ليست مجهولة‏؟‏ فهذه هي شرائط الإجارة الراجعة إلى الثمن والمثمون‏.‏ وأما أنواع الإجارة فإن العلماء على أن الإجارة على ضربين‏:‏ إجارة منافع أعيان محسوسة، وإجارة منافع في الذمة قياسا على البيع‏.‏ والذي في الذمة من شرطه الوصف‏.‏ والذي في العين من شرطه الرؤية أو الصفة عنده كالحال في المبيعات، ومن شرط الصفة عنده ذكر الجنس والنوع، وذلك في الشيء الذي تستوفي منافعه، وفي الشيء الذي تستوفي به منافعه فلابد من وصف المركوب مثلا، والحمل الذي تستوفي به منفعة المركوب‏.‏ وعند مالك أن الراكب لا يحتاج أن يوصف، وعند الشافعي يحتاج إلى الوصف، وعند ابن القاسم أنه إذا استأجر الراعي على غنم بأعيانها أن من شرط صحة العقد اشتراط الخلف، وعند غيره تلزم الجملة بغير شرط‏.‏ ومن شرط إجارة الذمة أن يعجل النقد عند مالك ليخرج من الدين بالدين؛ كما أن من شرط إجارة الأرض غير المأمونة السقي عنده أن لا يشترط فيها النقد إلا بعد الري‏.‏ واختلفوا في الكراء هل يدخل في أنواعه الخيار أم لا‏؟‏ فقال مالك‏:‏ يجوز الخيار في الصنفين من الكراء المضمون والمعين؛ وقال الشافعي‏:‏ لا يجوز، فهذه هي المشهورات من المسائل الواقعة في هذا القسم الأول من هذا الكتاب، وهو الذي يشتمل على النظر في محال هذا العقد وأوصافه وأنواعه، وهي الأشياء التي تجري من هذا العقد مجرى الأركان، وبها يوصف العقد إذا كان على الشروط الشرعية بالصحة وبالفساد إذا لم يكن على ذلك، وبقي النظر في الجزء الثاني، وهو أحكام هذا العقد‏.‏

الجزء الثاني من هذا الكتاب‏.‏ وهو النظر في أحكام الإجارات‏.‏ حذف التشكيل

-وأحكام الإجارات كثيرة، ولكنها بالجملة تنحصر في جملتين‏:‏ الجملة الأولى في موجبات هذا العقد ولوازمه من غير حدوث طارئ عليه‏.‏ الجملة الثانية‏:‏ في أحكام الطوارئ‏.‏ وهذه الجملة تنقسم في الأشهر إلى معرفة موجبات الضمان وعدمه، ومعرفة وجوب الفسخ وعدمه، ومعرفة حكم الاختلاف‏.‏

‏ (‏الجملة الأولى‏) حذف التشكيل‏ ومن مشهورات هذا الباب متى يلزم المكري دفع الكراء إذا أطلق العقد ولم يشترط قبض الثمن‏؟‏ فعند مالك وأبي حنيفة‏:‏ أن الثمن إنما يلزم جزءا فجزءا بحسب ما يقبض من المنافع، إلا أن يشترط ذلك أو يكون هنالك ما يوجب التقديم، مثل أن يكون عوضا معينا أو يكون كراء في الذمة‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ يجب عليه الثمن بنفس العقد‏.‏ فمالك رأى أن الثمن إنما يستحق منه بقدر ما يقبض من العوض؛ والشافعي كأنه رأى أن تأخره من باب الدين بالدين‏.‏ ومن ذلك اختلافهم فيمن اكترى دابة أو دارا وما أشبه ذلك، هل له أن يكري ذلك بأكثر مما اكتراه‏؟‏ فأجازه مالك والشافعي وجماعة قياسا على البيع، ومنع ذلك أبو حنيفة وأصحابه‏.‏ وعمدتهم أنه من باب ربح ما لم يضمن، لأن ضمان الأصل هو من ربه‏:‏ أعني من المكري، وأيضا فإنه من باب بيع ما لم يقبض، وأجاز ذلك بعض العلماء إذا أحدث فيها عملا‏.‏ وممن لم يكره ذلك إذا وقع بهذه الصفة سفيان الثوري والجمهور، رأوا أن الإجارة في هذا شبيهة بالبيع، ومنها أن يكري الدار من الذي أكراها منه، فقال مالك‏:‏ يجوز، وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يجوز، وكأنه رأى أنه إذا كان التفاضل بينهما في الكراء فهو من باب أكل المال بالباطل‏.‏ ومنها إذا اكترى أرضا ليزرعها حنطة فأراد أن يزرعها شعيرا، أو ما ضرره مثل ضرر الحنطة أو دونه، فقال مالك له ذلك، وقال داود‏:‏ ليس له ذلك‏.‏ ومنها اختلافهم في كنس مراحيض الدور المكتراة، فالمشهور عن ابن القاسم أنه على أرباب الدور، وروي عنه أنه على المكتري، وبه قال الشافعي؛ واستثنى ابن القاسم من هذه الفنادق التي تدخلها قوم وتخرج قوم، فقال‏:‏ الكنس في هذه على رب الدار‏.‏ ومنها اختلاف أصحاب مالك في الانهدام اليسير من الدار، هل يلزم رب الدار إصلاحه، أم ليس يلزم‏؟‏ وينحط عنه من الكراء ذلك القدر‏؟‏ فقال ابن القاسم‏:‏ لا يلزمه، وقال غيره من أصحابه يلزمه‏.‏ وفروع هذا الباب كثيرة، وليس قصدنا التفريع في هذا الكتاب‏.‏

‏ (‏الجملة الثانية‏:‏ وهي النظر في أحكام الطوارئ‏) حذف التشكيل‏

الفصل الأول منه، وهو النظر في الفسوخ حذف التشكيل‏.‏

-فنقول‏:‏ إن الفقهاء اختلفوا في عقد الإجارة؛ فذهب الجمهور إلى أنه عقد لازم، وحكي عن قوم أنه عقد جائز تشبيها بالجعل والشركة‏.‏ والذين قالوا إنه عقد لازم اختلفوا فيما ينفسخ به؛ فذهب جماعة فقهاء الأمصار مالك والشافعي وسفيان الثوري وأبو ثور وغيرهم إلى أنه لا ينفسخ إلا بما تنفسخ به العقود اللازمة من وجود العيب بها أو ذهاب محل استيفاء المنفعة‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ يجوز فسخ عقد الإجارة للعذر الطارئ على المستأجر، مثل أن يكري دكانا يتجر فيه فيحترق متاعه أو يسرق‏.‏ وعمدة الجمهور قوله تعالى ‏{‏أوفوا بالعقود‏}‏ لأن الكراء عقد على منافع فأشبه النكاح، ولأنه عقد على معاوضة فلم ينفسخ أصله البيع‏.‏ وعمدة أبي حنيفة أنه شبه ذهاب ما به تستوفي المنفعة بذهاب العين التي فيها المنفعة‏.‏ وقد اختلف قول مالك إذا كان الكراء في غير مخصوص على استيفاء منفعة من جنس مخصوص؛ فقال عبد الوهاب الظاهر من مذهب أصحابنا أن محل استيفاء المنافع لا يتعين في الإجارة، وإن عين فذلك كالوصف لا ينفسخ ببيعه أو ذهابه، بخلاف العين المستأجرة إذا تلفت قال‏:‏ وذلك مثل أن يستأجر على رعاية غنم بأعيانها أو خياطة قميص بعينه فتهلك الغنم ويحترق الثوب فلا ينفسخ العقد، وعلى المستأجر أن يأتي بغنم مثلها ليرعاها أو قميص مثله ليخيطه، قال‏:‏ وقد قيل إنها تتعين بالتعيين فينفسخ العقد بتلف المحل‏.‏ وقال بعض المتأخرين‏:‏ إن ذلك ليس اختلافا في المذهب وإنما ذلك على قسمين‏:‏ أحدهما أن يكون المحل المعين لاستيفاء المنافع مما تقصد عينه أو مما لا تقصد عينه، فإن كان مما تقصد عينه انفسخت الإجارة كالظئر إذا مات الطفل، وإن كان مما لا يقصد عينه لم تنفسخ الإجارة على رعاية الغنم أو بيع طعام في حانوت وما أشبه ذلك‏.‏ واشتراط ابن القاسم في المدونة أنه إذا استأجر على غنم بأعيانها فإنه لا يجوز إلا أن يشترط الخلف هو التفات منه إلى أنها تنفسخ بذهاب محل استيفاء المعين، لكن لما رأى التلف سائقا إلى الفسخ رأى أنه من باب الغرر، فلم يجز الكراء عليها إلا باشتراط الخلف‏.‏ ومن نحو هذا اختلافهم في هل ينفسخ الكراء بموت أحد المتعاقدين‏:‏ أعني المكري والمكتري؛ فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور‏:‏ لا ينفسخ ويورث عقد الكراء؛ وقال أبو حنيفة والثوري والليث‏:‏ ينفسخ‏.‏ وعمدة من لم يقل بالفسخ أنه عقد معاوضة، فلم ينفسخ بموت أحد المتعاقدين أصله البيع‏.‏ وعمدة الحنفية أن الموت نقلة لأصل الرقبة المكتراة من ملك إلى ملك، فوجب أن يبطل أصله البيع في العين المستأجرة مدة طويلة‏:‏ أعني أنه لا يجوز فلما كان لا يجتمع العقدان معا غلب ههنا انتقال الملك وإلا بقي الملك ليس له وارث، وذلك خلاف الإجماع، وربما شبهوا الإجارة بالنكاح إذ كان كلاهما استيفاء منافع، والنكاح يبطل بالموت وهو بعيد، وربما احتجوا على المالكية فقط بأن الأجرة عندهم تستحق جزءا فجزءا بقدر ما يقبض من المنفعة، قالوا‏:‏ وإن كان هذا هكذا فإن مات المالك وبقيت الإجارة، فإن المستأجر يستوفي في ملك الوارث حقا بموجب عقد في غير ملك العاقد وذلك لا يصح، وإن مات المستأجر فتكون الأجرة مستحقة عليه بعد موته، والميت لا يثبت عليه دين بإجماع بعد موته‏.‏ وأما الشافعية فلا يلزمهم هذا لأن استيفاء الأجرة يجب عندهم بنفس العقد على ما سلف من ذلك، وعند مالك أن أرض المطر إذا أكريت فمنع القحط من زراعتها أو زرعها فلم ينبت الزرع لمكان القحط أن الكراء ينفسخ، وكذلك إذا استعذرت بالمطر حتى انقضى زمن الزراعة، فلم يتمكن المكتري من أن يزرعها وسائر الجوائح التي تصيب الزرع لا يحط عنه من الكراء شيء، وعنده أن الكراء الذي يتعلق بوقت ما أنه إن كان ذلك الوقت مقصودا مثل كراء الرواحل في أيام الحج فغاب المكري عن ذلك الوقت أنه ينفسخ الكراء‏.‏ وأما إن لم يكن الوقت مقصودا فإنه لا ينفسخ، هذا كله عنده في الكراء الذي يكون في الأعيان‏.‏ فأما الكراء الذي يكون في الذمة فإنه لا ينفسخ عنده بذهاب العين التي قبض المستأجر ليستوفي منها المنفعة إذ كان لم ينعقد الكراء على عين بعينها وإنما انعقد على موصوف في الذمة‏.‏ وفروع هذا الباب كثيرة، وأصوله هي هذه التي ذكرناها‏.‏

الفصل الثاني وهو النظر في الضمان‏ حذف التشكيل.‏

-والضمان عند الفقهاء على وجهين‏:‏ بالتعدي، أو لمكان المصلحة وحفظ الأموال‏.‏ فأما بالتعدي فيجب على المكري باتفاق، والخلاف إنما هو في نوع التعدي الذي يوجب ذلك أو لا يوجبه وفي قدره؛ فمن ذلك اختلاف العلماء في القضاء فيمن اكترى دابة إلى موضع ما فتعدى بها إلى موضع زائد على الموضع الذي انعقد عليه الكراء، فقال الشافعي وأحمد‏:‏ عليه الكراء الذي التزمه إلى المسافة المشترطة، ومثل كراء المسافة التي تعدى فيها؛ وقال مالك‏:‏ رب الدابة بالخيار في أن يأخذ كراء دابته في المسافة التي تعدى فيها أو يضمن له قيمة الدابة؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ لا كراء عليه في المسافة المتعداة، ولا خلاف أنها إذا تلفت في المسافة المتعداة أنه ضامن لها‏.‏ فعمدة الشافعي أنه تعدى على المنفعة فلزمه أجرة المثل أصله التعدي على سائر المنافع‏.‏ وأما مالك فكأنه لما حبس الدابة عن أسواقها رأى أنه قد تعدى عليها فيها نفسها فشبهه بالغاصب، وفيه ضعف‏.‏ وأما مذهب أبي حنيفة فبعيد جدا عما تقتضيه الأصول الشرعية، والأقرب إلى الأصول في هذه المسألة هو قول الشافعي‏.‏ وعند مالك أن عثار الدابة لو كانت عثور تعد من صاحب الدابة يضمن بها الحمل، وكذلك إن كانت الحبال رثة، ومسائل هذا الباب كثيرة‏.‏ وأما الذين اختلفوا في ضمانهم من غير تعد إلا من جهة المصلحة فهم الصناع، ولا خلاف عندهم أن الأجير ليس بضامن لما هلك عنده مما استؤجر عليه إلا أن يتعدى ما عدا حامل الطعام والطحان، فإن مالكا ضمنه ما هلك عنده، إلا أن تقوم له بينة على هلاكه من غير سببه‏.‏ وأما تضمين الصناع ما ادعوا هلاكه من المصنوعات المدفوعة إليهم، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف‏:‏ يضمنون ما هلك عندهم، وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يضمن من عمل بغير أجر ولا الخاص، ويضمن المشترك ومن عمل بأجر‏.‏ وللشافعي قولان في المشترك‏.‏ والخاص عندهم هو الذي يعمل في منزل المستأجر، وقيل هو الذي لم ينتصب للناس، وهو مذهب مالك في الخاص، وهو عنده غير ضامن، وتحصيل مذهب مالك على هذا أن الصانع المشترك يضمن، وسواء عمل بأجر أو بغير أجر، وبتضمين الصناع قال علي وعمر، وإن كان قد اختلف عن علي في ذلك‏.‏ وعمدة من لم ير الضمان عليهم أنه شبه الصانع بالمودع عنده والشريك والوكيل وأجير الغنم ومن ضمنه فلا دليل له إلا النظر إلى المصلحة وسد الذريعة‏.‏ وأما من فرق بين أن يعملوا بأجر أو لا يعملوا بأجر، فلأن العامل بغير أجر إنما قبض المعمول لمنفعة صاحبه فقط فأشبه المودع، وإذا قبضها بأجر فالمنفعة لكليهما، فغلبت منفعة القابض، أصله القرض والعارية عند الشافعي، وكذلك أيضا من لم ينصب نفسه لم يكن في تضمينه سد ذريعة، والأجير عند مالك كما قلنا لا يضمن إلا أنه استحسن تضمين حامل القوت وما يجري مجراه، وكذلك الطحان وما عدا غيرهم فلا يضمن إلا بالتعدي، وصاحب الحمام لا يضمن عنده، هذا هو المشهور عنه، وقد قيل يضمن‏.‏ وشذ أشهب فضمن الصناع ما قامت البينة على هلاكه عندهم من غير تعد منهم ولا تفريط وهو شذوذ، ولا خلاف أن الصناع لا يضمنون ما لم يقبضوا في منازلهم‏.‏ واختلف أصحاب مالك إذا قامت البينة على هلاك المصنوع وسقط الضمان عنهم هل تجب لهم الأجرة أم لا، إذا كان هلاكه بعد إتمام الصنعة أو بعد تمام بعضها‏؟‏ فقال ابن القاسم‏:‏ لا أجرة لهم، وقال ابن المواز‏:‏ لهم الأجرة؛ ووجه ما قال ابن المواز أن المصيبة إذا نزلت بالمستأجر فوجب أن لا يمضي عمل الصانع باطلا؛ ووجه ما قال ابن القاسم أن الأجرة إنما استوجبت في مقابلة العمل، فأشبه ذلك إذا هلك بتفريط من الأجير، وقول ابن المواز أقيس، وقول ابن القاسم أكثر نظرا إلى المصلحة لأنه رأى أن يشتركوا في المصيبة‏.‏ ومن هذا الباب اختلافهم في ضمان صاحب السفينة، فقال مالك‏:‏ لا ضمان عليه، وقال أبو حنيفة‏:‏ عليه الضمان إلا من الموج، وأصل مذهب مالك أن الصناع يضمنون كل ما أتى على أيديهم من حرق أو كسر في المصنوع أو قطع إذا عمله في حانوته، وإن كان صاحبه قاعدا معه، إلا فيما كان فيه تغرير من الأعمال، مثل ثقب الجواهر ونقش الفصوص وتقويم السيوف واحتراق الخبز عند الفران والطبيب يموت العليل من معالجته وكذلك البيطار إلا أن يعلم أنه تعدى فيضمن حينئذ‏.‏ وأما الطبيب وما أشبهه إذا أخطأ في فعله، وكان من أهل المعرفة فلا شيء عليه في النفس، والدية على العاقلة فيما فوق الثلث وفي ماله فيما دون الثلث، وإن لم يكن من أهل المعرفة فعليه الضرب والسجن والدية، قيل في ماله، وقيل على العاقلة‏.‏

الفصل الثالث حذف التشكيل في معرفة حكم الاختلاف‏.‏

-وهو النظر في الاختلاف، وفي هذا الباب أيضا مسائل‏:‏ فمنها أنهم اختلفوا إذا اختلف الصانع ورب المصنوع في صفة الصنعة، فقال أبو حنيفة‏:‏ القول قول رب المصنوع، وقال مالك وابن أبي ليلى‏:‏ القول قول الصانع‏.‏ وسبب الخلاف من المدعي منهما على صاحبه، ومن المدعى عليه‏؟‏‏.‏ ومنها إذا ادعى الصناع رد ما استصنعوا فيه وأنكر ذلك الدافع، فالقول عند مالك قول الدافع، وعلى الصناع البينة لأنهم كانوا ضامنين لما في أيديهم؛ وقال ابن الماجشون‏:‏ القول قول الصناع إن كان ما دفع إليهم دفع بغير بينة، وإن كان دفع إليهم ببينة فلا يبرءون إلا ببينة‏.‏ وإذا اختلف الصانع ورب المتاع في دفع الأجرة، فالمشهور في المذهب أن القول قول الصانع مع يمينه إن قام يحدثان ذلك، وإن تطاول فالقول قول رب المصنوع، وكذلك إذا اختلف المكري والمكتري، وقيل بل القول قول الصانع وقول المكري وإن طال، وهو الأصل‏.‏ وإذا اختلف المكري والمكتري أو الأجير والمستأجر في مدة الزمان الذي وقع فيه استيفاء المنفعة إذا اتفقا على أن المنفعة لم تستوف في جميع الزمان المضروب في ذلك، فالمشهور في المذهب أن القول قول المكتري والمستأجر لأنه الغارم، والأصول على أن القول قول الغارم؛ وقال ابن الماجشون‏:‏ القول قول المكتري له والمستأجر إذا كانت العين المستوفاة منها المنافع في قبضهما مثل الدار وما أشبه ذلك‏.‏ وأما ما لم يكن في قبضه مثل الأجير فالقول قول الأجير‏.‏ ومن مسائل المذهب المشهورة في هذا الباب اختلاف المتكاريين في الدواب وفي الرواحل، وذلك أن اختلافهما لا يخلو أن يكون في قدر المسافة أو نوعها، أو قدر الكراء أو نوعه، فإن كان اختلافهما في نوع المسافة، أو في نوع الكراء، فالتحالف والتفاسخ كاختلاف المتبايعين في نوع الثمن، قال ابن القاسم‏:‏ انعقد أو لم ينعقد، وقال غيره‏:‏ القول قول رب الدابة إذا انعقد وكان يشبه ما قال‏.‏ وإن كان اختلافهما في قدر المسافة، فإن كان قبل الركوب أو بعد ركوب يسير، فالتحالف والتفاسخ، وإن كان بعد ركوب كثير، أو بلوغ المسافة التي يدعيها رب الدابة فالقول قول رب الدابة في المسافة إن انتقد وكان يشبه ما قال، وإن لم ينتقد وأشبه قوله تحالفا ويفسخ الكراء على أعظم المسافتين، فما جعل منه للمسافة التي ادعاها رب الدابة أعطيه، وكذلك إن انتقد ولم يشبه قوله وإن اختلفا في الثمن واتفقا على المسافة فالقول قول المكتري نقد أو لم ينقد لأنه مدعى عليه‏.‏ وإن اختلفا في الأمرين جميعا في المسافة والثمن مثل أن يقول رب الدابة بقرطبة‏:‏ اكتريت منك إلى قرمونة بدينارين ويقول المكتري بل بدينار إلى إشبيلية، فإن كان أيضا قبل الركوب أو بعد ركوب لا ضرر عليهما في الرجوع تحالفا وتفاسخا، وإن كان بعد سير كثير أو بلوغ المسافة التي يدعيها رب الدابة، فإن كان لم ينقد المكتري شيئا كان القول قول رب الدابة في المسافة، والقول قول المكتري في الثمن، ويغرم من الثمن ما يجب له من قرطبة إلى قرمونة، على أنه لو كان الكراء به إلى إشبيلية وذلك أنه أشبه قول المكتري، وإن لم يشبه ما قال وأشبه رب الدابة غرم دينارين وإن كان المكتري نقد الثمن الذي يدعى أنه للمسافة الكبرى وأشبه قول رب الدابة كان القول قول رب الدابة في المسافة ويبقى له ذلك الثمن الذي قبضه لا يرجع عليه بشيء منه إذ هو مدعي عليه في بعضه، وهو يقول‏:‏ بل هو لي وزيادة، فيقبل قوله فيه لأنه قبضه، ولا يقبل قوله في الزيادة، ويسقط عنه ما لم يقرب به من المسافة أشبه ما قال أو لم يشبه، إلا أنه إذا لم يشبه قسم الكراء الذي أقر به المكتري على المسافة كلها، فيأخذ رب الدابة من ذلك ما ناب المسافة التي ادعاها، وهذا القدر كاف في هذا الباب‏.‏

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما‏)‏‏.‏

كتاب الجعل‏ حذف التشكيل.‏

-والجعل هو الإجارة على منفعة مظنون حصولها، مثل مشارطة الطبيب على البرء والمعلم على الحذاق والناشد على وجود العبد الآبق‏.‏ وقد اختلف العلماء في منعه وجوازه؛ فقال مالك‏:‏ يجوز ذلك في اليسير بشرطين‏:‏ أحدهما أن لا يضرب لذلك أجلا‏.‏ والثاني أن يكون الثمن معلوما؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يجوز؛ وللشافعي قولان وعمدة من أجازه قوله تعالى ‏{‏ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم‏}‏ وإجماع الجمهور على جوازه في الإباق والسؤال‏.‏ وما جاء في الأثر من أخذ الثمن على الرقية بأم القرآن، وقد تقدم ذلك‏.‏ وعمدة من منعه الغرر الذي فيه قياسا على سائر الإجارات، ولا خلاف في مذهب مالك أن الجعل لا يستحق شيء منه إلا بتمام العمل وأنه ليس بعقد لازم‏.‏ واختلف مالك وأصحابه في هذا الباب في كراء السفينة، هل هو جعل أو إجارة فقول مالك‏:‏ ليس لصاحبها كراء إلا بعد البلوغ، وهو قول ابن القاسم ذهابا إلى أن حكمها حكم الجعل‏.‏ وقال ابن نافع من أصحابه‏:‏ له قدر ما بلغ من المسافة، فأجرى حكمه مجرى الكراء‏.‏ وقال أصبغ‏:‏ إن لجج فهو جعل وإن لم يلجج فهو إجارة له بحسب الموضع الذي وصل إليه‏.‏ والنظر في هذا الباب في جوازه ومحله وشروطه وأحكامه ومحله هو ما كان من الأفعال لا ينتفع الجاعل بجزء منه، لأنه إذا انتفع الجاعل بجزء مما عمل الملتزم للجعل ‏(‏هكذا بالنسخ، ولعله للعمل، لأن الملتزم للجعل هو المنتفع، أو تجعل اللام للعلة، تأمل ا هـ مصححه‏)‏، ولم يأت بالمنفعة التي انعقد الجعل عليها، وقلنا على حكم الجعل إنه إذا لم يأت بالمنفعة التي انعقد الجعل عليها لم يكن له شيء، فقد انتفع الجاعل بعمل المجعول من غير أن يعوضه من عمله بأجر وذلك ظلم، ولذلك يختلف الفقهاء في كثير من المسائل هل هو جعل أو إجارة مثل مسألة السفينة المتقدمة هل هي مما يجوز فيها الجعل أولا يجوز مثل اختلافهم في المجاعلة على حفر الآبار، وقالوا في المغارسة إنها تشبه الجعل من جهة والبيع من جهة، وهي عند مالك أن يعطي الرجل أرضه لرجل على أن يغرس فيه عددا من الثمار معلوما، فإذا استحق الثمر كان للغارس جزء من الأرض متفق عليه‏.‏

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما‏)‏‏.‏

كتاب القراض‏ حذف التشكيل.‏

-ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام‏.‏ وأجمعوا على أن صفته أن يعطي الرجل الرجل المال على أن يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال، أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثا أو ربعا أو نصفا، وأن هذا مستثنى من الإجارة المجهولة، وأن الرخصة في ذلك إنما هي لموضع الرفق بالناس، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد، وإن كان اختلفوا فيما هو تعد مما ليس بتعد‏.‏ وكذلك أجمعوا بالجملة على أنه لا يقترن به شرط يزيد في مجهلة الربح أو في الغرر الذي فيه وإن كان اختلفوا فيما يقتضي ذلك من الشروط مما لا يقتضي‏.‏ وكذلك اتفقوا على أنه يجوز بالدنانير والدراهم، واختلفوا في غير ذلك‏.‏ وبالجملة فالنظر فيه‏:‏ في صفته وفي محله وفي شروطه وفي أحكامه، ونحن نذكر في باب باب من هذه الثلاثة الأبواب مشهورات مسائلهم‏.‏

الباب الأول في محله‏ حذف التشكيل.‏

-أما صفته فقد تقدمت وأنهم أجمعوا عليها‏.‏ وأما محله فإنهم أجمعوا على أنه جائز بالدنانير والدراهم، واختلفوا في العروض فجمهور فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز القراض بالعروض، وجوزه ابن أبي ليلى‏.‏ وحجة الجمهور أن رأس المال إذا كان عروضا كان غررا لأنه يقبض العرض وهو يساوي قيمة ما، ويرده وهو يساوي قيمة غيرها، فيكون رأس المال والربح مجهولا‏.‏ وأما إن كان رأس المال ما به يباع العروض، فإن مالكا منعه والشافعي أيضا، وأجازه أبو حنيفة‏.‏ وعمدة مالك أنه قارضه على ما بيعت به السلعة وعلى بيع السلعة نفسها، فكأنه قراض ومنفعة، مع أن ما يبيع به السلعة مجهول، فكأنه إنما قارضه على رأس مال مجهول، ويشبه أن يكون أيضا إنما منع المقارضة على قيم العروض لمكان ما يتكلف المقارض في ذلك من البيع، وحينئذ ينض رأس مال القراض، وكذلك إن أعطاه العرض بالثمن الذي اشتراه به، ولكنه أقرب الوجوه إلى الجواز، ولعل هذا هو الذي جوزه ابن أبي ليلى، بل هو الظاهر من قولهم؛ فإنهم حكوا عنه أنه يجوز أن يعطي الرجل ثوبا يبيعه، فما كان فيه من ربح فهو بينهما، وهذا إنما هو على أن يجعلا أصل المال الثمن الذي اشترى به الثوب، ويشبه أيضا إن جعل رأس المال الثمن أن يتهم المقارض في تصديقه رب المال بخرصه على أخذ القراض منه‏.‏ واختلف قول مالك في القراض بالنقد من الذهب والفضة، فروي عنه أشهب منع ذلك، وروى ابن القاسم جوازه، ومنعه في المصوغ، وبالمنع في ذلك قال الشافعي والكوفي، فمن منع القراض بالنقد شبهها بالعروض، ومن أجازه شبهها بالدراهم والدنانير لقلة اختلاف أسواقها‏.‏ واختلف أيضا أصحاب مالك في القراض بالفلوس، فمنعه ابن القاسم، وأجازه أشهب، وبه قال محمد بن الحسن؛ وجمهور العلماء مالك والشافعي وأبو حنيفة على أنه إذا كان لرجل على رجل دين لم يجز أن يعطيه له قراضا قبل أن يقبضه؛ أما العلة عند مالك فمخافة أن يكون أعسر بماله، فهو يريد أن يؤخره عنه على أن يزيد فيه، فيكون الربا المنهي عنه‏.‏ وأما العلة عند الشافعي وأبي حنيفة، فإن ما في الذمة لا يتحول ويعود أمانة‏.‏ واختلفوا فيمن أمر رجلا أن يقبض دينا له على رجل آخر، ويعمل فيه على جهة القراض فلم يجز ذلك مالك وأصحابه، لأنه رأى أنه ازداد على العامل كلفة، وهو ما كلفه من قبضه، وهذا على أصله أن من اشترط منفعة زائدة في القراض أنه فاسد؛ وأجاز ذلك الشافعي والكوفي، قالوا‏:‏ لأنه وكله على القبض، لا أنه جعل القبض شرطا في المصارفة، فهذا هو القول في محله‏.‏ وأما صفته فهي الصفة التي قدمناها‏.‏

الباب الثاني في مسائل الشروط حذف التشكيل‏.‏

-وجملة ما لا يجوز من الشروط عند الجميع هي ما أدى عندهم إلى غرر أو إلى مجهلة زائدة‏.‏ ولا خلاف بين العلماء أنه إذا اشترط أحدهما لنفسه من الربح شيئا زائدا غير ما انعقد عليه القراض أن ذلك لا يجوز، لأنه يصير ذلك الذي انعقد عليه القراض مجهولا، وهذا هو الأصل عند مالك في أن لا يكون مع القراض بيع ولا كراء ولا سلف ولا عمل ولا مرفق يشترطه أحدهما لصاحبه مع نفسه، فهذه جملة ما اتفقوا عليه وإن كانوا قد اختلفوا في التفصيل؛ فمن ذلك اختلافهم إذا شرط العامل الربح كله له، فقال مالك‏:‏ يجوز، وقال الشافعي‏:‏ لا يجوز، وقال أبو حنيفة‏:‏ هو قرض لا قراض؛ فمالك رأى أنه إحسان من رب المال وتطوع، إذ كان يجوز له أن يأخذ منه الجزء القليل من المال الكثير والشافعي رأى أنه غرر، لأنه إن كان خسران فعلى رب المال وبهذا يفارق القرض، وإن كان ربح فليس لرب المال فيه شيء‏.‏ ومنها إذا شرط رب المال الضمان على العامل، فقال مالك‏:‏ لا يجوز القراض وهو فاسد، وبه قال الشافعي؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه؛ القراض جائز والشرط باطل‏.‏ وعمدة مالك أن اشتراط الضمان زيادة غرر في القراض ففسد؛ وأما أبو حنيفة فشبهه بالشرط الفاسد في البيع على رأيه أن البيع جائز والشرط باطل اعتمادا على حديث بريرة المتقدم‏.‏ واختلفوا في المقارض يشترط رب المال عليه خصوص التصرف، مثل أن يشترط عليه تعيين جنس ما من السلع، أو تعيين جنس ما من البيع، أو تعيين موضع ما من التجارة، أو تعيين صنف ما من الناس يتجر معهم‏.‏ فقال مالك والشافعي في اشتراط جنس من السلع‏:‏ لا يجوز ذلك إلا أن يكون ذلك الجنس من السلع لا يختلف وقتا ما من أوقات السنة؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ يلزمه ما اشترط عليه، وإن تصرف في غير ما اشترط عليه ضمن‏.‏ فمالك والشافعي رأيا أن هذا الاشتراط من باب التضييق على المقارض فيعظم الغرر بذلك؛ وأبو حنيفة استخف الغرر الموجود في ذلك، كما لو اشترط عليه أن لا يشتري جنسا ما من السلع لكان على شرطه في ذلك باجماع‏.‏ ولا يجوز القراض المؤجل عند الجمهور، وأجازه أبو حنيفة إلا أن يتفاسخا؛ فمن لم يجزه رأى أن في ذلك تضييقا على العامل يدخل عليه مزيد غرر، لأنه ربما بارت عنده سلع فيضطر عند بلوغ الأجل إلى بيعها فيلحقه في ذلك ضرر؛ ومن أجاز الأجل شبه القراض بالإجارة ومن هذا الباب اختلافهم في جواز اشتراط رب المال زكاة الربح على العامل في حصته من الربح، فقال مالك في الموطأ‏:‏ لا يجوز، ورواه عنه أشهب؛ وقال ابن القاسم‏:‏ ذلك جائز، ورواه عن مالك، وبقول مالك قال الشافعي‏.‏ وحجة من لم يجزه أنه تعوض حصة العامل ورب المال مجهولة، لأنه لا يدري كم يكون المال في حين وجوب الزكاة فيه، وتشبيها باشتراط زكاة أصل المال عليه‏:‏ أعني على العامل، فإنه لا يجوز باتفاق وحجة ابن القاسم أنه يرجع إلى جزء معلوم النسبة وإن لم يكن معلوم القدر، لأن الزكاة معلومة النسبة من المال المزكى، فكأنه اشترط عليه في الربح الثلث إلا ربع العشر، أو النصف إلا ربع العشر، أو الربع إلا ربع العشر، وذلك جائز وليس مثل اشتراطه زكاة رأس المال، لأن ذلك معلوم القدر غير معلوم النسبة، فكان ممكنا أن يحيط بالربح فيبقى عمل المقارض باطلا، وهل يجوز أن يشترط ذلك المقارض على رب المال‏؟‏ في المذهب فيه قولان‏:‏ قيل بالفرق بين العامل ورب المال، وقيل يجوز أن يشترطه العامل على رب المال، ولا يجوز أن يشترطه رب المال على العامل؛ وقيل عكس هذا‏.‏ واختلفوا في اشتراط العامل على رب المال غلاما بعينه على أن يكون للغلام نصيب من المال، فأجازه مالك والشافعي وأبو حنيفة؛ وقال أشهب من أصحاب مالك‏:‏ لا يجوز ذلك، فمن أجاز ذلك شبهه بالرجل يقارض الرجلين، ومن لم يجز ذلك رأى أنها زيادة ازدادها العامل على رب المال‏.‏ فأما إن اشترط العامل غلامه، فقال الثوري‏:‏ لا يجوز، وللغلام فيما عمل أجرة المثل، وذلك أن حظ العامل يكون عنده مجهولا‏.‏

القول في أحكام القراض‏ حذف التشكيل.‏

-والأحكام، منها ما هي أحكام القراض الصحيح، ومنها ما هي أحكام القراض الفاسد‏.‏ وأحكام القراض الصحيح، منها ما هي من موجبات العقد، أعني أنها تابعة لموجب العقد، ومختلف فيها هل هي تابعة أو غير تابعة‏؟‏ ومنها أحكام طوارئ تطرأ على العقد مما لم يكن موجبه من نفس العقد، مثل التعدي والاختلاف وغير ذلك‏.‏ ونحن نذكر من هذه الأوصاف ما اشتهر عند فقهاء الأمصار‏.‏ ونبدأ من ذلك بموجبات العقد فنقول‏:‏ إنه أجمع العلماء على أن اللزوم ليس من موجبات عقد القراض، وأن لكل واحد منهما فسخه ما لم يشرع العامل في القراض‏.‏ واختلفوا إذا شرع العامل، فقال مالك‏:‏ هو لازم، وهو عقد يورث، فإن مات وكان للمقارض بنون أمناء كانوا في القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أمناء كان لهم أن يأتوا بأمين؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة‏:‏ لكل واحد منهم الفسخ إذا شاء، وليس هو عقد يورث‏.‏ فمالك ألزمه بعد الشروع في العمل لما فيه من ضرر، ورآه من العقود الموروثة‏.‏ والفرقة الثانية شبهت الشروع في العمل بما بعد الشروع في العمل‏.‏ ولا خلاف بينهم أن المقارض إنما يأخذ حظه من الربح بعد أن ينض جميع رأس المال، وأنه إن خسر ثم أتجر ثم ربح جبر الخسران من الربح‏.‏ واختلفوا في الرجل يدفع إلى رجل مالا قراضا فيهلك بعضه قبل أن يعمل فيه، ثم يعمل فيه فيربح، فيريد المقارض أن يجعل رأس المال بقية المال بعد الذي هلك، هل له ذلك أم لا‏؟‏ فقال مالك وجمهور العلماء‏:‏ إن صدقه رب المال، أو دفع رجل مالا قراضا لرجل فهلك منه جزء قبل أن يعمل فأخبره بذلك فصدقه ثم قال له يكون الباقي عندك قراضا على الشرط المتقدم لم يجز حتى يفاصله ويقبض منه رأس ماله وينقطع القراض الأول‏.‏ وقال ابن حبيب من أصحاب مالك إنه يلزمه في ذلك القول، ويكون الباقي قراضا، وهذه المسألة هي من أحكام الطوارئ، ولكن ذكرناها هنا لتعلقها بوقت وجوب القسمة، وهي من أحكام العقد‏.‏ واختلفوا هل للعامل نفقته من المال المقارض عليه أم لا‏؟‏ على ثلاثة أقوال‏:‏ فقال الشافعي في أشهر أقواله‏:‏ لا نفقة له أصلا إلا أن يأذن له رب المال؛ وقال قوم‏:‏ له نفقته، وبه قال إبراهيم النخعي والحسن، وهو أحد ما روي عن الشافعي؛ وقال آخرون‏:‏ له النفقة في السفر من طعامه وكسوته، وليس له شيء في الحضر، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وجمهور العلماء، إلا أن مالكا قال‏:‏ إذا كان المال يحمل ذلك؛ وقال الثوري‏:‏ ينفق ذاهبا ولا ينفق راجعا؛ وقال الليث‏:‏ يتغدى في المصر ولا يتعشى؛ وروي عن الشافعي أن له نفقته في المرض، والمشهور عنه مثل قول الجمهور‏:‏ أن لا نفقة له في المرض‏.‏ وحجة من لم يجزه أن ذلك زيادة منفعة في القراض فلم يجز‏.‏ أصله المنافع‏.‏ وحجة من أجازه أن عليه العمل في الصدر الأول، ومن أجازه في الحضر شبهه بالسفر‏.‏ وأجمع علماء الأمصار على أنه لا يجوز للعامل أن يأخذ نصيبه من الربح إلا بحضرة رب المال، وأن حضور رب المال شرط في قسمة المال وأخذ العامل حصته، وأنه ليس يكفي في ذلك أن يقسمه بحضور بينة ولا غيرها‏.‏

القول في أحكام الطوارئ‏ حذف التشكيل.‏

-واختلفوا إذا أخذ المقارض حصته من غير حضور رب المال، ثم ضاع المال أو بعضه؛ فقال مالك‏:‏ إن أذن له رب المال في ذلك فالعامل مصدق فيما ادعاه من الضياع؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري‏:‏ ما أخذ العامل يرده ويجبر به رأس المال، ثم يقتسمان فضلا إن كان هنالك‏.‏ واختلفوا إذا هلك مال القراض بعد أن اشترى العامل به سلعة ما وقبل أن ينقده البائع‏.‏ فقال مالك‏:‏ البيع لازم للعامل، ورب المال مخير إن شاء دفع قيمة السلعة مرة ثانية، ثم تكون بينهما على ما شرطا من المقارضة، وإن شاء تبرأ عنها؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ بل يلزم ذلك الشراء رب المال شبه بالوكيل، إلا أنه قال‏:‏ يكون رأس المال في ذلك القراض الثمنين، ولا يقتسمان الربح إلا بعد حصوله عينا‏:‏ أعني ثمن تلك السلعة التي تلفت أولا، والثمن الثاني الذي لزمه بعد ذلك‏.‏ واختلفوا في بيع العامل من رب المال بعض سلع القراض، فكره ذلك مالك، وأجازه أبو حنيفة على الإطلاق، وأجازه الشافعي بشرط أن يكونا قد تبايعا بما لا يتغابن الناس بمثله‏.‏ ووجهة ما كره من ذلك مالك أن يكون يرخص له في السلعة من أجل ما قارضه، فكأن رب المال أخذ من العامل منفعة سوى الربح الذي اشترط عليه‏.‏ ولا أعرف خلافا بين فقهاء الأمصار أنه إن تكارى العامل على السلع إلى بلد فاستغرق الكراء قيم السلع وفضل عليه فضلة أنها على العامل لا على رب المال، لأن رب المال إنما دفع ماله إليه ليتجر به، فما كان من خسران في المال فعليه، وكذلك ما زاد على المال واستغرقه‏.‏ واختلفوا في العامل يستدين مالا فيتجر به مع مال القراض، فقال مالك‏:‏ ذلك لا يجوز؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة‏:‏ ذلك جائز، ويكون الربح بينهما على شرطهما‏.‏ وحجة مالك أنه كما لا يجوز أن يستدين على المقارضة، كذلك لا يجوز أن يأخذ دينا فيها‏.‏ واختلفوا هل للعامل أن يبيع بالدين إذا لم يأمره به رب المال‏؟‏ فقال مالك‏:‏ ليس له ذلك، فإن فعل ضمن، وبه قال الشافعي؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ له ذلك‏.‏ والجميع متفقون على أن العامل إنما يجب له أن يتصرف في عقد القراض ما يتصرف فيه الناس غالبا في أكثر الأحوال؛ فمن رأى أن التصرف بالدين خارج عما يتصرف فيه الناس في الأغلب لم يجزه؛ ومن رأى أنه مما يتصرف فيه الناس أجازه‏.‏ واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة والليث في العامل يخلط ماله بمال القراض من غير إذن رب المال، فقال هؤلاء كلهم ما عدا مالكا‏:‏ هو تعد ويضمن؛ وقال مالك‏:‏ ليس بتعد‏.‏ ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الأمصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر أنه ضامن إن كان خسران، وإن كان ربح فذلك على شرطه، ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه، فيوفيه حظه مما بقي من المال‏.‏ وقال المزني عن الشافعي‏:‏ ليس له إلا أجرة مثله، لأنه عمل على فساد‏.‏

القول في حكم القراض الفاسد‏ حذف التشكيل.‏

-واتفقوا على أن حكم القراض الفاسد فسخه ورد المال إلى صاحبه ما لم يفت بالعمل‏.‏ واختلفوا إذا فات بالعمل ما يكون للعامل فيه في واجب عمله على أقوال‏:‏ أحدها أنه يرد جميعه إلى قراض مثله، وهي رواية ابن الماجشون عن مالك، وهو قوله وقول أشهب‏.‏ والثاني أنه يرد جميعه إلى إجارة مثله، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وعبد العزيز بن أبي سلمة من أصحاب مالك، وحكى عبد الوهاب أنها رواية عن مالك‏.‏ والثالث أنه يرد إلى قراض مثله ما لم يكن أكثر مما سماه، وإنما له الأقل مما سمي أو من قراض مثله إن كان رب المال هو مشترط الشرط على المقارض، أو الأكثر من قراض مثله، أو من الجزء الذي سمى له إن كان المقارض هو مشترط الشرط الذي يقتضي الزيادة التي من قبلها فسد القراض، وهذا القول يتخرج رواية عن مالك‏.‏ والرابع أنه يرد إلى قراض مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين على صاحبه في المال مما ليس ينفرد أحدهما بها عن صاحبه، وإلى إجارة مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين خالصة لمشترطها مما ليست في المال وفي كل قراض فاسد من قبل الغرر والجهل، وهو قول مطرف وابن نافع وابن عبد الحكم وأصبغ، واختاره ابن حبيب؛ وأما ابن القاسم فاختلف قوله في القراضات الفاسدة، فبعضها وهو الأكثر قال‏:‏ إن فيها أجرة المثل، وفي بعضها قال‏:‏ فيها قراض المثل‏.‏ فاختلف الناس في تأويل قوله؛ فمنهم من حمل اختلاف قوله فيها على الفرق الذي ذهب إليه ابن عبد الحكم ومطرف، وهو اختيار ابن حبيب واختيار جدي رحمة الله عليه‏.‏ ومنهم من لم يعلل قوله وقال‏:‏ إن مذهبه أن كل قراض فاسد ففيه أجرة المثل إلا تلك التي نص فيها قراض المثل وهي سبعة‏:‏ القراض بالعروض، والقراض بالضمان، والقراض إلى أجل، والقراض المبهم، وإذا قال له اعمل على أن لك في المال شركا، وإذا اختلف المتقارضان وأتيا بما لا يشبه فحلفا على دعواهما، وإذا دفع إليه المال على أن لا يشتري به إلا بالدين فاشترى بالنقد، أو على أن لا يشتري إلا سلعة كذا وكذا والسلعة غير موجودة فاشترى غير ما أمر به‏.‏ وهذه المسائل يجب أن ترد إلى علة واحدة، وإلا فهو اختلاف من قول ابن القاسم، وحكى عبد الوهاب عن ابن القاسم أنه فصل فقال‏:‏ إن كان الفساد من جهة العقد رد إلى قراض المثل، وإن كان من جهة زيادة ازدادها أحدهما على الآخر رد إلى أجرة المثل، والأشبه أن يكون الأمر في هذا بالعكس‏.‏ والفرق بين الأجرة وقراض المثل أن الأجرة تتعلق بذمة رب المال سواء كان في المال ربح أو لم يكن، وقراض المثل هو على سنة القراض إن كان فيه ربح كان للعامل منه، وإلا فلا شيء له‏.‏

القول في اختلاف المتقارضين‏ حذف التشكيل.‏

-واختلف الفقهاء إذا اختلف العامل ورب المال في تسمية الجزء الذي تقارضا عليه، فقال مالك‏:‏ القول قول العامل لأنه عنده مؤتمن، وكذلك الأمر عنده في جميع دعاويه إذا أتى بما يشبه، وقال الليث‏:‏ يحمل على قراض مثله، وبه قال مالك إذا أتى بما لا يشبه؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ القول قول رب المال، وبه قال الثوري؛ وقال الشافعي‏:‏ يتحالفان ويتفاسخان، ويكون له أجرة مثله‏.‏ وسبب اختلاف مالك وأبو حنيفة اختلافهم في سبب ورود النص بوجوب اليمين على المدعى عليه، هل ذلك لأنه مدعى عليه، أو لأنه في الأغلب أقوى شبهة؛ فمن قال لأنه مدعى عليه قال القول قول رب المال؛ ومن قال لأنه أقواهما شبهة في الأغلب قال‏:‏ القول قول العامل لأنه عنده مؤتمن؛ وأما الشافعي فقاس اختلافهما على اختلاف المتبايعين في ثمن السلعة‏.‏ وهذا كاف في هذا الباب‏.‏

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما‏)‏

كتاب المساقاة‏.‏ حذف التشكيل

القول في المساقاة‏.‏ أما أولا ففي جوازها‏.‏ والثاني‏:‏ في معرفة الفساد والصحة فيها‏.‏ والثالث‏:‏ في أحكامها‏.‏

القول في جواز المساقاة‏.‏ حذف التشكيل

-فأما جوازها فعليه جمهور العلماء مالك والشافعي والثوري وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة وأحمد وداود، وهي عندهم مستثناة بالسنة من بيع ما لم يخلق، ومن الإجارة المجهولة؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ لا تجوز المساقاة أصلا‏.‏ وعمدة الجمهور في إجازتها حديث ابن عمر الثابت ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها‏"‏ خرجه البخاري ومسلم وفي بعض رواياته ‏"‏أنه صلى الله عليه وسلم ساقاهم على نصف ما تخرجه الأرض والثمرة‏"‏ وما رواه مالك أيضا من مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليهود خيبر يوم افتتح خيبر ‏"‏أقركم على ما أقركم الله على أن التمر بيننا وبينكم‏"‏ قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول ‏"‏إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي‏"‏ وكذلك مرسله أيضا عن سليمان بن يسار في معناه، وأما أبو حنيفة ومن قال بقوله فعمدتهم مخالفة هذا الأثر للأصول مع أنه حكم مع اليهود، واليهود يحتمل أن يكون أقرهم على أنهم عبيد، ويحتمل أن يكون أقرهم على أنهم ذمة، إلا أنا إذا أنزلنا أنهم ذمة كان مخالفا للأصول، لأنه بيع ما لم يخلق؛ وأيضا فإنه من المزابنة، وهو بيع التمر بالتمر متفاضلا، لأن القسمة بالخرص بيع الخرص، واستدلوا على مخالفته للأصول بما روي في حديث عبد الله بن رواحة أنه كان يقول لهم عند الخرص ‏"‏إن شئتم فلكم وتضمنون نصيب المسلمين، وإن شئتم فلي وأضمن نصيبكم‏"‏ وهذا حرام بإجماع‏.‏ وربما قالوا إن النهي الوارد عن المخابرة هو ما كان من هذا الفعل بخيبر‏.‏ والجمهور يرون أن المخابرة هي كراء الأرض ببعض ما يخرج منها، قالوا‏:‏ ومما يدل على نسخ هذا الحديث، أو أنه خاص باليهود ما ورد من حديث رافع وغيره من النهي عن كراء الأرض بما يخرج منها، لأن المساقاة تقتضي جواز ذلك، وهو خاص أيضا في بعض روايات أحاديث المساقاة، ولهذا المعنى لم يقل بهذه الزيادة مالك ولا الشافعي، أعني بما جاء من ‏"‏أنه صلى الله عليه وسلم ساقاهم على نصف ما تخرجه الأرض والثمرة‏"‏ وهي زيادة صحيحة وقال بها أهل الظاهر‏.‏

القول في صحة المساقاة‏.‏ حذف التشكيل

-والنظر في الصحة راجع إلى النظر في أركانها، وفي وقتها، وفي شروطها المشترطة في أركانها‏.‏ وأركانها أربعة‏:‏ المحل المخصوص بها‏.‏ والجزء الذي تنعقد عليه‏.‏ وصفة العمل الذي تنعقد عليه‏.‏ والمدة التي تجوز فيها وتنعقد عليها‏.‏

-‏(‏ الركن الأول‏:‏ في محل المساقاة‏ حذف التشكيل)‏ واختلفوا في محل المساقاة، فقال داود‏:‏ لا تكون المساقاة إلا في النخيل فقط؛ وقال الشافعي‏:‏ في النخل والكرم فقط؛ وقال مالك‏:‏ تجوز في كل أصل ثابت كالرمان والتين والزيتون وما أشبه ذلك من غير ضرورة، وتكون في الأصول غير الثابتة كالمقاثئ والبطيخ مع عجز صاحبها عنها، وكذلك الزرع، ولا تجوز في شيء من البقول عند الجميع إلا ابن دينار، فإنه أجازها فيه إذا نبتت قبل أن تستغل؛ فعمدة من قصره على النخل أنها رخصة، فوجب أن لا يتعدى بها محلها الذي جاءت فيه السنة‏.‏ وأما مالك فرأى أنها رخصة ينقدح فيها سبب عام، فوجب تعدية ذلك إلى الغير‏.‏ وقد يقاس على الرخص عند قوم إذا فهم هنالك أسباب أعم من الأشياء التي علقت الرخص بالنص بها؛ وقوم منعوا القياس على الرخص؛ وأما داود فهو يمنع القياس على الجملة، فالمساقاة على أصوله مطردة؛ وأما الشافعي فإنما أجازها في الكرم من قبل أن الحكم في المساقاة هو بالخرص، وقد جاء في حديث عتاب بن أسيد الحكم بالخرص في النخل والكرم وإن كان ذلك في الزكاة، فكأنه قاس المساقاة في ذلك على الزكاة، والحديث الذي ورد عن عتاب بن أسيد هو ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأمره أن يخرص العنب وتؤدى زكاته زبيبا، كما تؤدى زكاة النخل تمرا‏"‏ ودفع داود حديث عتاب ابن أسيد لأنه مرسل، ولأنه انفرد به عبد الرحمن بن إسحاق وليس بالقوي‏.‏ واختلفوا إذا كان مع النخل أرض بيضاء أو مع الثمار، هل يجوز أن تساقى الأرض مع النخل بجزء من النخل أو بجزء من النخل وبجزء مما يخرج من الأرض‏؟‏ فذهب إلى جواز ذلك طائفة، وبه قال صاحبا أبي حنيفة والليث وأحمد والثوري وابن أبي ليلى وجماعة؛ وقال الشافعي وأهل الظاهر‏:‏ لا تجوز المساقاة إلا في التمر فقط؛ وأما مالك فقال‏:‏ إذا كانت الأرض تبعا للثمر وكان الثمر أكثر ذلك فلا بأس بدخولها في المساقاة اشترط جزءا خارجا منها أو لم يشترطه، وحد ذلك الجزء بأن يكون الثلث فما دونه، أعني أن يكون مقدار كراء الأرض الثلث من الثمر فما دونه، ولم يجز أن يشترط رب الأرض أن يزرع البياض لنفسه، لأنها زيادة ازدادها عليه؛ وقال الشافعي‏:‏ ذلك جائز ‏(‏هكذا بالنسخ، ولعله متناقض في النقل عن الشافعي، فإنه نقل عنه أولا أنه لا يجوز إلا في الثمرة وهنا أنه تجوز المساقاة في الأرض والنخل معا فلعل له قولين، تأمل ا هـ مصححه‏)‏‏.‏ وحجة من أجاز المساقاة عليهما جميعا، أعني على الأرض بجزء مما يخرج منها حديث ابن عمر المتقدم‏.‏ وحجة من لم يجز ذلك ما روي من النهي عن كراء الأرض بما يخرج منها في حديث رافع بن خديج، وقد تقدم ذلك؛ وقال أحمد بن حنبل‏:‏ أحاديث رافع مضطربة الألفاظ، وحديث ابن عمر أصح‏.‏ وأما تحديد مالك ذلك بالثلث فضعيف، وهو استحسان مبني على غير الأصول، لأن الأصول تقتضي أنه لا يفرق بين الجائز من غير الجائز بالقليل والكثير من الجنس الواحد‏.‏ ومنها اختلافهم في المساقاة في البقل؛ فأجازها مالك والشافعي وأصحابه ومحمد بن الحسن؛ وقال الليث‏:‏ لا تجوز المساقاة في البقل، وإنما أجازها الجمهور لأن العامل وإن كان ليس عليه فيها سقي فيبقى عليه أعمال أخر، مثل الإبار وغير ذلك؛ وأما الليث فيرى السقي بالماء هو الفعل الذي تنعقد عليه المساقاة، ولمكانه وردت الرخصة فيه‏.‏

-‏(‏ الركن الثاني حذف التشكيل‏)‏ وأما الركن الذي هو العمل، فإن العلماء بالجملة أجمعوا على أن الذي يجب على العامل هو السقي والإبار‏.‏ واختلفوا في الجذاذ على من هو‏؟‏ وفي سد الحظار وتنقية العين والسانية‏.‏ أما مالك فقال في الموطأ‏:‏ السنة في المساقاة التي يجوز لرب الحائط أن يشترطه سد الحظار وخم العين وشرب الشراب وإبار النخل وقطع الجريد وجذ الثمر، هذا وأشباهه هو على العامل، وهذا الكلام يحتمل أن يفهم منه دخول هذه في المساقاة بالشرط، ويمكن أن يفهم منه دخولها فيها بنفس العقد‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ ليس عليه سد الحظار لأنه ليس من جنس ما يؤثر في زيادة الثمرة مثل الإبار والسقي‏.‏ وقال محمد بن الحسن‏:‏ ليس عليه تنقية السواني والأنهار‏.‏ وأما الجذاذ فقال مالك والشافعي‏:‏ هو على العامل، إلا أن مالكا قال‏:‏ إن اشترطه العامل على رب المال جاز؛ وقال الشافعي‏:‏ لا يجوز شرطه وتنفسخ المساقاة إن وقع؛ وقال محمد بن الحسن‏:‏ الجذاذ بينهما نصفان؛ وقال المحصلون من أصحاب مالك‏:‏ إن العمل في الحائط على وجهين‏:‏ عمل ليس له تأثير في إصلاح الثمرة، وعمل له تأثير في إصلاحها‏.‏ والذي له تأثير في إصلاحها منه ما يتأبد ويبقى بعد الثمر، ومنه ما لا يبقى بعد الثمر‏.‏ فأما الذي ليس له تأثير في إصلاح الثمر فلا يدخل في المساقاة لا بنفس العقد ولا بالشرط إلا الشيء اليسير منه‏.‏ وأما ماله تأثير في إصلاح الثمر ويبقى بعد الثمر فيدخل عنده بالشرط في المساقاة لا بنفس العقد، مثل إنشاء حفر بئر، أو إنشاء ظفيرة للماء، أو إنشاء غرس، أو إنشاء بيت يجني فيه الثمر‏.‏ وأما ما له تأثير في إصلاح الثمر ولا يتأبد، فهو لازم بنفس العقد، وذلك مثل الحفر والسقي وزبر الكرم وتقليم الشجر والتذكير والجذاذ وما أشبه ذلك؛ وأجمعوا على أن ما كان في الحائط من الدواب والعبيد أنه ليس من حق العامل‏.‏ واختلفوا في شرط العامل ذلك على المساقي، فقال مالك‏:‏ يجوز ذلك فيما كان منها في الحائط قبل المساقاة‏.‏ وأما إن اشترط فيها ما لم يكن في الحائط فلا يجوز؛ وقال الشافعي‏:‏ لابأس بذلك وإن لم يكن في الحائط، وبه قال ابن نافع من أصحاب مالك؛ وقال محمد بن الحسن‏:‏ لا يجوز أن يشترطه العامل على رب المال، ولو اشترطه رب المال على العامل جاز ذلك؛ ووجه كراهيته ذلك ما يلحق في ذلك من الجهل بنصيب رب المال؛ ومن أجازه رأى أن ذلك تافه ويسير، ولتردد الحكم بين هذين الأصلين استحسن مالك ذلك في الرقيق الذي يكون في الحائط في وقت المساقاة ومنعه في غيرهم، لأن اشتراط المنفعة في ذلك أظهر، وإنما فرق محمد بن الحسن لأن اشتراطهما على العامل هو من جنس ما وجب عليه من المساقاة، وهو العمل بيده‏.‏ واتفق القائلون بالمساقاة على أنه إن كانت النفقة كلها على رب الحائط وليس على العامل إلا ما يعمل بيده أن ذلك لا يجوز، لأنها إجارة بما لم يخلق، فهذه هي صفات هذا الركن والشروط الجائزة فيه من غير الجائزة‏.‏

-‏(‏ الركن الثالث حذف التشكيل‏)‏ وأجمعوا على أن المساقاة تجوز بكل ما اتفقا عليه من أجزاء الثمر، فأجاز مالك أن تكون الثمرة كلها للعامل كما فعل في القراض، وقد قيل إن ذلك منحة لا مساقاة، وقيل لا يجوز‏.‏ واتفقوا على أنه لا يجوز فيها اشتراط منفعة زائدة، مثل أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة دراهم أو دنانير ولا شيئا من الأشياء الخارجة عن المساقاة إلا الشيء اليسير عند مالك مثل سد الحظار وإصلاح الظفيرة وهي مجتمع الماء؛ ولا يجوز عند مالك أن يساقي على حائطين‏:‏ أحدهما على جزء، والآخر على جزء آخر، واحتج بفعله عليه الصلاة والسلام في خيبر، وذلك أنه ساقي على حوائط مختلفة بجزء واحد، وفيه خلاف‏.‏ وأكثر العلماء على أن القسمة بين العامل والمساقي في الثمر لا تكون إلا بالكيل، وكذلك في الشركة، وأنها لا تجوز بالخرص؛ وأجاز قوم قسمتها بالخرص‏.‏ واختلف في ذلك أصحاب مالك، واختلفت الرواية عنه، فقيل يجوز، وقيل لا يجوز من الثمار في الربوية ويجوز في غير ذلك، وقيل يجوز بلإطلاق إذ اختلفت حاجة الشريكين‏.‏ وحجة الجمهور أن ذلك يدخله الفساد من جهة المزابنة ويدخله بيع الرطب بالتمر، وبيع الطعام بالطعام نسيئة‏.‏ وحجة من أجاز قسمتها بالخرص تشبيهها بالعرية وبالخرص في الزكاة، وفيه ضعف‏.‏ وأقوى ما اعتمدوا عليه في ذلك ما جاء من الخرص في مساقاة خيبر من مرسل سعيد ابن المسيب وعطاء بن يسار‏.‏

-‏(‏ الركن الرابع حذف التشكيل‏)‏ وأما اشتراط الوقت في المساقاة فهو صنفان‏:‏ وقت هو مشترط في جواز المساقاة، ووقت هو شرط في صحة العقد، وهو المحدد لمدتها‏.‏ فأما الوقت المشترط في جواز عقدها فإنهم اتفقوا على أنها تجوز قبل بدو الصلاح‏.‏ واختلفوا في جواز ذلك بعد بدو الصلاح، فذهب الجمهور من القائلين بالمساقاة على أنه لا يجوز بعد الصلاح‏.‏ وقال سحنون‏:‏ من أصحاب مالك لا بأس بذلك‏.‏ واختلف قول الشافعي في ذلك؛ فمرة قال‏:‏ لا يجوز، ومرة قال‏:‏ يجوز، وقد قيل عنه إنها لا تجوز إذا خلق الثمر‏.‏ وعمدة الجمهور أن المساقاة ما بدا صلاحه من الثمر ليس فيه عمل ولا ضرورة داعية إلى المساقاة إذ كان يجوز بيعه في ذلك الوقت‏.‏ قالوا‏:‏ وإنما هي إجارة إن وقعت‏.‏ وحجة من أجازها أنه إذا جازت قبل أن يخلق الثمر فهي بعد بدو الصلاح أجوز، ومن هنا لم تجز عندهم مساقاة البقول لأنه يجوز بيعها، أعني عند الجمهور‏.‏ وأما الوقت الذي هو شرط في المساقاة، فإن الجمهور على أنه لا يجوز يكون مجهولا‏:‏ أعني مدة غير مؤقتة، وأجاز طائفة أن يكون إلى مدة غير مؤقتة منهم أهل الظاهر‏.‏ وعمدة الجمهور ما يدخل في ذلك من الغرر قياسا على الإجارة؛ وعمدة أهل الظاهر ما وقع في مرسل مالك من قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أقركم ما أقركم الله‏"‏ وكره مالك المساقاة فيما طال من السنين، وانقضاء السنين فيها هو بالجذ لا بالأهلة‏.‏ وأما هل اللفظ شرط في هذا العقد، فاختلفوا في ذلك؛ فذهب ابن القاسم إلى أن من شرط صحتها أن لا تنعقد إلا بلفظ المساقاة، وأنه ليس تنعقد بلفظ الإجارة، وبه قال الشافعي؛ وقال غيرهم‏:‏ تنعقد بلفظ الإجارة، وهو قياس قول سحنون‏.‏

القول في أحكام الصحة‏ حذف التشكيل.‏

-والمساقاة عند مالك من العقود اللازمة باللفظ لا بالعمل بخلاف القراض عنده الذي ينعقد بالعمل لا باللفظ، وهو عند مالك عقد موروث، ولورثة المساقي أن يأتوا بأمين يعمل إن لم يكونوا أمناء، وعليه العمل إن أبى الورثة من تركته؛ وقال الشافعي إذا لم يكن له تركة سلم إلى الورثة رب المال أجرة ما عمل وفسد العقد، وإن كانت له تركة لزمته المساقاة؛ وقال الشافعي‏:‏ تنفسخ المساقاة بالعجز ولم يفصل؛ وقال مالك إذا عجز وقد حل بيع الثمر لم يكن له أن يساقي غيره ووجب عليه أن يستأجر من يعمل وإن يكن له شيء استؤجر من حظه من الثمر، وإن كان العامل لصا أو ظالما لم ينفسخ العقد بذلك عند مالك‏.‏ وحكي عن الشافعي أنه قال‏:‏ يلزمه أن يقيم غيره للعمل؛ وقال الشافعي‏:‏ إذا هرب العامل قبل تمام العمل استأجر القاضي عليه من يعمل عمله، ويجوز عند مالك أن يشترط كل واحد منهما على صاحبه الزكاة بخلاف القراض، ونصابهما عنده نصاب الرجل الواحد بخلاف قوله في الشركاء‏.‏ وإذا اختلف رب المال والعامل في مقدار ما وقعت عليه المساقاة من الثمر، فقال مالك‏:‏ القول قول العامل مع يمينه إذا أتى بما يشبه؛ وقال الشافعي‏:‏ يتحالفان ويتفاسخان، وتكون للعامل الأجرة شبهة بالبيع؛ وأوجب مالك اليمين في حق العامل لأنه مؤتمن، ومن أصله أن اليمين تجب على أقوى المتداعيين شبهة‏.‏ وفروع هذا الباب كثيرة، لكن التي اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء هي هذه التي ذكرناها‏.‏

أحكام المساقاة الفاسدة‏.‏ حذف التشكيل

-واتفقوا على أن المساقاة إذا وقعت على غير الوجه الذي جوزها الشرع أنها تنفسخ ما لم تفت بالعمل‏.‏ واختلفوا إذا فاتت بالعمل ماذا يجب فيها‏؟‏ فقيل إنها ترد إلى إجارة المثل في كل نوع من أنواع الفساد، وهو قياس قول الشافعي وقياس إحدى الروايتين عن مالك؛ وقيل إنها ترد إلى مساقاة المثل بإطلاق، هو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك؛ وأما ابن القاسم فقال في بعضها‏:‏ ترد إلى مساقاة مثلها، وفي بعضها‏:‏ إلى إجارة المثل‏.‏ واختلف التأويل عنه في ذلك، فقيل في مذهبه إنها ترد إلى إجارة المثل إلا في أربع مسائل فإنها ترد إلى مساقاة مثلها‏:‏ إحداها المساقاة في حائط فيه تمر قد أطعم‏.‏ والثانية إذا اشترط المساقي على رب المال أن يعمل معه‏.‏ والثالثة المساقاة مع البيع في صفقة واحدة‏.‏ والرابعة إذا ساقاه في حائط سنة على الثلث وسنة على النصف؛ وقيل إن الأصل عنده في ذلك أن المساقاة إذا لحقها الفساد من قبل ما دخلها من الإجارة الفاسدة أو من بيع الثمر من قبل أن يبدو صلاحه، وذلك مما يشترطه أحدهما على صاحبه من زيادة رد فيها إلى أجرة المثل، مثل أن يساقيه على أن يزيد أحدهما صاحبه دنانير أو دراهم، وذلك أن هذه الزيادة إن كانت من رب الحائط كانت إجارة فاسدة، وإن كانت من العامل كانت بيع الثمر قبل أن يخلق‏.‏ وأما فساده من قبل الغرر مثل المساقاة على حوائط مختلفة فيرد إلى مساقاة المثل، وهذا كله استحسان جار على غير قياس‏.‏ وفي المسألة قول رابع، وهو أنه يرد إلى مساقاة مثله ما لم يكن أكثر من الجزء الذي شرط عليه إن كان للمساقي، أو أقل إن كان الشرط للمساقي، وهذا كاف بحسب غرضنا‏.‏

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما‏)‏‏.‏

كتاب الشركة‏.‏ حذف التشكيل

-والنظر في الشركة، في أنواعها، وفي أركانها الموجبة للصحة في الأحكام ونحن نذكر من هذه الأبواب ما اتفقوا عليه، وما اشتهر الخلاف فيه بينهم على ما قصدناه في هذا الكتاب‏.‏ والشركة بالجملة عند فقهاء الأمصار على أربعة أنواع‏:‏ شركة العنان‏:‏ وشركة الأبدان‏.‏ وشركة المفاوضة‏.‏ وشركة الوجوه‏.‏ واحدة منها متفق عليها، وهي شركة العنان، وإن كان بعضهم لم يعرف هذا اللفظ ، وإن كانوا اختلفوا في بعض شروطها على ما سيأتي بعد‏.‏ والثلاثة مختلف فيها، ومختلف في بعض شروطها عند من اتفق منهم عليها‏.‏

القول في شركة العنان‏.‏ حذف التشكيل

-وأركان هذه الشركة ثلاثة‏:‏ الأول‏:‏ محلها من الأموال‏.‏ والثاني‏:‏ في معرفة قدر الربح من قدر المال المشترك فيه‏.‏ والثالث في معرفة قدر العمل من الشريكين من قدر المال‏.‏

-‏(‏الركن الأول‏)‏ فأما محل الشركة، فمنه ما اتفقوا عليه، ومنه ما اختلفوا فيه؛ فاتفق المسلمون على أن الشركة تجوز في الصنف الواحد من العين‏:‏ أعني الدنانير والدراهم، وإن كانت في الحقيقة بيعا لا تقع فيه مناجزة، ومن شرط البيع في الذهب وفي الدراهم المناجزة، لكن الإجماع خصص هذا المعنى في الشركة، وكذلك اتفقوا فيما أعلم على الشركة بالعرضين يكونان بصفة واحدة واختلفوا في الشركة بالعرضين المختلفين وبالعيون المختلفة، مثل الشركة بالدنانير‏.‏ من أحدها والدراهم من الآخر، وبالطعام الربوي إذا كان صنفا واحدا، فههنا ثلاث مسائل‏:‏

-‏(‏المسألة الأولى‏)‏ فأما إذا اشتركا في صنفين من العروض، أو في عروض ودراهم ودنانير، فأجاز ذلك ابن القاسم، وهو مذهب مالك، وقد قيل عنه إنه كره ذلك‏.‏ وسبب الكراهية اجتماع الشركة فيها والبيع، وذلك أن يكون العرضان مختلفين، كأن كل واحد منهما باع جزءا من عرضه بجزء من العرض الآخر؛ ومالك يعتبر في العروض إذا وقعت فيها الشركة القيم؛ والشافعي يقول‏:‏ لا تنعقد الشركة إلا على أثمان العروض؛ وحكى أبو حامد أن ظاهر مذهب الشافعي يشير إلى أن الشركة مثل القراض لا تجوز إلا بالدراهم والدنانير، قال‏:‏ والقياس أن الإشاعة فيها تقوم مقام الخلط‏.‏

-‏(‏المسألة الثانية‏)‏ وإما إن كان الصنفان مما لا يجوز فيهما النَّساء مثل الشركة بالدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر، أو بالطعامين المختلفين، فاختلف في ذلك قول مالك، فأجازه مرة، ومنعه مرة، وذلك لما يدخل الشركة بالدراهم من عند أحدهما والدنانير من عند الآخر من الشركة والصرف معا وعدم التناجز، ولما يدخل الطعامين المختلفين من الشركة وعدم التناجز؛ وبالمنع قال ابن القاسم، ومن لم يعتبر هذه العلل أجازها‏.‏

-‏(‏المسألة الثالثة‏)‏ وأما الشركة بالطعام من صنف واحد، فأجازها ابن القاسم قياسا على إجماعهم على جوازها في الصنف الواحد من الذهب أو الفضة ومنعها مالك في أحد قوليه وهو المشهور بعدم المناجزة الذي يدخل فيه، إذ رأى أن الأصل هو أن لا يقاس على موضع الرخصة بالإجماع؛ وقد قيل إن وجه كراهية مالك لذلك أن الشركة تفتقر إلى الاستواء في القيمة، والبيع يفتقر إلى الاستواء في الكيل، فافتقرت الشركة بالطعامين من صنف واحد إلى استواء القيمة والكيل وذلك لا يكاد يوجد، فكره مالك ذلك، فهذا هو استواء القيمة والكيل وذلك لا يكاد يوجد، فكره مالك ذلك فهذا هو اختلافهم في جنس محل الشركة‏.‏ واختلفوا هل من شرط مال الشركة أن يختلطا إما حسا وإما حكما، مثل أن يكونا في صندوق واحد وأيديهما مطلقة عليهما؛ وقال الشافعي‏:‏ لا تصح الشركة حتى يخلطا ماليهما خلطا لا يتميز به مال أحدهما من مال الآخر؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ تصح الشركة وإن كان مال كل واحد منهما بيده‏.‏ فأبو حنيفة اكتفى في انعقاد الشركة بالقول؛ ومالك اشترط إلى ذلك اشتراك التصرف في المال؛ والشافعي اشترط إلى هذين الاختلاط‏.‏ والفقه أن بالاختلاط يكون عمل الشريكين أفضل وأتم، لأن النصح يوجد منه لشريكه كما يوجد لنفسه، فهذا هو القول في هذا الركن وفي شروطه‏.‏

-‏(‏فأما الركن الثاني‏)‏ وهو وجه اقتسامهما الربح، فإنهم اتفقوا على أنه إذا كان الربح تابعا لرؤوس الأموال، أعني إن كان أصل مال الشركة متساويين كان الربح بينهما نصفين‏.‏ واختلفوا هل يجوز أن يختلف رؤوس أموالهما ويستويان في الربح‏؟‏ فقال مالك والشافعي‏:‏ ذلك لا يجوز؛ وقال أهل العراق‏:‏ يجوز ذلك‏.‏ وعمدة من منع ذلك أن تشبيه الربح بالخسران، فكما أنه لو اشترط أحدهما جزءا من الخسران لم يجز كذلك إذا اشترط جزءا من الربح خارجا عن ماله وربما شبهوا الربح بمنفعة العقار الذي بين الشريكين‏:‏ أعني أن المنفعة بينهما تكون على نسبة أصل الشركة‏.‏ وعمدة أهل العراق تشبيه الشركة بالقراض، وذلك أنه لما جاز في القراض أن يكون للعامل من الربح ما اصطلحا عليه، والعامل ليس يجعل مقابله إلا عملا فقط كان في الشركة أحرى أن يجعل للعمل جزء من المال إذا كانت الشركة مالا من كل واحد منهما وعملا، فيكون ذلك الجزء من الربح مقابلا لفضل عمله على عمل صاحبه، فإن الناس يتفاوتون في العمل كما يتفاوتون في غير ذلك‏.‏

-‏(‏وأما الركن الثالث‏)‏ الذي هو العمل، فإنه تابع كما قلنا عند مالك للمال فلا يعتبر بنفسه، وهو عند أبي حنيفة يعتبر مع المال؛ وأظن أن من العلماء من لا يجيز الشركة إلا أن يكون مالاهما متساويين التفاتا إلى العمل، فإنهم يرون أن العمل في الغالب مستو فإذا لم يكن المال بينهما على التساوي كان هنالك غبن على أحدهما في العمل، ولهذا قال ابن المنذر‏:‏ أجمع العلماء على جواز الشركة التي يخرج فيها كل واحد من الشريكين مالا مثل مال صاحبه من نوعه‏:‏ أعني دراهم أو دنانير، ثم يخلطانهما حتى يصيرا مالا واحدا لا يتميز‏.‏ على أن يبيعا ويشتريا ما رأيا من أنواع التجارة، وعلى أن ما كان من فضل فهو بينهما بنصفين، وما كان من خسارة فهو كذلك، وذلك إذا باع كل واحد منهما بحضرة صاحبه، واشتراطه هذا الشرط يدل على أن فيه خلافا والمشهور عند الجهمور أنه ليس من شرط الشركاء أن يبيع كل واحد منهما بحضرة صاحبه‏.‏

القول في شركة المفاوضة‏.‏ حذف التشكيل

-واختلفوا في شركة المفاوضة؛ فاتفق مالك وأبو حنيفة بالجملة على جوازها، وإن كان اختلفوا في بعض شروطها؛ وقال الشافعي‏:‏ لا تجوز‏.‏ ومعنى شركة المفاوضة أن يفوض كل واحد من الشريكين إلى صاحبه التصرف في ماله مع غيبته وحضوره، وذلك واقع عندهم في جميع أنواع الممتلكات‏.‏ وعمدة الشافعي أن اسم الشركة إنما ينطلق على اختلاط الأموال، فإن الأرباح فروع، ولا يجوز أن تكون الفروع مشتركة إلا باشتراك أصولها؛ وأما إذا اشترط كل واحد منهما ربحا لصاحبه في ملك نفسه فذلك من الغرر ومما لا يجوز، وهذه صفة شركة المفاوضة‏.‏ وأما مالك فيرى أن كل واحد منهما قد باع جزءا من ماله بجزء من مال شريكه، ثم وكل واحد منهما صاحبه على النظر في الجزء الذي بقي في يده‏.‏ والشافعي يرى أن الشركة ليست هي بيعا ووكالة‏.‏ وأما أبو حنيفة فهو ههنا على أصله في أنه لا يراعي في شركة العنان إلا النقد فقط‏.‏ وأما ما يختلف فيه مالك وأبو حنيفة من شروط هذه الشركة، فإن أبا حنيفة يرى أن من شرط المفاوضة التساوي في رؤوس الأموال؛ وقال مالك‏:‏ ليس من شرطها ذلك تشبيها بشركة العنان؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يكون لأحدهما شيء إلا أن يدخل في الشركة‏.‏ وعمدتهم أن اسم المفاوضة يقتضي هذين الأمرين، أعني تساوي المالين وتعميم ملكهما‏.‏

القول في شركة الأبدان‏.‏ حذف التشكيل

-وشركة الأبدان بالجملة عند أبي حنيفة والمالكية جائزة، ومنع منها الشافعي‏.‏ وعمدة الشافعية أن الشركة إنما تختص بالأموال لا بالأعمال، لأن ذلك لا ينضبط فهو غرر عندهم، إذ كان عمل كل واحد منهما مجهولا عند صاحبه‏.‏ وعمدة المالكية اشتراك الغانمين في الغنيمة، وهم إنما استحقوا ذلك بالعمل‏.‏ وما روي من أن ابن مسعود شارك سعدا يوم بدر، فأصاب سعد فرسين ولم يصب ابن مسعود شيئا، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهما‏.‏ وأيضا فإن المضاربة إنما تنعقد على العمل فجاز أن تنعقد عليه الشركة؛ وللشافعي أن المفارضة خارجة عن الأصول فلا يقاس عليها، وكذلك يشبه أن يكون حكم الغنيمة خارجا عن الشركة؛ ومن شرطها عند مالك اتفاق الصنعتين والمكان؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ تجوز مع اختلاف الصنعتين، فيشترك عنده الدباغ والقصار، ولا يشتركان عند مالك‏.‏ وعمدة مالك زيادة الغرر الذي يكون عند اختلاف الصنعتين أو اختلاف المكان‏.‏ وعمدة أبي حنيفة جواز الشركة على العمل‏.‏

القول في شركة الوجوه‏ حذف التشكيل.‏

-وشركة الوجوه عند مالك والشافعي باطلة؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ جائزة‏.‏ وهذه الشركة هي الشركة على الذمم من غير صنعة ولا مال‏.‏ وعمدة مالك والشافعي أن الشركة إنما تتعلق على المال أو على العمل، وكلاهما معدومان في هذه المسألة مع ما في ذلك من الغرر، لأن كل واحد منهما عاوض صاحبه بكسب غير محدود بصناعة ولا عمل مخصوص؛ وأبو حنيفة يعتمد أنه عمل من الأعمال فجاز أن تنعقد عليه الشركة‏.‏

القول في أحكام الشركة الصحيحة‏ حذف التشكيل.‏

-وهي من العقود الجائزة لا من العقود اللازمة‏:‏ أي لأحد الشريكين أن ينفصل من الشركة متى شاء، وهي عقد غير موروث، ونفقتهما وكسوتهما من مال الشركة إذا تقاربا في العيال ولم يخرجا عن نفقة مثلهما ويجوز لأحد الشريكين أن يبضع وأن يقارض وأن يودع إذا دعت إلى ذلك ضرورة، ولا يجوز له أن يهب شيئا من مال الشركة، ولا أن يتصرف فيه إلا تصرفا يرى أنه نظر لهما؛ وأما من قصر في شيء أو تعدى فهو ضامن مثل أن يدفع مالا من التجارة فلا يشهد وينكره القابض، فإنه يضمن لأنه قصر إذ لم يشهد، وله أن يقبل الشيء المعيب في الشراء وإقرار أحد الشريكين في مال لمن يتهم عليه لا يجوز، وتجوز إقالته وتوليته، ولا يضمن أحد الشريكين ما ذهب من مال التجارة باتفاق، ولا يجوز للشريك المفاوض أن يقارض غيره إلا بإذن شريكه ويتنزل كل واحد منهما منزلة صاحبه فيما له وفيما عليه في مال التجارة، وفروع هذا الباب كثيرة‏.‏

نبذ من "بداية المجتهد"/6

الفصل الثالث‏.‏ في معرفة حكم العيب الموجب إذا كان المبيع لم يتغير‏.‏ حذف التشكيل

-وإذا وجدت العيوب، فإن لم يتغير المبيع بشيء من العيوب عند المشتري فلا يخلو أن يكون في عقار أو عروض أو في حيوان، فإن كان في حيوان فلا خلاف أن المشتري مخير بين أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه أو يمسك ولا شيء له‏.‏ وأما إن كان عقار فمالك يفرق في ذلك بين العيب اليسير والكثير فيقول‏:‏ إن كان العيب يسيرا لم يجب الرد، ووجبت قيمة العيب وهو الأرش، وإن كان كثيرا وجب الرد، هذا هو الموجود المشهور في كتب أصحابه، ولم يفصل البغداديون هذا التفصيل‏.‏ وأما العروض فالمشهور في المذهب أنها ليست في هذا الحكم بمنزلة الأصول، وقد قيل إنها بمنزلة الأصول في المذهب، وهذا الذي كان يختاره الفقيه أبو بكر بن رزق شيخ جدي رحمة الله عليهما، وكان يقول‏:‏ إنه لا فرق في هذا المعنى بين الأصول والعروض، وهذا الذي قاله يلزم من يفرق بين العيب الكثير والقليل في الأصول‏:‏ أعني أن يفرق في ذلك أيضا في العروض، والأصل أن كل ما حط القيمة أنه يجب به الرد، وهو الذي عليه فقهاء الأمصار، ولذلك لم يعول البغداديون فيما أحسب على التفرقة التي قلت في الأصول، ولم يختلف قولهم في الحيوان إنه لا فرق فيه بين العيب القليل والكثير‏.‏

-‏(‏فصل‏)‏ وإذ قلنا إن المشتري يخير بين أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه أو يمسك ولا شيء له، فإن اتفقا على أن يمسك المشتري سلعته ويعطيه البائع قيمة العيب، فعامة فقهاء الأمصار يجيزون ذلك، إلا ابن سريج من أصحاب الشافعي فإنه قال‏:‏ ليس لهما ذلك لأنه خيار في مال، فلم يكن له إسقاطه بعوض كخيار الشفعة‏.‏ قال القاضي عبد الوهاب‏:‏ وهذا غلط، لأن ذلك حق للمشتري فله أن يستوفيه‏:‏ أعني أن يرد ويرجع بالثمن، وله أن يعاوض على تركه، وما ذكره من خيار الشفعة فإنه شاهد لنا، فإن له عندنا تركه إلى عوض يأخذه، وهذا لا خلاف فيه‏.‏ وفي هذا الباب فرعان مشهوران من قبل التبعيض‏:‏ أحدهما هل إذا اشترى المشتري أنواعا من المبيعات في صفقة واحدة فوجد أحدها معيبا، فهل يرجع بالجميع، أو بالذي وجد فيه العيب‏؟‏ فقال قوم‏:‏ ليس له إلا أن يرد الجميع أو يمسك، وبه قال أبو ثور والأوزاعي، إلا أن يكون قد سمى ما لكل واحد من تلك الأنواع من القيمة، فإن هذا مما لا خلاف فيه أنه يرد المبيع بعينه فقط، وإنما الخلاف إذا لم يسم‏.‏ وقال قوم‏:‏ يرد المعيب بحصته من الثمن وذلك بالتقدير، وممن قال بهذا القول سفيان الثوري وغيره‏.‏ وروي عن الشافعي القولان معا‏.‏ وفرق مالك فقال‏:‏ ينظر في المعيب، فإن كان ذلك وجه الصفقة والمقصود بالشراء رد الجميع، وإن لم يكن وجه الصفقة رده بقيمته‏.‏ وفرق أبو حنيفة تفريقا آخر وقال‏:‏ إن وجد العيب قبل القبض رد الجميع، وإن وجده بعد القبض رد المعيب بحصته من الثمن‏.‏ ففي هذه المسألة أربعة أقوال‏.‏ فحجة من منع التبغيض في الرد أن المردود يرجع فيه بقيمة لم يتفق عليها المشتري والبائع، وكذلك الذي يبقى إنما يبقى بقيمة لم يتفقا عليها‏.‏ ويمكن أنه لو بعضت السلعة لم يشتر البعض بالقيمة التي أقيم بها‏.‏ وأما حجة من رأى الرد في البعض المعيب ولابد فلأنه موضع ضرورة، فأقيم فيه التقويم والتقدير مقام الرضا قياسا على أن ما فات في البيع فليس فيه إلا القيمة‏.‏ وأما تفريق مالك بين ما هو وجه الصفقة أو غير وجهها فاستحسان منه، لأنه رأى أن ذلك المعيب إذا لم يكن مقصودا في المبيع فليس كبير ضرر في أن لا يوافق الثمن الذي أقيم به أراده المشتري أو البائع‏.‏ وأما عند ما يكون مقصودا أو جل المبيع فيعظم الضرر في ذلك‏.‏ واختلف عنه هل يعتبر تأثير العيب في قيمة الجميع أو في قيمة المعيب خاصة‏.‏ وأما تفريق أبي حنيفة بين أن يقبض أو لا يقبض، فإن القبض عنده شرط من شروط تمام البيع، وما لم يقبض المبيع فضمانه عنده من البائع، وحكم الاستحقاق في هذه المسألة حكم الرد بالعيب‏.‏

-‏(‏وأما المسألة الثانية‏)‏ فإنهم اختلفوا أيضا في رجلين يبتاعان شيئا واحدا في صفقة واحدة فيجدان به عيبا فيريد أحدهما الرجوع ويأبى الآخر، فقال الشافعي‏:‏ لمن أراد الرد أن يرد، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وقيل ليس له أن يرد؛ فمن أوجب الرد شبهه بالصفقتين المفترقتين، لأنه قد اجتمع فيها عاقدان؛ ومن لم يوجبه شبهه بالصفقة الواحدة إذا أراد المشتري فيها تبغيض رد المبيع بالعيب‏.‏

الفصل الرابع‏.‏ في معرفة أصناف التغيرات الحادثة عند المشتري وحكمها‏.‏ حذف التشكيل

-وأما إن تغير المبيع عند المشتري ولم يعلم بالعيب إلا بعد تغير المبيع عنده فالحكم في ذلك يختلف عند فقهاء الأمصار بحسب التغيير‏.‏ فأما إن تغير بموت أو فساد أو عتق، ففقهاء الأمصار على أنه فوت، ويرجع المشتري على البائع بقيمة العيب‏.‏ وقال عطاء بن أبي رباح‏:‏ لا يرجع في الموت والعتق بشيء‏.‏ وكذلك عندهم حكم من اشترى جارية فأولدها‏.‏ وكذلك التدبير عندهم، وهو القياس في الكتابة‏.‏ وأما تغيره في البيع فإنهم اختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة والشافعي‏:‏ إذا باعه لم يرجع بشيء، وكذلك قال الليث‏.‏ وأما مالك فله في البيع تفصيل، وذلك أنه لا يخلو أن يبيعه من بائعه منه أو من غير بائعه، ولا يخلو أيضا أن يبيعه بمثل الثمن أو أقل أو أكثر، فإن باعه من بائعه منه بمثل الثمن فلا رجوع له بالعيب‏.‏ وإن باعه منه بأقل من الثمن رجع عليه بقيمة العيب، وإن باعه بأكثر من الثمن نظر، فإن كان البائع الأول مدلسا‏:‏ أي عالما بالعيب لم يرجع الأول على الثاني بشيء، وإن لم يكن مدلسا رجع الأول على الثاني في الثمن والثاني على الأول أيضا، وينفسخ البيعان ويعود المبيع إلى ملك الأول، فإن باعه من عند بائعه منه، فقال ابن القاسم‏:‏ لا رجوع له بقيمة العيب، مثل قول أبي حنيفة والشافعي؛ وقال ابن عبد الحكم‏:‏ له الرجوع بقيمة العيب؛ وقال أشهب‏:‏ يرجع بالأقل من قيمة العيب أو بقيمة الثمن، هذا إذا باعه بأقل مما اشتراه، وعلى هذا لا يرجع إذا باعه بمثل الثمن أو أكثر، وبه قال عثمان البتي‏.‏ ووجه قول ابن القاسم والشافعي وأبي حنيفة أنه إذا فات بالبيع فقد أخذ عوضا من غير أن يعتبر تأثير بالعيب في ذلك العوض الذي هو الثمن، ولذلك متى قام عليه المشتري منه بعيب رجع على البائع الأول بلا خلاف‏.‏ ووجه القول الثاني تشبيهه البيع بالعتق‏.‏ ووجه قول عثمان وأشهب أنه لو كان عنده المبيع لم يكن له إلا الإمساك أو الرد للجميع، فإذا باعه فقد أخذ عوض ذلك الثمن، فليس له إلا ما نقص إلا أن يكون أكثر من قيمة العيب‏.‏ وقال مالك‏:‏ إن وهب أو تصدق رجع بقيمة العيب؛ وقال أبو حنيفة لا يرجع، لأن هبته أو صدقته تفويت للملك بغير عوض ورضي منه بذلك طلبا للأجر، فيكون رضاه بإسقاط حق العيب أولى وأحرى بذلك‏.‏ وأما مالك فقاس الهبة على العتق، وقد كان القياس أن لا يرجع في شيء من ذلك إذا فات ولم يمكنه الرد، لأن إجماعهم على أنه إذا كان في يده فليس يجب له إلا الرد أو الإمساك، دليل على أنه ليس للعيب تأثير في إسقاط شيء من الثمن، وإنما له تأثير في فسخ البيع فقط‏.‏ وأما العقود التي يتعاقبها الاسترجاع كالرهن والإجازة فاختلف في ذلك أصحاب مالك، فقال ابن القاسم‏:‏ لا يمنع ذلك من الرد بالعيب إذا رجع إليه المبيع؛ وقال أشهب‏:‏ إذا لم يكن زمان خروجه عن يده زمانا بعيدا كان له الرد بالعيب، وقول ابن القاسم أولى، والهبة للثواب عند مالك كالبيع في أنها فوت، فهذه هي الأحوال التي تطرأ على المبيع من العقود الحادثة فيها وأحكامها‏.‏

باب في طرو النقصان‏.‏

-وأما إن طرأ على المبيع نقص فلا يخلو أن يكون النقص في قيمته أو في البدن أو في النفس‏.‏ فأما نقصان القيمة لاختلاف الأسواق، فغير مؤثر في الرد بالعيب بإجماع‏.‏ وأما النقصان الحادث في البدن، فإن كان يسيرا غير مؤثر في القيمة فلا تأثير له في الرد بالعيب، وحكمه حكم الذي لم يحدث، وهذا نص مذهب مالك وغيره‏.‏

وأما النقص الحادث في البدن المؤثر في القيمة، فاختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها أنه ليس له أن يرجع إلا بقيمة العيب فقط وليس له غير ذلك إذا أبى البائع من الرد، وبه قال الشافعي في قوله الجديد وأبو حنيفة‏.‏

وقال الثوري‏:‏ ليس له إلا أن يرد، ويرد مقدار العيب الذي حدث عنده، وهو قول الشافعي الأول‏.‏

والقول الثالث قول مالك‏:‏ إن المشتري بالخيار بين أن يمسك ويضع عنه البائع من الثمن قدر العيب أو يرده على البائع ويعطيه ثمن العيب الذي حدث عنده، وأنه إذا اختلف البائع والمشتري، فقال البائع للمشتري‏:‏ أنا أقبض المبيع وتعطي أنت قيمة العيب الذي حدث عندك، وقال المشتري‏:‏ بل أنا أمسك المبيع، وتعطي أنت قيمة العيب الذي حدث عندك، فالقول قول المشتري والخيار له، وقد قيل في المذهب القول قول البائع، وهذا إنما يصح على قول من يرى أنه ليس للمشتري إلا أن يمسك أو يرد وما نقص عنده‏.‏ وشذ أبو محمد بن حزم فقال‏:‏ له أن يرد ولا شيء عليه‏.‏

وأما حجة من قال‏:‏ إنه ليس للمشتري إلا أن يرد ويرد قيمة العيب، أو يمسك، فلأنه قد أجمعوا على أنه إذا لم يحدث بالمبيع عيب عند المشتري فليس إلا الرد، فوجب استصحاب حال هذا الحكم، وإن حدث عند المشتري عيب مع إعطائه قيمة العيب الذي حدث عنده‏.‏

وأما من رأى أنه لا يرد المبيع بشيء وإنما له قيمة العيب الذي كان عند البائع، فقياسا على العتق والموت لكون هذا الأصل غير مجمع عليه، وقد خالف فيه عطاء‏.‏

وأما مالك فلما تعارض عنده حق البائع وحق المشتري غلب المشتري وجعل له الخيار، لأن البائع لا يخلو من أحد أمرين‏:‏ إما أن يكون مفرطا في أنه لم يستعلم العيب ويعلم به المشتري، أو يكون علمه فدلس به على المشتري‏.‏ وعند مالك أنه إذا صح أنه دلس بالعيب وجب عليه الرد من غير أن يدفع إليه المشتري قيمة العيب الذي حدث عنده، فإن مات من ذلك العيب كان ضمانه على البائع بخلاف الذي لم يثبت أنه دلس فيه‏.‏

وأما حجة أبي محمد، فلأنه أمر حدث من عند الله كما لو حدث في ملك البائع، فإن الرد بالعيب دال على أن البيع لم ينعقد في نفسه، وإنما انعقد في الظاهر، وأيضا فلا كتاب ولا سنة يوجب على مكلف غرم ما لم يكن له تأثير في نقصه إلا أن يكون على جهة التغليظ عند من ضمن الغاصب ما نقص عنده بأمر من الله، فهذا حكم العيوب الحادثة في البدن‏.‏

وأما العيوب التي في النفس كالإباق والسرقة، فقد قيل في المذهب إنها تُفِيتُ ‏[‏أي يفوت بها استطاعة الرد‏]‏ الرد كعيوب الأبدان، وقيل لا، ولا خلاف أن العيب الحادث عند المشتري إذا ارتفع بعد حدوثه أنه لا تأثير له في الرد إلا أن لا تؤمن عاقبته‏.‏ واختلفوا من هذا الباب في المشتري يطأ الجارية، فقال قوم‏:‏ إذا وطئ فليس له الرد وله الرجوع بقيمة العيب، وسواء كانت بكرا أو ثيبا؛ وبه قال أبو حنيفة؛ وقال الشافعي‏:‏ يرد قيمة الوطء في البكر ولا يردها في الثيب؛ وقال قوم‏:‏ بل يردها ويرد مهر مثلها، وبه قال ابن أبي شبرمة وابن أبي ليلى؛ وقال سفيان الثوري‏:‏ إن كانت ثيبا رد نصف العشر من ثمنها، وإن كانت بكرا رد العشر من ثمنها؛ وقال مالك‏:‏ ليس عليه في وطء الثيب شيء لأنه غلة وجبت له بالضمان‏.‏ وأما البكر فهو عيب يثبت عنده للمشتري الخيار على ما سلف من رأيه، وقد روي مثل هذا القول عن الشافعي؛ وقال عثمان البتي‏:‏ الوطء معتبر في العرف في ذلك النوع من الرقيق، فإن كان له أثر في القيمة رد البائع ما نقص، وإن لم يكن له أثر لم يلزمه شيء، فهذا هو حكم النقصان الحادث في المبيعات‏.‏

وأما الزيادة الحادثة في المبيع‏:‏ أعني المتولدة المنفصلة منه، فاختلف العلماء فيها، فذهب الشافعي إلى أنها غير مؤثرة في الرد وأنها للمشتري لعموم قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏الخراج بالضمان‏"‏‏.‏ وأما مالك فاستثنى من ذلك الولد فقال‏:‏ يرد للبائع، وليس للمشتري إلا الرد الزائد مع الأصل أو الإمساك‏.‏ قال أبو حنيفة‏:‏ الزوائد كلها تمنع الرد وتوجب أرش العيب إلا الغلة والكسب‏.‏ وحجته أن ما تولد عن المبيع داخل في العقد، فلما لم يكن رده ورد ما تولد عنه كان ذلك فوتا يقتضي أرش العيب إلا ما نصصه الشرع من الخراج والغلة‏.‏ وأما الزيادة الحادثة في نفس المبيع الغير المنفصلة عنه فإنها إن كانت مثل الصبغ في الثوب والرقم فإنها توجب الخيار في المذهب، إما الإمساك والرجوع بقيمة العيب، وإما في الرد وكونه شريكا مع البائع بقيمة الزيادة‏.‏ وأما النماء في البدن مثل السمن فقد قيل في المذهب يثبت به الخيار للمشتري، وقيل لا يثبت، وكذلك النقص الذي هو الهزال، فهذا هو القول في حكم التغيير‏.‏

الفصل الخامس‏.‏ في القضاء في اختلاف الحكم عند اختلاف المتبايعين‏.‏ حذف التشكيل

-وأما صفة الحكم في القضاء بهذه الأحكام فإنه إذا تقار البائع والمشتري على حالة من هذه الأحوال المذكورة ههنا وجب الحكم الخاص بتلك الحال، فإن أنكر البائع دعوى القائم، فلا يخلو أن ينكر وجود العيب أو ينكر حدوثه عنده‏.‏ فإن أنكر وجود العيب بالمبيع فإن كان العيب يستوي في إدراكه جميع الناس كفى في ذلك شاهدان عدلان ممن اتفق من الناس، وإن كان مما يختص بعلمه أهل صناعة ما، شهد به أهل تلك الصناعة، فقيل في المذهب عدلان‏.‏ وقيل لا يشترط في ذلك العدالة ولا العدد ولا الإسلام، وكذلك الحال إن اختلفوا في كونه مؤثرا في القيمة، وفي كونه أيضا قبل أمد التبايع أو بعده، فإن لم يكن للمشتري بينة حلف البائع أنه ما حدث عنده، وإن لم تكن له بينة ‏(‏لعله وإن كانت له بينة‏)‏ على وجود العيب بالمبيع لم يجب له يمين على البائع‏.‏ وأما إذا وجب الأرش فوجه الحكم في ذلك أن يقوم الشيء سليما ويقوم معيبا ويرد المشتري ما بين ذلك، فإن وجب الخيار قوم ثلاث تقويمات‏:‏ تقويم وهو سليم، وتقويم بالعيب الحادث عند البائع، وتقويم بالعيب الحادث عند المشتري، فيرد البائع من الثمن ويسقط عنه ما قدر منه قدر ما تنقص به القيمة المعيبة عن القيمة السليمة، وإن أبى المشتري الرد وأحب الإمساك رد البائع من الثمن ما بين القيمة الصحيحة والمعيبة عنده‏.‏

الباب الثاني في بيع البراءة‏.‏ حذف التشكيل

-اختلف العلماء في جواز هذا البيع‏.‏ وصورته أن يشترط البائع على المشتري التزام كل عيب يجده في المبيع على العموم، فقال أبو حنيفة‏:‏ يجوز البيع بالبراءة من كل عيب سواء علمه البائع أو لم يعلمه، سماه أو لم يسميه، أبصره أو لم يبصره، وبه قال أبو ثور‏.‏ وقال الشافعي في أشهر قوليه وهو المنصور عند أصحابه لا يبرأ البائع إلا من عيب يريه للمشتري، وبه قال الثوري‏.‏ وأما مالك فالأشهر عنه أن البراءة جائزة مما يعلم البائع من العيوب، وذلك في الرقيق خاصة، إلا البراءة من الحمل في الجواري الرائعات، فإنه لا يجوز عنده لعظم الغرر فيه، ويجوز في الوخش‏.‏ وعنه في رواية ثانية‏:‏ أنه يجوز في الرقيق والحيوان‏.‏ وفي رواية ثالثة مثل قول الشافعي‏.‏ وقد روي عنه أن بيع البراءة إنما يصح من السلطان فقط، وقيل في بيع السلطان وبيع المواريث، وذلك من غير أن يشترطوا البراءة‏.‏ وحجة من رأى القول بالبراءة على الاطلاق أن القيام بالعيب حق من حقوق المشتري قبل البائع، فإذا أسقطه سقط أصله سائر الحقوق الواجبة‏.‏ وحجة من لم يجزه على الاطلاق أن ذلك من باب الغرر فيما لم يعلمه البائع، ومن باب الغبن والغش فيما علمه، ولذلك اشترط جهل البائع مالك‏.‏ وبالجملة فعمدة مالك ما رواه في الموطأ أن عبد الله بن عمر باع غلاما له بثمانمائة درهم وباعه على البراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر‏:‏ بالغلام داء لم تسمه، فاختصما إلى عثمان، فقال الرجل‏:‏ باعني عبدا وبه داء لم يسمه لي، وقال عبد الله‏:‏ بعته بالبراءة، فقضى عثمان على عبد الله أن يحلف لقد باع العبد وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد‏.‏ وروي أيضا أن زيد بن ثابت كان يجيز بيع البراءة‏.‏ وإنما خص مالك بذلك الرقيق لكون عيوبهم في الأكثر خافية‏.‏ وبالجملة خيار الرد بالعيب حق ثابت للمشتري، ولما كان ذلك يختلف اختلافا كثيرا كاختلاف المبيعات في صفاتها وجب إذا اتفقا على الجهل به أن لا يجوز أصله إذا اتفقا على جهل صفة المبيع المؤثرة في الثمن، ولذلك حكى ابن القاسم في المدونة عن مالك أن آخر قوله كان إنكار بيع البراءة إلا ما خفف فيه السلطان، وفي قضاء الديون خاصة‏.‏ وذهب المغيرة من أصحاب مالك إلى أن البراءة إنما تجوز فيما كان من العيوب لا يتجاوز فيها ثلث المبيع، والبراءة بالجملة إنما تلزم عند القائلين بالشرط‏:‏ أعني إذا اشترطها إلا بيع السلطان والمواريث عند مالك فقط‏.‏ فالكلام بالجملة في بيع البراءة هو في جوازه وفي شرط جوازه، وفيما يجوز من العقود والمبيعات والعيوب، ولمن يجوز بالشرط أو مطلقا، وهذه كلها قد تقدمت بالقوة في قولنا فاعلمه‏.‏

‏ (‏الجملة الثانية‏:‏ في وقت ضمان المبيعات‏) حذف التشكيل‏ واختلفوا في الوقت الذي يتضمن فيه المشتري المبيع أنى تكون خسارته إن هلك منه‏.‏ فقال أبو حنيفة والشافعي‏:‏ لا يضمن المشتري إلا بعد القبض‏.‏ وأما مالك فله في ذلك تفصيل، وذلك أن المبيعات عنده في هذا الباب ثلاثة أقسام‏:‏ بيع يجب على البائع فيه حق توفية من وزن أو كيل وعدد‏.‏ وبيع ليس فيه حق توفية، وهو الجزاف أو ما لا يوزن ولا يكال ولا يعد‏.‏ فأما ما كان فيه حق توفية فلا يضمن المشتري إلا بعد القبض‏.‏ وأما ما ليس فيه حق توفية وهو حاضر فلا خلاف في المذهب أن ضمانه من المشتري وإن لم يقبضه‏.‏ وأما المبيع الغائب، فعن مالك في ذلك ثلاث روايات‏:‏ أشهرها أن الضمان من البائع إلا أن يشترطه على المبتاع‏.‏ والثانية أنه من المبتاع إلا أن يشترطه على البائع‏.‏ والثالثة الفرق بين ما ليس بمأمون البقاء إلى وقت الاقتضاء كالحيوان والمأكولات، وبين ما هو مأمون البقاء‏.‏ والخلاف في هذه المسألة مبني هل على القبض شرط من شروط العقد، أو حكم من أحكام العقد، والعقد لازم دون القبض‏؟‏ فمن قال القبض من شروط صحة العقد أو لزومه أو كيفما شئت أن تعبر في هذا المعنى كان الضمان عنده من البائع حتى يقبضه المشتري؛ ومن قال هو حكم لازم من أحكام المبيع والبيع قد انعقد ولزم قال‏:‏ العقد يدخل في ضمان المشتري‏.‏ وتفريق مالك بين الغائب والحاضر، والذي فيه حق توفية والذي ليس فيه حق توفية استحسان، ومعنى الاستحسان في أكثر الأحوال هو التفات إلى المصلحة والعدل‏.‏ وذهب أهل الظاهر إلى أن بالعقد يدخل في ضمان المشتري وفيما أحسب، وعمدة من رأى ذلك اتفاقهم على أن الخراج قبل القبض للمشتري، وقد قال عليه الصلاة والسلام ‏"‏الخراج بالضمان‏"‏ وعمدة المخالف حديث عتاب بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى مكة قال له ‏"‏انههم عن بيع ما لم يقبضوا وربح ما لم يضمنوا‏"‏ وقد تكلمنا في شرط القبض في المبيع فيما سلف، ولا خلاف بين المسلمين أنه من ضمان المشتري بعد القبض إلا في العهدة والجوائح‏.‏ وإذ قد ذكرنا العهدة فينبغي أن نذكر ههنا الجوائح‏.‏

القول في الجوائح‏.‏ حذف التشكيل

-اختلف العلماء في وضع الجوائح في الثمار، فقال بالقضاء بها مالك وأصحابه، ومنعها أبو حنيفة والثوري والشافعي في قوله الجديد والليث‏.‏ فعمدة من قال بوضعها حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏من باع ثمرا فأصابته جائحة فلا يأخذ من أخيه شيئا، على ماذا يأخذ أحدكم مال أخيه‏؟‏‏"‏ خرجه مسلم عن جابر‏.‏ وما روي عنه أنه قال ‏"‏أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح‏"‏‏.‏ فعمدة من أجاز الجوائح حديثا جابر هذان، وقياس الشبه أيضا، وذلك أنهم قالوا‏:‏ إنه مبيع بقي على البائع فيه حق توفية، بدليل ما عليه من سقيه إلى أن يكمل، فوجب أن يكون ضمانه منه أصله سائر المبيعات التي بقي فيها حق توفية، والفرق عندهم بين هذا المبيع وبين سائر البيوع أن هذا بيع وقع في الشرع والمبيع لم يكمل بعد، فكأنه مستثنى من النهي عن بيع ما لم يخلق، فوجب أن يكون في ضمانه مخالفا لسائر المبيعات‏.‏ وأما عمدة من لم يقل بالقضاء بها فتشبيه هذا البيع بسائر المبيعات وأن التخلية في هذا المبيع هو القبض‏.‏ وقد اتفقوا على أن ضمان المبيعات بعد القبض من المشتري ومن طريق السماع أيضا حديث أبي سعيد الخدري قال ‏"‏أجيح رجل في ثمار ابتاعها وكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ تصدقوا عليه، فتصدق عليه فلم يبلغ وفاء دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك‏"‏ قالوا‏:‏ فلم يحكم بالجائحة‏.‏ فسبب الخلاف في هذه المسألة هو تعارض الآثار فيهما وتعارض مقاييس الشبه، وقد رام كل واحد من الفريقين صرف الحديث المعارض للحديث الذي هو الأصل عنده بالتأويل، فقال من منع الجائحة‏:‏ يشبه أن يكون الأمر بها إنما ورد من قبل النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، قالوا‏:‏ ويشهد لذلك أنه لما كثر شكواهم بالجوائح أمروا أن لا يبيعوا الثمر إلا بعد أن يبدو صلاحه، وذلك في حديث زيد بن ثابت المشهور، وقال من أجازها في حديث أبي سعيد‏:‏ يمكن أن يكون البائع عديما فلم يقض عليه بجائحة أو أن يكون المقدار الذي أصيب من الثمر مقدارا لا يلزم فيه جائحة، أو أن يكون أصيب في غير الوقت الذي تجب فيه الجائحة، مثل أن يصاب بعد الجذاذ أو بعد الطيب‏.‏ وأما الشافعي فروى حديث جابر عن سليمان بن عتيق عن جابر، وكان يضعفه ويقول‏:‏ إنه اضطرب في ذكر وضع الجوائح فيه ولكنه قال‏:‏ إن ثبت الحديث وجب وضعها في القليل والكثير، ولا خلاف بينهم في القضاء بالجائحة بالعطش، وقد جعل القائلون بها اتفاقهم في هذا حجة على إثباتها‏.‏

والكلام في أصول الجوائح على مذهب مالك ينحصر في أربعة فصول‏:‏ الأول‏:‏ في معرفة الأسباب الفاعلة للجوائح‏.‏ الثاني‏:‏ في محل الجوائح من المبيعات‏.‏ الثالث‏:‏ في مقدار ما يوضع منه فيه‏.‏ الرابع‏:‏ في الوقت الذي توضع فيه‏.‏

الفصل الأول في معرفة الأسباب الفاعلة للجوائح‏.‏

-وأما ما أصاب الثمرة من السماء مثل البرد والقحط وضده والعفن، فلا خلاف في المذهب أنه جائحة‏.‏ وأما العطش كما قلنا فلا خلاف بين الجميع أنه جائحة‏.‏ وأما ما أصاب من صنع الآدميين فبعض من أصحاب مالك رآه جائحة وبعض لم يره جائحة‏.‏ والذين رأوه جائحة انقسموا إلى قسمين‏:‏ فبعضهم رأى منه جائحة ما كان غالبا كالجيش ولم ير ما كان منه بمغافصة ‏(‏غافصة‏:‏ أخذه على غرة‏)‏ جائحة مثل السرقة، وبعضهم جعل كل ما يصيب الثمرة من جهة الآدميين جائحة بأي وجه كان، فمن جعلها في الأمور السماوية فقط اعتمد ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏أرأيت إن منع الله الثمرة‏؟‏‏"‏ ومن جعلها في أفعال الآدميين شبهها بالأمور السماوية، ومن استثنى اللص قال‏:‏ يمكن أن يتحفظ منه‏.‏

الفصل الثاني في محل الجوائح من المبيعات‏.‏

-ومحل الجوائح هي الثمار والبقول‏.‏ فأما الثمار فلا خلاف فيها في المذهب، وأما البقول ففيها خلاف، والأشهر فيها الجائحة‏.‏ وإنما اختلفوا في البقول لاختلافهم في تشبيهها بالأصل الذي هو الثمر‏.‏

الفصل الثالث في مقدار ما يوضع منه فيه‏.‏

-وأما المقدار الذي تجب فيه الجائحة، أما في الثمار فالثلث، وأما في البقول فقيل في القليل والكثير، وقيل في الثلث، وابن القاسم يعتبر ثلث الثمر بالكيل وأشهب يعتبر الثلث في القيمة، فإذا ذهب من الثمر عند أشهب ما قيمته الثلث من الكيل وضع عنه الثلث من الثمن، وسواء كان ثلثا في الكيل أو لم يكن‏.‏ وأما ابن القاسم فإنه إذا ذهب من الثمر الثلث من الكيل، فإن كان نوعا واحدا ليس تختلف قيمة بطونه حط عنه من الثمن الثلث، وإن كان الثمر أنواعا كثيرة مختلفة القيم، أو كان بطونا مختلفة القيم أيضا اعتبر قيمة ذلك الثلث الذاهب من قيمة الجميع، فما كان قدره حط بذلك القدر من الثمن، ففي موضع يعتبر المكيلة فقط، حيث تستوي القيمة في أجزاء الثمرة وبطونها وفي موضع يعتبر أمرين جميعا حيث تختلف القيمة، والمالكية يحتجون في مصيرهم إلى التقدير في وضع الجوائح وإن كان الحديث الوارد فيها مطلقا بأن القليل في هذا معلوم من حكم العادة أنه يخالف الكثير إذ كان معلوما أن القليل يذهب من كل ثمر، فكأن المشتري دخل على هذا الشرط بالعادة وإن لم يدخل بالنطق، وأيضا فإن الجائحة التي علق الحكم بها تقتضي الفرق بين القليل والكثير‏.‏ قالوا‏:‏ وإذا وجب الفرق وجب أن يعتبر فيه الثلث، إذ قد اعتبره الشرع في مواضع كثيرة، وإن كان المذهب يضطرب في هذا الأصل، فمرة يجعل الثلث من حيز الكثير كجعله إياه ههنا، ومرة يجعله في حيز القليل ولم يضطرب في أنه الفرق بين القليل والكثير، والمقدارات يعسر إثباتها بالقياس عند جمهور الفقهاء، ولذلك قال الشافعي‏:‏ لو قلت بالجائحة لقلت فيها بالقليل والكثير، وكون الثلث فرقا بين القليل والكثير هو نص في الوصية في قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏الثلث، والثلث كثير‏"‏‏.‏

الفصل الرابع في الوقت الذي توضع فيه‏.‏

-وأما زمان القضاء بالجائحة، فاتفق المذهب على وجوبها في الزمان الذي يحتاج فيه إلى تبقية الثمر على رءوس الشجر حيث يستوفي طيبه‏.‏ واختلفوا إذا أبقاه المشتري في الثمار ليبيعه على النضارة وشيئا شيئا، فقيل فيه الجائحة تشبيها بالزمان المتفق عليه، وقيل ليس فيه جائحة تفريقا بينه وبين الزمان المتفق على وجوب القضاء بالجائحة فيه، وذلك أن هذا الزمان يشبه الزمان المتفق عليه من جهة ويخالفه من جهة؛ فمن غلب الاتفاق أوجب فيه الجائحة؛ ومن غلب الاختلاف لم يوجب فيه جائحة، أعني من رأى أن النضارة مطلوبة بالشراء كما الطيب مطلوب قال‏:‏ بوجوب الجائحة فيه؛ ومن لم ير الأمر فيهما واحدا قال‏:‏ ليس فيه جائحة، ومن ههنا اختلفوا في وجوب الجوائح في البقول‏.‏

‏ (‏الجملة الثالثة من جمل النظر في الأحكام‏) حذف التشكيل‏ وهو في تابعات المبيعات، ومن مسائل هذا الباب المشهورة اثنتان‏:‏ الأولى بيع النخيل وفيها الثمر متى يتبع بيع الأصل ومتى لا يتبعه‏؟‏ فجمهور الفقهاء على أن من باع نخلا فيها ثمر قبل أن يؤبر فإن الثمر للمشتري، وإذا كان البيع بعد الإبار فالثمر للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، والثمار كلها في هذا المعنى في معنى النخيل، وهذا كله لثبوت حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع‏"‏ قالوا‏:‏ فلما حكم صلى الله عليه وسلم بالثمن للبائع بعد الإبار علمنا بدليل الخطاب أنها للمشتري قبل الإبار بلا شرط، وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ هي للبائع قبل الإبار وبعده، ولم يجعل المفهوم ههنا من باب دليل الخطاب بل من باب مفهوم الأحرى والأولى ، قالوا‏:‏ وذلك أنه إذا وجبت للبائع بعد الإبار فهي أحرى أن تجب له قبل الإبار‏.‏ وشبهوا خروج الثمر بالولادة، وكما أن من باع أمة لها ولد فولدها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع كذلك الأمر في الثمن، وقال ابن أبي ليلى‏:‏ سواء أبر أو لم يؤبر إذا بيع الأصل فهو للمشتري اشترطها أو لم يشترطها، فرد الحديث بالقياس، لأنه رأى أن الثمر جزء من المبيع، ولا معنى لهذا القول إلا أن كان لم يثبت عنده الحديث‏.‏ وأما أبو حنيفة فلم يرد الحديث، وإنما خالف مفهوم الدليل فيه‏.‏ فإذا سبب الخلاف في هذه المسألة بين أبي حنيفة والشافعي ومالك ومن قال بقولهم معارضة دليل الخطاب لدليل مفهوم الأحرى والأولى، وهو الذي يسمى فحوى الخطاب لكنه ههنا ضعيف، وإن كان في الأصل أقوى من دليل الخطاب‏.‏ وأما سبب مخالفة ابن أبي ليلى فمعارضة القياس للسماع، وهو كما قلنا ضعيف‏.‏ والإبار عند العلماء أن يجعل طلع ذكور النحل في طلع إناثها، وفي سائر الشجر أن تنور وتعقد، والتذكير في شجر التين التي تذكر في معنى الإبار، وإبار الزرع مختلف فيه في المذهب، فروى ابن القاسم عن مالك أن إباره أن يفرك قياسا على سائر الثمر، وهل الموجب لهذا الحكم هو الإبار أو وقت الإبار‏؟‏ قيل الوقت، وقيل الإبار، وعلى هذا ينبني الاختلاف إذا أبر بعض النخيل ولم يؤبر البعض، هل يتبع ما لم يؤبر ما أبر أو لا يتبعه‏؟‏ واتفقوا فيما أحسبه على أنه إذا بيع ثمر وقد دخل وقت الإبار فلم يؤبر أن حكمه حكم المؤبر‏.‏

-‏(‏المسألة الثانية‏)‏ وهي اختلافهم في بيع مال العبد، وذلك أنهم اختلفوا في مال العبد هل يتبعه في البيع والعتق‏؟‏ على ثلاثة أقوال‏:‏ أحدها أن ماله في البيع والعتق لسيده، وكذلك في المكاتب، وبه قال الشافعي والكوفيون‏.‏ والثاني أن ماله تبع له في البيع والعتق، وهو قول داود وأبي ثور‏.‏ والثالث أنه تبع له في العتق لا في البيع إلا أن يشترطه المشتري، وبه قال مالك والليث‏.‏ فحجة من رأى أن ماله في البيع لسيده إلا أن يشترطه المبتاع حديث ابن عمر المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"‏من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع‏"‏ ومن جعله لسيده في العتق فقياسا على البيع‏.‏ وحجة من رأى أنه تبع للعبد في كل حال انبنت على كون العبد مالكا عندهم وهي مسألة اختلف العلماء فيها اختلافا كثيرا‏:‏ أعني هل يملك العبد أو لا يملك‏؟‏ ويشبه أن يكون هؤلاء إنما غلبوا القياس على السماع، لأن حديث ابن عمر هو حديث خالف فيه نافع سالما، لأن نافعا رواه عن ابن عمر وسالم رواه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأما مالك فغلب القياس في العتق والسماع في البيع‏.‏ وقال مالك في الموطأ‏:‏ الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إذا اشترط مال العبد فهو له نقدا كان أو عرضا أو دينا‏.‏ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"‏من أعتق غلاما فماله له إلا أن يستثنيه سيده‏"‏ ويجوز عند مالك أن يشتري العبد وماله بدراهم، وإن كان مال العبد دراهم أو فيه دراهم‏.‏ وخالفه أبو حنيفة والشافعي إذا كان مال العبد نقدا، وقالوا‏:‏ العبد وماله بمنزلة من باع شيئين لا يجوز فيهما إلا ما يجوز في سائر البيوع‏.‏ واختلف أصحاب مالك في اشتراط المشتري لبعض مال العبد في صفقة البيع، فقال ابن القاسم‏:‏ لا يجوز، وقال أشهب‏:‏ جائز أن يشترط بعضه، وفرق بعضهم فقال‏:‏ إن كان ما اشترى به العبد عينا وفي مال العبد عين لم يجز ذلك لأنه يدخله دراهم بعرض ودراهم، وإن كان ما اشترى به عروضا أو لم يكن في مال العبد دراهم جاز‏.‏ ووجه قول ابن القاسم إنه لا يجوز أن يشترط بعض تشبيهه بثمر النخل بعد الإبار‏.‏ ووجه قول أشهب تشبيه الجزء بالكل، وفي هذا الباب مسائل مسكوت عنها كثيرة ليست مما قصدناه‏.‏ ومن مشهور مسائلهم في هذا الباب الزيادة والنقصان اللذان يقعان في الثمن الذي انعقد عليه البيع بعد البيع بما يرضى به المتبايعان، أعني أن يزيد المشتري البائع بعد البيع على الثمن الذي انعقد عليه البيع أو يحط منه البائع، هل يتبع حكم الثمن أم لا‏؟‏ وفائدة الفرق أن من قال هي من الثمن أوجب ردها في الاستحقاق وفي الرد بالعيب وما أشبه ذلك، وأيضا من جعلها في حكم الثمن الأول إن كانت فاسدة البيع، ومن لم يجعلها من الثمن‏:‏ أعني الزيادة لم يوجب شيئا من هذا، فذهب أبو حنيفة إلى أنها من الثمن إلا أنه قال لا تثبت الزيادة في حق الشفيع ولا في بيع المرابحة، بل الحكم للثمن الأول، وبه قال مالك؛ وقال الشافعي‏:‏ لا تلحق الزيادة والنقصان بالثمن أصلا وهو في حكم الهبة، واستدل من ألحق الزيادة بالثمن بقوله عز وجل ‏{‏ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة‏}‏ قالوا‏:‏ وإذا لحقت الزيادة في الصداق بالصداق لحقت في البيع بالثمن‏.‏ واحتج الفريق الثاني باتفاقهم على أنها لا تلحق في الشفعة وبالجملة من رأى أن العقد الأول قد تقرر قال‏:‏ الزيادة هبة؛ ومن رأى أنها فسخ للعقد الأول وعقد ثان عدها من الثمن‏.‏

‏ (‏الجملة الرابعة‏) حذف التشكيل‏ وإذا اتفق المتبايعان على البيع واختلفا في مقدار الثمن ولم تكن هناك بينة ففقهاء الأمصار متفقون على أنهما يتحالفان ويتفاسخان بالجملة ومختلفون في التفصيل، أعني في الوقت الذي يحكم فيه بالأيمان والتفاسخ، فقال أبو حنيفة وجماعة‏:‏ إنهما يتحالفان ويتفاسخان ما لم تفت عين السلعة، فإن فاتت فالقول قول المشتري مع يمينه‏.‏ وقال الشافعي ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وأشهب صاحب مالك‏:‏ يتحالفان في كل وقت‏.‏ وأما مالك فعنه روايتان‏:‏ إحداهما أنهما يتحالفان ويتفاسخان قبل القبض وبعد القبض القول قول المشتري‏.‏ والرواية الثانية مثل قول أبي حنيفة، وهي رواية ابن القاسم، والثانية رواية أشهب، والفوت عنده يكون بتغيير الأسواق وبزيادة المبيع ونقصانه‏.‏ وقال داود وأبو ثور‏:‏ القول قول المشتري على كل حال، وكذلك قال زفر، إلا أن يكونا اختلفا في جنس الثمن، فحينئذ يكون التفاسخ عندهم والتحالف، ولا خلاف أنهم إذا اختلفوا في جنس الثمن أو المثمون أن الواجب هو التحالف والتفاسخ، وإنما صار فقهاء الأمصار إلى القول على الجملة بالتحالف والتفاسخ عند الاختلاف في عدد الثمن لحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏أيما بيعين تبايعا فالقول قول البائع أو يترادان‏"‏ فمن حمل هذا الحديث على وجوب التفاسخ وعمومه قال‏:‏ يتحالفان في كل حال ويتفاسخان، والعلة في ذلك عنده أن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه‏.‏ وأما من رأى أن الحديث إنما يجب أن يحمل على الحالة التي يجب أن يتساوى فيها دعوى البائع والمشتري قال‏:‏ إذا قبض السلعة أو فاتت فقد صار القبض شاهدا للمشتري وشبهه لصدقه، واليمين إنما يجب على أقوى المتداعيين شبهة، وهذا هو أصل مالك في الأيمان، ولذلك يوجب في مواضع اليمين على المدعي، وفي مواضع على المدعى عليه، وذلك أنه لم يجب اليمين بالنص على المدعى عليه من حيث هو مدعى عليه، وإنما وجبت عليه من حيث هو في الأكثر أقوى شبهة، فإذا كان المدعي في مواطن أقوى شبهة وجب أن يكون اليمين في حيزه‏.‏ وأما من رأى القول قول المشتري، فإنه رأى أن البائع مقر للمشتري بالشراء ومدع عليه عددا ما في الثمن‏.‏ وأما داود ومن قال بقوله فردوا حديث ابن مسعود لأنه منقطع ولذلك لم يخرجه الشيخان البخاري ومسلم، وإنما خرجه مالك‏.‏ وعن مالك‏:‏ إذا نكل المتبايعان عن الأيمان روايتان‏:‏ إحداهما الفسخ، والثانية أن القول قول البائع‏.‏ وكذلك من يبدأ باليمين في المذهب فيه خلاف، فالأشهر البائع على ما في الحديث، وهل إذا وقع التفاسخ يجوز لأحدهما أن يختار قول صاحبه‏؟‏ فيه خلاف في المذهب‏.‏

-‏(‏القسم الرابع من النظر المشترك في البيوع‏)‏ وهو النظر في حكم البيع الفاسد إذا وقع، فنقول‏:‏ اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت بإحداث عقد فيها أو نماء أو نقصان أو حوالة سوق أن حكمها الرد أعني أن يرد البائع الثمن والمشتري المثمون‏.‏ واختلفوا إذا قبضت وتصرف فيها بعتق أو هبة أو بيع أو رهن أو غير ذلك من سائر التصرفات هل ذلك فوت يوجب القيمة، وكذلك إذا نمت أو نقصت فقال الشافعي‏:‏ ليس ذلك كله فوتا ولا شبهة ملك في البيع الفاسد وأن الواجب الرد، وقال مالك‏:‏ كل ذلك فوت يوجب القيمة إلا ما روى عنه ابن وهب في الربا أنه ليس بفوت، ومثل ذلك قال أبو حنيفة‏.‏ والبيوع الفاسدة عند مالك تنقسم إلى محرمة وإلى مكروهة‏.‏ فأما المحرمة فإنها إذا فاتت مضت بالقيمة‏.‏ وأما المكروهة فإنها إذا فاتت صحت عنده، وربما صح عنده بعض البيوع الفاسدة بالقبض لخفة الكراهة عنده في ذلك، فالشافعية تشبه المبيع الفاسد لمكان الربا والغرر بالفاسد لمكان تحريم عينه كبيع الخمر والخنزير فليس عندهم فيه فوت، ومالك يرى أن النهي في هذه الأمور إنما هو لمكان عدم العدل فيها، أعني بيوع الربا والغرر، فإذا فاتت السلعة فالعدل فيها هو الرجوع بالقيمة، لأنه قد تقبض السلعة وهي تساوي ألفا وترد وهي تساوي خمسمائة أو بالعكس، ولذلك يرى مالك حوالة الأسواق فوتا في المبيع الفاسد، ومالك يرى في البيع والسلف أنه إذا فات وكان البائع هو المسلف رد المشتري القيمة ما لم تكن أزيد من الثمن، لأن المشتري قد رفع له في الثمن لمكان السلف فليس من العدل أن يرد أكثر من ذلك، وإن كان المشتري هو الذي أسلف البائع فقد حط البائع عنه من الثمن لمكان السلف، فإذا وجبت على المشتري القيمة ردها ما لم تكن أقل من الثمن، لأن هذه البيوع إنما وقع المنع فيها لمكان ما جعل فيها من العوض مقابل السلف الذي هو موضوع لعون الناس بعضهم لبعض، ومالك في هذه المسألة أفقه من الجميع‏.‏ واختلفوا إذا ترك الشرط قبل القبض‏:‏ أعني شرط السلف، هل يصح البيع أم لا‏؟‏ فقال أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء‏:‏ البيع مفسوخ؛ وقال مالك وأصحابه‏:‏ البيع غير مفسوخ إلا ابن عبد الحكم قال‏:‏ البيع مفسوخ‏.‏ وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور‏.‏ وحجة الجمهور أن النهي يتضمن فساد المنهي فإذا انعقد البيع فاسدا لم يصححه بعد رفع الشرط الذي من قبله وقع الفساد، كما أن رفع السبب المفسد في المحسوسات بعد فساد الشيء ليس يقتضي عودة الشيء إلى ما كان عليه قبل الفساد من الوجود فاعلمه‏.‏ وروي أن محمد بن أحمد بن سهل البرمكي سأل عن هذه المسألة إسماعيل بن إسحاق المالكي فقال له‏:‏ ما الفرق بين السلف والبيع وبين رجل باع غلاما بمائة دينار وزق خمر، فلما انعقد البيع بينهما قال‏:‏ أنا أدع الزق، وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع، فوجب أن يكون بيع السلف كذلك، فجاوب عن ذلك بجواب لا تقوم به حجة، وقد تقدم القول في ذلك‏.‏ وإذ قد انقضى القول في أصول البيوع الفاسدة وأصول البيوع الصحيحة، وفي أصول أحكام البيوع الصحيحة، وأصول الأحكام الفاسدة المشتركة العامة لجميع البيوع أو لكثير منها فلنصر إلى ما يخص واحدا واحدا من هذه الأربعة الأجناس، وذلك بأن نذكر منها ما يجري مجرى الأصول‏.‏

كتاب الصرف‏.‏ حذف التشكيل

-ولما كان يخص هذا البيع شرطان‏:‏ أحدهما عدم النسيئة وهو الفور، والآخر عدم التفاضل وهو اشتراط المثلية كان النظر في هذا الباب ينحصر في خمسة أجناس‏:‏ الأول‏:‏ في معرفة ما هو نسيئة مما ليس بنسيئة‏.‏ الثاني‏:‏ في معرفة ما هو مماثل مما ليس بمماثل، إذ هذان القسمان ينقسمان بفصول كثيرة فيعرض هنالك الخلاف‏.‏ الثالث‏:‏ فيما وقع أيضا من هذا البيع بصورة مختلف فيها هل هو ذريعة إلى أحد هذين أعني الزيادة والنسيئة أو كليهما عند من قال بالذرائع وهو مالك وأصحابه، وهذا ينقسم أيضا إلى نوعين كانقسام أصله‏.‏ الخامس‏:‏ في خصائص أحكام هذا البيع من جهة ما يعتبر فيه هذان الشرطان‏:‏ أعني عدم النَّساء والتفاضل أو كليهما، وذلك أنه يخالف هذا البيع البيوع لمكان هذين الشرطين فيه في أحكام كثيرة‏.‏ وأنت إذا تأملت الكتب الموضوعة في فروع الكتاب الذي يرسمونه بكتاب الصرف وجدتها كلها راجعة إلى هذه الأجناس الخمسة، أو إلى ما تركب منها ما عدا المسائل التي يدخلون في الكتاب الواحد بعينه مما ليس هو من ذلك الكتاب مثل إدخال الملكية في الصرف مسائل كثيرة هي من باب الاقتضاء في السلف، لكن لما كان الفاسد منها يئول إلى أحد هذين الأصلين، أعني إلى صرف بنسيئة أو بتفاضل أدخلوها في هذا الكتاب مثل مسائلهم في اقتضاء القائمة والمجموعة والفرادى بعضها من بعض، لكن لما كان قصدنا إنما هو ذكر المسائل التي هي منطوق بها في الشرع أو قريب من المنطوق بها رأينا أن نذكر في هذا الكتاب سبع مسائل مشهورة تجري مجرى الأصول لما يطرأ على المجتهد من مسائل هذا الباب، فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد إذا حصل ما يجب له أن يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو واللغة وصناعة أصول الفقه، ويكفي من ذلك ما هو مساو لجرم هذا الكتاب أو أقل، وبهذه الرتبة يسمى فقيها لا بحفظ مسائل الفقه ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر، وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفاف هو الذي عنده خفاف كثيرة لا الذي يقدر على عملها، وهو بين أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة، وهو الذي يصنع لكل قدم خفا يوافقه، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت وإذ قد خرجنا عما كنا بسبيله فلنرجع إلى حيث كنا من ذكر المسائل التي وعدنا بها‏.‏

-‏(‏المسألة الأولى‏)‏ أجمع العلماء على أن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا يجوز إلا مثلا بمثل يدا بيد، إلا ما روي عن ابن عباس ومن تبعه من المكيين فإنهم أجازوا بيعه متفاضلا ومنعوه نسيئة فقط، وإنما صار ابن عباس لذلك لما رواه عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"‏لا ربا إلا في النسيئة‏"‏ وهو حديث صحيح، فأخذ ابن عباس بظاهر هذا الحديث فلم يجعل الربا إلا في النسيئة‏.‏ وأما الجمهور فصاروا إلى ما رواه مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز‏"‏ وهو من أصح ما روي في هذا الباب‏.‏ وحديث عبادة بن الصامت حديث صحيح أيضا في هذا الباب، فصار الجمهور إلى هذه الأحاديث إذ كانت نصا في ذلك‏.‏ وأما حديث ابن عباس فإنه ليس بنص في ذلك لأنه روي فيه لفظان‏:‏ أحدهما أنه قال ‏"‏إنما الربا في النسيئة‏"‏ وهذا ليس يفهم منه إجازة التفاضل إلا من باب دليل الخطاب وهو ضعيف ولا سيما إذا عارضه النص‏.‏ وأما اللفظ الآخر وهو ‏"‏لا ربا إلا في النسيئة‏"‏ فهو أقوى من هذا اللفظ لأن ظاهره يقتضي أن ما عدا النسيئة فليس بربا، لكن يحتمل أن يريد بقوله ‏"‏لا ربا إلا في النسيئة‏"‏ من جهة أن الواقع في الأكثر، وإذا كان هذا محتملا والأول نص وجب تأويله على الجهة التي يصح الجمع بينهما‏.‏ وأجمع الجمهور على أن مسكوكه وتبره ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلا لعموم الأحاديث المتقدمة في ذلك، إلا معاوية فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر والمصوغ لمكان زيادة الصياغة، وإلا ما روي عن مالك أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه أو دراهمه، فقال‏:‏ إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك فأرجو أن لا يكون به بأس، وبه قال ابن القاسم من أصحابه، وأنكر ذلك ابن وهب من أصحابه وعيسى بن دينار وجمهور العلماء‏.‏ وأجاز مالك بدل الدينار الناقص بالوازن أو بالدينارين على اختلاف بين أصحابه في العدد الذي يجوز فيه ذلك من الذي لا يجوز على جهة المعروف‏.‏

-‏(‏المسألة الثانية‏)‏ اختلف العلماء في السيف والمصحف المحلى يباع بالفضة وفيه حلية فضة، أو بالذهب وفيه حلية ذهب، فقال الشافعي‏:‏ لا يجوز ذلك لجهل المماثلة المشترطة في بيع الفضة بالفضة في ذلك والذهب بالذهب، وقال مالك‏:‏ إن كان قيمة ما فيه من الذهب أو الفضة الثلث فأقل جاز بيعه، أعني بالفضة إن كانت حليته فضة، أو بالذهب إن كانت حليته ذهبا وإلا لم يجز، وكأنه رأى أنه إذا كانت الفضة قليلة لم تكن مقصودة في البيع وصارت كأنها هبة؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ لابأس ببيع السيف المحلى بالفضة إذا كانت الفضة أكثر من الفضة التي في السيف، وكذلك الأمر في بيع السيف المحلى بالذهب، لأنهم رأوا أن الفضة التي فيه أو الذهب يقابل مثله من الذهب أو الفضة المشتراة به، ويبقى الفضل قيمة السيف‏.‏ وحجة الشافعي عموم الأحاديث والنص الوارد في ذلك من حديث فضالة بن عبد الله الأنصاري أنه قال ‏"‏أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها ذهب وخرز وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة ينزع وحده، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الذهب بالذهب وزنا بوزن‏"‏ خرجه مسلم‏.‏ وأما معاوية كما قلنا فأجاز ذلك على الإطلاق، وقد أنكره عليه أبو سعيد وقال‏:‏ لا أسكن في أرض أنت فيها لما رواه من الحديث‏.‏

-‏(‏المسألة الثالثة‏)‏ اتفق العلماء على أن من شرط الصرف أن يقع ناجزا‏.‏ واختلفوا في الزمان الذي يحد هذا المعنى، فقال أبو حنيفة والشافعي‏:‏ الصرف يقع ناجزا ما لم يفترق المتصارفان تعجل أو تأخر القبض؛ وقال مالك‏:‏ إن تأخر القبض في المجلس بطل الصرف وإن لم يفترقا حتى كره المواعدة فيه‏.‏ وسبب الخلاف ترددهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏إلا هاء وهاء‏"‏ وذلك أن هذا يختلف بالأقل والأكثر؛ فمن رأى أن هذا اللفظ صالح لمن لم يفترق من المجلس، أعني أنه يطلق عليه أنه باع هاء وهاء قال‏:‏ يجوز التأخير في المجلس؛ ومن رأى أن اللفظ لا يصح إلا إذا وقع القبض من المتصارفين على الفور قال‏:‏ إن تأخر القبض عن العقد في المجلس بطل الصرف لاتفاقهم على هذا المعنى لم يجز عندهم في الصرف حوالة ولا حمالة ولا خيار، إلا ما حكي عن أبي ثور أنه أجاز فيه الخيار‏.‏ واختلف في المذهب في التأخير الذي يغلب عليه المتصارفان أو أحدهما، فمرة قيل فيه إنه مثل الذي يقع بالاختيار، ومرة قيل إنه ليس كذلك في تفاصيل لهم في ذلك ليس قصدنا ذكرها في هذا الكتاب‏.‏

-‏(‏المسألة الرابعة‏)‏ اختلف العلماء فيمن اصطرف دراهم بدنانير ثم وجد فيها درهما زائفا، فأراد رده، فقال مالك‏:‏ ينتقض الصرف، وإن كانت دنانير كثيرة انتقض منها دينار للدرهم فما فوقه إلى صرف الدينار، فإن زاد درهم على دينار انتقض منها دينار آخر، وهكذا ما بينه وبين أن ينتهي إلى صرف دينار‏.‏ قال‏:‏ وإن رضي بالدرهم الزائف لم يبطل من الصرف شيء‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يبطل الصرف بالدرهم الزائف، ويجوز تبديله إلا أن تكون الزيوف نصف الدراهم أو أكثر، فإن ردها بطل الصرف في المردود‏.‏ وقال الثوري‏:‏ إذا رد الزيوف كان مخيرا إن شاء أبدلها أو يكون شريكا له بقدر ذلك في الدنانير‏:‏ أعني لصاحب الدنانير‏.‏ وقال أحمد‏:‏ لا يبطل الصرف بالرد قليلا كان أو كثيرا‏.‏ وابن وهب من أصحاب مالك يجيز البدل في الصرف، وهو مبني على أن الغلبة على النظرة في الصرف ليس لها تأثير ولا سيما في البعض وهو أحسن‏.‏ وعن الشافعي في بطلان الصرف بالزيوف قولان، فيتحصل لفقهاء الأمصار في هذه المسألة أربعة أقوال‏:‏ قول بإبطال الصرف مطلقا عند الرد؛ وقول بإثبات الصرف ووجوب البدل؛ وقول بالفرق بين القليل والكثير؛ وقول بالتخيير بين بدل الزائف أو يكون شريكا له‏.‏ وسبب الخلاف في هذا كله‏:‏ هل الغلبة على التأخير في الصرف مؤثرة فيه أو غير مؤثرة‏؟‏ وإن كانت مؤثرة فهل هي مؤثرة في القليل أو في الكثير‏؟‏ وأما وجود النقصان فإن المذهب اضطرب فيه، فمرة قال فيه إنه إن رضي بالنقصان جاز الصرف، وإن طلب البدل انتقض الصرف قياسا على الزيوف، ومرة قال‏:‏ يبطل الصرف وإن رضي به، وهو ضعيف‏.‏ واختلفوا أيضا إذا قبض بعض الصرف وتأخر بعضه، أعني الصرف المنعقد على التناجز، فقيل يبطل الصرف كله، وبه قال الشافعي؛ وقيل يبطل منه المتأخر فقط، وبه قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف، والقولان في المذهب؛ ومبني الخلاف الخلاف في الصفقة الواحدة يخالطها حرام وحلال هل تبطل الصفقة كلها، أو الحرام منها فقط‏؟‏‏.‏

-‏(‏المسألة الخامسة‏)‏ أجمع العلماء على أن المراطلة جائزة في الذهب بالذهب وفي الفضة بالفضة، وإن اختلف العدد لاتفاق الوزن، وذلك إذا كانت صفة الذهبين واحدة‏.‏ واختلفوا في المراطلة في موضعين‏:‏ أحدهما أن تختلف صفة الذهبين‏.‏ والثاني أن ينقص أحد الذهبين عن الآخر، فيريد الآخر أن يزيد بذلك عرضا أو دراهم إن كانت المراطلة بذهب، أو ذهبا إن كانت المراطلة بدراهم، فذهب مالك، أما في الموضع الأول، وهو أن يختلف جنس المراطل بهما في الجودة والرداءة أنه متى راطل بأحدهما بصنف من الذهب الواحد وأخرج الآخر ذهبين، أحدهما أجود من ذلك الصنف الواحد والآخر أردأ، فإن ذلك عنده لا يجوز، وإن كان الصنف الواحد من الذهبين، أعني الذي أخرجه وحده أجود من الذهبين المختلفين اللذين أخرجهما الآخر أو أردأ منهما معا، أو مثل أحدهما وأجود من الثاني جازت المراطلة عنده‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ إذا اختلف الذهبان فلا يجوز ذلك‏.‏ وقال أبو حنيفة وجميع الكوفيين والبصريين يجوز جميع ذلك‏.‏ وعمدة مذهب مالك في منعه ذلك الاتهام، وهو مصير إلى القول بسد الذرائع، وذلك أنه يتهم أن يكون المراطل إنما قصد بذلك بيع الذهبين متفاضلا، فكأنه أعطى جزءا من الوسط بأكثر منه من الأردأ، أو بأقل منه من الأعلى، فيتذرع من ذلك إلى بيع الذهب بالذهب متفاضلا، مثال ذلك أن إنسانا قال لآخر‏:‏ خذ مني خمسة وعشرين مثقالا وسطا بعشرين من الأعلى، فقال‏:‏ لا يجوز هذا لنا، ولكن أعطيك عشرين من الأعلى وعشرة أدنى من ذهبك، وتعطيني أنت ثلاثين من الوسط، فتكون العشرة الأدنى يقابلها خمسة من ذهبك، ويقابل العشرين من ذهب الوسط العشرين من ذهبك الأعلى‏.‏ وعمدة الشافعي اعتبار التفاضل الموجود في القيمة‏.‏ وعمدة أبي حنيفة اعتبار وجود الوزن من الذهبين ورد القول بسد الذرائع‏.‏ وكمثل اختلافهم في المصارفة التي تكون بالمراطلة اختلفوا في هذا الموضع في المصارفة التي تكون بالعدد، أعني إذا اختلفت جودة الذهبين أو الأذهاب‏.‏ وأما اختلافهم إذا نقصت المراطلة، فأراد أحدهما أن يزيد شيئا آخر مما فيه الربا، أو مما لا ربا فيه، فقريب من هذا الاختلاف، مثل أن يراطل أحدهما صاحبه ذهب بذهب، فينقص أحد الذهبين عن الآخر، فيريد الذي نقص ذهبه أن يعطي عوض الناقص دراهم أو عرضا، فقال مالك والشافعي والليث‏:‏ إن ذلك لا يجوز والمراطلة فاسدة؛ وأجاز ذلك كله أبو حنيفة والكوفيون‏.‏ وعمدة الحنفية تقدير وجود المماثلة من الذهبين وبقاء الفضل مقابل العرض‏.‏ وعمدة مالك التهمة في أن يقصد بذلك بيع الذهب بالذهب متفاضلا‏.‏ وعمدة الشافعي عدم المماثلة بالكيل أو الوزن أو العدد الذي بالفضل، ومثل هذا يختلفون إذا كانت المصارفة بالعدد‏.‏

-‏(‏المسألة السادسة‏)‏ واختلفوا في الرجلين يكون لأحدهما على صاحبه دنانير وللآخر عليه دراهم، هل يجوز أن يتصارفاها وهي في الذمة‏؟‏ فقال مالك‏:‏ ذلك جائز إذا كانا قد حلا معا؛ وقال أبو حنيفة يجوز في الحال وفي غير الحال؛ وقال الشافعي والليث‏:‏ لا يجوز ذلك حلا أو لم يحلا‏.‏ وحجة من لم يجزه أنه غائب بغائب، وإذا لم يجز غائب بناجز كان أحرى أن لا يجوز غائب بغائب‏.‏ وأما مالك فأقام حلول الأجلين في ذلك مقام الناجز بالناجز، وإنما اشترط أن يكونا حالين معا، لئلا يكون ذلك من بيع الدين بالدين‏.‏ وبقول الشافعي قال ابن وهب وابن كنانة من أصحاب مالك؛ وقريب من هذا اختلافهم في جواز الصرف على ما ليس عندهما إذا دفعه أحدهما إلى صاحبه قبل الافتراق مثل أن يستقرضاه في المجلس فتقابضاه قبل الافتراق فأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة وكرهه ابن القاسم من الطرفين واستخفه من الطرف الواحد، أعني إذا كان أحدهما هو المستقرض فقط‏.‏ وقال زفر‏:‏ لا يجوز ذلك إلا أن يكون من طرف واحد‏.‏ ومن هذا الباب اختلافهم في الرجل يكون له على الرجل دراهم إلى أجل هل يأخذ فيها إذا حل الأجل ذهبا أو بالعكس‏؟‏ فذهب مالك إلى جواز ذلك إذا كان القبض قبل الافتراق، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه أجاز ذلك وإن لم يحل الأجل ولم يجز ذلك جماعة من العلماء، سواء كان الأجل حالا أو لم يكن، وهو قول ابن عباس وابن مسعود‏.‏ وحجة من أجاز ذلك حديث ابن عمر قال ‏"‏كنت أبيع الإبل بالبقيع، أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏لا بأس بذلك إذا كان بسعر يومه‏"‏ خرجه أبو داود‏.‏ وحجة من لم يجزه ما جاء في حديث أبي سعيد وغيره ‏"‏ولا تبيعوا منها غائبا بناجز‏"‏‏.‏

-‏(‏المسألة السابعة‏)‏ اختلف في البيع والصرف في مذهب مالك فقال‏:‏ إنه لا يجوز إلا أن يكون أحدهما الأكثر والآخر تبع لصاحبه، وسواء كان الصرف في دينار واحد أو في دنانير؛ وقيل إن كان الصرف في دينار واحد جاز كيفما وقع، وإن كان في أكثر اعتبر كون أحدهما تابعا للآخر في الجواز، فإن كانا معا مقصودين لم يجز، وأجاز أشهب الصرف والبيع وهو أجود، لأنه ليس في ذلك ما يؤدي إلى ربا ولا إلى غرر‏.‏

كتاب السلم حذف التشكيل

-وفي هذا الكتاب ثلاثة أبواب‏:‏ الباب الأول‏:‏ في محله وشروطه‏.‏ الباب الثاني‏:‏ فيما يجوز أن يقتضي من المسلم إليه بدل ما انعقد عليه السلم، وما يعرض في ذلك من الإقالة والتعجيل والتأخير‏.‏ الباب الثالث‏:‏ في اختلافهم في السلم‏.‏

الباب الأول في محله وشروطه‏.‏ حذف التشكيل

-أما محله، فإنهم اجمعوا على جوازه في كل ما يكال أو يوزن لما ثبت من حديث ابن عباس المشهور قال ‏"‏قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلمون في التمر السنتين والثلاث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من أسلف فليسلف في ثمن معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم‏"‏ واتفقوا على امتناعه فيما لا يثبت في الذمة، وهي الدور والعقار‏.‏ وأما سائر ذلك من العروض والحيوان فاختلفوا فيها، فمنع ذلك داود وطائفة من أهل الظاهر مصيرا إلى ظاهر هذا الحديث‏.‏ والجمهور على أنه جائز في العروض التي تنضبط بالصفة والعدد‏.‏ واختلفوا من ذلك فيما ينضبط مما لا ينضبط بالصفة، فمن ذلك الحيوان والرقيق، فذهب مالك والشافعي والأوزاعي والليث إلى أن السلم فيهما جائز، وهو قول ابن عمر من الصحابة‏.‏ وقال أبو حنيفة والثوري وأهل العراق‏:‏ لا يجوز السلم في الحيوان، وهو قول ابن مسعود‏.‏ وعن عمر في ذلك قولان‏.‏ وعمدة أهل العراق في ذلك ما روي عن ابن عباس ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السلف في الحيوان‏"‏ وهذا الحديث ضعيف عند الفريق الأول‏.‏ وربما احتجوا أيضا بنهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة‏.‏ وعمدة من أجاز السلم في الحيوان ما روي عن ابن عمر ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا، فنفذت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلاص الصدقة، فأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة‏"‏ وحديث أبي رافع أيضا ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرا‏"‏ قالوا‏:‏ وهذا كله يدل على ثبوته في الذمة‏.‏ فسبب اختلافهم شيئان‏:‏ أحدهما تعارض الآثار في هذا المعنى‏.‏ والثاني تردد الحيوان بين أن يضبط بالصفة أو لا يضبط، فمن نظر إلى تباين الحيوان في الخلق والصفات وبخاصة صفات النفس قال‏:‏ لا تنضبط؛ ومن نظر إلى تشابهها قال‏:‏ تنضبط‏.‏ ومنها اختلافهم في البيض والدر وغير ذلك، فلم يجز أبو حنيفة السلم في البيض وأجازه مالك بالعدد، وكذلك في اللحم أجازه مالك والشافعي، ومنعه أبو حنيفة؛ وكذلك السلم في الرءوس والأكارع، أجازه مالك، ومنعه أبو حنيفة‏.‏ واختلف في ذلك قول أبي حنيفة والشافعي؛ وكذلك السلم في الدر والفصوص، أجازه مالك، ومنعه الشافعي، وقصدنا من هذه المسائل إنما هو الأصول الضابطة للشريعة لا إحصاء الفروع، لأن ذلك غير منحصر‏.‏

‏(‏وأما شروطه‏)‏ فمنها مجمع عليها ومنها مختلف فيها، فأما المجمع عليها فهي ستة‏:‏ منها أن يكون الثمن والمثمون مما يجوز فيه النَّساء، وامتناعه فيما لا يجوز فيه النَّساء، وذلك إما اتفاق المنافع على ما يراه مالك رحمه الله، وإما اتفاق الجنس على ما يراه أبو حنيفة، وإما اعتبار الطعم مع الجنس على ما يراه الشافعي في علة النَّساء‏.‏ ومنها أن يكون مقدرا إما بالكيل أو بالوزن أو بالعدد إن كان مما شأنه أن يلحقه التقدير، أو منضبطا بالصفة إن كان مما المقصود منه الصفة‏.‏ ومنها أن يكون موجودا عند حلول الأجل‏.‏ ومنها أن يكون الثمن غير مؤجل أجلا بعيدا، لئلا يكون من باب الكالئ بالكالئ، هذا في الجملة‏.‏ واشترطوا في اشتراط اليومين والثلاثة في تأخير نقد الثمن بعد اتفاقهم على أن لا يجوز في المدة الكثيرة ولا مطلقا، فأجاز مالك اشتراط تأخير اليومين والثلاثة، وأجاز تأخيره بلا شرط‏.‏ وذهب أبو حنيفة إلى أن من شرطه التقابض في المجلس كالصرف، فهذه ستة متفق عليها‏.‏ واختلفوا في أربعة‏:‏ أحدها الأجل، هل هو شرط فيه أم لا‏؟‏ والثاني هل من شرطه أن يكون جنس المسلم فيه موجودا في حال عقد السلم أم لا‏؟‏‏.‏ والثالث اشتراط مكان دفع المسلم فيه‏.‏ والرابع أن يكون الثمن مقدرا إما مكيلا وإما موزونا وإما معدودا وأن لا يكون جزافا‏.‏ فأما الأجل فإن أبا حنيفة هو عنده شرط صحة بلا خلاف عنه في ذلك؛ وأما مالك فالظاهر من مذهبه، والمشهور عنه أنه من شرط السلم، وقد قيل إنه يتخرج من بعض الروايات عنه جواز السلم الحالّ‏.‏ وأما اللخمي فإنه فصل الأمر في ذلك فقال‏:‏ إن السلم في المذهب يكون على ضربين‏:‏ سلم حالّ، وهو الذي يكون من شأنه بيع تلك السلعة وسلم مؤجل، وهو الذي يكون ممن ليس من شأنه بيع تلك السلعة‏.‏ وعمدة من اشترط الأجل شيئان‏:‏ ظاهر حديث ابن عباس؛ والثاني أنه إذا لم يشترط فيه الأجل كان من باب بيع ما ليس عند البائع المنهي عنه‏.‏ وعمدة الشافعي أنه إذا أجاز مع الأجل فهو حالا أجوز لأنه أقل غررا، وربما استدلت الشافعية بما روي ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى جملا من أعرابي بوسق تمر، فلما دخل البيت لم يجد التمر، فاستقرض النبي صلى الله عليه وسلم تمرا وأعطاه إياه‏"‏ قالوا‏:‏ فهذا هو شراء حالّ بتمر في الذمة، وللمالكية من طريق المعنى أن السلم إنما جوز لموضع الارتفاق، ولأن المسلف يرغب في تقديم الثمن لاسترخاص المسلم فيه، والمسلم إليه يرغب فيه لموضع النسيئة، وإذا لم يشترط الأجل زال هذا المعنى‏.‏ واختلفوا في الأجل في موضعين‏:‏ أحدهما هل يقدر بغير الأيام والشهور مثل الجذاذ والقطاف والحصاد والموسم‏؟‏‏.‏ والثاني في مقداره من الأيام‏.‏ وتحصيل مذهب مالك في مقداره من الأيام أن المسلم فيه على ضربين‏:‏ ضرب يقتضي بالبلد المسلم فيه، وضرب يقتضي بغير البلد الذي وقع فيه السلم؛ فإن اقتضاه في البلد المسلم فيه، فقال ابن القاسم‏:‏ إن المعتبر في ذلك أجل تختلف فيه الأسواق، وذلك خمسة عشر يوما أو نحوها‏.‏ وروي عن ابن وهب عن مالك أنه يجوز اليومين والثلاثة؛ وقال ابن عبد الحكم‏:‏ لا بأس به إلى اليوم الواحد‏.‏ وأما ما يقتضي ببلد آخر، فإن الأجل عندهم فيه هو قطع المسافة التي بين البلدين قلت أم كثرت، وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يكون أقل من ثلاثة أيام؛ فمن جعل الأجل شرطا غير معلل اشترط منه أقل ما ينطلق عليه الاسم؛ ومن جعله شرطا معللا باختلاف الأسواق اشترط من الأيام ما تختلف فيه الأسواق غالبا‏.‏ وأما الأجل إلى الجذاذ والحصاد وما أشبه ذلك فأجازه مالك ومنعه أبو حنيفة والشافعي؛ فمن رأى أن الاختلاف الذي يكون في أمثال هذه الآجال يسير أجاز ذلك، إذ الغرر اليسير معفو عنه في الشرع، وشبهه بالاختلاف الذي يكون في الشهور من قبل الزيادة والنقصان؛ ومن رأى أنه كثير، وأنه أكثر من الاختلاف الذي يكون من قبل نقصان الشهور وكمالها لم يجزه‏.‏ وأما اختلافهم في هل من شرط السلم أن يكون جنس المسلم فيه موجودا في حين عقد السلم، فإن مالكا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور لم يشترطوا ذلك وقالوا‏:‏ يجوز السلم في غير وقت إبانه‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي‏:‏ لا يجوز السلم إلا في إبان الشيء المسلم فيه‏.‏ فحجة من لم يشترط الإبان ما ورد في حديث ابن عباس أن الناس كانوا يسلمون في التمر السنتين والثلاث فأقروا على ذلك ولم ينهوا عنه‏.‏ وعمدة الحنفية ما روي من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏لا تسلموا في النخل حتى يبدو صلاحها‏"‏ وكأنهم رأوا أن الغرر يكون فيه أكثر إذا لم يكن موجودا في حال العقد، وكأنه يشبه بيع ما لم يخلق أكثر، وإن كان ذلك معينا وهذا في الذمة، وبهذا فارق السلم بيع ما لم يخلق‏.‏

‏(‏وأما الشرط الثالث‏)‏ وهو مكان القبض، فإن أبا حنيفة اشترطه تشبيها بالزمان ولم يشترطه غيره وهم الأكثر‏.‏ وقال القاضي أبو محمد‏:‏ الأفضل اشتراطه‏.‏ وقال ابن المواز‏:‏ ليس يحتاج إلى ذلك‏.‏

‏(‏وأما الشرط الرابع‏)‏ وهو أن يكون الثمن مقدرا مكيلا أو موزونا أو معدودا أو مذروعا لا جزافا، فاشترط ذلك أبو حنيفة، ولم يشترطه الشافعي ولا صاحبا أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد، قالوا‏:‏ وليس يحفظ عن مالك في ذلك نص، إلا أنه يجوز عنده بيع الجزاف، إلا فيما يعظم الغرر فيه على ما تقدم من مذهبه‏.‏ وينبغي أن تعلم أن التقدير في السلم يكون بالوزن فيما يمكن فيه الوزن، وبالكيل فيما يمكن فيه الكيل، وبالذرع فيما يمكن فيه الذرع، وبالعدد فيما يمكن فيه العدد‏.‏ وإن لم يكن فيه أحد هذه التقديرات انضبط بالصفات المقصودة من الجنس مع ذكر الجنس إن كان أنواعا مختلفة، أو مع تركه إن كان نوعا واحدا، ولم يختلفوا أن السلم لا يكون إلا في الذمة وأنه لا يكون في معين؛ وأجاز مالك السلم في قرية معينة إذا كانت مأمونة، وكأنه رآها مثل الذمة‏.‏

الباب الثاني حذف التشكيل‏.‏ فيما يجوز أن يقتضي من المسلم إليه بدل ما انعقد عليه السلم، وما يعرض في ذلك من الإقالة والتعجيل والتأخير‏.‏

-وفي هذا الباب فروع كثيرة، لكن نذكر منها المشهور‏:‏

-‏(‏مسألة‏)‏ اختلف العلماء فيمن أسلم في شيء من الثمر، فلما حل الأجل تعذر تسليمه حتى عدم ذلك المسلم فيه وخرج زمانه، فقال الجمهور‏:‏ إذا وقع ذلك كان المسلم بالخيار بين أن يأخذ الثمن أو يصير إلى العام القابل، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وابن القاسم؛ وحجتهم أن العقد وقع على موصوف في الذمة فهو باق على أصله، وليس من شرط جوازه أن يكون من ثمار هذه السنة، وإنما هو شيء شرطه المسلم فهو في ذلك بالخيار‏.‏ وقال أشهب من أصحاب مالك‏:‏ ينفسخ السلم ضرورة ولا يجوز التأخير، وكأنه رآه من باب الكالئ بالكالئ‏.‏ وقال سحنون‏:‏ ليس له أخذ الثمن، وإنما له أن يصبر إلى القابل، واضطرب قول مالك في هذا والمعتمد عليه في هذه المسألة ما رآه أبو حنيفة والشافعي وابن القاسم، وهو الذي اختاره أبو بكر الطرطوشي، والكالئ بالكالئ المنهى عنه إنما هو المقصود، لا الذي يدخل اضطرارا‏.‏

-‏(‏مسألة‏)‏ اختلف العلماء في بيع المسلم فيه إذا حان الأجل من المسلم إليه قبل قبضه؛ فمن العلماء من لم يجز ذلك أصلا، وهم القائلون بأن كل شيء لا يجوز بيعه قبل قبضه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق‏.‏ وتمسك أحمد وإسحاق في منع هذا بحديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره‏"‏‏.‏ وأما مالك فإنه منع شراء المسلم فيه قبل قبضه في موضعين‏:‏ أحدهما إذا كان المسلم فيه طعاما، وذلك بناء على مذهبه في أن الذي يشترطه في بيعه القبض هو الطعام على ما جاء عليه النص في الحديث‏.‏ والثاني إذا لم يكن المسلم فيه طعاما فأخذ عوضه المسلم ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله مثل أن يكون المسلم فيه عرضا والثمن عرضا مخالفا له فيأخذ المسلم من المسلم إليه إذا حان الأجل شيئا من جنس ذلك العرض الذي هو الثمن، وذلك أن هذا يدخله إما سلف وزيادة إن كان العرض المأخوذ أكثر من رأس مال السلم، وإما ضمان وسلف إن كان مثله أو أقل‏.‏ وكذلك إن كان رأس مال السلم طعاما لم يجز أن يأخذ فيه طعاما آخر أكثر، لا من جنسه ولا من غير جنسه، فإن كان مثل طعامه في الجنس والكيل والصفة فيما حكاه عبد الوهاب جاز، لأنه يحمله على العروض، وكذلك يجوز عنده أن يأخذ من الطعام المسلم فيه طعاما من صفته وإن كان أقل جودة، لأنه عنده من باب البدل في الدنانير‏.‏ والإحسان مثل أن يكون له عليه قمح فيأخذ بمكيلته شعيرا، وهذا كله من شرطه عند مالك أن لا يتأخر القبض لأنه يدخله الدين بالدين‏.‏ وإن كان رأس مال السلم عينا وأخذ المسلم فيه عينا من جنسه جاز ما لم يكن أكثر منه، ولم يتهمه على بيع العين بالعين نسيئة إذا كان مثله أو أقل، وإن أخذ دراهم في دنانير لم يتهمه على الصرف المتأخر، وكذلك إن أخذ فيه دنانير من غير صنف الدنانير التي هي رأس مال السلم‏.‏ وأما بيع السلم من غير المسلم إليه، فيجوز بكل شيء يجوز التبايع به ما لم يكن طعاما، لأنه لا يدخله بيع الطعام قبل قبضه‏.‏ وأما الإقالة فمن شرطها عند مالك أن لا يدخلها زيادة ولا نقصان، فإن دخلها زيادة أو نقصان كان بيعا من البيوع ودخلها ما يدخل البيوع، أعني أنها تفسد عنده بما يفسد بيوع الآجال مثل أن يتذرع إلى بيع وسلف، أو إلى‏:‏ ضع وتعجل، أو إلى بيع السلم بما لا يجوز بيعه‏.‏ مثال ذلك في دخول بيع وسلف به إذا حل الأجل، فأقاله على أن أخذ البعض وأقال من البعض فإنه لا يجوز عنده فإنه يدخله التذرع إلى بيع وسلف، وذلك جائز عند الشافعي وأبي حنيفة، لأنهما لا يقولان بتحريم بيوع الذرائع‏.‏

-‏(‏مسألة‏)‏ اختلف العلماء في الشراء برأس مال السلم من المسلم إليه شيئا بعد الإقالة بما لا يجوز قبل الإقالة؛ فمن العلماء من لم يجزه أصلا، ورأى أن الإقالة ذريعة إلى أن يجوز من ذلك ما لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه، إلا أن عند أبي حنيفة لا يجوز على الإطلاق، إذ كان لا يجوز عنده بيع المسلم فيه قبل القبض على الإطلاق؛ ومالك يمنع ذلك في المواضع التي يمنع بيع المسلم فيه قبل القبض على ما فصلناه قبل هذا من مذهبه؛ ومن العلماء من أجازه، وبه قال الشافعي والثوري‏.‏ وحجتهم أن بالإقالة قد ملك رأس ماله، فإذا ملكه جاز له أن يشتري به ما أحب، والظن الرديء بالمسلمين غير جائز‏.‏ قال‏:‏ وأما حديث أبي سعيد فإنه إنما وقع النهي فيه قبل الإقالة‏.‏

-‏(‏مسألة‏)‏ اختلفوا إذا ندم المبتاع في السلم فقال للبائع‏:‏ أقلني وأنظرك بالثمن الذي دفعت إليك، فقال مالك وطائفة‏:‏ ذلك لا يجوز؛ وقال قوم‏:‏ يجوز؛ واعتل مالك في ذلك مخافة أن يكون المشتري لما حل له الطعام على البائع أخره عنه على أن يقبله، فكان ذلك من باب بيع الطعام إلى أجل قبل أن يستوفي؛ وقوم اعتلوا لمنع ذلك بأنه من باب فسخ الدين بالدين؛ والذين رأوه جائزا رأوه أنه من باب المعروف والإحسان الذي أمر الله تعالى به‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من أقال مسلما صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة، ومن أنظر معسرا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله‏"‏‏.‏

-‏(‏مسألة‏)‏ أجمع العلماء على أنه كان لرجل على رجل دراهم أو دنانير إلى أجل فدفعها إليه عند محل الأجل وبعده أنه يلزمه أخذها‏.‏ واختلفوا في العروض المؤجلة من السلم وغيره، فقال مالك والجمهور‏:‏ إن أتى بها قبل محل الأجل لم يلزمه أخذها‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ إن كان مما لا يتغير ولا يقصد به النظارة لزمه أخذه كالنحاس والحديد، وإن كان مما يقصد به النظارة كالفواكه لم يلزمه‏.‏ وأما إذا أتى به بعد محل الأجل فاختلف في ذلك أصحاب مالك فروي عنه أنه يلزمه قبضه مثل أن يسلم في قطائف الشتاء فيأتي بها في الصيف، فقال ابن وهب وجماعة‏:‏ لا يلزمه ذلك‏.‏ وحجة الجمهور في أنه لا يلزمه قبض العروض قبل محل الأجل من قبل أنه من ضمانه إلى الوقت المضروب الذي قصده، ولما كان عليه من المؤنة في ذلك، وليس كذلك الدنانير والدراهم، إذ لا مؤنة فيها، ومن لم يلزمه بعد الأجل فحجته أنه رأى أن المقصود من العروض إنما كان وقت الأجل لا غيره‏.‏ وأمر من أجاز ذلك في الوجهين، أعني بعد الأجل أو قبله فشبهه بالدنانير والدراهم‏.‏

-‏(‏مسألة‏)‏ اختلف العلماء فيمن أسلم إلى آخر أو باع منه طعاما على مكيلة ما فأخبر البائع أو المسلم إليه المشتري بكيل الطعام، هل للمشتري أن يقبضه منه دون أن يكيله وأن يعمل في ذلك على تصديقه‏؟‏ فقال مالك‏:‏ ذلك جائز في السلم وفي البيع بشرط النقد، وإلا خيف أن يكون من باب الربا، كأنه إنما صدقه في الكيل لمكان أنه أنظره بالثمن‏.‏ وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي والليث‏:‏ لا يجوز ذلك حتى يكيله البائع للمشتري مرة ثانية بعد أن كاله لنفسه بحضرة البائع‏.‏ وحجتهم أنه لما كان ليس للمشتري أن يبيعه إلا بعد أن يكيله لم يكن له أن يقبضه إلا بعد أن يكيله البائع له، لأنه لما كان من شرط البيع الكيل فكذلك القبض واحتجوا بما جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان‏:‏ صاع البائع، وصاع المشتري‏.‏ واختلفوا إذا هلك الطعام في يد المشتري قبل الكيل، فاختلفا في الكيل، فقال الشافعي‏:‏ القول قول المشتري، وبه قال أبو ثور؛ وقال مالك‏:‏ القول قول البائع لأنه قد صدقه المشتري عند قبضه إياه، وهذا مبني عنده على أن البيع يجوز بنفس تصديقه‏.‏

الباب الثالث في اختلاف المتبايعين في السلم‏.‏ حذف التشكيل

-والمتبايعان في السلم إما أن يختلفا في قدر الثمن أو المثمون، وإما في جنسهما، وإما في الأجل، وإما في مكان قبض السلم‏.‏ فأما اختلافهم في قدر المسلم فيه، فالقول فيه قول المسلم إليه إن أتى بما يشبه، وإلا فالقول أيضا قول المسلم إن أتى أيضا بما يشبه، فإن أتيا بما لا يشبه فالقياس أن يتحالفا ويتفاسخا‏.‏ وأما اختلافهم في جنس المسلم فيه، فالحكم في ذلك التحالف والتفاسخ، مثل أن يقول أحدهما‏:‏ أسلمت في تمر، ويقول الآخر‏:‏ في قمح‏.‏ وأما اختلافهم في الأجل فإن كان في حلوله فالقول قول المسلم إليه، وإن كان في قدره فالقول أيضا قول المسلم إليه إلا أن يأتي بما لا يشبه، مثل أن يدعي المسلم وقت إبان المسلم فيه، ويدعي المسلم إليه غير ذلك الوقت، فالقول قول المسلم‏.‏ وأما اختلافهم في موضع القبض، فالمشهور أن من ادعى موضع عقد السلم فالقول قوله، وإن لم يدعه واحد منهما فالقول قول المسلم إليه‏.‏ وخالف سحنون في الوجه الأول فقال‏:‏ القول قول المسلم إليه وإن ادعى القبض في موضع العقد وخالف أبو الفرج في الموضع الثاني فقال‏:‏ إذا لم يدع واحد منهما موضع العقد تحالفا وتفاسخا‏.‏ وأما اختلافهم في الثمن فحكمه حكم اختلاف المتبايعين قبل القبض، وقد تقدم ذلك‏.‏

بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"