بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 11 يونيو 2011

قواعد تربية الطفل من خلال القرآن والسنة

تربية الطفل في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الأول

تعريف التربية والطفل لغةً واصطلاحاً، وحقوق المولود قبل الولادة، وبعدها، وصفات المربي الناجح

المبحث الأول : تعريف التربية والطفل لغةً واصطلاحاً

المطلب الأول : تعريف التربية لغةً

المطلب الثاني : تعريف التربية إصطلاحاً

المطلب الثالث : تعريف الطفل لغةً

المطلب الرابع: الطفل في الإصطلاح

المبحث الثاني : حقوق المولود قبل الولادة :

المطلب الأول : إختيار الزوجة الصالحة والزوج الصالح.

المطلب الثاني : حقوق الجنين

المبحث الثالث : المولود ما بعد الولادة

المطلب الأول : استحباب البشارة بالمولود

المطلب الثاني: الأذان في أذنه اليمنى، والإقامة في أذنه اليسرى

المطلب الثالث: استحباب التحنيك

المطلب الرابع: تسمية الطفل

المطلب الخامس: استحباب حلق رأس الطفل.

المطلب السادس : العقيقة

المطلب السابع: الختان

المطلب الثامن : الرضاعة الى الحولين والفطام

المطلب التاسع : الحضانة والولاية

المبحث الرابع : صفات المربي الناجح

المطلب الأول: " العِلم

المطلب الثاني: الأمانة

المطلب الثالث: القوة

المطلب الرابع: العدل

المطلب الخامس: الحرص

المطلب السادس: الحزم

المطلب السابع: الصلاح

المطلب الثامن: الصدق

المطلب التاسع: الحكمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الأول

تعريف التربية والطفل لغةً واصطلاحاً، وحقوق المولود قبل الولادة وبعدها، وصفات المربي الناجح

المبحث الأول : تعريف التربية والطفل لغةً واصطلاحاً

المطلب الأول : تعريف التربية لغةً

بالعودة الى المعاجم نجد أن كلمة تربية من الجذر ربا يربو تحمل المعاني التالية :

1) الزيادة والنمو :

ربا الشيء يربو ربواً ورباءً : زاد ونما

وأرببته نميته (1) ، وفي التنزيل : } ويربي الصدقات { (2) .

2) النشأة : ربيب رباءً وربياً : نشأت (3).

ومن الجذر : ربّ : يَرُبُّ تحمل المعاني الآتية :

1)حفظ الشيء ورعايته : ربَّ ولده والصبي يَرُبُّه ربّاً بمعنى رباه. وفي الحديث : ( لك نعمة تربها) : أي تحفظها وترعيها وتربيها كما يربي الرجل ولده (1)

2)حسن القيام بالطفل ووليه حتى يدرك. رب ولده والصبي يربه رباً : رباه أي أحسن القيام ووليه حتى أدرك أي فارق الطفولية كان ابنه أم لم يكن . (2)

3) التعليم : الرَّبِّي : منسوب الى الرب ، الرباني الموصوف بعلم الرب ، قيل هو من الرب بمعنى التربية ، كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارهم (3)

4) التأديب : رب الولد : يؤدبه (4)

5) التكفل بأمور الصغير : الرابُّ كافل ، وهو زوج أم اليتيم وهو اسم فاعل ، من ربه : يربه أي أنه يكفل بأمره ، وفي حديث مجاهد ، كأن يكره أن يتزوج الرجل إمرأة رابّه، يعني أمرأة زوج أمه لأنه كان يربيه(5)

1)

المطلب الثاني : تعريف التربية إصطلاحاً

التربية هي : " مجموعة التصرفات العملية والقولية التي يمارسها راشد بإرادته نحو صغير ، بهدف مساعدته في اكتمال نموه وتفتح استعداداته اللازمة وتوجيه قدراته ، ليتمكن من الإستقلال في ممارسة النشاطات وتحقيق الغايات التي يعد لها بعد البلوغ ، في ضوء توجيهات القرآن والسنة " (1)

والتربية الإسلامية هي :" تنمية جميع جوانب الشخصية الإسلامية الفكرية والعاطفية والجسدية والإجتماعية ، وتنظيم سلوكها على أساس من مبادئ الإسلام وتعاليمه ، بغرض تحقيق أهداف الإسلام في شتى مجالات الحياه " (2)

"والتربية الإسلامية ذات طابع شمولي تكاملي لجميع جوانب الشخصية الروحية والعقلية والوجدانية والإخلاقية والجسمية والإجتماعية والإنسانية ، وفق معيار الإعتدال والإتزان ، فلا إفراط في جانب دون غيره ولا تفريط في جانب لحساب آخر"

المطلب الرابع: الطفل في الإصطلاح

الطفل : هو " عالم من المجاهيل المعقدة كعالم البحار الواسع الذي كلما خاضه الباحثون ، كلما وجدوا فيه كنوزاً وحقائق علمية جديدة . لا زالت منخفية عنهم وذلك لضعف وضيق إدراكهم المحدود من جهة ، واتساع نطاق هذا العالم من جهة أخرى" (1).

مدة الطفولة :

" والواقع أن الطفولة البشرية تمتد سنوات لا تقل عن اثني عشر سنة ، كما أن الطفولة البشرية تزداد بازدياد التقدم البشري " (2)

" والطفولة : المرحلة من الميلاد الى البلوغ " (3)

المبحث الثاني : حقوق المولود قبل الولادة :راجع مادة نظام الاسرة

المطلب الثاني : حقوق الجنين

الجنين في اللغة : من الفعل الثلاثي جَنَنَ : أي استتر ، وجنَّ الليل أظلم ، والجنين الولد ما دام في الرحم والجمع أجنه وأجبن(1)، وكل شيء سُتر عنك فقد جنَّ عنك (2)

والجنين عند الأطباء : ثمرة الحمل في الرحم حتى نهاية الأسبوع الثامن ، وبعده يدعى بالحمل

والجنين في علم الحياء : النبات الأول في الحبة ، والحيّ من مبدأ انقسام اللاقحه حتى يبرز الى الخارج (3)

قال تعالى : }وإذا أنتم أجنة في بطون أمهاتكم {(4)

" إن الشريعة تعتبر الجنين كائناً مستقلاً يتمتع بالحقوق الإنسانية التي يتمتع بها الآخرون دون أن يؤثر في ذلك أنه مستظل بحياة أمه داخل في كينونتها وغير منفصل عنها " (5)

من الحقوق التي تتعلق بحياء الجنين وسلامته :

1) وجهة الشارع الآباء الى اتخاذ الوسائل التي تكون بها حماية الطفل وصيانته من نزعات الشيطان عند وصفه في الرحم وذلك بالدعاء عند الجماع رجاء الولد الصالح(6)

عن ابن عباس قال : قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ( أما لو أنَّ أحدهم يقول حين يأتي أهله باسم الله، اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، ثم قدر بينهما في ذلك أو قضي ولد لم يضره شيطان أبدا ) (1)

2)إباحة الفطر في رمضان للحامل إن خافت على جنينها

3)الإسلام يدعو المرأة الحامل أن تأكل الطعام الطيب المفيد للجنين حيث تحتوي الوجبات الغذائية على نسبة كبيرة من الكالسيوم لبناء العظام والأسنان ، والحديد المهم للدم والفيتامينات وغير ذلك من الطعام المفيد المغذي للأم والجنين ،

وبالتالي فأن حالة الأم النفسية والصحية تؤثر على الجنين ، فمثلاً عند تقرب الأم لله –سبحانه وتعالى – بالطاعات كالصلاة وقراءة القرآن ، فإن الجنين يشعر بالطمانينة كأمه.

4)تحريم الإجهاض

لا يصح للمرأه أن تسقط جنينها ، وإذا فعلت ذلك عمداً أثمت وكان عليها الكفَارة والغُرّة وهي عُشر دية الأم " (2)

ولا يجوز تناول الأدوية التي تشكل خطراً على الجنين أو التعرض المباشر للأشعه في فتره معينة من الحمل ، مما يؤدي إلى إسقاطه أو تشوهه.

1) " تأجيل إقامة الحد على المرأه الحامل حتى تضع حملها وذلك حرمة للجنين وإبقاء على حياته " (1)

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- للغامدية عندما جاءته وقالت له أنها زنت وأنها حامل ( امّا لا فاذهبي حتى تلدي ) .(2)

رتب الشارع عقوبات بدنية ومالية تلزم من يتقوى على الجنين (3)

عن أبي هريرة – رضي الله عنه- أن إمرأتين من هذيل ، رمت أحداهما الأخرى ، فطرحت جنينها ، فقضى فيه النبي – صلى الله عليه وسلم- بغرة : عبد أو أَمَة (4)

" وهذا الإهتمام كله بالجنين قبل أن يولد ، مفخرة من مفاخر هذا الدين " (5)

المبحث الثالث : المولود ما بعد الولادة

منذ الولادة حتى نهاية الحولين

المطلب الأول: استحباب البشارة بالمولود

" يستحب للمسلم أن يبادر الى مسرة أخيه المسلم إذا ولد له ولد مولود ، وذلك ببشارته وإدخال السرور عليه ، وفي ذلك تقوية للأواصر ، وتمتين للروابط ، ونشر لأجنحة المحبة والإلفة بين العوائل المسلمة " (1)

عن النعمان بن بشير قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم –( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد ، اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (2)

والقرآن الكريم ذكر البشارة بالولد في مواطن عدة قال تعالى : } فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى{(3)

وقال أبو بكر بن المنذر في الأوسط ، وروينا عن الحسن البصري : أن رجلاً جاء اليه ، وعنده رجل قد ولد له غلام ، فقال له يهنئك الفارس فقال له الحسن : ما يدريك فارس هو أم حمار ؟ قال : فكيف تقول ؟ قال : بورك في الموهوب ، شكرت الواهب ، وبلغ أشده ورزقت بره" (4)

المطلب الثاني: الأذان في أذنه اليمنى، والإقامة في أذنه اليسرى

قال ابن قيم الجوزية من سر التأذين :

أ) أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنه لكبرياء الرب وعظمته والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله الى الدنيا كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها.

ب) وهي هروب الشيطان من كلمات الآذان ، وهو كان يرصده حتى يولد

قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم – ( اذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ) (1)

جـ) أن تكون دعوته الى الله والى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان

المطلب الثالث: استحباب التحنيك

اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم –بتحنيك المولود (3)

عن أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه- قال: " وُلد لي غلام ، فأتيت به النبي – صلى الله عليه وسلم – فسماه ابراهيم ، فحنكه بتمرة ، ودعا له بالبركة ودفعه إليّ " (1)

قال النووي : " اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عند ولادته بتمر فإن تغذية فما في معناه وقريب منه الحلو فيمضغ المحنك التمر حتى تصير مائعه بحيث تبتلع ثم يفتح فم المولد ويضعها فيه ليدخل شيء منها جوفه ويستحب أن يكون المحنك من الصالحين وممن يتبرك به رجلاً أو إمرأة فإن لم يكن حاضراً عند المولود حمل إليه " (2)

" عن أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنهما – أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة، قالت : فخرجت وأنا مُتِمٌّ، [ أي اقتربت ولادتها ] فأتيت المدينة ، فنزلت قباء ، فولدت بقباء ، ثم أتيت به رسول الله- صلى الله عليه وسلم – فوضعه في حجره ، ثمَّ دعا بتمره فمضغها ، ثمَّ تفل في فيه ،فكان اول شيء دخل جوفه ريق رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ثم حنكه بالتمره ، ثم دعا له فبرك عليه ،وكان أول مولود في الإسلام ، ففرحوا له فرحاً شديداً ، لأنهم قيل لهم: إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم " (3)

" التحنيك معناه مضغ التمرة ودلك حنك المولود بها ، وذلك بوضع جزء من الممضوغ على الإصبع ، وإدخال الإصبع في فم المولد ، ثم تحريكه يميناً وشمالاً بحركة لطيفة ، حتى يبلغ الفم كله بالمادة المضوعة ، وإن لم يتيسر التمر فليكن التحنيك بأية مادة حلوة كالمعقود ، أو رائب السكر الممزوج بماء الزهر ، تطبيقاً للسنة ، واقتداءاً بفعله – صلى الله عليه وسلم-

ولعل الحكمة في ذلك تقوية عضلات الفم بحركة اللسان مع الحنك مع الفكين بالتلمظ ، حتى يتهيأ المولود للقم الثدي ، وامتصاص اللبن بشكل قوي ، وحاله طبيعيه " (1)

وللتمر فوائد جمة للطفل وللأم اكتشفها الطب الحديث ففيه نسبة عالية من الكربوهيدرات التي تمد الجسم بالطاقة ، وغير ذلك وقد خاطب الله- سبحانه وتعالى- مريم -عليها السلام -بإن تأكل التمر. قال تعالى : { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً {25}‏ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً }(2)

.

المطلب الرابع: تسمية الطفل

للإسم تأثير نفسي كبير على الإنسان لذلك أوجب الإسلام عند اختيار اسم الطفل يكون هذا الإسم حسناً وذا معنى جيد .

ما يستحب من الأسماء وما يكره :

(1) " إن مما يجب أن يهم به المربى عند تسمية الولد ،أن ينتقي له من الأسماء أحسنها وأجملها والتي منها عبد الله وعبد الرحمن .

عن ابن عمر – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله عليه وسلم- ( إن أحب أسمائكم الى الله -عز وجل- عبد الله وعبد الرحمن ) (1)

(2) عدم تسمية الإسم القبيح الذي يمس كرامته ويكون مدعاة للإستهزاء والسخرية عليه.

(3) عدم تسمية الطفل بالأسماء المختصة بالله سبحانه ، وفلا يجوز التسمية بالأحد ولا الصمد

(4) عدم تسمية الطفل بالأسماء المعبده لغير الله ، كعبد العزى ، وعبد الكعبة ، وعبد النبي وما شابهها فإن التسمية بهذه محرمة باتفاق .

(5) تجنيب الأسماء التي فيها تميع وتشبه وغرام ، حتى تتميز أمة الإسلام بشخصيتها

(6) تجنب الأسماء التي لها اشتاق من كلمات تشاؤم ، حتى يسلم الولد من مصيبة هذه التسمية وشؤمها ." (2)

عن أبي عمر رضي الله عنه أن ابنه لعمر كان يقال لها عاصيه ، فسماها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جميله (3)

الأحد، 5 يونيو 2011

بر الوالدين


المشهد الأول: يبدو الطفل صابر متثاقلا قد بدت عليه ملامح التعب وهو يدخل الى القسم.لاحظ صديقه محمد الذي كان لا يرافقه ذلك التعب في عينيه المكحلتين بالنوم وفي خطواته المتباطئة.وعند الخروج من القسم بادر محمد صابرا بالسؤال.
محمد: مالى أراك متعبا ؟
صابر:سهرت الى ساعة متأخرة من الليل....
محمد:لم تكن هذه عادتك...
صابر:صحيح....ولكن...
محمد:لكن ماذا؟
صابر: الحقيقة أن أمي مريضة جدا.وأبي متوفى.وليس لنا ثمن الدواء.وأنا أخشى.......(ثم هم بالبكاء وصمت....يحبس دموعه...)
محمد:هون عليك......سنتدبر الأمر باءذن الله.....لاتحزن ان الله معنا....
المشهد الثاني: عادكل واحد منهما الى منزله.وخامرت محمد فكرة.لم لا يقص الحكاية على أبيه؟؟ ثم تردد...ثم قرر أن يصارح أباه بعد أن عاد من العمل....
محمد:السلام عليك يا أبي..حمدالله على عودتك سالما....
الأب: أهلا بالولد البار(ولاحظ صابر أن أباه قد شعر أنه يريد شيئا....فقال له)
محمد:لقد عودتنا على الصراحة والتعاون وكثيرا ماكنت تقرأ القرآن علينا و تعلمنا اياه وتنصحنا بالعمل الصالح والقول الصالح
الأب:نعم ونعم القول
محمد:أبي ان لي صديقا تشتكي أمه من المرض وليس لهم ثمن الدواء.....وهي في أمس الحاجة الى المعالجة...
الأب: وماذا تنوي أن تفعل؟؟(يختبر ابنه..)
محمد: لقد اقترحت على أصدقائي أن نتبرع له بثمن الدواء والمعالجة قال تعالى"وتعاونوا علي البر والتقوى.ولاتعاونوا على الاثم والعدوان"
الأب:هيا أسرع هاك نصيبك من المال واشرع في جمع المال مع أصدقائك..ثم عد الي....
(وماهي الا لحظات حتى عاد محمد....وقد جمع مبلغا محترما....)
الأب:يامحمد اصطحب صابرا وامه الى العيادة عندي غدا صباحا....ان شاء الله....وأما ذاك المبلغ فتبرع به لصابر حتى يعين أمه....واعلم يا بني أن "الجنة تحت أقدام الأمهات".قال تعالى "وقضى ربك أن لاتعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا"
الى اللقاء مع تحيات الأستاذ هشام //في حكاية أخرى للأطفال


الأربعاء، 1 يونيو 2011

آفاق المستقبل

آفاق المستقبل

كيف يمكن للعالم العربي أن يتخفف من ديونه تمهيدا للتخلص منها نهائيا؟ هذا ما تحاول هذه الدراسة الإجابة عليه وفق ثلاثة مبادئ أساسية:

1- أن تكون هذه الحلول ممكنة التطبيق.
2- ألا تؤثر سلبياً في مجرى الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
3- أن تتسم هذه الحلول بالاستمرار.

صعود صاروخي في حجم الديون
تضاعفت الديون الخارجية للدول العربية في العقدين الماضيين سبع مرات إذ زاد حجمها من 49 مليار دولار في عام 1980 إلى 325 مليارا في عام 2000 (1). ولم يصاحب هذا الارتفاع زيادة مماثلة في الناتج المحلي الإجمالي. في بداية الفترة كانت الديون الخارجية تشكل 12% من الناتج المحلي الإجمالي العربي، فأصبحت في نهايتها 46% منه. وتشكل خدمة هذه الديون عبئاً ثقيلاً على مالية الدولة وتؤثر تأثيراً سلبياً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، كما لم تصمم إعادة الجدولة إلا لتأجيل المشكلة، أما إلغاء الديون فتعتمد على اعتبارات سياسية بحتة ناهيك عن ضعف فاعليتها.

دقة التشخيص
تتطلب المعالجة الحقيقية لأزمة المديونية تشخيصاً دقيقاً لأسبابها. هنالك كتابات عديدة تشير إلى أن المديونية الخارجية ناجمة عن قلة الادخار المحلي مقارنة بطموحات الخطط الاقتصادية، إذ إن القروض تنمي هذا الادخار فيرتفع الإنتاج وتتحسن الصادرات ويسهل لاحقاً سداد الديون.

مشكلة السياسات المالية
لكن هذا التحليل الذي يشجع في نهاية المطاف على الاستدانة لا يمت بصلة لواقع مديونية الدول العربية، فلا تشكو هذه الدول من ضعف مدخراتها بقدر ما تعانى من عدم فاعلية السياسات المالية والاقتصادية في توجيه الأموال العامة نحو الاستثمار النافع.

الإنفاق الخاطئ
كما لم يخصص الجزء الأكبر من القروض للتنمية بل لشراء معدات عسكرية وتمويل مشاريع ضعيفة الإنتاجية. فلا علاقة لأزمة الديون بالتنمية. فقد عرفت البلدان العربية على اختلاف مستوياتها الاقتصادية تطوراً ملموساً في الستينيات دون حاجة فعلية للتمويل الخارجي، لذلك لم تكن مشكلة المديونية مطروحة بحدة، الأمر الذي يجر إلى الاعتقاد الشديد بأن التنمية ليست سبباً لاستفحال الأزمة بل إن تعثر التنمية هو الذي قاد إلى ذلك. فلو استخدمت الموارد الذاتية والقروض الخارجية لتدعيم النمو الاقتصادي لما تفاقمت الديون لأن النمو سيكون كفيلاً بتحرير المجتمع من التزاماته المالية. وعلى هذا الأساس لا يمكن معالجة المديونية العربية إلا عن طريق إنهاء التوترات السياسية البينية العقيمة التي تقود إلى ارتفاع الإنفاق العسكري.

لكن تقليص هذا الإنفاق لا يكفي لمواجهة الأزمة المالية، ففي عام 1975 كان حجم القروض الجديدة الممنوحة للدول العربية غير الخليجية 5457 مليون دولار، أي أكبر بكثير من خدمة ديونها القديمة البالغة 1556 مليون دولار. كانت إذن التحويلات الصافية (3901 مليون دولار) لصالحها. وبمرور السنوات بدأ العد التنازلي لهذه التحويلات، ومنذ عام 1989 لم تحصل على أي إيراد رغم استمرار تدفق القروض بل باتت التحويلات الصافية لصالح المؤسسات والدول المقرضة.

وفي عام 1997 بلغ حجم القروض الجديدة 7537 مليون دولار في حين وصلت خدمة الديون القديمة إلى 12004 ملايين دولار (2). وحدث هذا الأثر السيئ رغم هبوط أسعار فائدة جميع أنماط القروض الخارجية. وبات من اللازم إذن البحث عن مصادر مالية لخدمة الديون الخارجية والقيام بعملية التنمية. وسنتناول في هذه المقالة مجموعة من المقترحات تساعد في التخفيف من ديون الدول العربية ومن ثم التخلص منها نهائيا كل ذلك من خلال المحاور التالية:

- ترشيد المالية العامة
- ترشيد الإنفاق العسكري
- تتمية الموارد الخارجية
- استغلال الموارد المائية
- استغلال الديون في التنمية
- تحسين السياسات المالية
- تشجيع الاستثمار الأجنبي
- حث الدائنين على تبديل الديون
- تحويل الإعفاءات الضريبية إلى ضريبة ثابتة


ترشيد المالية العامة
العجز سمة مشتركة لميزانيات جميع الدول العربية النفطية وغير النفطية، الأمر الذي يقود إلى نتائج سيئة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، ويؤثر مباشرة في ثقل المديونية إذ إن البلدان العربية اقترضت لإعادة التوازن للميزانية فارتفعت ديونها، ويؤثر أيضاً بصورة غير مباشرة لأن العجز المالي المفرط يفقد الثقة بالسياسة المالية فتهرب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية.. عندئذ تقترض الدولة من الخارج لتعوض هذا الهروب.

الإجراءات العربية للحد من الإنفاق
واتخذت الأقطار العربية إجراءات ترمي إلى الحد من تزايد الإنفاق وتحسين الإيراد. وقد هبط العجز من 9.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1992 إلى 5.9% في عام 1999 (3). ولكن هذه الإجراءات أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة حتى في صفوف حملة الشهادات بسبب تنصل القطاع العام من دوره في التوظيف وتباطؤ القوة الشرائية للمواطنين نتيجة ارتفاع الضغط الضريبي وانخفاض الدعم الحكومي الموجه للمواد الاستهلاكية الأساسية.

وتستوجب الإستراتيجية المستقبلية إعادة النظر في هذه السياسة التي يساندها صندوق النقد الدولي والمطبقة في الدول العربية المثقلة بالديون الخارجية، فيتعين أن تقوم السياسة الجديدة على التصدي للعجز المالي وفق قواعد حسن الإدارة وأسس علمية قوامها تحديد الأولويات حسب الإمكانات المتوفرة.

تخصيص بعض مؤسسات الدولة المالية
هنالك شركات تجارية تابعة للحكومة تهتم بالعمليات المصرفية والتأمين والنقل تعتمد نفقاتها على الميزانية العامة، وتشير نتائج حسابات الكثير منها إلى خسارة بسبب سوء إدارتها. وينبغي سلخ هذه الشركات عن ميزانية الدولة لتصبح حسب خصوصيات كل بلد تابعة للقطاع الخاص أو لأنظمة مالية مستقلة. أما المؤسسات الضرورية للتنمية الاقتصادية والرفاهية الاجتماعية كتلك التي تنصرف للصحة والتعليم فيجب أن تحظى دائماً برعاية مالية الدولة وفق أساسين هما:

الأول: يرتبط بالمبادئ العامة وهي استخدام الموارد المالية بصورة فاعلة إلى أقصى الحدود.
الثاني: يتعلق بتحديد اتجاه الإنفاق الحكومي، إذ إن تلبية حاجات المجتمع للصحة الوقائية تتطلب تدخل الدولة عن طريق الإنفاق العام.
وينطبق هذا التدخل أيضاً على التعليم الإلزامي، في حين يختلف أمر الصحة العلاجية التي يمكن أن يتحمل المستفيدون منها مصاريف العلاج شريطة أن تكون هذه المصاريف في متناول الشريحة العريضة من المجتمع، وتصح هذه الملاحظة أيضاً على التعليم العالي.

تقليل عمليات الاستدانة
من ناحية أخرى يجب ألا تلجأ الميزانية العامة للقروض الخارجية إلا في الظروف الاستثنائية التي يحددها القانون، فمن غير المقبول أن تمول الميزانية بشكل دوري بالقروض الخارجية كما هو الوضع في المغرب ومصر والأردن، حيث تشكل القروض الخارجية في المغرب على سبيل المثال حوالي ثلث الإيرادات العامة (4).

الحد من التهرب الضريبي
كما يتعين التصدي بحزم لظاهرة التهرب الضريبي المتفشية في العالم العربي، فهذه الظاهرة لها آثار سلبية عديدة من الزاويتين المالية والاجتماعية، فهي تقلص الإيرادات العامة فتضطر الدولة للاقتراض من الداخل والخارج وتلجأ أحياناً للإصدارات النقدية، عندئذ يرتفع الدين العام وتزداد معدلات التضخم، وتقود كذلك إلى عدم المساواة في توزيع الأعباء خاصة عندما يتعلق الأمر بالضرائب المباشرة، إذ لا يستطيع أصحاب المرتبات التهرب من الضريبة بسبب العجز عند المنبع وذلك على عكس أصحاب الأرباح التجارية بسبب اعتماد الإدارة على تصريحاتهم.

لاشك في أن القضاء على هذه الظاهرة مستحيل لأنها توجد بوجود الضرائب، ولكن يمكن اتخاذ إجراءات للحد من أهميتها، ولا تقتصر هذه الإجراءات على الجوانب الفنية البحتة للأنظمة الضريبية ومحاربة الرشوة في الأجهزة الإدارية ومعاقبة المتهربين، بل تشمل أيضاً الاعتناء بالسياسة المالية، فإذا كانت هذه السياسة عادلة ولا تتجه نحو تبذير الأموال في مشاريع غير مفيدة وفي النفقات الخاصة للنخبة الحاكمة فسوف يشعر المكلف وهو مواطن بواجبه في تحمل الأعباء العامة.

علاقة طردية
إن ترشيد المالية العامة بهدف معالجة المديونية الخارجية لا يتحقق إلا عن طريق تقليص الإنفاق العسكري، فعند النظر إلى تطور الوضع الاقتصادي العالمي في العشرين سنة المنصرمة نلاحظ أن المنطقة العربية تكاد تكون الوحيدة في العالم التي لم تحرز تقدماً يتناسب مع إمكاناتها المالية والطبيعية، فالديون الخارجية ترتفع باستمرار، والموازين الخارجية في حالة عجز، وارتفعت معدلات البطالة، وتدهورت الحالة المعيشية لجميع المواطنين. وحسب مؤشر التنمية البشرية (يتضمن مدة الأمل في الحياة ودرجة المعرفة ومستوى القوة الشرائية) الذي يغطي 174 دولة والذي تسجل فيه كندا المرتبة العالمية الأولى يتبين أن المملكة العربية السعودية تحتل المرتبة رقم 75 رغم إمكاناتها المالية الكبيرة، وتنخفض التنمية البشرية في بلدان أخرى لتصل إلى المرتبة العالمية رقم 111 في سوريا و119 في مصر و124 في المغرب و126 في العراق و143 في السودان (5).

ترشيد الإنفاق العسكري

نجم هذا الوضع المتردي عن أسباب عديدة في مقدمتها ارتفاع الإنفاق العسكري الذي لا يتيح الفرصة لتطوير الأنشطة المدنية النافعة للمجتمع، فالمرفق العسكري العربي مستهلك ومبذر.. مستهلك لأن الجيوش العربية تعتمد على استيراد الأسلحة وبالتالي فهو يسهم إسهاما فاعلا في عجز الموازين الخارجية دون إضافة قيمة إنتاجية جديدة. وهو مبذر لكونه المرفق الوحيد الذي لا يخضع طلبه للاعتبارات المالية.

ومنذ عدة سنوات تتجه السياسات الاقتصادية للدول العربية نحو الإصلاح المالي الذي لا يعني سوى الضغط على الإنفاق العام بطريقة أو بأخرى كالتخصيص وتقليص الإعانات الاجتماعية والحد من التوظيف. لكن الإصلاح بهذا المفهوم التقشفي لا يشمل القطاع العسكري الذي تتسم حاجاته بعدم المرونة، فلا تتردد الدولة في حجب الأموال عن القطاعات المنتجة لإضافتها إلى القطاع العسكري. وبالنظر إلى الأزمات السياسية الإقليمية وعدم كفاية الموارد المالية الوطنية راحت الدول الغنية والفقيرة تقترض من الخارج لشراء المزيد من الأسلحة فتفاقمت ديونها.


نفقات التسليح العربي
وفقا للمصادر (6) استورد العالم العربي بين عامي 1978 و1988 أسلحة بمبلغ يعادل 14% من الناتج المحلي الإجمالي مول نصفه عن طريق القروض الخارجية. وحسب مصادر أخرى (7) بلغ الإنفاق العسكري للبلدان العربية (باستثناء العراق) 48 مليار دولار في عام 1985 و35.9 مليارا في عام 1995. أي ما يعادل على التوالي 28.8% و22.6% من النفقات العامة الكلية و10.7% و7.9% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه نسب عالية جداً مقارنة بالمعدلات في المناطق الأخرى من العالم.

نموذج العراق
والدول التي تخصص نسبة عالية للإنفاق العسكري هي جميع دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر وسوريا واليمن والمغرب وكذلك وبصورة خاصة العراق. ففي الفترة الواقعة بين 1981 و1988 (إبان الحرب مع إيران) صرف العراق 166.1 مليار دولار للدفاع والأمن ولم يحصل إلا على 77.6 مليارا من النفط، أي لم تعد إيرادات الخام تغطي سوى 47% من النفقات العسكرية علماً بأنه من اللازم توفير المال لاستيراد الأدوات المدنية ومعدات التنمية والمواد الغذائية والطبية. لذا فإن السحب من الأرصدة الخارجية أصبح ضروريا، ففي أقل من ثلاث سنوات من بداية الحرب نفدت تقريباً جميع الأموال المودعة في الخارج، وانتقلت من 35.5 مليار دولار في عام 1980 إلى 15.8 مليارا في عام 1981 ثم إلى 1.2 مليار دولار في عام 1982 وإلى 0.8 مليار دولار في عام 1983 (8).

وهكذا هبطت الفوائد الناجمة عنها من 4200 مليون دولار في عام 1979 إلى 60 مليونا في عام 1983. وغني عن البيان أن مصادر العملة الحرة محدودة جداً، فعلى عكس بلدان المغرب العربي لا يعير العراق أهمية للسياحة الدولية رغم مكانته المرموقة على الصعيدين الحضاري والديني، ولم يعتد العراقيون المقيمون بالخارج على تحويل قسط من دخولهم إلى بلدهم إضافة إلى قلة عددهم.

- التحويلات الخارجية
وبالمقابل شكلت تحويلات العمال العرب والأجانب المقيمين في العراق ثغرة جديدة في المالية الخارجية، فقد قدرت هذه التحويلات بحوالي ثلاثة مليارات دولار سنوياً، أي ثلث إيرادات النفط. أما صادرات التمر والمواد الأولية فتشكل في أفضل الحالات 3% فقط من إيرادات النفط علماً بأن العراق أكبر بلد منتج ومصدر للتمر في العالم. لذلك لا يوجد سوى منفذ مالي واحد لتأجيل الأزمة وهو الاقتراض من الخارج، فسقط البلد في فخ الديون.

وبعد انتهاء الحرب مع إيران وصلت ديون العراق إلى 84 مليار دولار (9). وبسبب حرب الخليج الثانية والحصار لم يستطع البلد خدمة ديونه فتراكمت متأخرات السداد حتى أصبحت الديون الخارجية 126 مليارا في نهاية عام 1998 (10).

حل الخلافات السياسية
إن المستقبل الاقتصادي والاجتماعي للعالم العربي يتوقف على إزالة الخلافات السياسية البينية وإقامة علاقات تجارية متينة، عندئذ تنخفض نفقات المؤسسات العسكرية. أما القول بعدم إمكانية خفض هذه النفقات بسبب الوجود الإسرائيلي فهو غير منطقي، فقد أنفقت أموال طائلة في حرب العراق مع إيران وحرب الخليج الثانية وحرب المغرب في الصحراء الغربية والحروب الأهلية في جنوب السودان وشمال العراق واليمن وكذلك في تسليح دول مجلس التعاون الخليجي.. ولم تخصص هذه الأموال لمواجهة العدو الصهيوني، بل إن بعض البلدان العربية المثقلة بالديون خاصة مصر والأردن وموريتانيا أقامت علاقات مع إسرائيل تهدف فيما تهدف إليه الحصول على مساعدات أميركية والدخول إلى الأسواق الغربية وإلغاء الديون.

تنمية الموارد الخارجية

تتوفر جميع البلدان العربية المدينة على إمكانات واسعة لتنمية مواردها المالية الخارجية الضرورية لخدمة الديون القديمة وتقليص الاعتماد على القروض الجديد. ويمكن معالجة عجز الميزان التجاري عن طريق الاعتناء بالقطاع الزراعي ورفع مستوى المبادلات التجارية البينية واستخدام القروض في الأنشطة الإنتاجية، كما يمكن استخدام السياسة النقدية لتعزيز تلك الموارد. ويتعين كذلك تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة نظراً لأهميتها في زيادة الصادرات ونقل التكنولوجيا الحديثة ناهيك عن دورها الإيجابي في تحسين حالة ميزان المدفوعات.

تقليص العجز التجاري
وفقا للإحصاءات الرسمية (11) يتبين أن فائض الموازين التجارية للبلدان النفطية يتجه نحو الهبوط حيث انتقل من 123.3 مليار دولار في عام 1980 إلى 18.4 مليارا في عام 1998، كما ارتفع عجز الموازين التجارية للبلدان غير النفطية في الفترة نفسها من 14.8 مليارا إلى 24.7 مليارا. وانعكست هذه النتائج السلبية على الموازين الجارية فأصبحت تعاني من العجز في المجموعتين. وللحصول على توازن ميزان المدفوعات لابد من إحداث فائض في حساب العمليات الرأسمالية يعادل عجز الميزان التجاري. ولما كان من الصعب الحصول على استثمارات أجنبية مباشرة وعلى رؤوس أموال أجنبية قصيرة الأجل وجب الاقتراض من الخارج. وهذا الأسلوب يسبب متاعب مالية لأنه يفضي إلى استفحال المديونية الخارجية، كما أنه يفقد الثقة بالسياسة المالية فتزداد صعوبة تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى الدولة. لذا فمن الضروري تحسين مركز الميزان التجاري بدلاً من تحقيق فائض في حساب العمليات الرأسمالية، فتقليص العجز التجاري سيكفل تخفيف حدة المديونية عن طريق التأثير في الصادرات والواردات في آن واحد دون إحداث آثار اجتماعية واقتصادية سيئة.

تنشيط الصادرات
فيما يخص الصادرات تواجه البلدان المدينة عدة صعوبات يتعذر أحياناً التصدي لها وتنعكس مباشرة على ثقل المديونية على اعتبار أن حصيلة الصادرات هي الطريق الطبيعي لخدمة الديون. في مقدمة هذه العراقيل الركود الاقتصادي الذي ظهر في البلدان الصناعية منذ أكثر من 15 سنة، وقد أثر هذا في مقدرتها على استقطاب كميات كبيرة من السلع.

كما قاد تطور التعاون الاقتصادي والسياسي في دول أوروبا الغربية إلى فرض شتى وسائل الحماية لمنتجاتها البينية الأمر الذي انعكس سلبياً على الصادرات العربية التي تعتمد بالدرجة الأولى على هذه الدول. أضف إلى ذلك أن القطاعات الاقتصادية للدول العربية المدينة تتسم باعتمادها على عدد قليل من السلع وبالتالي تهتز ماليتها عند هبوط أسعارها في السوق العالمية.

لذا بات يتعين على البلدان المدينة تحسين إنتاجها الزراعي للحد من الواردات الغذائية، الأمر الذي يؤثر بصورة إيجابية في موازين مدفوعاتها. ومن دون ذلك سيزداد عبء المديونية بحكم التنظيم الجديد للتجارة العالمية، إذ سيفضي هذا التنظيم إلى إلغاء الدعم المالي الممنوح للمنتجين والمصدرين الزراعيين في الدول المتقدمة، وإلغاء الدعم يعني زيادة كلفة الإنتاج وما ينجم عنها من ارتفاع أسعار السلع الزراعية. ولما كانت الأقطار العربية تستورد أكثر من نصف حاجاتها الزراعية، فإن تحرير التجارة العالمية سيقود إلى ظهور آثار سلبية في موازين مدفوعاتها وفي مستوى معيشة مواطنيها إذ سترتفع أسعار الحبوب واللحوم والألبان والسكر والزيوت.

استغلال الموارد المائية

لاشك في أن المنطقة العربية فقيرة جداً بمواردها المائية مقارنة بالمناطق الأخرى من العالم. وهذا الوضع يؤثر في مساحة الأراضي القابلة للزراعة التي لا تتجاوز 197 مليون هكتار أي 14% من المساحة الكلية للعالم العربي. لكن مساحة الأراضي المزروعة فعلاً لا تتعدى 70 مليون هكتار (12)، بمعنى أن 127 مليون هكتار غير مستغلة لأسباب ترتبط بالسياسات الاقتصادية لا بندرة المياه. لذلك يتعين تنسيق الجهود بين البلدان المتوفرة على أيدي عاملة والبلدان الغنية برؤوس الأموال، وهكذا يهبط عجز الميزان الزراعي وتكف البلدان المدينة عن الاقتراض لسد هذا العجز أو لشراء تلك المواد. ففي مصر بلغت صادراتها الزراعية 572 مليون دولار في حين وصلت وارداتها الزراعية إلى 3716 مليونا. وبالتالي تستطيع الاستغناء عن الاقتراض الخارجي إن حققت الاكتفاء الذاتي الغذائي. وبشكل عام إن عولجت الفجوة الغذائية سوف يقتصد العالم العربي 19 مليار دولار سنوياً يخصص منها 12 مليارا لخدمة ديونه دون حاجة إلى إعادة جدولتها.

استخدام القروض الخارجية في التنمية

ومن زاوية أخرى لابد من استخدام القروض الخارجية في مجالات تنموية، وهذا يلزم إقامة علاقة بين القروض الجديدة من جهة والاستثمار والتصدير من جهة أخرى. فعندما تنفق الأموال المقترضة لزيادة الإنتاج المخصص للتصدير يصبح سداد الديون سهلاً إذ عن طريق زيادة الصادرات تتحرر ذمة الدولة. وعلى هذا الأساس لا تهتم النظرة المستقبلية للمديونية الخارجية بحجم الديون ومبلغ خدمتها بل بعلاقة هذا الحجم بالناتج المحلي الإجمالي وعلاقة هذا المبلغ بالصادرات، ففي فترة زمنية معينة إذا كانت نسبة حجم الديون مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي ونسبة خدمة الديون مقارنة بالصادرات أقل في نهاية الفترة قياساً ببدايتها فذلك يعني نجاح السياسة المالية في استخدام القروض في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك بطبيعة الحال على افتراض عدم تدخل عوامل أخرى.

تحسين السياسات المالية

ومن أجل تحسين الموارد المالية يتعين استخدام السياسة النقدية، فإذا كان تأثير خفض قيمة العملة ضعيفاً في ميدان التجارة الخارجية السلعية للدول العربية فإن تأثيره الإيجابي كبير في ميدان تحويلات الدخول التي يجريها العمال المغتربون. فهذه التحويلات لها أهمية مالية قصوى خاصة في مصر والسودان والجزائر وتونس والمغرب ولبنان والأردن، ففي السودان كان الدولار يعادل 29 جنيها في عام 1992 وبلغت تحويلات العمال السودانيين المقيمين بالخارج 120 مليون دولار. وبعد تخفيضات متتالية أصبح الدولار يساوي 157 جنيها في عام 1998 فارتفعت التحويلات إلى 346 مليون دولار أي 58% من الصادرات الكلية. وعلى أثر تعويم الجنيه المصري أصبحت تحويلات العمال المصريين المقيمين بالخارج تزيد على خمسة مليارات دولار، أي أكثر من مجموع حصيلة الصادرات مما أدى إلى تحسين مستوى الاحتياطيات الرسمية وتخفيف عبء المديونية الخارجية.

أما إذا كان سعر الصرف الرسمي للعملة المحلية لا يتناسب مع قيمتها الحقيقية فإن العمال المقيمين بالخارج سيعزفون عن التحويل بواسطة القنوات المصرفية وتحرم مالية الدولة من مصدر مهم للإيرادات. وتنطبق هذه الحالة على العراق وهو أكبر بلد مدين في العالم العربي. وبات من اللازم له تعويم الدينار وبمقتضاه يتحدد سعر الصرف حسب العرض والطلب، عندئذ يستطيع المغتربون تحويل جزء من دخولهم بالطريق المصرفي. وعلى افتراض أن عدد العراقيين بالخارج مليون شخص وأن كلا منهم يحول 50 دولاراً شهرياً، فسوف يصل إلى العراق 600 مليون دولار سنوياً دون مقابل. إنه المبلغ اللازم لتغطية حاجات جميع المواطنين من الأدوية مجانا، وبذلك يحد التعويم من الموجات التضخمية العالية.

أما الآثار السلبية للتعويم فتكاد تكون منعدمة في الظروف الحالية. فهو لا يقود إلى تخفيض قيمة الدينار بل إلى تطابق السعر الرسمي مع القيمة الحقيقية للعملة وهذا هو هدف أسعار الصرف المتسمة بالمصداقية. فجميع الدول العربية المثقلة بالديون الخارجية التي تعتمد على تحويلات عمالها المغتربين تطبق نظام التعويم، ولا يوجد أي مانع من العودة إلى التثبيت عندما تتحسن الأحوال المالية لأن هذا النظام أو ذاك يتم بمجرد صدور قرار حكومي ولا يتطلب إجراءات معقدة.

تشجيع رؤوس الأموال الأجنبية

لرؤوس الأموال الأجنبية أهمية قصوى في تخفيف حدة المديونية الخارجية، فهي إيرادات تدخل إلى حساب رأس المال في ميزان المدفوعات الأمر الذي يقلص عجز الموازين الخارجية ويفضي بالنتيجة النهائية إلى الحد من اللجوء مجدداً إلى الاقتراض، كما تلعب رؤوس الأموال الأجنبية دوراً بارزاً في نقل التكنولوجيا الحديثة ورفع مستوى العمالة وزيادة الإنتاج وفتح منافذ خارجية للسلع المحلية، عندئذ يتحسن مركز الميزان التجاري فيهبط عجز ميزان المدفوعات، وهكذا تضعف الحاجة إلى القروض الجديدة وتسهل خدمة الديون القديمة.


حث الدائنين على تبديل الديون

يتعين حث الدائنين على إمكانية تبديل الديون. وقد تمكنت بعض الأقطار العربية (13) من تحويل ديونها الخارجية إلى استثمارات محلية أو مقايضتها بسلع قابلة للتصدير. وغالباً ما تتم هذه العملية أو تلك بعد خصم يتفق عليه الطرفان الدائن والمدين. فقد اتفق الأردن مع روسيا على شراء دين روسي قيمته 800 مليون دولار بمبلغ 140 مليون دولار، وسدد هذا المبلغ بصادرات أردنية قدرها 52 مليونا ودفع الباقي نقدا.

واتفق المغرب مع فرنسا على تحويل 440 مليونا من الديون المستحقة لفرنسا إلى استثمارات خاصة داخل المغرب.

وعقدت مصر عدة اتفاقات مع دائنيها تم بموجبها تحويل حوالي 3200 مليون دولار بعد خصم بنسبة 46% إلى استثمارات خاصة بالجنيه وإلى سلع مصرية تصدر إلى الخارج، وتتولى أجهزة وزارة الاقتصاد والبنك المركزي الإشراف على هذه العملية.

تحويل الإعفاءات الضريبية إلى ضرائب ثابتة

بالنظر لأهمية الاستثمارات الأجنبية شرعت البلدان العربية أنظمة تمنح بموجبها امتيازات عديدة لها في مقدمتها الإعفاءات الضريبية. لكن هذه الإعفاءات تقلص الإيرادات وتقود بالتالي إلى ارتفاع عجز الميزانية العامة، كما وجهت الدراسات (14) انتقادات عديدة لهذه الإعفاءات. إنها تتعارض مع مبادئ الإنصاف بسبب تطبيقها على الأجانب دون المواطنين، وتقود إلى هروب رؤوس الأموال المحلية إلى الخارج لتدخل مرة أخرى إلى البلد بصفتها استثمارات أجنبية، وتؤدي إلى تزايد الرشوة في الإدارات المختصة بالنظر في منح الإعفاءات، وبات من اللازم إلغاء هذه الإعفاءات وتغييرها إلى ضرائب ثابتة وملائمة لنمط الاستثمار. فالضغط الضريبي الذي يتحمله استثمار أجنبي مباشر في قطاع الخدمات يجب أن يكون أعلى من ذلك الذي يتحمله استثمار أجنبي مباشر في قطاع الصادرات الصناعية، وهكذا يمكن أن تتدرج المعاملة حتى تصل إلى أعلى مستوياتها في رؤوس الأموال الأجنبية القصيرة الأجل التي تهدف إلى الربح السريع فقط.

تعتمد قرارات المستثمرين الأجانب على عوامل عديدة أساسية وثانوية، والضغط الضريبي المرتفع عامل أساسي يحول دون جلب الاستثمارات الأجنبية بل يقود إلى هروب رؤوس الأموال الوطنية، لكن الإعفاءات السخية ليست سوى عامل ثانوي أحياناً غير فاعل لتشجيع الاستثمارات الأجنبية، فلا توجد حالة تتكالب فيها رؤوس الأموال الأجنبية بسبب الإعفاءات الضريبية في دولة تعاني من تباطؤ النمو وضعف البنية التحتية واختلال مزمن للموازين الخارجية وكثرة القيود النقدية والتجارية والمالية على القطاع الخاص.

ينبغي إذا العمل على موازنة الامتيازات الممنوحة للاستثمارات الأجنبية مع المكاسب الاقتصادية التي تحققها، فمن جهة هنالك الخسائر المكونة من مبالغ الإعفاءات الضريبية والأرباح المحولة إلى الخارج، ومن جهة أخرى هنالك المكاسب المتمثلة بالقيمة المضافة لرؤوس الأموال. والواقع أنه لا توجد في البلدان العربية دراسة جدية لمعادلة هذين الشطرين. فالضيق المالي الذي قاد إلى اللجوء المتزايد للقروض الخارجية دون الاكتراث بمرحلة السداد أدى إلى منح امتيازات سخية دون حساب، وعلى الرغم من ذلك لا تزال الاستثمارات الأجنبية المباشرة ضعيفة في البلدان العربية. ففي عام 1999 بلغت 8.7 مليارات دولار (15) أي 4.2% فقط من مجموع تدفق الاستثمارات المباشرة إلى الدول النامية.

إن معالجة المشاكل السياسية والقانونية والإدارية في الأقطار العربية هي الخطوة الأساسية لبناء مناخ استثماري ملائم في مجالات لا تقتصر على الميدان النفطي بل تمتد لتشمل الصناعات التحويلية والزراعة والسياحة. وإذا كان من الضروري توفير المناخ المناسب لرؤوس الأموال الأجنبية العربية وغير العربية فإنه من الضروري أيضاً ألا يسبب هذا المناخ مشاكل مالية قد تقود إلى استفحال المديونية الخارجية كما حدث في المكسيك وشرق آسيا والبرازيل في التسعينيات. يتعين تطبيق خطة مدروسة دراسة دقيقة وعميقة تتضمن كيفية ودرجات تحرير الأنماط المختلفة لرؤوس الأموال.

وقد دلت التجارب على ضرورة الاعتماد على التسلسل الصحيح للتحرير، فلا يجوز إعطاء حرية واسعة لتدفق الأموال الأجنبية القصيرة الأجل إلى الداخل قبل تحرير الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ومع ذلك فهذه الاستثمارات كالقروض الخارجية تمتص الاحتياطيات الرسمية بسبب ترحيل أرباحها، فيجب إذن أن يقتصر التشجيع على الاستثمارات التي تطور الصناعات وتسهل خدمة الديون وتحسن الأداء الاقتصادي.

الخاتمة
لمعالجة المديونية الخارجية لابد من الاعتماد على الجهود الذاتية التي ترتكز على مواجهة الاختلال المالي فيتعين:

- تقليص الإنفاق العسكري باعتباره السبب الأساسي لتفاقم المديونية العربية.
- تنمية الموارد الخارجية لخدمة الديون وتنفيذ الخطط الاقتصادية، ولتحقيق ذلك يجب التصدي لعجز الميزان التجاري بطرق عديدة في مقدمتها تحسين الإنتاج الزراعي واتباع سياسة نقدية ملائمة.
- دعم مركز ميزان المدفوعات والحد من الاقتراض الجديد عن طريق تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بتوفير المناخ المناسب لها.

وأخيراً يقترح هذا البحث تحديد نسبة معينة من الموارد المالية الخارجية لخدمة الديون كأن تكون 20% مثلاً، ويمكن الاقتراض من الخارج إذا كانت خدمة الديون القديمة أقل من هذه النسبة، أما إذا تم تجاوزها لسبب أو لآخر كتردي أسعار الصادرات أو ارتفاع الواردات أو هبوط إيرادات السياحة والاستثمارات الخارجية يتعين عدم اللجوء إلى الاقتراض الخارجي والبحث عن وسائل أخرى للتمويل. بهذه الطريقة يمكن سداد الديون دون إجراءات تقشفية قاسية. كما يطمئن الدائنون على المقدرة المالية للدولة وتزداد ثقة المستثمرين الأجانب بالسياسة الاقتصادية.

إعادة جدولة الديون الخارجية

إعادة جدولة الديون الخارجية تحقق للدائن والمدين فوائد اقتصادية، فهي تضمن للدائن الحصول على أمواله يوما ما، وفي الوقت نفسه تعطي للمدين فترة تأجيل تتيح له إعادة ترتيب أوضاعه الاقتصادية والتجارية. لكن رغم ذلك فإن هذه العملية لا تخلو من شروط قاسية تؤثر في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للدول المدينة.

نتيجة العجز المزمن في الميزانيات العامة والموازين التجارية خاصة في الدول العربية غير النفطية، انخفضت القيمة التعادلية للعملات الوطنية وارتفع معدل الضغط الضريبي واتبعت سياسات تقشفية في شتى الميادين فتضررت جميع الفئات الاجتماعية، وهبط مستوى معيشة حوالي 160 مليون عربي ينتمون إلى دول تطبق برامج الإصلاح الاقتصادي المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي.

كانت الأقطار العربية تستدين بسبب حاجتها إلى الأموال فأصبحت أكثر فقرا بسبب ثقل ديونها، وبات من المستحيل سداد أصل وفوائد الديون الخارجية في المواعيد المحددة.

تأجيل سداد الديون
وبهدف إعطاء نفس جديد لمالية الدول المدينة يقرر الدائنون منحها آجالا إضافية، ويطلق على هذه العملية اسم "إعادة جدولة الديون الخارجية" التي تقدم مكاسب لطرفي المعادلة. وتتحقق مكاسب الدائنين بحصولهم لاحقا على أموالهم بدلا من التوقف النهائي للدولة المدينة عن الدفع، في حين تتمثل مكاسب الدول المدينة باستغلال فترة التأجيل لترتيب أوضاعها المالية والتجارية، إذ عليها معالجة العجز المالي الذي يسبب اللجوء إلى التمويل الخارجي وتنمية صادراتها للحصول على الموارد المالية اللازمة لسداد ديونها المؤجلة.

بيد أن هذه العملية تخضع لشروط قاسية تؤثر بشدة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، كما أنها لا تتصدى لأزمة المديونية بل تؤجلها إلى وقت لاحق. لذلك تطالب البلدان النامية بإلغاء بعض التزاماتها المالية، لكن الإلغاء بالطريقة المتبعة حاليا لا يكفي لمعالجة الأزمة ناهيك عن ارتباطه بعوامل سياسية بحتة.

هبوط مؤشر الديون العربية
هبط مؤشرا حجم الديون وخدمتها في أغلب البلدان العربية. ولم يتمخض هذا الهبوط عن جهود داخلية ترتبط بالنمو الاقتصادي وتحسن الصادرات بقدر ما نجم عن امتيازات ممنوحة من قبل الدائنين قادت إلى تأجيل سداد أقساط وفوائد جزء من الديون وإلغاء جزء آخر منها. ورغم هذا الهبوط يسجل المؤشران نسبا عالية مقارنة بالكثير من البلدان النامية. وهذا يعني أن المديونية الخارجية العربية لا تزال تشكل أزمة حقيقية على الصعيدين المالي والاقتصادي.

في عام 2000 بلغ حجم الديون الخارجية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي أكثر من 50% في تونس والمغرب واليمن، وأكثر من 100% في السودان وسوريا وموريتانيا. ووصلت خدمة الديون قياسا بالصادرات إلى أكثر من 30% في الأردن وتونس والمغرب وإلى ضعف هذه النسبة في لبنان (1). ودفعت الدول العربية غير الخليجية 13758 مليون دولار لسداد ديونها، أي أكثر من 1.5 مليون دولار بالساعة. وفيما يلي نتعرض بالبحث للعناصر التالية:

- كيفية إعادة الجدولة
- أنماط إعادة الجدولة
- شروط إعادة الجدولة
- خطورة إعادة الجدولة
- إلغاء الديون الخارجية


كيفية إعادة الجدولة
نجمت المديونية الخارجية العربية عن قروض عقدت خاصة مع الدول الأعضاء في نادي باريس الذي يضم 19 دولة صناعية تتمتع بالعضوية الدائمة في النادي، ويمكن للدول الدائنة الأخرى حضور اجتماعاته شريطة موافقة الأعضاء الدائمين والبلد المدين.
يختص نادي باريس بالنظر في الديون الرسمية والديون المضمونة رسميا، ولا ينظر في الديون القصيرة الأجل (أقل من سنة واحدة). أما الالتزامات الناجمة عن قروض ممنوحة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي فلا تقبل إطلاقا إعادة الجدولة. وعلى الدولة المدينة إذن سداد الديون المترتبة على هذه القروض في التواريخ المحددة مسبقا وإلا تردت علاقاتها مع المؤسستين الدوليتين، وعندئذ يتعذر على نادي باريس إعادة جدولة ديونها، وهذا ما حدث للسودان عندما عجز عن دفع ديونه المستحقة لصندوق النقد الدولي فتراكمت متأخرات السداد، وإثر ذلك جمدت حقوق البلد في الحصول على تسهيلات جديدة، ولم يبت بإعادة برمجة ديونه منذ عام 1984.

بعد أن يقدم البلد المدين طلبا بإعادة جدولة ديونه تتولى سكرتارية نادي باريس جمع المعلومات عن الحالة الاقتصادية لهذا البلد من سلطاته العامة ومن الدول والمؤسسات الدائنة. وتحتوي المعلومات على تحليل دقيق للوضع الاقتصادي والمالي وحجم الديون الخارجية وتقسيماتها حسب مصادرها وتواريخ استحقاقها، كما تتأكد السكرتارية من تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، ثم يوجه رئيس النادي (مدير الخزينة الفرنسية) دعوة إلى ممثلي الدول الدائنة وممثل الدولة المدينة لحضور الاجتماعات التي يشارك فيها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بصفة مراقب. وبعد مفاوضات لا تستغرق أكثر من ثلاثة أيام يتخذ الدائنون قرارهم بتوافق آرائهم (2)، أي عدم معارضة أحد على ما تم التوصل إليه بينهم. ويتضمن هذا القرار الذي يعرض على ممثل الدولة المدينة للموافقة عليه تفاصيل إعادة جدولة الديون، لكن هذا الاتفاق هو في الواقع توصية تدعو حكومات الدول الدائنة إلى عقد اتفاقات ثنائية مع حكومة البلد المدين.

وليس من صلاحيات نادي باريس اتخاذ قرارات قانونية، والاتفاقات الثنائية وحدها ذات قيمة قانونية. فعلى سبيل المثال بعد أن قرر النادي في يوليو/ تموز 1995 إعادة برمجة 7320 مليون دولار من مديونية الجزائر لمدة 15 سنة مع فترة سماح لمدة أربع سنوات، عقدت الجزائر اتفاقات ثنائية مع الولايات المتحدة وكندا واليابان و14 دولة أوروبية. بطبيعة الحال يبرم كل اتفاق وفق الإجراءات الدستورية لكل بلد دائن، وعلى الصعيد العملي تعتمد هذه الاتفاقات على التوصيات، لذلك جرت العادة على تسمية قرارات النادي بالاتفاقات.

أنماط إعادة الجدولة

تستند إعادة الجدولة على مبدأ كل حالة على حدة، والاتفاق الخاص بدولة معينة لا يسري على دولة أخرى حتى وإن تشابهت أحوالهما التجارية والمالية. والقرار المتخذ بشأن دين معين لا يسري على دين آخر لنفس الدولة، أضف إلى ذلك أن الدول العربية تختلف اختلافا كبيرا في ما بينها من حيث ثقل مديونيتها وأوضاعها الاقتصادية، كما لا يستخدم نادي باريس طريقة موحدة لإعادة الجدولة. وانطلاقا من هذه الاعتبارات بات من اللازم دراسة أنماط إعادة الجدولة المطبقة على البلدان العربية.

النمط الأول: البنود التقليدية
لا توجد قواعد ثابتة في هذا النمط، فالأمر متروك للدائنين، قد يقررون تأجيل الدين لمدة 15 سنة مع فترة سماح كما هو حال الاتفاق السابق الذكر مع الجزائر، وقد تكون المدة أقصر كما هو حال أول اتفاق عقد مع المغرب عام 1983 (تسع سنوات من دون فترة سماح).

وطبق هذا النمط على الدول النامية المدينة بما فيها الدول العربية منذ إنشاء نادي باريس وحتى النصف الأول من عام 1990، فجميع الاتفاقات مع السودان (1979 و1982 و1983 و1984) وأربعة اتفاقات مع المغرب (1983 و1985 و1987 و1988) واتفاق واحد مع الصومال (1985) تمت بموجب البنود التقليدية.

بينت الدراسات والتقارير أن هذه البنود غير ملائمة لمديونية البلدان الفقيرة بدليل ارتفاع خدمة ديونها ارتفاعا كبيرا في فترة قصيرة. وحسب صندوق النقد الدولي (3) انتقلت خدمة ديونها من 17% من الصادرات عام 1980 إلى 30% منها عام 1986. ولأسباب لا مجال لتفصيلها قرر مؤتمر قمة الدول السبع الكبرى المنعقد بتورنتو عام 1988 مبادئ جديدة لإعادة جدولة ديون تلك البلدان، عندئذ ظهرت أنماط أخرى وأصبحت البنود التقليدية تسري حاليا على الدول المدينة غير الفقيرة وفق تصنيفات البنك العالمي، وخضعت ديون الجزائر عام 1994 وعام 1995 لهذه البنود.

النمط الثاني: بنود هيوستن لعام 1990

- الديون العادية تعاد جدولتها لمدة 15 سنة أو أكثر مع فترة سماح لمدة سنتين أو أكثر، وتحتسب الفوائدالجديدة حسب أسعار السوق.
- المساعدات الرسمية للتنمية تعاد جدولتها لمدة 20 سنة مع فترة سماح لمدة 10 سنوات.
- يجب ألا تزيد أسعار الفائدة الجديدة على أسعار الفائدة الأصلية.

يشترط لتطبيق هذه البنود ألا يزيد الدخل الفردي في الدولة المدينة على 2995 دولارا، ويتعين أن تكون مديونيتها مرتفعة، وجرت العادة في نادي باريس على اعتبار المديونية مرتفعة إن انطبق عليها معياران من المعايير الثلاثة التالية:

* حجم المديونية يفوق 50% من الناتج المحلي الإجمالي.
* حجم المديونية يزيد على 275% من الصادرات.
* خدمة الديون تفوق 30% من الصادرات.

وتتضمن هذه البنود إمكانية تبديل الديون شريطة موافقة الدول الدائنة. ويمكن تبديل 20% من الديون العادية، في حين لا توجد نسبة محددة لتبديل المساعدات الرسمية للتنمية. ويتبدل الدين بعدة وسائل أهمها حصول الدولة الدائنة على سلع من الدولة المدينة مقابل قيمة الدين، كما يمكن تبديل عملة السداد من قابلة للتحويل إلى محلية. وفي أغلب الحالات تتنازل الدولة الدائنة عن حقوقها لصالح مستثمرين، ويقوم المستثمرون بمقايضة الدين مع الدولة المدينة بأسهم في شركات محلية أو بمبالغ نقدية بالعملة المحلية للبلد المدين تستخدم لإقامة مشاريع فيه.

حتى الربع الأول من عام 2002 تمت معاملة 16 دولة وفق هذه البنود، والأردن في طليعة البلدان العربية التي طبقت عليها بنود هيوستن، وتعتمد المالية الداخلية والخارجية لهذا البلد اعتمادا كبيرا على الإيرادات الخارجية نظرا لضعف الموارد الذاتية، وتتخذ هذه الإيرادات شكلين أساسيين:

أولهما: المساعدات الإنمائية بما فيها المنح المجانية المقررة من قبل بلدان الخليج والدول الغربية.
ثانيهما: تحويلات العمال الأردنيين المقيمين في الخارج.

فعلى سبيل المثال في النصف الثاني من الثمانينيات تراجعت المساعدات الخارجية وتحويلات الأردنيين لهبوط أسعار النفط الذي أثر بشدة في مالية دول الخليج. وقد انعكس هذا الأمر مباشرة على مقدرة الأردن على سداد ديونه الخارجية فاضطر إلى اللجوء لأول مرة إلى نادي باريس في يوليو/ تموز 1989.

كما تردى الوضع المالي للبلد مرة أخرى عقب حرب الخليج الثانية، فطلبت الحكومة إعادة جدولة ديونها مرة ثانية، لكن ترتيبات التفاوض كانت بطيئة جدا لأسباب سياسية ترتبط بموقف الأردن من هذه الحرب. ولم يوقع الاتفاق الثاني مع نادي باريس إلا في نهاية فبراير/ شباط 1992 إذ أعيدت جدولة 771 مليون دولار. وطبقت على هذين الاتفاقين البنود التقليدية، ثم عقدت ثلاثة اتفاقات أخرى حسب بنود هيوستن في يونيو/حزيران 1994 ومايو/أيار 1997 ومايو/أيار 1999 مع إمكانية تبديل الديون، وألغت الولايات المتحدة 696 مليون دولار من ديونها على الأردن البالغة 950 مليونا، وتم هذا الإلغاء على ثلاث مراحل: 190 مليونا عام 1994، و252 مليونا عام 1995، و254 مليونا عام 1996. وقررت بريطانيا وألمانيا إعفاءات أخرى. وفي النتيجة النهائية هبط الحجم الكلي للديون الخارجية الأردنية من 186% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1991 إلى 81% منه عام 2000. ويلاحظ أن عمليات الإلغاء تمت بعد معاهدة السلام مع إسرائيل.

النمط الثالث: بنود نابولي لعام 1994
- تلغى الديون العادية بنسبة 67% كحد أقصى، وتعاد جدولة النسبة المتبقية لمدة 23 سنة مع فترة سماح لمدة ست سنوات بأسعار الفائدة السائدة في السوق.
- إعادة جدولة المساعدات الرسمية للتنمية لمدة 40 سنة مع فترة سماح لمدة 16 سنة، ولا تزيد أسعار الفائدة الجديدة على أسعار الفائدة الأصلية.
- يشترط ألا يزيد الدخل الفردي للبلد المدين على 755 دولارا، وتسري بنود هيوستن على إمكانية تبديل الدين.

عقدت بموجب بنود نابولي اتفاقات مع 32 دولة تعد من البلدان الأكثر فقرا، منها اتفاق واحد مع موريتانيا عام 1995، وجميع الاتفاقات مع اليمن عام 1996 و1997 و2001.

النمط الرابع: بنود كولونيا لعام 1999

- الديون العادية تلغى بنسبة 90% فأكثر، وتعاد جدولة النسبة المتبقية حسب بنود نابولي.
- المساعدات الرسمية للتنمية تعامل كما وردت في بنود نابولي.
- يمكن تبديل الدين حسب بنود هيوستن، ويشترط أن تستجيب الدولة المدينة للشروط الواردة في بنود نابولي، كما يتعين أن يعتبرها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي من الدول الأكثر فقرا ذات المديونية المرتفعة. وقد وضعت هاتان المؤسستان الدوليتان قائمة بالبلدان المؤهلة للاستفادة من بنود كولونيا وعددها 41 دولة من بينها أربعة بلدان عربية سنذكرها لاحقا.

شروط إعادة الجدولة

لا يوافق نادي باريس على إعادة الجدولة إلا إذا استفحل العجز في ميزان مدفوعات الدولة المدينة أو ازدادت متأخرات ديونها، فهو يشترط إذن وجود حالة عسر شديد تعرقل الوفاء بالالتزامات المالية. وتبرم الاتفاقات بعد تطبيق البرنامج الإصلاحي الذي يقترحه صندوق النقد الدولي على الدولة المدينة، ويرمي هذا البرنامج إلى توازن الميزانية العامة والميزان التجاري لأن ضبط العجز المالي يحد من التضخم ومعالجة العجز التجاري تقود إلى تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي. ولتحقيق ذلك يتناول البرنامج جميع أدوات السياسة المالية والاقتصادية المتعلقة بالمواضيع التالية:

- التجارة الخارجية
- العملة المحلية
- النفقات العامة بمختلف صورها
- كذلك الضرائب المباشرة وغير المباشرة
- قوانين الاستثمارات.

مشكلة التطبيق
لا شك أن هذه الأهداف ضرورية في جميع الحالات، إذ لا بد من سياسة مالية وتجارية سليمة حتى في حالة غياب أزمة المديونية الخارجية. لكن المشكلة تتعلق بأساليب تحقيقها، فقد أثبتت تجارب البلدان العربية التي لجأت إلى إعادة جدولة ديونها أن برامج الإصلاح الاقتصادي قادت إلى نتائج اجتماعية واقتصادية سيئة، فمن أجل معالجة العجز المالي تنصل القطاع العام عن دوره في إحداث فرص جديدة للعمل رغم استفحال البطالة وتقلص الدعم الحكومي للسلع الاستهلاكية الضرورية للمعيشة وازدادت الضرائب المباشرة وغير المباشرة.

ومن الزاوية التجارية اعتمدت الإصلاحات بموجب تلك البرامج على تخفيض قيمة العملة الوطنية. ويرى صندوق النقد الدولي أن التخفيض يقود إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية وتحويلات العمال المغتربين، وكذلك إلى معالجة عجز الميزان التجاري وبالتالي إلى تقليص التمويل الخارجي فتخف أزمة المديونية. أما الدول المعنية فترى أن هذه العملية النقدية تمس أصحاب الدخول المنخفضة وتحدث ردود فعل داخلية قد تكون عنيفة، كما أنها غير فاعلة في تحسين الأوضاع التجارية.

فعلى سبيل المثال طلب صندوق النقد الدولي من الحكومة الجزائرية عام 1992 (قبل إعادة الجدولة بسنتين) تخفيض قيمة الدينار بنسبة 50%. رفضت الحكومة في ذلك الحين هذا الطلب إذ لم تجد حكمة من تخفيض القيمة التعادلية للدينار، لأن الصادرات تقتصر على النفط والغاز الطبيعي، أي على مواد يجري تسعيرها في السوق العالمية بالدولار لا بالدينار. لكن الخلافات بين صندوق النقد الدولي والدول المدينة تنتهي بترجيح وجهات نظر الصندوق حتى وإن كانت غير سليمة، لأن نادي باريس لا ينظر أساسا في طلبات إعادة الجدولة إلا بعد موافقة صندوق النقد الدولي، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فلا بد من الاستمرار ببرامج الإصلاح قبل وطيلة فترة الاتفاق على إعادة الجدولة، ففي المغرب مثلا البرامج مطبقة منذ عشرين سنة.

خطورة إعادة الجدولة

ترتكز برامج صندوق النقد الدولي على تقليص النفقات وزيادة الإيرادات دون أن تعطي أهمية مماثلة لتحسين الصادرات وهي الطريق الطبيعية لخدمة الديون الخارجية، فزيادة الصادرات تتطلب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية والقروض الخارجية.

ولما كانت مالية الدولة المدينة في حالة عسر شديد فإن المستثمرين والمقرضين يترددون كثيرا بل ويرفضون الاستثمار والإقراض. لا تساعد تلك البرامج إذن على سداد الديون بقدر ما تحاول منع اللجوء إلى الاقتراض مجددا، وهكذا هبطت التدفقات الخارجية المتأتية من القروض فأصبحت التحويلات الصافية سلبية في الأقطار العربية.

نتائج برامج إعادة الجدولة
حسب الدراسات (4) لم تقد برامج الصندوق إلى تخفيف حدة المديونية بل أدت إلى العكس تماما، ففي 36 دولة نامية طبقت فيها هذه البرامج انتقل ثقل مديونيتها الخارجية قياسا بالناتج المحلي الإجمالي من 82% في منتصف الثمانينيات إلى 154% في منتصف التسعينيات. أما في الدول النامية المدينة التي لم تطبق هذه البرامج فقد انتقل ثقل المديونية من 56% إلى 76% فقط في الفترة نفسها.

تقود إعادة الجدولة إلى ارتفاع كلفة الدين، فعندما يؤجل مبلغ معين لمدة محددة، على الدولة أن تدفع فوائد إضافية عند حلول مواعيد استحقاق الديون المؤجلة إذ تسري الفوائد طوال فترة التأجيل. ودون الدخول في التفاصيل الفنية فإن إعادة جدولة مبلغ معين لمدة 15 سنة تقود إلى دفع ضعف هذا المبلغ على الأقل في نهاية هذه المدة، ناهيك عن أن الدولة المدينة لا تستطيع أن تقدر بدقة المبلغ الذي ستدفعه فعلا في فترة التأجيل، لأن أسعار الفائدة قد تكون معومة أي غير محددة مقدما لارتباطها بأحوال السوق، فعلى سبيل المثال فإن 35% من القروض الخارجية التونسية عقدت بأسعار معومة. واضطرت الدول المدينة إلى التفاوض بشأن تأجيل ديونها مما أدى إلى تراكمها وارتفاع الفوائد وكذلك إلى اتباع سياسات تقشفية في مختلف الميادين، وبالتالي انقلبت الحلول إلى مشاكل إضافية ودخلت البلدان المدينة في حلقة مفرغة.

لا بد للدول المثقلة بالديون من مراجعة سياساتها بدلا من الاعتماد على الدائنين، ففي أغلب الدول العربية هنالك مجالات واسعة لتنمية الصادرات وتقليص النفقات خاصة المصروفات العسكرية.

عصا الديمقراطية
في الأصل يسعى نادي باريس إلى التخفيف من وطأة الديون بغض النظر عن أنظمة حكم البلدان المدينة، ولكن ظهرت منذ نهاية الثمانينيات فكرة ربط منح الموارد المالية (القروض والمساعدات والهبات والاستثمارات المباشرة) بالديمقراطية.

في أغلب الأحيان اعتمد مفهوم الديمقراطية هذا على مدى ملاءمة أنظمة الحكم في البلدان النامية مع التطلعات السياسية والمصالح الاقتصادية للدول المانحة، ولم يعد ينظر إلى المشاكل الحقيقية كالفقر والبطالة واختلال الموازين الداخلية والخارجية، وقد انعكس هذا التطور مباشرة على نادي باريس فراح يلغي ديون بعض الدول ويعيد جدولة ديون دول أخرى بشروط مختلفة أو يرفض القيام بهذا أو ذاك.

يهتم نادي باريس بمصالح الدول الدائنة، وجميع أنماط إعادة الجدولة نابعة عن قرارات اتخذتها مؤتمرات قمة الدول السبع الكبرى، لذلك يقترح البعض (5) الاستعاضة عن النادي بهيئة دولية تعبر عن تطلعات البلدان الدائنة والمدينة وتشرف عليها منظمة الأمم المتحدة.

إلغاء الديون الخارجية

الإلغاء يحذف الدين، في حين تقتصر إعادة الجدولة حسب البنود التقليدية على تغيير تواريخ الاستحقاق. وحتى عام 1988 كانت الدول الغربية الدائنة ممثلة بنادي باريس تعارض بشدة هذه الفكرة مكتفية بإعادة الجدولة وفق البنود التقليدية، واتخذ المدافعون عن قضايا العالم الثالث مواقف تتأرجح بين زيادة المساعدات الرسمية للتنمية وإلغاء الديون.

ولما كانت القروض العسكرية تنسجم مع مصالح الدول المانحة، بات من اللازم إلغاء جميع الديون الناجمة عنها بغض النظر عن المستوى الاقتصادي للدول المدينة. أما الديون المدنية المخصصة للتنمية فيتعين إلغاء نسبة منها تتناسب مع درجة النمو، خاصة إن لم يسهم هذا النوع من القروض في تحسين الصادرات الكفيلة بسداد الدين، وفي الوقت الحاضر يتم الإلغاء على أسس مختلفة تماما تثير المخاوف وتخلق جوا غير مريح.

لاحظنا أن نسبة إلغاء الديون تصل حسب بنود كولونيا إلى أكثر من 90% من حجم الديون الخارجية، ولكن ما هي الدول المستفيدة من هذه البنود وكيف تحسب هذه النسبة؟

كما ذكرنا فإن صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وضعا قائمة بأسماء الدول المؤهلة للاستفادة من بنود كولونيا من بينها أربعة بلدان عربية هي موريتانيا واليمن والسودان والصومال. وعلى الصعيد العملي عقد اتفاق واحد مع موريتانيا عام 2000 تناول ديون بلغ حجمها 99 مليون دولار. أما الاتفاق المبرم مع اليمن عام 2001 فقد استند إلى بنود نابولي لا إلى بنود كولونيا. ولم يستطع السودان منذ عام 1984 والصومال منذ عام 1987 التفاوض مع نادي باريس وبالتالي لم تتم إعادة جدولة ديونهما رغم تفاقم أزماتهما المالية.

مشكلة حصر بنود كولونيا
إن حصر تطبيق بنود كولونيا في الدول ذات الدخل الفردي المنخفض لن يعالج أزمة المديونية ومشكلة الفقر، فعلى افتراض إلغاء جميع ديون هذه البلدان العربية الأربعة سوف يتم حذف 25 مليار دولار، أي أقل من 8% من المديونية العربية الكلية، ناهيك عن أن غالبية الفقراء يقيمون في البلدان العربية الأخرى، وتصح هذه الملاحظة على المستوى العالمي أيضا. هنالك دول مثقلة بالديون الخارجية (كالهند وباكستان وبنغلاديش وإندونيسيا ونيجيريا والمكسيك والبرازيل) غير مشمولة في تلك القائمة علما بأن 80% من فقراء العالم يعيشون فيها (6).

الإلغاء على أصل الدين
الإلغاء لا يسري إلا على قيمة الديون قبل إعادة جدولتها لأول مرة، ونأخذ مثالا لذلك السودان، ففي عام 1979 (تاريخ أول اتفاق مع نادي باريس) بلغ الحجم الكلي للديون الخارجية 3802 مليون دولار، في تلك الفترة لم تكن الديون المستحقة لأعضاء نادي باريس تشكل سوى 21% من الحجم الكلي، أي حوالي 800 مليون دولار، أما الديون الأخرى فقد نجمت عن قروض عقدت مع الأقطار العربية وبلدان الكتلة الشرقية وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمؤسسات المصرفية (7).

مثال السودان
إذا افترضنا أن الدول الغربية قررت عام 2002 إلغاء 90% من ديون السودان فإن هذه النسبة لا تسري على حجم الديون لعام 2002 بل على حجمها لعام 1979، وفي ما يخص الديون المستحقة لأعضاء نادي باريس فقط، وهكذا تطبق نسبة 90% على 800 مليون دولار فيكون مبلغ الإلغاء 720 مليون دولار. والحقيقة أنه قد ارتفعت ديون السودان في هذه الفترة بسبب الحرب الأهلية وتراكم المتأخرات وضعف الصادرات في عام 2002 مما جعل ديونه الخارجية تتجاوز 20530 مليون دولار ليحصل هذا البلد في نهاية المطاف على إلغاء بنسبة تقل عن 4% من مجموع ديونه (العلاقة بين 20530 و720 مليون دولار).

دور العوامل السياسية في إلغاء الديون
بطبيعة الحال ما قيل عن السودان ينطبق أيضا على البلدان المدينة الأخرى، لكن إلغاء الديون قد يتجاوز إلى حد كبير بنود كولونيا عندما تتدخل عوامل سياسية، ومنذ إنشاء نادي باريس وحتى الآن لم تحصل أي دولة في العالم على تسهيلات أكثر من تلك التي منحت لبولونيا ومصر، وقد أكد البيان الاقتصادي الختامي لمؤتمر الدول السبع الكبرى المنعقد بلندن في يوليو/ تموز 1991 على الطابع الاستثنائي لهذه التسهيلات. وهذه إشارة واضحة موجهة للبلدان النامية المثقلة بديونها إلى عدم إمكانية حصولها على معاملة مماثلة (8).

في مايو/ أيار 1991 تقرر إلغاء 50% من ديون مصر الخارجية المستحقة لدول نادي باريس. فعلى سبيل المثال (9) تنازلت الولايات المتحدة عن ديونها العسكرية البالغة 7.1 مليارات دولار، كما حصلت مصر على امتيازات من دول غير أعضاء في النادي حيث قررت دول الخليج حذف 6.2 مليارات دولار من المديونية المصرية.

وحسب وجهة نظر الحكومة المصرية فإنه لا بد من هذا الإجراء لأن الدولة تحملت خسارة بمبلغ 20 مليار دولار بسبب أزمة الخليج التي أدت إلى انكماش الصادرات وانخفاض تحويلات العمال المغتربين نظرا لعودة 600 ألف شخص منهم إلى بلدهم.

ومما لا شك فيه أن مصر تعاني من مشاكل مالية واقتصادية كثيرة وأن إلغاء بعض الديون يساعد على خلق مناخ مناسب للتنمية، ولكن يجب ألا يتم ربط هذا الإلغاء بخسارة غير موجودة أساسا. فلم نجد في الإحصاءات العربية والدولية ما يدل على تلك الخسارة، بل بالعكس تماما (10) لقد تحسن مركز ميزان المدفوعات بسبب الأزمة، فارتفعت الصادرات الكلية من 2853 مليون دولار عام 1989 إلى 3605 ملايين عام 1990 وإلى 3857 مليونا عام 1991 (11)، ونجمت هذه الزيادة عن ارتفاع أسعار النفط في الفترة الواقعة بين أغسطس/ آب 1990 وفبراير/ شباط 1991 فانتقل صافي عوائد الصادرات النفطية من 1019 مليونا عام 1989 إلى 1396 مليونا عام 1990 (12). كما تغير كليا مركز الميزان التجاري الذي يشمل الميزان التجاري وتحويلات العمال المغتربين إذ سجل فائضا بمبلغ 209 ملايين عام 1990 وبمبلغ 2274 مليونا عام 1991 بعد أن كان يعاني من عجز طيلة السنوات. لم يحدث مثل هذا التحسن في أي دولة عربية أخرى. وشهدت المساعدات الإنمائية الخارجية زيادة هائلة مباشرة بعد أزمة الخليج، فقد ارتفعت من 1569 مليونا عام 1989 إلى 5446 مليونا عام 1990 أي بزيادة قدرها 247% (13)، ولا توجد دولة أخرى سجلت مثل هذه الزيادة الكبيرة.

قاد الإلغاء إلى تخفيف عبء الديون المصرية حيث انتقل حجمها من 51696 مليون دولار عام 1989 إلى 28179 مليونا عام 1997 أي ما يعادل على التوالي 159% و37% من الناتج المحلي الإجمالي. كما هبطت خدمة الديون في هذه الفترة من 2739 مليونا إلى 1366 مليونا أي 83% و25% من قيمة الصادرات. لهذا السبب ارتفع حجم الاحتياطيات الرسمية للبنك المركزي من 1520 مليونا إلى 18667 مليونا. لم تكن هذه الامتيازات تستند إلى اعتبارات اقتصادية بل كانت ثمنا لدور الحكومة المصرية في تحسين العلاقات العربية مع إسرائيل ولوقوفها إلى جانب القوى المتحالفة ضد العراق إبان أزمة الخليج الثانية.

أهداف حقيقية
انطلاقا من حالات إلغاء ديون البلدان العربية وغير العربية نستنتج أن الدول الصناعية الكبرى تسعى إلى استفحال المديونية الخارجية لهذه البلدان بطرق عديدة، منها بيع الأسلحة وتمويل مشاريع غير إنتاجية، ثم يجري إلغاء قسط من الديون يتناسب حجمه مع المكاسب السياسية والاقتصادية للدول الدائنة، فلو كانت هذه الدول حريصة فعلا على سلامة مالية البلدان المدينة وعلى مستوى معيشة مواطنيها لبذلت الجهود في سبيل إزالة العقبات أمام صادرات البلدان المدينة، خاصة أن التنظيم التجاري العالمي الجديد يدعو إلى ذلك، وعندئذ ترتفع مقدرة هذه البلدان على مواجهة أزمتها المالية، وهكذا تتخلص من برامج صندوق النقد الدولي وتنتفي الحكمة من إعادة الجدولة والإلغاء، وتصبح العلاقات الاقتصادية الدولية مبنية على أسس سليمة.

الخاتمة
بالنظر لتفاقم أزمة المديونية الخارجية لجأت البلدان العربية أكثر من ثلاثين مرة إلى نادي باريس لإعادة برمجة التزاماتها المالية ناهيك عن الاتفاقات العديدة المبرمة مع نادي لندن وتلك التي عقدت خارج إطار هذين الناديين. وقد مُنحت أقطار عربية امتيازات مالية مهمة تصل إلى إلغاء بعض ديونها، ولم تحصل أقطار أخرى حتى على فترة سماح كافية. تباينت هذه المعاملة نتيجة تدخل عوامل سياسية وعدم الاعتماد على الاعتبارات المالية والمؤشرات الاقتصادية. لكن إعادة الجدولة لن تقود إلى معالجة المديونية العربية على المدى الطويل لأنها كقاعدة عامة تقتصر على تأجيل السداد، كما تستوجب تطبيق برامج مقترحة من قبل صندوق النقد الدولي تؤثر بصورة سيئة في معيشة المواطنين.

لذا فقد بات من اللازم مواجهة السبب الأساسي لأزمة المديونية العربية المتمثل بحدة التوترات السياسية التي تتطلب تخصيص مبالغ طائلة للإنفاق العسكري، والعمل على تقليص هذا الإنفاق سوف يقود إلى ارتفاع معدلات الاستثمار والإنتاج والاستهلاك وإلى تحسن العلاقات التجارية العربية الخارجية والبينية وبالتالي إلى زيادة المقدرة المالية لخدمة الديون دون حاجة لإعادة جدولتها.

الآثار السياسية والاقتصادية للديون العربية

وقع العديد من البلدان النامية ومن بينها الدول العربية في فخ المديونية الخارجية وبلغ حجمها مستويات حرجة باتت تؤثر على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لهذه الدول.

والتساؤل الذي يطرح نفسه الآن وبإلحاح هو: هل ساعدت هذه الأموال الدول النامية ومنها الدول العربية على تحقيق التنمية المنشودة؟ وما هي انعكاسات المديونية الخارجية على مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول العربية المدينة؟ وإلى أي حد أثرت أزمة المديونية الخارجية على القرار السياسي العربي؟.


- انعكاسات المديونية الخارجية على الخطط الإنمائية
- الآثار الاجتماعية للديون الخارجية
- التداعيات السياسية للمديونية الخارجية

انعكاسات المديونية الخارجية على الخطط الإنمائية

لعل من المفارقات أنه في الوقت الذي تكونت فيه العائدات النفطية في المنطقة العربية بكميات كبيرة لا سابق لها (ارتفاع أسعار النفط في السبعينات), شهدت الفترة نفسها تصاعد حجم الدين الخارجي بمعدلات لم يسبق لها مثيل أيضا.

ولم تقتصر عمليات الاستدانة على الدول العربية غير النفطية فحسب، بل تفاقم حجم مديونية الدول النفطية كذلك. وقد رافق ذلك تصاعد في حجم مدفوعات خدمة الدين الخارجي في جميع الأقطار العربية (غير النفطية خصوصا) وأصبحت تلتهم جانبا كبيرا من حصيلة الصادرات من السلع والخدمات.

وشكل هذا قيدا أوحملا ثقيلا على خطط التنمية المستقبلية، نظرا لابتلاع جانب مهم من النقد الأجنبي في خدمة الدين الخارجي.

ويمكن تشخيص آثار المديونية الخارجية على الخطط الإنمائية من خلال تحليل آثارها على الادخار المحلي والقدرة الاستيرادية ومعدلات التضخم.

1-على الادخار المحلي
إن العلاقة بين رؤوس الأموال الأجنبية والادخار المحلي أفرزت أطروحتين: أطروحة التكامل بين الموارد المالية المحلية والأجنبية وأطروحة الإحلال بين الصنفين.

التكامل بين الموارد المالية المحلية والأجنبية
فيرى أنصار الفرضية الأولى أن رؤوس الأموال الأجنبية إذا ما استغلت استغلالا اقتصاديا جيدا تؤدي إلى زيادة الناتج القومي وارتفاع مستويات الدخل وبالتالي ترتفع معدلات الادخار وذلك نتيجة لسد النقص في الموارد المالية اللازمة لتمويل المشاريع الاستثمارية وهوالهدف الذي توخته الدول النامية من وراء اقتراضها.

الإحلال بين الصنفين
في حين يرى أنصار الفرضية الثانية أن هذه الأموال لا تستغل الاستغلال الأمثل لها وغالبا ما تتجه نحو تمويل الاستهلاك خصوصا للسلع المستوردة ونسبة قليلة تتجه إلى الاستثمار في مشاريع تتميز بانخفاض مردودها, مما يقلل من فرص خلق فوائض مالية جديدة ورفع كفاءة الاقتصاد ونموه وهوما يؤثر سلبا على إمكانات الادخار المحلي.

وإذا نظرنا إلى أثر الأموال الأجنبية بصورة عامة, والديون على وجه الخصوص, على مستويات الادخار في الدول النامية من خلال الدراسات الحديثة التي تناولت هذا الموضوع نجد أن هذا التأثير يختلف من دراسة إلى أخرى تبعا لعينة الدول المدروسة وطرق التقدير المستخدمة بالإضافة إلى اختيار فترة الدراسة.

وتشير أغلب الدراسات في هذا المجال إلى أثر سلبي -مباشر أوغير مباشر- للديون الخارجية على الادخار المحلي في معظم الدول النامية.

2-على الطاقة الاستيرادية
إذا استطاعت الدولة توفير القدر الكافي من المال اللازم لاستيراد الآلات والمعدات الإنتاجية الضرورية للتوسع الاقتصادي, استطاعت تنفيذ مخططاتها الإنمائية دون ضغوط خارجية أوحدوث اختناقات تعوق طموح وتنفيذ هذه الخطط.

وهناك عدة عوامل تؤثر بشكل أوبآخر في المقدرة الاستيرادية منها: حجم وعائدات الصادرات وتكلفة السلع المستوردة وخدمة الديون الخارجية والتي تتمثل في مجموع الأقساط والفوائد التي تدفعها الدول المدينة خدمة لديونها وإعادة جدولتها.

وتؤثر هذه الأعباء سلبا على إمكانية تنمية الموارد المالية الذاتية بسبب استنزافها للحظ الأوفر من العملات الصعبة المتاحة للبلد.

3- على معدلات التضخم
إن ارتفاع اعتماد الدول النامية ومنها الدول العربية على القروض الخارجية أدى إلى تزايد معدلات التضخم في هذه الدول, لما تشكله هذه القروض والمديونية المترتبة من ضغط على القدرة التنافسية لصادرات الدول المدينة.

ويؤدي تخفيض قيمة العملة الوطنية -استجابة لضغوط الأطراف الدائنة- إلى تدهور القيم الحقيقية للمدخرات مما يضطر العديد من الأفراد إلى إيداع أموالهم في الخارج (أحد أهم أسباب ظاهرة هروب رؤوس الأموال إلى الخارج) خوفا من تآكلها.

وبصورة عامة فإن التأثير السلبي للديون الخارجية على القدرة المالية والاستيرادية للدول المدينة ومنها الدول العربية قد انعكس على عمليات الاستثمار المطلوبة لتحقيق أهداف النمو المتسارع الذي تتطلع إليه اقتصادات هذه الدول.

ويتمثل هذا التأثير السلبي في كون أعباء المديونية الخارجية تستحوذ على نسب عالية من الناتج المحلي الإجمالي وتشكل إنقاصا للموارد المالية التي كان من الممكن أن تتجه إلى الادخار والتوسع الاقتصادي.

كما أن ارتفاع خدمة الديون الخارجية الذي شهدته الدول العربية في السنوات الأخيرة يشكل عبئا على النقد الأجنبي المتاح لتمويل الواردات الاستثمارية.

ومن الطبيعي أن يواكب ارتفاع خدمة الديون ضغط على تمويل هذه الواردات مما اضطر بعض هذه الدول إلى تأجيل تنفيذ العديد من المشاريع الاستثمارية المبرمجة ضمن مخططات التنمية وإلى تخفيض معدلات الاستثمار المستهدفة مما يؤدي إلى تسريح العمال وتزايد البطالة وما إلى ذلك من انعكاسات على المجتمع.

إلا أنه من الضروري التذكير أن العيب لا يكمن في مسألة استيراد رأس المال الأجنبي وإنما الأهم هو طبيعة واستخدامات هذه الأموال.

لقد لعب رأس المال الأجنبي دورا أساسيا في تطوير الدول المتقدمة نظرا للاستغلال الأمثل لهذا العنصر مما ساعد على خلق فوائض مالية أخذت تصدرها إلى البلدان النامية. أما بالنسبة لمعظم الدول النامية ومن بينها الدول العربية فلم يلعب رأس المال الأجنبي الدور الذي كان يجب أن يلعبه في تنمية هذه الدول مما أوقعها في مديونية خانقة لها آثار اجتماعية وسياسية لا تقل خطورة عن الآثار الاقتصادية.

وقد أدى تخلف اقتصادات الدول النامية ومنها الأقطار العربية بصورة عامة وتفاقم حدة الديون الخارجية على وجه الخصوص إلى مزيد التبعية للدول المتقدمة الدائنة, التي أصبحت تتحكم في مسارات التنمية في الدول المدينة. وتأخذ هذه التبعية أشكالا وأنماطا مختلفة منها التبعية التجارية والمالية والتكنولوجية.

أشكال تبعية الاقتصاديات العربية بسبب الديون

أولاً: التبعية التجارية
ويقصد بها تحكم الطلب العالمي في معدلات نمو اقتصادات الدول النامية. ومرد ذلك أن قطاع التصدير يعتبر المصدر الأساسي للدخل في الدول النامية. كما أن عدم تنوع صادرات الدول النامية حتى من المواد الأولية, إذ كثيرا ما تتركز هذه الصادرات في مادة أولية واحدة أومجموعة محدودة منها, يعرض عمليات التنمية في البلدان المعنية للتذبذب من خلال تعرضها لتقلبات الظروف الاقتصادية العالمية. إن هذه التبعية التجارية التي تعاني منها الدول النامية قد نشأت في عهد الاستعمار وتطورت بعد الاستقلال السياسي وتعمقت بعد تفاقم الديون الخارجية, بفعل بعض العوامل الداخلية والخارجية المرتبطة بمتطلبات التنمية. وهذه المتطلبات هي التي دفعت بتلك الدول في مدار التبعية المالية.

ثانياً: التبعية المالية
ترجع هذه التبعية -سواء كانت سببا أونتيجة للمديونية الخارجية- إلى حاجة الدول النامية إلى مصادر لتمويل خططها الإنمائية. فالحاجة إلى رؤوس الأموال دفعت بالدول ذات الموارد المالية المحدودة إلى فتح المجال أمام رأس المال الأجنبي بأشكاله المختلفة. وحتى الدول النامية ذات الفوائض المالية -ومنها الأقطار العربية النفطية- تعاني من نوع آخر من التبعية المالية للدول المتقدمة، ألا وهو اندماج مؤسساتها المالية في النظام الرأسمالي الدولي مما قد يجلب لها مخاطر عدة منها احتمال التجميد من قبل الحكومات الغربية كما حصل مع الودائع الليبية والعراقية.

ثالثاً: التبعية التكنولوجية
ويقصد بها النقل الأفقي للتكنولوجيا أي استيرادها من الدول المتقدمة بدل العمل على تنميتها وطنيا أوقوميا أوإقليميا. وقد اختار معظم الدول النامية اكتساب هذه التكنولوجيا عن طريق استيرادها جاهزة باعتقاد أن ذلك سيمكنها من اقتصاد الوقت والنفقـات. لكن المشكلة تكمن في كون هذه التقنية لا تتلاءم مع الطبيعة الإنتاجية للدول النامية مما عمق من تبعيتها للدول المنتجة لهذه التكنولوجيا.

إن بلدان العالم الثالث المديـنة, ومنها الدول العربية, تتعرض "لمؤامرة مالية دولية" بعد أن تم توريطها في مديونية مفرطة. وتأخذ هذه المؤامرة شكلا خطيرا تمثل في احتلال المستثمرين الأجانب للأصول الإنتاجية الإستراتيجية التي بنتها هذه الدول عبر جهودها الإنمائية المضنية خلال عقود من الزمن على نحو يعيد لها السيطرة الأجنبية.

فبعد وصول أزمة الديون إلى مستوى حرج وبعد التعثر في سداد خدمتها ظهر اتجاه بين صفوف الدائنين يدعو إلى مبادلة الدين الخارجي ببعض الأصول الإنتاجية في الدول المدينة, أي مقايضة الديون بحقوق ملكية في المشاريع التي تملكها الدولة في هذه البلدان. وهواتجاه يؤسس نظرته إلى مشكلة الديون في تلك الدول على أنها مشكلة إفلاس وليست نقص سيولة.

وقد لقي هذا الطرح صدى واسعا في نفوس الدائنين لأنه يحسن من محافظهم المالية ويحول الديون المشكوك في تحصيلها (لأنها حالة إفلاس) إلى أصول إنتاجية ذات عوائد مستمرة وهنا يتحول الدائنون إلى مستثمرين وهوما يؤدي إلى إخضاع السياسات الاقتصادية والاجتماعية في البلدان المدينة إلى مزيد من الرقابة الخارجية.

الآثار الاجتماعية للديون الخارجية

إن الآثار السلبية للديون الخارجية لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فقط في الدول النامية وإنما تتعداها إلى الأبعاد الاجتماعية ومع تنامي ظاهرة العولمة بشكل عام وتفاقم أزمة المديونية بشكل خاص, كان من الطبيعي أن تتأثر الدول العربية بهذا الواقع من خلال آلـيات مختلفة.

فالدول العربية التي كانت ت***ى فلسفة اقتصادية تقوم بالأساس على تحكم الدولة في إدارة النشاطات الاقتصادية من قبل, نجدها تتحول تحولا جذريا, من خلال تطبيق برامج التثبيت والإصلاح الهيكلي, متنازلة بذلك عن جزء كبير من مهمتها الاجتماعية. وتستند هذه البرامج إلى إعطاء قوى السوق الدور البارز في الحياة الاقتصادية وتحرير المعاملات الاقتصادية والمالية مع العالم الخارجي.

ومن المنطقي أن يكون لمثل هذه الـتحولات الجذرية أثرها على المجتمع. وفي تحليلنا للآثار الاجتماعية للمديونية الخارجية سوف نركز على التأثيرات المترتبة على أسواق العمل والتشغيل في الدول العربية المدينة وذلك استنادا إلى أن الكسب من العمل يمثل المصدر الرئيسي لمداخيل غالبية الأفراد وأن حرمانها من هذا الحق ينتج عنه استفحال البطالة بأنواعها وتفاقم حدة الفقر وإحداث المزيد من الاختلالات في توزيع الدخل وتعاظم الهوة بين طبقات المجتمع.

أن أغلب الدول النامية ومنها الدول العربية التي لجأت إلى تطبيق برامج التثبيت والإصلاح الهيكلي تحت وطأة ارتفاع مديونيتها الخارجية وبمباركة من المؤسسات الدولية الدائنة (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ونادي باريس ونادي لندن...), عانت من معدلات بطالة مرتفعة أصبحت تهدد استقرارها الاجتماعي والسياسي.

وترجع هذه المعدلات إلى عدة عوامل منها على سبيل المثال: تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي في هذه الدول نتيجة لتطبيق سياسات انكماشية تتضمنها هذه البرامج خاصة في المراحل الأولى لها, مما يؤدي إلى خفض الطلب المحلي ويزيد من حدة الركود الاقتصادي الذي يؤدي بدوره إلى تراجع الطلب على العمل.

يضاف إلى ذلك تأثير عمليات خصخصة المنشآت العامة وضرورة تقليص العمالة بها قبل انتقالها إلى الملكية الخاصة, وكذلك تراجع الحكومات عن خلق فرص جديدة للعمل بحجة الضغط على الإنفاق العام وتقليص عجز الموازنات العامة, إلى غير ذلك من الإجراءات المرافقة لبرامج الإصلاح الاقتصادي هذه التي أصبحت شرطا ضروريا لطلب إعادة جدولة الديون أوالحصول على قروض جديدة تفرضه الجهات المانحة.

وعلى الرغم من شح ودقة البيانات المتعلقة بالتشغيل والبطالة في الدول العربية فإن القدر المتوافر منها يشير إلى اتجاه تصاعدي واضح للبطالة. وتراوحت معدلات البطالة في الدول العربية ما بين 15% و20 % خلال التسعينات وهي الحقبة التي شهدت ارتفاع حجم الدين الخارجي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه المعدلات المرتفعة للبطالة لا ترجع بالكامل إلى أزمة الدين الخارجي وإنما تتفاعل معها جملة من العوامل الأخرى تتعلق بعدم قدرة الاقتصاديات العربية على خلق فرص للعمل تتناسب مع حجم قوة العمل العربية التي تطورت في الأعوام الأخيرة.

ويمكن القول أن المحصلة العامة لتفاعل أزمة الديون الخارجية والنتائج المترتبة عليها, قد أثرت سلبا على مستويات المعيشة لغالبية الدول المدينة وأدت إلى تفاقم الفقر في هذه الدول (تقرير البنك الدولي سنة 2000, ص 15).

وقد ***ى البنك الدولي في السنوات الأخيرة سياسة التصدي لمسألة الفقر وأوضح أنه يجب أن يكون من بين مكونات السياسة العامة لأي دولة ترغب في تخفيف عبء ديونها أوالحصول عل قروض جديدة, إجراءات تخفف وطأة الفقر في المجتمع.

وعموما فإن أزمة الديون الخارجية في الثمانينات عولجت بوصفات تنطوي على العديد من الإجراءات المجحفة بالدول النامية. وكثيرا ما تفرض الأطراف الدائنة والمانحة للقروض إتباع سياسات اقتصادية ترتكز على حزمة من الإجراءات التي تؤثر سلبيا على المجتمع مثل: تخفيض قيمة العملة المحلية -وما ينجر عن ذلك من تسارع لمعدلات التضخم الذي يعتبر العدوالأول للفقراء- وإلغاء الرسوم والضرائب على السلع المستوردة وتخفيض الإنفاق العام ورفع الدعم عن السلع والخصخصة وكلها سياسات تؤدي إلى زيادة تدخل الدول الدائنة وشركاتها المتعددة الجنسية وتغلغلها في اقتصادات الدول المدينة والتحكم فيها.

التداعيات السياسية للمديونية الخارجية

إن خطورة تفاقم الديون الخارجية لا تقف عند الحدود الاقتصادية والاجتماعية بل إنها تتجاوز إلى تعريض حرية صانع القرار السياسي إلى مزيد الضغوطات والتدخل الأجنبي. وفي ظل عالم يتميز بهيمنة الدول المتقدمة ومؤسساتها المالية الدولية ومع تنامي ظاهرة العولمة بكافة أوجهها -خاصة الوجه المالي- فإنه من المتوقع تسارع عملقة رأس المال واحتواء الشركات المتعددة الجنسية المحركة لهذا المال لمصير الخطط الإنمائية وتعميق المشاكل الاقتصادية والاجتماعية إلا أن خطورة هذا النفوذ لن تقف عند البعدين الاقتصادي والاجتماعي بل ستتعدى إلى البعد السياسي. فيرى البعض أن هذه الأموال والشركات الكبرى المحركة لها قادرة على التأثير في سيادة الدول وتلعب دور الشرطي الذي يلزم الدول المضيفة بتوجهات معينة في سياساتها العامة وهوما يشكل مساسا للسيادة الوطنية واستقلال القرار السياسي(محمد الأطرش, ص 414).

وتتمثل الآثار المصاحبة لدخول رؤوس الأموال الأجنبية والشركات الدافعة لها في اختراق النظام السياسي والتأثير عليه بما يتلاءم مع مصالحها. فقد كشفت التحقيقات الجنائية أن هذه الشركات تمول الأحزاب المتنافسة في الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا مثلا حتى لا تأتي نتائج الانتخابات بأي أثر سلبي يمكن أن يضايق مصالحها فما بالك بالدول النامية وبهذا يتحول السياسيون من رجال دولة (Statesmen) إلى بياعين
(Salesmen) (إسماعيل صبري عبد الله, ص 378) بالإضافة إلى شراء ذمم الكثير من أعضاء البرلمان وحتى الحكومة.

ونشير إلى أن أزمة الديون الخارجية وما رافقها من تعاظم لدور الشركات المتعددة الجنسية والمستثمرين الخواص الدوليين أوجد واقعا جديدا على حكامنا التعامل معه. ويتجلى هذا الواقع في تراجع مكانة العلاقات بين الحكومات لصالح هذه الشركات والمستثمرين. وهوما يحتم تعزيز قدرتنا التفاوضية كعرب مع هذه الجهات والبحث عن اللغة التي تفهمها هذه الأطراف بعيدا عن العواطف والصيغ الفارغة. وعناصر هذه اللغة هي حجم السوق المحلية والأداء الاقتصادي والمالي الجيد والمستقر ورأس المال البشري المؤهل بالإضافة الاستقرار السياسي والتشريعات والنظم المحكمة.

بعد تفاقم أزمة الديون وتكريس العولمة وخاصة المالية لهيمنة الدول المتقدمة, تجسدت سياسة ازدواجية المعايير كأبرز سمات العولمة المعاصرة والنظام العالمي الجديد. حيث أصبح هذا النظام يبيح لدول معينة أشياء ويحرمها ذاتها عن دول أخرى لا لشيء إلا لاختلال الموازين واختلاف المصالح الإستراتيجية مع الدول المهيمنة أوالقادرة على الهيمنة (خلاف خلف الشاذلي, ص 64).

وفي ظل هذا الظرف الدولي الراهن, تصبح الدول العربية مطالبة أكثر من أي وقت مضى ببلورة وتجسيد رؤية متكاملة حول التحولات الدولية الراهنة, تمكنها من احتلال موقعا أفضل يخولها مواجهة تداعيات هذه التحولات.

خاتمة

1- يتضح من العرض العام للمديونية الخارجية للدول العربية المدينة أن أعباء خدمة هذه الديون قد نمت في السنوات الأخيرة بمعدلات مرتفعة وبلغت حدا حرجا. وأصبح مأزق الديون الخارجية للدول النامية, ومنها الدول العربية, بصورة عامة يستدعي حلا عاجلا قبل بلوغ مستويات يصعب معها حتى التفكير في تحقيق معدلات نمو اقتصادية.

2- وإذا كان البعض يرى عدم الإفراط في تهويل حدة الديون الخارجية للدول العربية المقترضة, إلا أن ذلك لا يستوجب بالضرورة تحجيمها أوالتقليل من حدتها وإنما ضرورة النظر إليها باعتبارها تحد لا بد من تشخيصه ومواجهة آثاره المحتملة.

3- إن أخطر آثار المديونية الخارجية يتمثل في شلل جهود التنمية وما يترتب عليه من انعكاسات اجتماعية وسياسية في الدول المدينة وفي تعميق تبعيتها للجهات الدائنة وإلى تعرضها إلى نوع من "الإرهاب المالي الدولي "الذي يستهدف إخضاع القرارات الاقتصادية والسياسية لهذه الدول لنوع صارم من الرقابة والتدخل في الشؤون الداخلية تحت وطأة تفاقم مديونيتها. ويبدوذلك واضحا في حالات الدول التي تضطر إلى طلب إعادة جدولة ديونها الخارجية أوالحصول على قروض جديدة, حيث تفرض الأطراف المانحة داخل نادي باريس ونادي لندن ومعهم في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي, سياسات وبرامج تعمق من تبعية الدول المدينة لرأس المال الدولي.

4- إن الأزمات الاقتصادية والمالية التي تواجهها الدول النامية لا ترجع بالكامل إلى الأموال الخارجية وإنما مردها في الواقع هو طريقة الدول المقترضة في إدارة تلك الأموال بشكل خاص وعمليات التنمية الاقتصادية بشكل عام. كما أن اللجوء إلى الاقتراض ليس بالضرورة سلبيا أوإيجابيا ويتوقف ذلك على النتائج المترتبة على هذا الاقتراض وتحدد طبيعة ومصادر وشروط واستخدامات الأموال الأجنبية مستوى تأثيرها في النمو الاقتصادي

5- أثبت العديد من الدراسات والبحوث أن الدول التي تعرضت لأزمات مديونية حادة قد اتجهت الأموال المقترضة فيها لتمويل الاستهلاك والاستثمارات الغير منتجة.

6- حل مشكلة الديون الخارجية للدول النامية والتخفيف من وطأتها, لخلق نوع من التوازن في الداخل وبين الدول -أصبح ضروريا للتوازن الاقتصادي العالمي- يتطلب توافر جهود كافة الأطراف وبالدرجة الأولى الأطراف الدائنة وجدية إرادتها في تحقيق ذلك.

7- أصبح من الضروري صياغة سياسات جديدة تؤسس المناخ الملائم للدول العربية الدائنة للتصدي للانعكاسات السلبية لهذه التحولات من فقر وتهميش وتبعية وارتهان للمؤسسات المالية الدولية ترتكز على ثلاثة محاور عامة:

محور اقتصادي:
يتعلق بطبيعة التنمية الاقتصادية المستهدفة وآليات تحقيقها وأنماط توزيع ثمارها, حيث يجب أن تكون هذه التنمية مرتكزة على القدرات الذاتية العربية من خلال التعجيل بالتكامل والاندماج الاقتصادي بين الدول العربية وتفعيل السوق العربية المشتركة وتحديث وتطوير المؤسسات المالية العربية المحلية من أجل ضمان توفير التمويل الذاتي العربي للتنمية وجلب رؤوس الأموال العربية الهاربة.
محور اجتماعي:
يستند إلى التركيز على التنمية البشرية بمفهومها الواسع من تعليم وصحة وبحث وتطوير وضمان لحقوق الإنسان.
محور سياسي:
يؤسس لقواعد ديموقراطية ترتكز على المشاركة الشعبية الفاعلة في القرارات التنموية وتدعيم آليات الرقابة ومكافحة الرشوة والفساد داخل القطاعات المختلفة.

ونختم بإعادة التأكيد على أن العامل الأهم في تجسيد محاولات التكامل الاقتصادي العربي يرتبط أساسا بالإرادة السياسية للقادة العرب وفي غياب هذه الإرادة يصعب أن تخطو الدول العربية جديا نحو طريق الوحدة الاقتصادية والتي أصبحت الخيار الأهم في مواجهة تداعيات العولمة ومخاطرها.
بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"