بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 6 نوفمبر 2010

الحقيقة/3

ومن شخصيات الشيعة أيضاً:
عبد الله بن سبأ اليهودي:
ويُعد المؤسس الأول لمعتقدهم الفاسد، وهو يهودي من يهود اليمن، ويُلقب بابن السوداء، نسبة إلى أمه الحبشية، وقد أظهر الإسلام ليهدمه من الداخل، وهو أول من قال بأن القرآن جزء من تسعة أجزاء، وعلمه عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو الذي ألّب الأحزاب على ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو أول من قال بالرجعة والبداءة والنسيان على الله عز وجل تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
علي بن إبراهيم القمي أبو الحسن، الهالك في عام 307ه‍، والمشهور بتفسيره المسمى (بتفسير القمي)، وقد صرح فيه - عدو الله - بتحريف القرآن الكريم، كما له عدة مؤلفات مثل كتاب (التاريخ)، وكتاب (الشرائع)، وكتاب (الحيض)، وكتاب (التوحيد والشرك)، وكتاب (فضائل أمير المؤمنين)، وكتاب (المغازي) وغيرها من الكتب.
محمد بن يعقوب الكليني، أبو جعفر الهالك في عام 328ه‍، صاحب كتاب (الكافي) الذي ذكر فيه تحريف القرآن في اثنين وعشرون صفحة من هذا الكتاب في جزئه الأول والثاني فقط، وهو كتاب كبير يشتمل على أقسام ثلاثة: الأصول والفروع والروضة.
محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، المعروف بالصدوق، الهالك في عام 381ه‍، صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه).
محمد بن الحسن الطوسي، الهالك في عام 460ه‍، صاحب كتاب (تهذيب الأحكام)، وكتاب (الإستبصار)، وكتاب (التبيان)، وكتاب (الغيبة)، وكتاب (أمالي الطوسي)، و(الفهرست)، و(رجال الطوسي).
الحاج ميرزا حسين محمد النوري الطبرسي، الهالك في عام 1320ه‍، بالنجف صاحب كتاب (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربِ الأرباب)، والذي يدعي فيه , هذا الزنديق , أن القرآن الكريم فيه تحريفٌ وزيادة ونقصان، وقد طُبع هذا الكتاب في دولة إيران عام 1289ه‍.
آية الله المامقاني، صاحب كتاب (تنقيح المقال في أصول الرجال)، وهو إمامهم في الجرح والتعديل، وأطلق في هذا الكتاب على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما لقب الجبت والطاغوت وقد طُبع هذا الكتاب في عام 1352ه‍ بالمطبعة المرتضوية بالنجف.
محمد باقر المجلسي : شيخ الدولة الصفوية في زمانه، الهالك في عام 1111ه‍، صاحب كتاب (بحار الأنوار).
ونعمة الله الجزائري، الهالك في عام 1112ه‍، وهو صاحب كتاب (الأنوار النعمانية)، وأبو منصور الطبرسي الهالك عام 620ه‍، صاحب كتاب (الاحتجاج)، وأبو عبد الله المفيد، الهالك عام 413ه‍، صاحب كتاب (الإرشاد)، وكتاب (أمالي المفيد)، ومحمد بن الحسن العاملي، الهالك عام 1104ه‍، صاحب كتاب (الإيقاظ من الهجعة في إثبات الرجعة).
آية الله الخميني، واسمه روح الله مصطفى أحمد الموسوي الخميني، هاجر جده أحمد من الهند إلى إيران عام 1885م، وكان مولد الخميني في قرية (خمين) بالقرب من مدينة (قم) عام 1320ه‍، وقتل والده بعد عام من ولادته، ولما قارب سن البلوغ ماتت أمه فرعاه أخوه الأكبر، وقد كان من رجال الدين عند الشيعة ، ومن مؤلفات الخميني كتاب (كشف الأسرار)، الذي يقول فيه، عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في صفحة ما نصه (116): (إن أعمال عمر نابعة من أعمال الكفر والزندقة والمخالفات لآيات ورد ذكرها في القرآن) انتهى كلامه.
كما أن للخميني كتاب (تحرير الوسيلة)، وكتاب (الحكومة الإسلامية)، الذي يقول فيه في صفحة (13) ما نصه: (إن تعاليم الأئمة، كتعاليم القرآن، يجب تنفيذها واتباعها).
وقد هلك الخميني في عام 1989م، عن عمر يناهز التاسعة والثمانين عام، وقد أودع المقربون إليه جسده في نعشٍ زجاجي، ووضعوه في أكبر ساحة في طهران عاري الوجه، يطوف حوله المريدون، وقد سار خلفه نحو عشرة ملايين رافضي، قد تزاحموا عليه بالمناكب، وهم يلطمون الخدود ويضربون الصدور، كما قرر المتاجرون بجسد الخميني أن يبنوا عليه بنياناً، تعلوه أرفع قبة في إيران، مطلية بالذهب تشرف على قرية اختار لها ابنه أحمد اسماً، هو (روح الإسلام)، وقد قيل إن تكلفة هذه القبة قرابة السبعة مليارات من الدولارات، في بلدٍ به خمسة ملايين عاطل !!.

1. عقيدة الشيعة في توحيد الربوبية:

أولاً: اعتقاد الشيعة بأن الرب هو الإمام:

حيث تعتقد الشيعة بأن الرب هو الإمام الذي يسكن الأرض، كما جاء في كتابهم (مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار) [ صفحة 59] أن علياً – كما يفترون عليه – قال: (أنا رب الأرض الذي يسكن الأرض به)، وكقول إمامهم العياشي في تفسيره [2/353] لقول الله تعالى: ( ولا يشرك بعبادة ربه أحدا): قال العياشي: (يعني التسليم لعلي رضي الله عنه، ولا يشرك معه في الخلافة من ليس له ذلك، ولا هو من أهله) انتهى كلامه.

ثانياً: اعتقاد الشيعة بأن الدنيا والآخرة بيد الإمام:
وكذلك تعتقد الشيعة أن الدنيا والآخرة، كلها للإمام يتصرف بها كيف يشاء، وقد عقد إمامهم الكليني في كتابه (الكافي) [1/407-410] باباً بعنوان: (باب أن الأرض كلها للإمام) جاء فيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (أما علمتَ أن الدنيا والآخرة، للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء) انتهى كلامه.
ثالثاً: إسناد الحوادث الكونية لأئمتهم:
كما تُسند الشيعة الحوادث الكونية التي لا يتصرف فيها إلا الله تعالى، إلى أئمتهم، فكل ما يجري في هذا الكون من رعدٍ وبرقٍ وغير ذلك، فأمره إلى أئمتهم كما ذكر ذلك إمامهم المجلسي، في كتابه (بحار الأنوار) [27/33]: (عن سماعَة بن مهران قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، فأرعدت السماءُ وأبرقت، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما إنه ما كان من هذا الرعد ومن هذا البرق فإنه من أمر صاحبكم، قلت: من صاحبنا ؟ قال: أمير المؤمنين عليه السلام).
رابعاً: اعتقاد الشيعة الإمامية أن علياً يركب السحاب:
وهذه العقيدة يتوافق فيها الشيعة الإمامية مع الشيعة النصيرية كما سيأتي , وقد أثبت هذا شيخهم المجلسي في كتابه (بحار الأنوار) [27/34] أن علياً أومأ إلى سحابتين، فأصبحت كل سحابة، كأنها بساط موضوع، فركب على سحابة بمفرده، وركب بعض أصحابه على الأخرى، وقال فوقها: (أنا عين الله في أرضه، أنا لسان الله الناطق في خلقه، أنا نور الله الذي لا يُطفأ، أنا باب الله الذي يؤتى منه، وحجته على عباده).

خامساً: اعتقاد الشيعة أن أئمتهم يعلمون الغيب:
وكذلك تعتقد الشيعة إخواني في الله، بأن أئمتهم يعلمون الغيب حيث أقر هذه العقيدة، شيخهم الكليني، إذ بوب في كتابه الكافي (1/258) باباً بعنوان: (باب أن الأئمة عليهم السلام يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم)، وكذلك بوب في كتابه الكافي (1/260) باباً بعنوان: (باب أن الأئمة عليهم السلام يعلمون علم ما كان، وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم شيء)، وكذلك روى إمامهم المجلسي في كتابه بحار الأنوار [26/27-28] عن الصادق عليه السلام كذباً وزوراً أنه قال: (والله لقد أُعطينا علمُ الأولين والآخرين، فقال له رجل من أصحابه: جُعلت فداك أعندكم علم الغيب؟ فقال له: ويحك إني لأعلم ما في أصلاب الرجال وأرحام النساء).
سادساً: اعتقاد الشيعة بأن أئمتهم ينزل عليهم الوحي:
وكذلك تعتقد الشيعة الإمامية بنزول الوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أئمتهم عن طريق جبريل عليه السلام، بل عن طريق ملك أعظم من جبريل وأفضل فهم بذلك يُشرعون ويعلمون الغيب، وكل ما هو كائن إلى يوم القيامة.
وهذه العقيدة متناثرة في كتب الشيعة ككتب الحديث والتفسير بروايات عديدة، فقد أورد إمامهم محمد بن الحسن الصفار المتوفى عام290ه‍، والذي يعدونه من أصحاب الإمام المعصوم الحادي عشر، كما يعدونه من أقدم المحدثين لديهم، بالإضافة إلى أنه شيخ الكليني الذي يلقب عندهم بحجة الإسلام.
فقد روى إمامهم الصفار في كتابه (بصائر الدرجات الكبرى)، والذي هو عبارة عن عشرة أجزاء أخباراً كثيرة لا تحصى ولا تعد، في إثبات نزول الوحي على أئمتهم عن طريق الملائكة الكرام ‍، ففي الباب السادس عشر من الجزء الثامن باب ( في أمير المؤمنين أن الله ناجاه بالطائف وغيرها ونزل بينهما جبريل) ، روى تحته قرابة عشر روايات منها:
(عن حُمران بن أعين قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، بلغني أن الله تبارك وتعالى قد ناجى علياً عليه السلام ؟
قال: أجل قد كان بينهما مناجاة بالطائف نزل بينهما جبريل) انتهى لفظه من كتاب بصائر الدرجات الكبرى للصفار، ج 8 الباب السادس عشر ص430 ط إيران.
كما أن هذا الأمر لا يختص به علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بل يشاركه فيه جميع الأئمة عند الشيعة الاثنا عشرية، كما روى الصفار في كتابه بصائر الدرجات في الجزء التاسع تحت عنوان (الباب الخامس عشر في الأئمة عليهم السلام أن روح القدس يتلقاهم إذا احتاجوا إليه)، وقد روى تحت هذا الباب قريباً من ثلاثة عشر رواية، منها عن أسباط عن أبي عبد الله جعفر أنه قال:
(قلت: تسألون عن الشيء فلا يكون عندكم علمه؟
قال: ربما كان ذلك.
قلت: كيف تصنعون؟
قال: تلقانا به روح القدس).
وكذلك ذكر الصفار في كتابه بصائر الدرجات عن أبي عبد الله أنه قال: (إنّا لنُـزاد في الليل والنهار، ولو لم نزِد لنفد ما عندنا.
قال أبو بصير: جُعلت فداك من يأتيكم به؟
قال: إن منا من يعاين.
وإن منا من يُنقر في قلبه كيت وكيت،
وإن منا لمن يسمع بأذنه وقعاً كوقع السلسلة في الطست.
قال: فقلت له: من الذي يأتيكم بذلك؟
قال: خلق أعظم من جبريل وميكائيل) بصائر الدرجات الكبرى للصفار، الباب السابع من ج 5 ص 252.
وروى الكليني مثل هذه العقيدة في كتابه الكافي تحت عنوان (باب الروح التي يسدد الله بها، الأئمة عليهم السلام)، فعن أسباط بن سالم قال: سأل رجل من أهل بيتِ أبا عبد الله عليه السلام، عن قول الله عز وجل: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا).
فقال: (منذ أن أنزل الله عز وجل ذلك الروح على محمد صلى الله عليه وآله، ما صَعَدَ إلى السماء، وإنه لفينا، وفي رواية: كان مع رسولِ الله يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده) انتهى. كتاب الكافي لحجة الإسلام عندهم محمد بن يعقوب الكليني، في الأصول، كتاب الحجة، ج1 ص 273 ط طهران.
كما روى الكليني في كتابه الكافي في الأصول، ج1 ص 261 ط إيران: (عن أبي عبد الله قال: إني اعلم ما في السموات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة والنار، وأعلم ما كان وما يكون).
وكذلك عقد شيخهم الحر العاملي باباً في كتابه (الفصول المهمة في أصول الأئمة) باب 94 ص 145 جاء فيه: (إن الملائكة ينـزلون ليلة القدر إلى الأرض، ويخبرون الأئمة عليهم السلام، بجميع ما يكون في تلك السنة من قضاء وقدر، وإنهم [أي الأئمة] يعلمون كل علم الأنبياء عليهم السلام).
سابعاً: اعتقاد الشيعة بأن جـزءاً من النور الإلهـي حلّ في علي رضي الله عنه:
وكذلك تعتقد الشيعة بأن جزءاً من النور الإلهي، قد حلّ بعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، كما نقل ذلك إمامهم الكليني في أصول الكافي [1/440]: ( قال أبو عبد الله: (ثم مسحنا بيمينه فأفضَ نوره فينا) ونقل أيضاً وقال أيضاً: (ولكن الله خلطنا بنفسه).
ثامناً: اعتقاد الشيعة الإمامية بأن الأعمال تُعرض على الأئمة:
وكذلك يعتقد الشيعة بأن أعمال العباد تُعرض على الأئمة في كل يومٍ وليلةٍ، كما نقل ذلك إمامهم وحجتهم الكليني في الأصول من الكافي [1/219]: (عن الرضا (ع) أن رجلاً قال له: ادع الله لي، ولأهل بيتي، فقال: أولست أفعل؟ والله، إن أعمالكم لتُعرض علي في كل يومٍ وليلةٍ).

الحقيقة/2

الباب الأول : الشيعة الإمامية الإثني عشرية :
وفيه سبعة فصول
الفصل الأول : عقائدهم
الفصل الثاني : عقيدتهم في القرآن .
الفصل الثالث : جرائمهم .
الفصل الرابع : حكم علماء الإسلام وفتاواهم في الشيعة الإمامية الإثنى عشرية .
الفصل الخامس : العلاقة بين الشيعة الإمامية واليهود عقدياً وعسكرياً .
الفصل السادس :أحوال إخواننا أهل السنة في إيران .
الفصل السابع : مخططات الشيعة الإمامية السرية .
الفصل الأول : عقائد الشيعة الإمامية الإثني عشرية :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا وحبيبنا وقدوتنا، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم .................… وبعد
إخواني المسلمين أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله عز وجل كما جمعنا في هذه الدنيا على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة في جنته، بجوار الحبيب الخليل محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أحبتي في الله، أرحب بكم في هذا اللقاء من سلسلة الفرق والأديان والمذاهب، ونتكلم هذا اليوم عن الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، وحديثنا سيكون بإذن الله تعالى تحت العناصر التالية:
1. التعريف بالشيعة الإمامية.
2. أشهر شخصيات ومؤلفات الشيعة.
3. عقيدة الشيعة الإمامية في توحيد الربوبية.
4. عقيدة الشيعة الإمامية في توحيد الألوهية.
5. عقيدة الشيعة الإمامية في توحيد الأسماء والصفات.
6. عقيدة الشيعة الإمامية في القرآن الكريم.
[1]
7. عقيدة الشيعة الإمامية في الصحابة رضوان الله عليهم.
8. عقيدة الشيعة الإمامية في الغيبة.
9. عقيدة الشيعة الإمامية في الرجعة.
10. عقيدة الشيعة الإمامية السرية في الطينة.
11. عقيدة الشيعة الإمامية في التُقية.
12. عقيدة الشيعة الإمامية في نكاح المتعة.
10 أعياد الشيعة الإمامية .
14. الخطة السرية للشيعة في تشييع المناطق والدول المجاورة لدولتهم إيران
[2].
15. الاغتيالات والجرائم والمجازر التي قام بها الشيعة في حق أهل السنة من العلماء والأمراء والعامة على مدار التاريخ.
16. حكم علماء الإسلام على الشيعة الإمامية الاثنا عشرية.

فنقول وبالله التوفيق والسداد:
1. التعريف بالشيعة الإمامية :
هي فرقة لها عدة أسماء، فإذا قيل عنهم الرافضة فهم الذين يرفضون إمامة الشيخين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ويسبون ويشتمون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا قيل عنهم الشيعة، فهم الذين شايعوا علياً رضي الله عنه على الخصوص وقالوا بإمامته، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده.
وإذا قيل لهم الإثنا عشرية فلإعتقادهم، بإمامة اثنى عشر إماماً، آخرهم الذي دخل السرداب وهو محمد بن الحسن العسكري.
وإذا قيل لهم الإمامية فلأنهم جعلوا الإمامة، ركناً خامساً من أركان الإسلام، وإذا قيل لهم جعفرية فلنسبتهم إلى الإمام جعفر الصادق وهو الإمام السادس عندهم، الذي كان من فقهاء عصره، ويُنسب إليه كذباً وزوراً فقه هذه الفرقة.
2. أشهر شخصيات ومؤلفات الشيعة الإمامية :
من أشهر شخصيات الشيعة الإمامية، هم الاثنا عشر إماماً الذين يتخذهم الشيعة الإمامية أئمة لهم، وهؤلاء الأئمة يبرئون إلى الله تعالى من اعتقادات الشيعة، وما ينسبونه إليهم من كذب وزور وبهتان، حيث ترتبهم الشيعة الإمامية على النحو التالي:
الإمام الأول: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويلقبونه بالمرتضى، وكنيته أبو الحسن، وهو رابع الخلفاء الراشدين وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتله الضال المضل عبد الرحمن بن ملجم في مسجد الكوفة.
الإمام الثاني: الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ويلقبونه بالمجتبى، وقيل بالزكي، وكنيته أبو محمد.
الإمام الثالث: الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ويلقبونه بالشهيد، وهو حقاً كذلك رضي الله عنه، وقيل بسيد الشهداء، وكنيته أبو عبد الله.
الإمام الرابع: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويلقبونه بالسَّجَّاد، وقيل بزين العابدين، وكنيته أبو محمد.
الإمام الخامس: محمد بن علي بن الحسين، ويلقبونه بالباقر، وكنيته أبو جعفر.
الإمام السادس: جعفر بن محمد بن علي، ويلقبونه بالصادق وكنيته أبو عبد الله.
الإمام السابع: موسى بن جعفر الصادق، ويلقبونه بالكاظم، وكنيته أبو إبراهيم.
الإمام الثامن: علي بن موسى بن جعفر، ويلقبونه بالرضى، وكنيته أبو الحسن.
الإمام التاسع: محمد بن علي بن موسى، ويلقبونه بالتقي، وقيل بالجواد، وكنيته أبو جعفر.
الإمام العاشر: علي بن محمد بن علي، ويلقبونه بالنقي، وقيل بالهادي، وكنيته أبو الحسن.
الإمام الحادي عشر: الحسن بن علي بن محمد، ويلقبونه بالزكي، وقيل بالعسكري، وكنيته أبو محمد.
الإمام الثاني عشر والأخير: محمد بن الحسن العسكري، ويلقبونه بالمهدي، وقيل بالحجة القائم المنتظر، وكنيته أبو القاسم، وهو الحجة الغائب عند الشيعة، وقيل أنه ولد في سنة 256 للهجرة، وغاب غيبة صغرى سنة 260ه‍، وغيبة كبرى سنة 329ه‍،
كما تعتقد الشيعة أيضاً، أن هذا الإمام الثاني عشر، قد دخل سرداباً في دار أبيه، (بِسُرَّ مَنْ رأى) ولم يخرج إلى الآن.
[1] راجع الفصل الثاني من هذا الباب .
[2] راجع الفصل السابع من هذا الباب .

الحقيقة/1

موسوعة فرق
الشيعة
للشيخ ممدوح الحربي
تنسيق أعضاء شبكة الدفاع عن السنة





مقدمة :

بسم الله الرحمن الرحيم , مالك يوم الدين , والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
وبعد ..
إيمانا منا بقدر الكلمة المكتوبة وعظم تأثيرها أكثر من أي وسيلة أخرى في نشر الدعوة إلى الله , فقد وفق الله إخوانكم في شبكة الدفاع عن السنة لتفريغ 13 شريطاً عن طوائف الشيعة , 12 شريطا منها موجودة في سلسلة واحدة بعنوان " موسوعة الشيعة " لشيخنا الحبيب ممدوح الحربي وفقه الله تعالى لما يحبه ويرضاه , وواحد زائد على السلسلة بعنوان " مخططات الشيعة السرية " ويعني بهم الشيعة الإثني عشرية الإمامية , ونظراً لحسن الإعداد والإلقاء وجمع المعلومة التي قام بها الشيخ وبذل جهداً كبيراً فقد رأى إخوانكم في الشبكة أن هذه المادة لو كتبت وخرجت فيما يشبه الكتاب لكان وقعها بأمر الله أقوى وأكبر وأبقى , وقد كان أسلوب الشيخ في الإلقاء وترتيب الأفكار أكبر الأثر في تسهيل كتابة وتفريغ هذه المادة , والتي عملنا كما سترون جاهدين بوضعها في صيغة كتاب ..
أما موسوعة الشيعة فقد ضمت المحاضرات التالية :
1. الشيعة الإمامية والقرآن الكريم .
2. العلاقة بين الشيعة – الإمامية – واليهود عقدياً وعسكرياً ( في محاضرتين ) .
3. إخواننا أهل السنة في إيران .
4. عقائد وجرائم الشيعة الإمامية الإثني عشرية ( في ثلاثة محاضرات ) .
5. الشيعة النصيرية .
6. الشيعة الدروز
[1] .
7. الشيعة الزيدية .
8. إسماعيلية العالم .
9. إسماعيلية السعودية ( المكارمة ) .
10 ومحاضرة مخططات الشيعة السرية .

وقد قمنا بترتيبها على النحو التالي في هذا الملف :

الباب الأول : الشيعة الإمامية الإثني عشرية :
وفيه سبعة فصول
الفصل الأول : عقائدهم
الفصل الثاني : عقيدتهم في القرآن .
الفصل الثالث : جرائمهم .
الفصل الرابع : حكم علماء الإسلام وفتاواهم في الشيعة الإمامية الإثنى عشرية .
الفصل الخامس : العلاقة بين الشيعة الإمامية واليهود عقدياً وعسكرياً .
الفصل السادس :أحوال إخواننا أهل السنة في إيران .
الفصل السابع : مخططات الشيعة الإمامية السرية .
الباب الثاني : بقية فرق الشيعة :
وفيه خمسة فصول :
الفصل الأول : الشيعة النصيرية .
الفصل الثاني : الشيعة الدروز .
الفصل الثالث : الشيعة الزيدية .
الفصل الرابع : الشيعة الإسماعيلية في العالم .
الفصل الخامس : الشيعة الإسماعيلية في السعودية ( المكارمة ) .
وقد حرصنا على أن يكون المحتوى أقرب إلى كونه كتاب أكثر من كونه موضوع مفرغ فقمنا بالعمل التالي فيه دون تأثير أبداً على المضمون لا من قريب ولا من بعيد :
1. قمنا بتوثيق المستطاع من الآيات وعزوها إلى أماكنها حتى يسهل الرجوع إليها لمن أراد .
2. بعض أعمال المنتاج كانت قد وضعت بعض الآيات في أماكن معينة فما كان منها له صلة مباشرة بالسياق أفرغناه وما لم يكن فلم ننقله هنا .
3. هناك مواد سمعية كثيرة خصوصا في محاضرات الشيعة الإمامية بأصوات مشائخ من الشيعة الإمامية لم نضع أكثرها هنا لكفاية المضمون النصي الذي وضعه الشيخ بالغرض .
4. مقدمات المحاضرات وعبارات الترحيب والعبارات المكررة لم تفرغ ليظهر السياق كسياق كلمة مكتوبة .
5. لم يمس المضمون وأفكار الشيخ أبدا بشيء من التغيير إلا ما ذكرناه اجتهادا في حسن الإخراج فقط .
6. قمنا بوضع هذه المقدمة وفهرسة للموضوع .
سائلين الله تعالى أن ينفع بهذا العمل شيخنا الكريم ومن قام فيه بجهد من الأحبة الكرام في شبكة الدفاع , وأن يسهل إخراجه في كتاب يطبع ويوزع في كل مكان إنه سميع مجيب .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .




الدروز في معنقدهم الآن بعيدين عن التشيع لآل البيت رغم أن أفكارهم منبثقة من الشيعة الإسماعيلية الباطنية , فهم واقعا ليسوا من الشيعة في شيء إلا من حيث منشأ الإفكار فقط .

اقتراح الفرض الأول في مادة الأدب


معهد الزارات
الفرض العادي في مادة الأدب
السنة الدراسية 2010/2011
الأستاذ هشام لطيف
الاسم.......................اللقب...................
المستوى 3 آداب



النص

قال ابن زيدون:
1 لئن قصر اليأس منك الأمل وَحَالَ تَجَنّيكِ دُونَ الحِيَلْ
2 وناجاك بالافك في الحسود فأعطيته جهرة ما سأل
3 وراقكِ سحرُ العِدَا المفترَى وَغَرّكِ زُورُهُمُ المُفْتَعَلْ
4 وأقْبَلتِهِمْ فيّ وجهَ القبولِ وقابلَهُمْ بشرُكِ المقْتَبَلْ
5 فإنّ ذمَامَ الهوَى لمْ أزَلْ أبقّيهِ حفظاً كمَا لم أزَلْ
6 فديتُكِ إنْ تعجَلِي بالجَفَا فَقَدْ يَهَبُ الرّيثَ بَعْضُ العَجَلْ
7عَلامَ أطّبَتْكِ دَوَاعِي القِلَى ؟ وَفِيمَ ثَنَتْكِ نَوَاهِي العَذَلْ؟
8 ألمْ ألزَمِ الصّبرَ كيْمَا أخفّ؟ ألمْ أكثرِ الهجرَ كي لا أملّ؟
9 ألمْ أرضَ منْكِ بغيرِ الرّضَى وأبدي السّرورَ بمَا لمْ أنلْ؟
10ألَمْ أغتفِرْ موبقَاتِ الذّنُوبِ عَمْداً أتَيْتِ بِهَا أم زَلَلْ؟
11ومَا ساءَ ظنِّيَ في أنْ يسيء بِيَ الفِعْلَ، حُسْنُكِ، حتى فَعَلْ
12عَلَى حِينَ أصْبَحْتِ حَسْبَ الضّمِيرِ ولمْ تبغِ منكِ الأماني بدَلْ
13وَصَانَكِ، مِنّي، وَفيٌّ أبيٌّ لعلْقِ العلاقة ِ أنْ يبتذَلْ

ديوان ابن زيدون

الأسئلة : حلل هذا النص تحليلا أدبيا مسترسلا بالاعتماد على هذة الأسئلة.
1-قسم النص وفق معيار تختاره.
2-ادرس أساليب الخبر والانشاء وبين المعاني التي تحققها.
3-كيف انتشرت صورة المحب والمحبوب في هذا النص؟
4-الى أي مدى التزم الشاعر بالموروث القديم بنية ومعنى؟

حظا سعيدا

الجمعة، 5 نوفمبر 2010

من هو الصحابي؟

الحمد لله .. هذه نبذة يسيرة ومختصرة جمعتها وحررتها دفاعاً عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ..أسال الله تعالى أن يجمعنا بهم في الجنة .. وأن يخذل من نال منهم أو ابغضهم إنه سميع عليم .. وهذا القال يمكن أن يستفيد منه المعلم والمعلمة مع طلابهم والخطيب وغيرهم من أجل تقرير هذا الأمر العظيم .تعريف الصحابي :حكي خلاف بين أهل العلم في حد الصحابي ، ووردت عدة أقوال فيها : أولاً : قول الأصوليون :من طالت مجالسته للنبي صلى لله عليه وسلم ، على طريق التبع له ، والأخذ عنه ، بخلاف من وفد عليه ، وانصرف بلا مصاحبة ولا متابعة . قالوا: وذلك معنى الصحابي لغة . ورد هذا بإجماع أهل اللغة على أنه مشتق من الصحبة ، لا من قدر مخصوص منها، وذلك يطلق على كل من صحب غيره قليلاً كان أو كثيراً ، يقال : صحبت فلان حولاً، وشهراً ، ويوماً ، وساعة . ثانياً : تعريف المحدثين :قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ : وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، مؤمناً به ، ومات على الإسلام . فيدخل فيمن لقيه : من طالت مجالسته له ، أو قصرت ، ومن روى عنه ، أو لم يرو عنه ، ومن غزا معه ، أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ، ومن لم يره لعارض كالعمى. ويخرج بقيد الإيمان :من لقيه كافراً ، ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع معه مرة أخرى.وقولنا مؤمناً به: يخرج من لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة .....وخرج بقولنا ومات على الإسلام : من لقيه مؤمناً به ثم ارتد ، ومات على ردته والعياذ بالله ، وقد وجد من ذلك عدد يسير كعبدالله بن جحش .. وكعبد الله بن خطل .. ويدخل في الصحابة : من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت ، سواء اجتمع به صلى الله عليه وسلم ، مرة أخرى أم لا . وهذا هو القول المعتمد .... وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما ، ووراء ذلك أقوال أخرى شاذة . اهـفالخلاصة أن الصحابي : من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام . قال الإمام البخاري ـرحمه الله ـ : من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ، أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه . قال الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ بعد كلام له عن أهل بدر : وأفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، القرن الذي بعث فيهم ، كل من صحبه سنة أو شهراً ، أو يوماً، أو ساعة ، أو رآه ، فهو من أصحابه ، له من الصحبة على قدر ما صحبه ، وكانت سابقته ، منه وسمع منه ، ونظر إليه .اهـ [ ينظر : تدريب الراوي للسيوطي ، 2/672 ، الإصابة في تمييز الصحابة ، للحافظ ابن حجر1/158 ، فتح الباري لابن حجر7/5 ، وانظر علوم الحديث لابن الصلاح ص 175 ، رواه الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية في علوم الرواية ، ص 99 ] .وجوب معرفة الصحابة :إن معرفة قدر الصحابة وما لهم من شريف المنزلة وعظيم المرتبة من أولى المهمات المتعلقة بصلاح العقيدة واستقامة الدين، ولذا كان علماء الإسلام يؤكدون في كتب العقائد على مكانة الصحابة في الأمة، ويذكرون في ذلك فضلهم وفضائلهم وأثرهم وآثارهم، مع الدفاع عن أعراضهم وحماية حياضهم؛ إذ الدفاع عنهم دفاع عن رسول الله ، فهم بطانته وخاصته، ودفاعا أيضا عن الإسلام، فهم حملته ونقلته.قال الطحاوي رحمه الله في عقيدته: \"ونحبّ أصحاب رسول الله ، ولا نفرّط في حب أحدٍ منهم، ولا نتبرّأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان\".فضائل الصحابة في الكتاب والسنة وآثار السلف :الحديث عن فضائل الصحابة عمومًا وخصوصًا حديث تطول فصوله، ولكن حسبنا من ذلك أنهم الذين أعز الله بهم دينه ونشر بهم شرعه، بل لو لم يكن من فضلهم إلا محبة رسول الله لهم ورضاه عنهم لكان ذلك كافيًا. فالصحابة أبرّ هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلّفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، كما قاله ابن مسعود . وهم خير القرون، وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم وثناء رسوله عليه السلام، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل منه، فحبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة.وقد ورد في فضلهم آيات وأحاديث كثيرة، ..أولاً : الكتاب :1- قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، وقال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا .2- وقال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، وفي آيات عديدة ذكرهم الله تعالى وترضّى عنهم.ثانياً : من السنة :ومما جاء في السنة : عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه)) رواه البخاري (3470) ومسلم (2540) واللفظ له.وجاء الوعيد الشديد فيمن آذى أصحاب النبي ما رواه أحمد (5/54) والترمذي (3862) والبيهقي في الشعب (2/191) عن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله : ((الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه)).قال المناوي رحمه الله تعالى في الفيض (2/98): \"((الله الله في)) حق ((أصحابي)) أي: اتقوا الله فيهم، ولا تلمزوهم بسوء، أو اذكروا الله فيهم وفي تعظيمهم وتوقيرهم، وكرره إيذانا بمزيد الحثّ على الكف عن التعرض لهم بمنقص. ((لا تتخذوهم غرضا)) هدفا ترموهم بقبيح الكلام كما يرمَى الهدف بالسهام، هو تشبيه بليغ، ((بعدي)) أي: بعد وفاتي\".وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((مَن سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) رواه الطبراني في الكبير (12/142) وله شواهد ولذا حسنة الألباني رحمه الله في الصحيحة (2340). ثالثاً من الآثار :لقد عرف السلف الصالح فضل الصحابة الكرام، وبيَّنوا ذلك، وردوا على كل من أراد انتقاصهم رضي الله عنهم، قال ابن عمر رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد ، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عُمره) رواه أحمد في الفضائل (1/57) وابن أبي شيبة (6/405) وابن ماجه (162) وابن أبي عاصم في السنة (2/484) وصححه البوصيري في الزوائد: (1/24).وجاء رجل إلى عبد الله بن المبارك وسأله: أمعاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: \"لتُراب في منخرَي معاوية مع رسول الله خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز\" رواه ابن عساكر (59/208).وجاء رجل إلى الإمام أبي زرعة الرازي رحمه الله فقال: يا أبا زرعة، أنا أبغِض معاوية، قال: لِمَ؟ قال: لأنه قاتَل عليّا، فقال أبو زرعة: إنّ ربَّ معاوية ربٌّ رحيم، وخصم معاوية خصمٌ كريم، فما دخولك أنت بينهما رضي الله عنهم أجمعين. رواه ابن عساكر (59/141).وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: \"إذا رأيت رجلا يذكر أصحاب رسول الله بسوء فاتهمه على الإسلام\" رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (7/1252).منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الصحابة :إن لأهل السنة والجماعة لمنهجًا رشيدًا في تعاملهم مع حقوق هؤلاء الصحابة الكرام، ذكرها المصنفون في كتب الاعتقاد، أذكر منها نبذة ملخصة لطيفة من كلام العلامة ابن عثيمين في شرحه على لمعة الاعتقاد إذ يقول رحمه الله: \"فحقوقهم على الأمة من أعظم الحقوق، فلهم على الأمة : 1- محبتهم بالقلب والثناء عليهم باللسان بما أسدوه من المعروف والإحسان.2- الترحم عليهم والاستغفار لهم تحقيقًا لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ .3- الكف عن مساوئهم التي إن صدرت عن أحد منهم فهي قليلة بالنسبة لما لهم من المحاسن والفضائل، وربما تكون صادرة عن اجتهاد مغفور وعمل معذور لقوله : ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل الأرض ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيف)) أخرجاه في الصحيحين\".ثم قال الشيخ رحمه الله : الذي يسب الصحابة على ثلاثة أقسام : الأول: أن يسبهم بما يقتضي كفر أكثرهم أو أن عامتهم فسقوا فهذا كفر؛ لأنه تكذيب لله ورسوله بالثناء عليهم والترضي عنهم، بل من شك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ لأنه مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق.الثاني من أقسام سب الصحابة رضي الله عنهم: أن يسبهم باللعن والتقبيح، ففي كفره قولان لأهل العلم، وعلى القول بأنه لا يكفر يجب أن يُجلد ويحبس حتى يموت أو يرجع عما قال.الثالث: أن يسبهم بما لا يقدح في دينهم كالجبن والبخل، فلا يكفر بذلك، ولكن يُعزَّر بما يردعه عن ذلك\" انتهى كلامه رحمه الله.قال القاضي عياض في كتابه (الشفاء في حقوق المصطفى): \"قال الإمام مالك: من شتم أحدًا من أصحاب النبي : أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال: كانوا على ضلال وكفر قُتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نُكِّل نكالاً شديدًا\".وقال رحمه الله عند تفسيره لآية التوبة وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ، قال رحمه الله: \"فقد أخبر الله أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم عياذًا بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان إذ يسبون من رضي الله عنهم؟! وأما أهل السنة فإنهم يترحمون عمن رضي الله عنهم ويسبون من سبه الله ورسوله ويوالون من يوالي الله ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدعون، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون\" انتهى كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله.اللهم إنا نتقرب إليك بحب أصحاب حبيبك وموالاتهم والترضي عنهم، اللهم اجمعنا بهم في دار كرامتك يا كريم.

"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم..."

لست هنا بصدد الكلام عن فضل الصحابة رضي الله عنهم، أو بيان تعديلهم، أو إيراد الأدلة من القرآن الكريم، والسنة المطهرة عن ذلك الفضل، فهذا أمر مفصّل في القرآن والسنة مما يدركه صغار طلبة العلم من المسلمين، ولكنها وقفات متفرقة مع استئناف الكلام بقدح الصحابة إجمالاً، أو تخصيص بعضهم بالسب والشتم، بل والتجاوز إلى الحكم بأنهم من أهل النار، فلعل في هذه الوقفات – على اختصارها وإيجازها – تذكيراً، وتنبيها، وزيادة معرفة وعلم لمن كان جاهلاً. والله جل وعلا يقول : ( سيذكّر من يخشى ).الوقفة الأولى:مما هو متقرر في عقيدة المسلمين أن القرآن الكريم وحي منزّل من عند الله تعالى، على رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذا يجب على المسلم أن يؤمن يقيناً بهذا القرآن الكريم، قال تعالى: ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ) ووصفه الله جل وعلا بأعلى الاوصاف وأعظمها، وصفه بأنه هدى ، ورحمة ، وشفاء، وأنه مبارك، ونبأ عيظم، وموعظة وغيرها قال تعالى : (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء) وقال سبحانه: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)، وقال تعالى: (قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ).إذا كان ذلك كذلك ألا نؤمن بما قاله تعالى عن صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم في مثل قوله تعالى: (محمد رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار، رحماء بينهم، تراهم ركعاً سجداً، يبتغون فضلاً من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود..) الآية وقوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه).وهل فرّقت الأية أو الايات بينهم؟ أو استثنت أحداً منهم لايشمله هذا الفضل؟الوقفة الثانية:إن إيماننا بالقرآن الكريم يلزمنا بلاشك بالايمان بما جاء به عن الله تعالى عن ذاته، وأسمائه، صفاته، وأفعاله، وبما قضاه وقدّره، ومن ثمرات هذا الايمان أن لانشك فيمن اختارهم الله جل وعلا لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم. إذ زكّاهم في هذا القرآن وعدّلهم وبيّن فضلهم فمن خالف ذلك فقد بهتهم؛ سبحانك ربي من بهتان عظيم فيما يفترييه هؤلاء الذي جعلوا ألسنتهم وأقلامهم وإعلامهم سيوفاً مسلطة على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم.هل يصل الأمر – عقلاً – أن نفتح آذاننا وأذهاننا لمن يقدح في صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، ونصدقّه؟ فمن هو؟ وما تاريخه؟ وما صلاحه؟ وماعلمه؟ وماهو بذله؟ وإنفاقه في سبيل الله؟ بل أين سيفه على العقائد الباطلة،؟ وأين سبابه للأفكار المنحرفه؟ وأين جهاده في ميادين نشر العلم والحق؟ إنها معادلة صعبة.الوقفه الثالثه:إن إيماننا بالقرآن الكريم يوجب علينا الثناء كما أثنى سبحانه على عامة الصحابة رضوان الله عليهم، والثناء بخاصة على من خصهّم سبحانه وممن خصّهم الله جل وعلا: أهل بدر، وأهل بيعة الشجرة، ومن آمن من قبل الفتح وهاجر إلى المدينة، والسابقون الأولون، وممن خصّهم جل وعلا أبا بكر رضي الله عنه، وابنته الصديقه عائشة رضي الله عنها في تبرئتها مما رميت به من الافك. وغيرهما.فهل يسوغ ترك هذا الثناء لنتخبط مع من يتخبط في أعراض الصحابة رضي الله عنهم، بل وفي خواصّهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.الوقفة الرابعة: غني عن القول أن أقول إن الافتراء على الصحابة رضى الله عنهم، هو أحد وسائل أعداء الاسلام للنيل من هذا الدين الذي أنزله الله تعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والسؤال لماذا هذه العداوة لهم؟ والجواب بكل بساطة:1- أنهم الذين نقلوا إلينا هذا الدين، وروو لنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين أرسوا قواعد الدين بعده، فأبو بكر رضي الله عنه هو الذي جمع القرآن الكريم قبل أن يتفرق، وعمر رضي الله عنه توسعت في عهده رقعة الاسلام، وأرسى سائر النظم للدولة المسلمة، والقدح فيهم قدح في أصول الدين.2- التشينع على الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه فهو الذي جمع المصاحف على مصحف واحد، وهو الموجود إلى اليوم، والقدح فيه قدح في عمله وهو جمع القرآن، وهذه وسيلة للاتهام فيه بالزيادة أو النقصان، كما جرى وجاري مع بعض الفرق المنتمية للاسلام.3- التشنيع على المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخاصة: أبو هريرة رضي الله عنه فقد روى أكثر من خمسة آلاف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورزقه الله قوة الحفظ ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التى روت أكثر من ألفي حديث وبخاصة في أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الأسرية حتى روت لنا أدق التفاصيل مما لا يعلمه كثير من الناس عن آبائهم وامهاتهم وغيرهما رضي الله عن الجميع.فالقدح فيهما قدح فيما نقل إلينا من السنة النبوية:أرأيتم كيف يشتغل أعداء الاسلام لمحاولة نقضه من أصوله، والتشكيك في كيفية وصوله، وجرح رواته؟أقول: هذا من وسائلهم منذ أن أشعلوا الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه، وقاد الفتنة عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالاسلام فأدّت هذه الفتنة إلى افتراق أهل الاسلام إلى شيع وفرق كان لكل فرقة أصول تختلف عن الأخرى.الوقفة الخامسة:إن إيماننا بالقرآن الكريم يجعلنا ندرك أن التشنيع على الصحابة رضي الله عنهم هو طعن صريح بالرسول صلى الله عليه وسلم فمن يطعن بزوجته ويتهمها في عرضها اليس طعناً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو زوجها؟ ومن يطعن بنقلة الوحي الذي أنزله الله عليه؟ أليس طعناً به لانه لم يختر الصحبة النقية التي تنقل عنه ما أو حاه الله؟بل هذا طعن بالمولى جل وعلا لان لم يختر لنبيه صلى الله عليه وسلم النقلة الأمناء للوحي، ولانه لم يقدّر الزوجة الصالحة لنبيه صلى الله عليه وسلم؟!!الوقفة السادسة: إن هذا التشنيع على الصحابة رضي الله عنهم وسبهم من واحد أو أكثر ليس بدعاً جديداً، ولكنها ضمن سلسلة موجودة في كثير من مراجع هؤلاء، فهي أصل لديهم، وهذا يجعل كل مفكر وكاتب بل وقارئ أن يرجع إلى هذه المراجع التى لم تكن حبيسة مكتبة أو مكتبات بل أصبحت مشاعة في ( النت ) وغيره مما لا يكلفه جهداً كثيراُ في الاطلاع عليه وسيجده مسطراً موضحاً في تلك المراجع التي لم يتبرأ أهلها مما ذكر فيها بل هي محل فخرهم ورجوعهم، فعندما تبرأ عدد منهم من الشخص الذي تطاول على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تبرأ منه بعضهم ولم يتبرأوا من المقالة، أو المراجع العلمية المحشوة بمثل هذه الأقوال المظلمه.ولذا فالعاقل هو الذي يدرك ما وصل إليه هؤلاء وأمثالهم من البعد عن الدين الحق، والتلبس بلباسه، والعمل ضده وضد أصوله، وضد أهله، وهذا من الحقائق التى يجب أن تكون معلومه لدى كل مسلم ومسلمة.الوقفة السابعة: يفترض بعض الناس كما يلُبسِّ هؤلاء الذين اتخذوا سب الصحابة منهجاً لهم أن هناك تفاصلاً بين الصحابة رضي الله عنهم، وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وافتراض التعارض والتناقض فمن يحب آل البيت – بزعمهم – عليه أن يبغض الصحابة رضي الله عنهم، ومن يحب الصحابة عليه أن يبغض آل البيت رضي الله عن الجميع – حتماً -.وهذه معادلة افترضوها، وعمقّوها في أتباعهم، والسؤال أين الدليل على هذه الفرضية من القرآن الكريم أو السنة النبوية؟ أرأيت – أخي القارى – كيف تفرض الأفكار ويلبسّ بها على الجهلة.لكن الذي يكلف نفسه بقراءة تاريخيه مبسطة يدرك أن أهم عناصر القربى: المصاهرة، وإن المصاهرة بين أبي بكر وعمر – وذريتهما – وعثمان -رضي الله عنهم – مع علي رضي الله عنه وذريته وأحفاده من أقوى ما هو موجود وكائن مما لا يستطيع أولئك أن ينكروا بعضه فضلاً عن أن ينكروا وجوده.فسب الصحابة قد يلزم منه سب آل البيت الذين يزعمون الموالاة لهم. لأنه هؤلاء الصحابة هم أباؤهم وأمهاتهم والقدح في أعراضهم قدح في ذريتهم. وهنا يرد السؤال من الذي يحترم آل البيت وينزلهم منزلتهم من الاحترام الحق، والمنزلة؟!!الوقفة الثامنة:وبعد: فإن إيماننا بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة يوجب علينا في هذا الخصوص مايلي:-1- الايمان بما جاء فيهما على أن حق لامرية فيه، فلا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ولا نحرف آياته أو نؤلها على غير ما وضعت له.2- معرفة ما للصحابة والآل رضي الله عنهم أجمعين، الذين اختارهم المولى لصحبة نبيه، وأزواجاً لبناته، أوامهات المؤمنين الذي سماهم الله كذلك، وجعل لهن هذه المنزلة، أقول معرفة مالهم من الحقوق والواجبات والقيام بها. وعدم التفريق بين الآل والأصحاب وإشاعة هذه المعادلة المفتعلة.3- التبرؤ من كل من تبرأ منه الله تعالى في القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم في السنة، ومن ذلك: البراءة ممن يعادي الآل والأصحاب أو يسبهم، أو يقدح في منزلتهم.4- الوعي بمكر أعداء الاسلام قديماً وحديثاً، ومن أشدهّ ما يدسه من يتسمى باسم الاسلام، أو ينتمي إلى فرقة تقدح في القرآن الكريم أو الرسول صلى الله عليه وسلك، أو سنته، أو الخلفاء الراشدين، أو سائر الصحابة أجمعين أو امهات المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين.5- معرفة تلك المذاهب والفرق التى تتزيا بزي الاسلام وهي منه براء لأجل ألا يخدع بهم طالب الحق.6- التحصين بالايمان بالله تعالى، والعلم النافع واقتناء السنة، واتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم قدوة، والاهتداء بالعلماء العالمين العاملين الربانيين كما أمر الله بذلك.7- السؤال عما يشكل، والتجرد لطلب الحق.8- الدعاء بالثبات على الدين، ولقاء الله تعالى عليه، وعدم الزيغ والانحراف، وكثيراً ماكان عليه الصلاة والسلام يدعو بالثبتات مثل: (يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).الوقفة الأخيرة: دعوة لمن ينتمي لتلك الفرق، أو يدعولها أو يكافح عنها، أويسلم بأقوال تلك المرجعيات مع ما يخالفها من القرآن الكريم صراحة.أقول دعوة لهم بما يلي:-1- سؤال الله تعالى أن يريهم الحق حقاً فيتبعونه، ويريهم الباطل باطلاً ليجتنبوه.2- سؤال الله الهداية إلى الطريق المستقيم.3- طلب علم القرآن الكريم، والتأمل فيه، وإعمال العقل كما ندب الله تعالى إلى ذلك كثيراً بمخاطبته لأولي العقول في مثل: (لعلكم تعقلون) (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) (يا أولي الالباب) (أفلا يذكرون) (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين).وعدم التسليم المطلق لما قالت المراجع شفوياً أو مكتوباً ولا يكن الانسان كالكفار الذين قالوا: (إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على أثارهم مقتدون) فالسؤال والمناقشة والمذاكرة طريق التعلم.4- ليسأل كل نفسه :-أ‌. هل الاسلام دين تقليد وتبعية أم دين عقل وانتاج؟ب‌.هل الاسلام دين سباب وشتائم أم دين تآخي ورحمة؟ت‌.هل الاسلام دين نياحة وحزن أم دين تفاؤل واستبشار؟ث‌.هل الاسلام دين تكاسل وخمول أم دين عمل وانتاج؟ج‌. هل الاسلام دين ضرب بالسياط واخراج الدماء أم دين دعوة إلى نشر الخير والفضيلة، والنمو؟ح‌. هل العبودية لله سبحانه هي في النياحة على الاموات، وسب الآخرين، وأكل أموال الناس بالباطل، والاتباع القهري للاسياد أم العبودية لله تعالى خضوع وخشوع وتذلل له وحده لا شريك؟خ‌. هل المحاسبة يوم القيامة على ما فرضة المولى جل وعلا أو ما فرضته المراجع من سباب وشتائم وتسلط..الخ.هذه الاسئلة التى يحقق من خلالها الجواب الحق الذي يلقى الله عليه.5- القراءة والتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة الكبار من الآل والاصحاب فلا يشك أحد أن القراءة سبيل من سبل التعليم والوصول إلي الحق.6- وماذا بعد سب الصحابة رضي الله عنهم؟ هل يعلوا شأن الدين؟ وهل تعم الرحمة والاخاء بين المسلمين؟ وهل ينتصر المسلمون على اعدائهم؟ وهل يبدعوا في مناطق الابداع؟ اسئلة مهمة لمن يؤمن بهذا المرجعيات.
* * *
تلك وقفات أردت بها البيان والاعذار ولم أرد التفصيل فذلك في مظانه لمن أراد الرجوع إليها، وأسأل الله تعالى أن يرزقنا الاخلاص في الاقوال والاعمال واقتفاء سيرة سيد الانام، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه..وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن،،

"كانوا قليلا من الليل ما يهجعون"

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وبعد،، تتحدث كتب النفس وبرامج الاستشارات التلفزيونية والنصائح الطبية ونحوها عن مشكلة يسمونها (مشكلة السهر) .. ويطرحون لها الحلول والعلاجات ويتكلمون عن أضرارها، لكن ثمة نوع آخر من السهر لا أرى له ذكراً بينهم .. إنه سهر من نوع خاص .. سهر يذكره القرآن ويتحدث عنه كثيرا .. وكلما مررت بتلك الآيات التي تتحدث عن هذا السهر شعرت بالخجل من نفسي.. في أوائل سورة الذاريات لما ذكر الله أهوال يوم القيامة توقف السياق ثم بدأت الآيات تلوِّح بذكر فريقٍ حصد السعادة الأبدية واستطاع الوصول إلى (جناتٍ وعيون) .. ولكن ما السبب الذي أوصلهم إلى تلك السعادة بين مجاهل تلك الأهوال؟ إنه (السهر المجهول) .. تأمل كيف تشرح الآيات سبب وصول ذلك الفريق إلى الجنات والعيون: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)[الذاريات،16-17]. أرأيت .. استحوذ عليك المشهد؟ لا عليك، شعورٌ طبيعي جداً.. تأمل كيف كان سبب سعادتهم أن نومهم بالليل "قليل"! إذن أين يذهب بقية ليلهم؟ يذهب بالسهر مع الله جل وعلا .. ذلك السهر المجهول.. ذكرٌ لله، وتضرعٌ وابتهالٌ بين يديه، وتعظيمٌ له سبحانه، وافتقارٌ أمام غناه المطلق سبحانه، وركوعٌ وسجودٌ وقنوت .. هذا غالب الليل.. أما القليل منه فيذهب للنوم.. القليل فقط بنص الآية (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون).. وفي سورة الزمر لما ذكر الله عدداً من الآيات الكونية عرض هذا السهر الإيماني بصيغة أخرى، لكن فيها من التشريف ما تتضعضع له النفوس .. لقد جعل الله هذا السهر الإيماني أحد معايير (العلم)، نعم.. قيام الليل أحد معايير العلم بنص القرآن، وهذا أمر لا تستطيع بتاتاً أن تستوعبه العقول المادية والمستغربة لأنها لم تتزكّ بعد بشكل تام وتتخلص من رواسب الجاهلية الغربية، لاحظ كيف دلت خاتمة الآية على التشريف العلمي لهذا السهر الإيماني، يقول تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر، 9] فلاحظ في هذه الخاتمة كيف جعل الله من لم يقنت آناء الليل فهذا مؤشر على جهله، ومن قنت آناء الليل فهذا مؤشر على علمه.. وقد يقول قائل .. لكن كثيراً ممن لا يقنت آناء الليل نرى بالمقاييس المادية المباشرة أن لديه علماً؟ فالجواب أن القرآن اعتبر العلم بثمرته لا بآلته، وثمرة العلم العبودية لله، فمن ضيع الثمرة لم تنفعه الآلة.. ثم لاحظ كيف وصفت الآيات تنوع العبادة (ساجداً وقائماً) .. بل وصفت الآية أحاسيس ومشاعر ذلك الساهر .. فهو من جهة قد اعتراه الوجل من يوم الآخرة ومن جهة أخرى قد دفعه رجاء رحمة الله (يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه) .. تمتزج هذه المشاعر الإيمانية طوال الليل البهيم بينما الناس حوله هاجعون.. هل ترى الله تعالى بعظمته وقدسيته سبحانه يصوِّر هذا المشهد الإيماني الليلي بلا رسالة يريد تعالى إيصالها لنا؟ أليس من الواضح أن الله يريدنا كذلك؟ يريدنا أن نكون قانتين آناء الليل ساجدين وقائمين نحذر الآخرة ونرجوا رحمة ربنا..؟ وتذكّر أن الله جعل ذلك معياراً من معايير (العلم)، ألا نريد أن نكون في معيار الله من (أهل العلم) ؟ وفي أواسط سورة السجدة ذكر الله المؤشرات الظاهرة التي تدل على إيمان الباطن، حيث استفتحها بقوله (إنما يؤمن بآياتنا.. الآية) وفي ثنايا تلك المؤشرات صورت الآيات مشهد ذلك المؤمن الصادق، وهو في فراشه، تهاجمه ذكرى الآخرة فلا يستطيع جنبه أن يسترخي للنوم.. تأمل قوله تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) [السجدة: 16]. أخي الكريم .. يشهد الله وحده –وأنا أعلم شدة هذا الاستشهاد- أنني مامررت بهذه الآية إلا أحسست بمقاريض الحرج تنهش أطرافي .. هاقد تصرمت ثلاثة عقود من عمري وأنا لم أتذوق هذا المقام الذي تصوره هذه الآية .. مامررت بهذه الآية إلا تخيلت أولئك القوم الذين ترسم هذه الآية مشهدهم .. وكأني أراهم منزعجين في فرشهم تتجافى بهم يتذكرون لقاء الله، ثم لم يطيقوا الأمر، وهبُّوا إلى مِيضأتهم، وتوجهوا للقبلة، وسبحوا في مناجاة مولاهم .. {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} .. صحيحٌ أن هناك آيات كثيرة صورت السهر الإيماني، لكن هذه الآية بخصوصها لها وقعٌ خاص، مجرد تخيل أولئك القوم وهم يتقلبون في فرشهم ثم يهبّون للانطراح بين يدي الله وتضرعه وهم بين الخوف من العقوبة على خطاياهم والرجاء الذي يحدوهم لبحبوحة غفران الله، ثم مقارنة ذلك بأحوالنا وليلنا البئيس يجعل الأمر في غاية الحرج، إنهم قومٌ (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا).. بل وتأمل في بلاغة القرآن كيف يجعل البيات قياماً كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن في سورة الفرقان (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)[الفرقان: 64] إنهم يبيتون .. لكنهم يبيتون لربهم في سجود وقيام.. ومن ألطف مواضع السهر الإيماني أن الله جعله من أهم عناصر التأهيل الدعوي في بداية الطريق، الله سبحانه وتعالى لم يجعل أعظم السهر الإيماني في آخر الدعوة النبوية بعد استيفاء التدرج، كلا، بل جعله في أولها! فقال تعالى لنبيه في آياتٍ كادت تستغرق الليل: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلا) [المزمل، 1-2] لاحظ معي أن النبي –صلى الله عليه وسلم- في بداية الدعوة، ومع ذلك يقول له (قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه).. وهل كان فعل ذلك مختص برسول الله؟ لا، بل كان أصحابه في أيام غربة الدعوة يصلون معه تلك الصلوات التي تستغرق الليل، يقول تعالى في آخر السورة: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ)[المزمل، 20]. السابقون الأولون من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- خلّد الله قيامهم غالب الليل في كتابه العظيم، أي شرف أعظم من هذا الشرف لأصحاب رسول الله.. أما نحن فمنا أقوامٌ ينامون الليل كله ويستثقلون دقائق معدودة ليتهجدوا فيها بين يدي الله، ومنا أقوامٌ يسهرون الليل كله لكن في استراحات اللهو ويستكثرون أن يتوقفوا لدقائق ليقفوا بين يدي الله، ومنا أقوامٌ يذهب ليلهم في تصفح شبكة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ومشاهدة مقاطع اليوتيوب وتعليقاتٍ تافهة لا تقرب من الله ويمن على نفسه بركيعات في آخر الليل لله جل وعلا.. بل هناك ماهو أتعس من ذلك، وهو أن بعضهم ينقضي الليل ويدخل وقت الفجر وتقام صلاة الفريضة والإمام يقرأ فوق رأسه بينما هو لازال كما قال تعالى: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى) [النساء، 142]. وأتذكر مرةً أنني كنت أستمع لبعض المنتسبين للدعوة يتحدث عن النجاح والوقت وإدارة الذات الخ، ولما جاء لقضية النوم، عرض النوم كما يعرضه الإنسان الغربي تماماً، بل صار يغالي في ضرورة أخذ أكبر قدر من النوم ويتحدث بنفس المعايير الغربية.. يا ألله .. هل بلغت غربة الدين هذا المبلغ؟ فأين ذهبت حقائق القرآن (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون) ، (أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائما) ، (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) ، (والذين يبيتون لربهم سجداً وقياما).. صحيح أن ذلك نفلٌ ولكن لماذا صار النفل يغيب عن وصايانا؟ لماذا خضعت الشريعة للتخفيضات؟ لماذا صرنا نخجل من كتاب الله؟ لو كان النوم بالمعايير الغربية أنفع للإنسان لما ندبنا الله لضده في كتابه في مواضع كثيرة.. والله لو تدبرنا القرآن ونحن مستحضرين هذا السؤال: كيف نصوغ حياتنا في ليلنا ونهارنا؟ لفجعنا بشدة المفارقة بين فهم المؤمن لهذه الحياة الدنيا، وفهم الإنسان الغربي المسكين لها.. وبعض الشباب يقول: إنني لم أتعود على قيام الليل، وليس لي تجربة سابقة، وأشعر أنها صعبة، الخ والجواب: يا أخي استعن بالله ولنبدأ سوياً من هذه الليلة القادمة، لا تؤجل هذا المشروع أبداً، وصدقني ستجد لذةً في البداية يهبها الله من يقبل عليه ليعينه، وهذه اللذة والسرور تحدث عنها أهل العبودية يقول ابن القيم (قال الجنيد "واشوقاه إلى أوقات البداية" يعني: لذة أوقات البداية، وجمع الهمة على الطلب والسير إلى الله) [مدارج السالكين، ابن القيم]. فهنيئاً لك يا أخي الكريم لذة أوقات البداية.. وهذه الآيات كلها التي صورت قيام الليل يدخل فيها مرتبتان، قيام الفرض كصلاة العشاء وقيام الكمال كالتهجد، وبعض المفسرين يخطئ في حمل بعض هذه الآيات على أحد المحملين، والصحيح أنها تشمل المرتبتين.. ولكن ما وظيفة هذا السهر الإيماني؟ الحقيقة أن وظائفه كثيرة جداً، ولكن من أعظم وظائفه أن تلك اللحظات هي لحظات (الاستمداد) .. إذا تجافى جنب المؤمن عن المضجع وتوضأ ثم وقف بين يدي ربه ثم سجد بدأت دقائق الاستمداد .. فيستمد من خزائن رحمات الله.. من أرزاقه.. من العلم.. من التوفيق.. من الهداية.. إنها لحظة الدعم المفتوح.. ورحمات الله إذا فتحت فلا تسل عن أمدائها (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا) [فاطر، 2] اللهم يارب الليل البهيم .. اجلعنا من تتجافى جنوبهم عن المضاجع ندعوك خوفاً وطمعا.. (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا)[السجدة، 16].

آل البيت من هم؟

بسم الله الرحمن الرحيم
آل البيت من هم؟
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛فهذه مقالةٌ تعرِّفُ ببعض ما يتعلق بآل بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجعلُها –مستعيناً بالله- في شكل سؤال وجواب؛ طلباً للتقريب والإيضاح، سائلاً الله تعالى أن يعظم النفع بها، وأن يجرِّدها من شوائب الرياء وكلِّ ما لا يرضيه([1]). وأوّلُ سؤالٍ فيها: من هم آل البيت؟آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، ومواليهم، وأمهات المؤمنين. وهذا قول جمهور أهل العلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» رواه البخاري. ألا يشكل على هذا الحديث الذي فيه: «سلمان منا آل البيت»؟ليس مشكلاً؛ لضعفه، فإن فيه كثير بنَ عبد الله، وحديثه لا يصح. هل في المسألة أقوال أخرى في تعريف آل البيت؟قال بعض أهل العلم: آل بيته قريش، ومنهم من قال: آل محمد صلى الله عليه وسلم هم الأتقياء من أمته، وقيل: هم جميع الأمة. أين الدليل على دخول أزواج النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم في ذلك؟ثلاث آيات في كتاب الله([2]):الآية الأولى:قوله تعالى: }يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا{ [الأحزاب: 32، 33]. وهذه أوضح آية في بيان ذلك.الآية الثانية: قول الملائكة لسارة زوج إبراهيم عليهما السلام: }أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ{ [هود : 73].الآية الثالثة:قوله تعالى: }قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ{ [الحجر : 58 - 60]. فهذا الاستثناء لزوجة لوط دليل على دخولها في آل لوط عليه السلام.ويستدل كذلك بقول زيد بن أرقم رضي الله عنه لحصين بن سَبْرة رحمه الله: "إِنَّ نِسَاءَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ" رواه مسلم.ما الدليل على أن موالي آل البيت منهم؟حديث مهران -مولى النبي صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله عليه وسلم: «إِنَّا آلُ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ، وَمَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» رواه أحمد. وفي الحديث أنهم لا يأخذون الصدقات، وهذا من إكرام الله لهم، ولهذا جعل الله لهم في الفيء والمغنم نصيباً كما سيمر معنا. فلماذا أقرَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم أخذَ بَريرة مولاة عائشة رضي الله عنها الصدقة؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟قال ابن تيمية رحمه الله: "أزواجه داخلات في آله وأهل بيته، كما دل عليه نزول الآية وسياقها –آية الأحزاب-، وقد تبين أن دخول أزواجه في آل بيته أصح، وإن كان مواليهن لا يدخلون في موالي آله، بدليل الصدقة على بريرة مولاة عائشة، ونهيه عنها أبا رافع مولى العباس"([3]). وذلك لأن دخول قرابته في آل البيت بالأصالة، ودخول أمهات المؤمنين فيهم بالتبع، فمن دخل في آل البيت بالأصالة أكسب الموالي هذا الوصف دون من دخل فيهم تبعاً.ومسألة أن أمهات المؤمنين من آل البيت لا ينبغي التشغيب بها ولا الشك فيها؛ لما سبق من الأدلة، ولأنه إذا كان معلوماً دخول الموالي في آل البيت فإن أمهات المؤمنين أولى([4]). ما هي الآيات والأحاديث في فضائل آل البيت؟قوله تعالى: }وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا{ [الأحزاب: 33]. والمعنى: إنما أوصاكن الله بهذا؛ ليزكيكنَّ، ويبعد عنكنَّ الأذى والسوء والشر يا أهل بيت النبي -ومنهم زوجاته وذريته عليه الصلاة والسلام-، ويطهِّر نفوسكم غاية الطهارة [التفسير الميسر]. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرط مرحَّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: }إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا{.وقوله تعالى: }فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ{ [آل عمران: 61]. فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعاء فاطمة وعلياً والحسن والحسين وقال: «اللهمَّ هؤلاء أهلي» رواه الترمذي.وثبت في صحيح مسلم عن يَزِيد بْنِ حَيَّانَ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا؛ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ. ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ؛ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ -فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ:- وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي». فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ: آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ.ومعنى «تارك فيكم ثقلين»: أمرين عظيمين.وآل البيت صفوة خلق الله. ففي صحيح مسلم، عن وَاثِلَةَ بْن الْأَسْقَعِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».ومما يبين فضائلهم أنه ما من مسلم يصلي صلاة إلا ويصلي عليهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقد علَّمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقول في تشهدنا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وعلى أهل بيته، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إنك حميد مجيد. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وعلى أهل بيته، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» رواه أحمد والطحاوي بسند صحيح.وإذا كان قريب رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابياً فهذا من قد أمسك الفضل بناصيته. ما حقُّ آلِ بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا؟سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمراعاة حقهم، ولآل البيت حقان..حق معنوي، وحق مادي.أما الحقُّ المعنويُّ فإجلالُهم وتوقيرُهم وحبُّهم. قال تعالى: }قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى{ [الشورى:24]. والمعنى: لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالاً، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلِّغُ رسالاتِ رَبي، إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة. وقيل: المعنى: أن تودوني في قرابتي، أي: تحسنوا إليهم وتبروهم([5]).وتجب محبة البيت لأمرين:- لإيمانهم بالله تعالى.- ولقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.وأما الحق المادي فالخمس من الفيء والمغانم.قال تعالى: }مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{ [الحشر : 7]. وقال: }وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ{ [الأنفال : 41]. والفيء: ما جاء من المشركين بدون حرب؛ كأموالٍ صالحناهم عليها، أو مال هلك عنه كافر لا وارث له، ونحو ذلك. وأما الغنيمة فما كان من أموالهم بحرب.قال ابن تيمية رحمه الله: "وَكَذَلِكَ آلُ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَهُمْ مِنْ الْحُقُوقِ مَا يَجِبُ رِعَايَتُهَا فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُمْ حَقًّا فِي الْخُمُسِ وَالْفَيْءِ وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مَعَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"([6]). وقال: "وَاتِّبَاعُ الْقُرْآنِ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ؛ بَلْ هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَهُدَى اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجِبُ مَحَبَّتُهُمْ وَمُوَالَاتُهُمْ وَرِعَايَةُ حَقِّهِمْ. وَهَذَانِ الثَّقَلَان اللَّذَانِ وَصَّى بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"([7]). هل الكافر من آل البيت يستحق ذلك؟الكافر لا يستحق منا إلا التبرء منه وبغضه، قال تعالى: }لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ [المجادلة : 22]. والكافر من آل البيت لا ينتفع بهذا النسب، قال تعالى: }تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ{ [المسد : 1 - 5]. هل لمن كان من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع العمل ويتكل على هذا النسب؟عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ }وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ{-: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئً، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ سَلِينِي بِمَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا» رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» رواه مسلم. ما حكم ادعاء نسب آل البيت كذباً؟قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» رواه البخاري. وقال: «المتشبِّعُ بِما لَم يُعْطَ كلابس ثوبَي زور» رواه مسلمٌ في صحيحه.ولا يجوز –كذلك- أن يتجرأ أحد على تكذيب من زعم أنه من آل البيت؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» رواه مسلم.والطعن يتحقق بأمرين: إعابة قبيلته، ونفي نسبته إليها. ما حكم الغلو في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟قال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» رواه ابن ماجة. هل خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم آل البيت بشيء؟خير من يجيب عن هذا السؤال رجل منهم، ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ شيء مما ليس في القرآن؟ قَالَ: لا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا كِتَابُ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ». وفي المسند قيل لعلي رضي الله عنه : هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: "مَا خَصَّنَا". هل يقال عليٌّ كرم الله وجهه أو عليه السلام؟لا يخص بذلك من دون الصحابة، وإنما يقال رضي الله عنه.قال ابن كثير رحمه الله: "قال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة؛ لأن هذا قد صار شعارا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: (قال أبو بكر صلى الله عليه)، أو: (قال علي صلى الله عليه). وإن كان المعنى صحيحا، كما لا يقال: (قال محمد عز وجل)، وإن كان عزيزا جليلا؛ لأن هذا من شعار ذكر الله عز وجل. وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة على الدعاء لهم؛ ولهذا لم يثبت شعارا لآل أبي أوفى، ولا لجابر وامرأته. وهذا مسلك حسن.وقال آخرون: لا يجوز ذلك؛ لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدى بهم في ذلك، والله أعلم.ثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم، أو الكراهة التنزيهية، أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاه الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب الأذكار. ثم قال: والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا: والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في اللسان بالأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، كما أن قولنا: (عز وجل)، مخصوص بالله سبحانه وتعالى، فكما لا يقال: (محمد عز وجل)، وإن كان عزيزا جليلا لا يقال: (أبو بكر أو علي صلى الله عليه). هذا لفظه بحروفه. قال: وأما السلام فقال الشيخ أبو محمد الجُوَيني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة، فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: (علي عليه السلام)، وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به، فيقال: سلام عليكم، أو سلام عليك، أو السلام عليك أو عليكم. وهذا مجمع عليه. انتهى ما ذكره. قلت: وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب؛ أن يفرد علي رضي الله عنه بأن يقال: (عليه السلام)، من دون سائر الصحابة، أو: (كرم الله وجهه)، وهذا وإن كان معناه صحيحا، لكن ينبغي أن يُسَاوى بين الصحابة في ذلك؛ فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان بن عفان أولى بذلك منه، رضي الله عنهم أجمعين"([8]).ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، فيقال: صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو: صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ­ما طبيعة العلاقة بين آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة؟}رحماء بينهم{ كما أخبر ربهم.ولعلِّي أورد ما يدل لذلك..قال أبو بكر لعليٍّ رضي الله عنهما: "والذي نفسي بيدِه لَقرابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبُّ إليَّ أنْ أَصِلَ من قرابَتِي" رواه البخاري ومسلم.وقال أبو بكر رضي الله عنه : "ارقُبُوا محمَّداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته" رواه البخاري.قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "يخاطب بذلك الناس ويوصيهم به، والمراقبة للشيء المحافظة عليه، يقول: احفظوه فيهم فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم"([9]).وفي صحيح البخاري عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: "صلَّى أبو بكر رضي الله عنه العصرَ، ثم خرج يَمشي، فرأى الحسنَ يلعبُ مع الصِّبيان، فحمله على عاتقه، وقال: بأبي شبيهٌ بالنبي --- لا شبيـــهٌ بعليوعليٌّ رضي الله عنه يضحك".وفي العبارة حذف والتقدير: أَفْدِيه بأبي كما قال الحافظ رحمه الله([10]).وكان عمر رضي الله عنه يبدأ في العطاء بآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن تيمية رحمه الله: "وانظر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين وضع الديوان، وقالوا له: يبدأ أمير المؤمنين بنفسه. فقال: لا، ولكن ضعوا عمر حيث وضعه الله تعالى، فبدأ بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم من يليهم، حتى جاءت نوبته في بني عدي، وهم متأخرون عن أكثر بطون قريش"([11]).وفي البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- كان إذا قُحِطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، فقال: اللَّهمَّ إنَّا كنَّا نتوسَّل إليك بنبيِّنا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنَّا نتوسَّلُ إليك بعمِّ نبيِّنا فاسقِنا، قال: فيُسقَوْن. والمراد: التوسل بالدعاء، وإلا لو كان توسلاً بذاتٍ فرسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم بذاته.وكان العباس إذا مر بعمر أو بعثمان –رضي الله عنهم- وهما راكبان، نزلا حتى يجاوزهما؛ إجلالا لعم رسول الله([12]).وقال عمر للعباس –رضي الله عنهما-: "والله لإِسلاَمُك يوم أسلمتَ كان أحبَّ إليَّ من إسلامِ الخطاب لو أسلَمَ؛ لأنَّ إسلامَك كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب" رواه ابن سعد في الطبقات، والطبراني.وروى مسلمٌ في صحيحه عن شُريح بن هانئ قال: أتيتُ عائشةَ رضي الله عنها أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فَسَلْه؛ فإنَّه كان يُسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فسألناه، فقال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثةَ أيامٍ ولياليَهنَّ للمسافر، ويوماً وليلةً للمقيم.ولما أراد الحسين أن يخرج إلى العراق مَن مِن الصحابة لم يسد النصح إليه؟ وما ذاك إلا لعظيم حبِّهم لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.ولما بلغ أمَّ سلمة رضي الله عنها مقتلُ الحسين رضي الله عنه قالت: قد فعلوها، ملا الله قبورهم عليهم نارا، ووقعت مغشيا عليها([13]).ويكفي لبيان أن علاقة آل البيت بالصحابة علاقة يُظَلِّلُها سقف المودة وتحيط بجوانبها المحبة المصاهرةُ بينهم..فأبو بكر وعمر ري الله عنهما لهما ابنتان من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان متزوجاً من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولما أراد أن يتزوجها قال لعلي رضي الله عنه : "يا أبا الحسن، ما يحملني على كثرة ترددي إليك إلا حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل نسب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري» أخرجه أبو بكر الشافعي في الفوائد. قال المناوي رحمه الله: "ينتفع يومئذ بالنسبة إليه ولا ينتفع بسائر الأنساب"([14]). وعثمان رضي الله عنه تزوج باثنتين من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما تزوج أحد من العالمين ببنتي نبي إلا عثمان رضي الله عنه .وتزوج عليٌّ أرملة أبي بكر أسماء بنت عميس رضي الله عنهم.ومحمد بن علي بن الحسين (الباقر) رحمه الله تزوج أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فابنه جعفر بن محمد "أمه هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي، وأمها هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ولهذا كان يقول: ولدني أبو بكر الصديق مرتين. وكان يغضب من الرافضة، ويمقتهم إذا علم أنهم يتعرضون لجده أبي بكر"([15]).وتزوج أبان بن عثمان بن عفان أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه .وتزوج سكينةَ بنت الحسين بن علي بن أبي طالب مصعبُ بن الزبير بن العوام([16]).وكما كان الصحابةُ حافظين لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بآل بيته كان الأمر كذلك من آل البيت، عرفوا للصحابة مكانتهم، وراعوا فضلهم، وذبوا عن عرضهم، فرضي الله عنهم أجمعين، ومما يبين ذلك:حديث ابن عباس رضي الله عنه في الصحيحين: وُضِعَ عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه عَلَى سَرِيرِهِ فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَجُلٌ أَخَذَ مَنْكِبِي، فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَحَسِبْتُ أَنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ».وعن سويد بن غفلة قال: قال لي علي حين حرق عثمان المصاحف: "لو لم يصنعه هو لصنعته" رواه أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف، والطيالسي.وقال علي رضي الله عنه : "أيها الناس إيَّاكم والغلوَّ في عُثمان، تقولون حرق المصاحف، والله ما حرَّقها إلا عن ملأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم"([17]).وكان الحسين من جند عثمان رضي الله عنه ؛ فقد شارك في فتح إفريقيا بقيادة القائد عبد الله بن أبي السرح رحمه الله.وجلس قوم من أهل العراق إلى زين العابدين رضي الله عنه ، فذكروا أبا بكر وعمر فنالوا منهما، ثم ابتدأوا في عثمان فقال لهم: أخبروني أأنتم من المهاجرين الأولين الذين }أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله{ [الحشر: 8 ]؟ قالوا: لا. قال: فأنتم من الذين }تبوأ والدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم{ [الحشر: 9]؟ قالوا: لا. فقال لهم: أما أنتم فقد أقررتم وشهدتم على أنفسكم أنكم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله عز وجل فيهم: }والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولا خواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا{ [الحشر: 10]، فقوموا عني لا بارك الله فيكم، ولا قرب دوركم، أنتم مستهزئون بالإسلام، ولستم من أهله"([18]).ولما سئل ابنه زيد بن علي بن الحسين عن أبي بكر وعمر لما خرج على هشام بن عبد الملك قال لشيعته وأنصاره: "هما وزيرا جدي" وأثنى عليهما، فرفضوه لذلك وسموا بالرافضة.وكم كان آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمون أولادهم بأسماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم! فلعلي رضي الله عنه من الأولاد (أبو بكر، وعمر، وعثمان)، وللحسن بن علي (أبو بكر)، ولعلي بن الحسن (عمر)، ولموسى بن جعفر (عائشة وعمر)([19]).وبهذا تعرف لماذا لم تُكتب أسماء كثير من آل البيت على شواهد قبورهم في كربلاء!إنّ آيةً في كتاب الله بينت علاقة المودة والرحمة بين الصحابة وآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ }مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا{ [الفتح : 29]، فالصحابة من آل البيت وغيرهم كانوا رحماء بينهم، ومن جاء بعدهم سلك سبيلهم واقتفى أثرهم.ربِّ صل وسلم وبارك وأنعم على نبينا محمد، وعلى أزواجه وذريته وآل بيته، وارض عن أصحابه، وعنَّا معهم بحبهم، إنك سميع قريب. -----------------------------------[1] / أصل الموضوع خطبتا جمعة ألقيتهما بمسجد السلام بطائفِ السودان في: 8و15/10/2010م.[2] / استدل بها ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى الكبرى (2/194-195).[3] / الفتاوى الكبرى (2/195).[4] / يوضح هذه الأولوية ما يلي: إذا أعتق أحد من آل البيت عبداً صار العبد مولى من آل البيت بسبب علاقة الموالاة هذه، فإذا أكسبه هذا الوصف بهذه العلاقة أفلا يكسب النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته هذا الوصف بعلاقة الزوجية!!؟ الجواب: بلى، وذلك من ثلاثة وجوه: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقوى في إكساب هذا الوصف من غيره، الثاني: أنَّ أمهات المؤمنين أقوى في اكتساب هذا الوصف من هؤلاء الموالي لعظيم فضلهن، الثالث: أن علاقة الزوجية أسمى من علاقة الولاء.[5] / انظر تفسير ابن كثير (7/199-200).[6] / مجموع الفتاوى (3/407).[7] / مجموع الفتاوى (28/491).[8] / تفسير ابن كثير (6/478).[9] / فتح الباري (7/79).[10] / الفتح (6/567).[11] / اقتصاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية، ص (165)[12] / سير أعلام النبلاء (2/93).[13] / البداية والنهاية (6/259).[14] / فيض القدير (5/46).[15] / سير أعلام النبلاء (6/255).[16] / طبقات ابن سعد (5/183).[17] / البداية والنهاية (7/244).[18] / البداية والنهاية (9/125).[19] / انظر لهذا: كشف الغمة في معرفة الأئمة (2/67)، (2/198)، (2/302)، (3/29).

الأحد، 31 أكتوبر 2010

اتجهات الأسلوبية

اتجاهات الأسلوبية:‏
راح الأسلوبيون ـ في إطار البحث الأسلوبي ـ يدرسون النصوص الأدبية، فهناك من قارب الظاهرة الأسلوبية بدءاً بعلاقة المبدع بالنص، وهنا انصب جهدهم على دراسة مدى انعكاس شخصية المبدع في نصه، وتصبح الرسالة اللغوية حينها مطية للتعريف بشخصية المبدع، مما يدخل في إطار علم النفس اللغوية إذا اعتبرنا هذا الأخير أحد مناهج المقاربة الأسلوبية.‏
كما أننا نجد بعضهم الآخر قد حشد اهتمامه في دراسة النصوص وعلاقتها بمتلقيها، إذ يهتم بمدى استجابة القارئ للنصوص وأهميته في ذلك، حيث يعد المتلقي، من خلال ملاحظاته منطلقاً طبيعياً لفحص الرسالة اللغوي الحاملة للنص.‏
وهناك فريق آخر أقصى كلاً من المبدع والمتلقي في مقاربته للنصوص الإبداعية، وأبقى على النص وحده، إذ يرى أن النص هو الوحيد الذي باستطاعته ـ إلى حد ما ـ الكشف عن محموله الدلالي من خلال خواصه اللغوية التي تميزه عن نص آخر، أو يتميز بها كاتبه عن كاتب آخر.‏
ومن ثم نجد أن مقاربة الظواهر الأسلوبية، سواء ربطنا النص بمنشئه، أو متلقيه، أو اقتصرنا عليه دون منشئه ولا متلقيه، ـ تحتم علينا لا محالة اتخاذ الإحصاء منهجاً لرصد الظواهر الأسلوبية الكامنة في النصوص.‏
الأسلوبية التعبيرية [شارل بالي"> 1865ـ 1947:‏
وهذا ما دأب عليه شارل بالي وأتباعه من الأسلوبيّين في تعاملهم مع النصوص الأدبية، انطلاقاً من المنهج الأسلوبي الذي يدرس لغة الخطاب سبراً لأغوارها، وماكان له ذلك لو لم ينحو منحى الدراسات اللسانية الحديثة، التي امتطت العلمية الوصفية سبيلاً لمدارسة النصوص من خلال لغتها ضمن تزامنيتها في إطار النسق المغلق المتمثل في النص.‏
(الأسلوبية) أو (الأسلوبيات) أو (علم الأسلوب) كلمات مشتقة من الأسلوب، تشكل اتجاهاً نقدياً يعتني بمقاربة الجوانب الأسلوبية في النصوص الإبداعية، وقد ظهرت خلال القرن التاسع عشر في النقد الغربي، لكن ملامحها كمنهج نقدي لم يحدد إلا في بداية القرن العشرين مع "شارل بالي" (1947. 1855. C. Bally) ، بعد أن كانت متداخلة مع علم البلاغة في التراث اللغوي العالمي.‏
استفاد شارل بالي في التأسيس للأسلوبية كثيراً من أستاذه (("فردينان دي سوسير"‏
(1913.1857) وبخاصة في بعض إنجازاته اللغوية الأساسية، فوضع "شارل بالي" ـ بوصفه مؤسس الأسلوبية ورائد التعبيرية منها ـ الطابع الوجداني محدداً في عملية التواصل بين المرسل والمتلقي، ضمن الإطار اللغوي للرسالة، إذ "يعد من الرواد المؤسسين للأسلوبية، وهي تعني عنده البحث عن القيمة التأثيرية لعناصر اللغة المنظمة والفاعلية المتبادلة بين العناصر التعبيرية التي تتلاقى لتشكيل نظام الوسائل اللغوية المعبرة، وتدرس الأسلوبية عند "بالي" هذه العناصر من خلال محتواها التعبيري والتأثيري)) (28) من النص إلى المتلقي عبر اللغة.‏
اهتم "بالي" في أسلوبيته التعبيرية بالجانب الأدائي للغة الإبلاغية، من خلال تأليف المفردات والتراكيب اللغوية ورصدها جانباً إلى جنب، انطلاقاً مما يمليه وجدان المؤلف، بذلك تعتبر التراكيب اللغوية حاملة لمضمون عاطفي مشحون دلالياً يجعل المتلقي يتأثر به، عندها يبقى الخطاب من خلال لغته المشكلة لبنيته الخارجية ذا تأثير فعال فيمن يحمل إليه، مادام ((موقف التحليل الأسلوبي عند بالي هو الخطاب اللساني بصفة عامة، ولكنه يحصر مجال الأسلوبية في القيم الإخبارية التي يشتمل عليها الحدث اللغوي بأبعاده دلالية وتعبيرية وتأثيرية)) (29) إلى المتلقي للخطاب.‏
حصر "بالي" أسلوبيته في اللغة الشائعة، لغة التواصل اليومي، دون اللغة الأدبية، لغة الإبداع. "ومن هنا كان "الأسلوب" عند "بالي" هو تتبع السمات والخصائص داخل اللغة اليومية، ثم استكشاف الجوانب العاطفية والتأثيرية والانفعالية التي تميز أداء عن أداء"(30)، من شخص إلى شخص، ومن بيئة إلى بيئة.‏
ـ العلاقة بين اللغة والحديث أو بين عناصر الوراثة في اللغة وهو ما أ طلق عليه"Langue"، وبين الاستخدام الذي يزاوله الناس في الحديث "Parole"‏
ـ تحليل الرموز اللغوية، وذلك باعتبار أن المسميات اللغوية ليست سوى مفاهيم ترتبط بذهن من ينطقها.‏
ـ دراسة التركيب العام للنظام اللغوي لأن الكلمة في حد ذاتها لا تمثل بناءً لغوياً.‏
ـ آثر "دي سوسير" الفصل بين مناهج الدراسة الوصفية (سانكروني) والمناهج التاريخية (دياكروني).‏
ـ لاحظ أن العلامة اللغوية تمتاز بطابع خاص سماه (الدالّ)، وطابعٍ دلالي سماه (المدلول).‏
تميزت الأسلوبية منذ القرن العشرين ((عما هو مشترك في مفهوم الأسلوب عن البلاغة القديمة))(31)، ولذلك ركز "شارل بالي" في دراسته للأسلوب على الكلام أو الحديث اليومي باعتباره الخطاب البسيط و البعيد عن التعقيد والوعي القصدي؛ واشتغل كثيراً بالوصف اللغوي، ولهذا نعتت أسلوبيته منذ البداية بالوصفية؛ إذ هي عبارة ((عن وصف للوسائل المقدمة من اللغة، واختبار للعلاقة السنكرونية بين العبارة والوعي النفسي التحليلي))(32)، وبذلك نجد أن "شارل بالي" في أسلوبيته الوصفية يترجح بين سلطان العقل والعاطفة من أثر اللغة في المتلقي.‏
ويخلص "شارل بالي" في طرحه الأسلوبي إلى تأكيد سلطان العاطفة في العملية اللغوية، وأرجع سلطان العقل إلى المستويات الخلفية، معللاً ذلك بأن الإنسان في جوهره كائن عاطفي قبل كل شيء، وأن اللغة هي الكاشف الأكبر من هذا الإنسان.‏
يسجل الدارسون أن المنحى الذي سلكته الأسلوبية وبخاصة مع "شارل بالي" كان علمياً خالصاً، أو على أقل تقدير كانت نظرتها إلى الأسلوب تندرج في إطار علمي خاص، ويؤكد ذلك ما ذكره الأسلوبيون الفرنسيون من أمثال "بيير جيرو" و"جيرار جنجمبر"؛ إذ تسعى الأسلوبية الحديثة ـ في نظر هذا الأخير ـ إلى نظرة علمية.‏
داخل هذا الإطار توسعت المدرسة الأسلوبية الفرنسية لتشمل أعمال "شارل برينو" و"مارسيل كريسو" وأخذت تعتني بوسائل المعنى المعتمدة من المبدع في إطارها اللغوي البحت؛ ثم تطورت الأسلوبية تطوراً كبيراً وسجلت قفزة نوعية في مجال الدراسات الأدبية؛ فلم تعد لغة النص غاية في ذاتها بل أصبحت وسيلة لدراسة الأدوات التعبيرية من أجل غايات أدبية أسلوبية، وبذلك تكون الأسلوبية في مفهومها النقدي هي العلم الذي يكشف عن القيم الجمالية في الأعمال الإبداعية.‏
تجلت الأسلوبية التعبيرية في النقد العربي المعاصر، في ترجمة جزء من أعمال بالي؛ إذ ضمن الباحث شكري محمد عياد كتابه "اتجاهات البحث الأسلوبي" ترجمة لفصل من كتاب "شارل بالي" "اللغة والحياة" بعنوان "علم الأسلوب وعلم اللغة العام".‏
كما نجد عزة آغا ملك في مقال لها بعنوان "الأسلوبية من خلال اللسانية" في مجلة الفكر العربي، ع: 38 قد توصلت إلى أن كلاً من: جول ماروزو، ومرسيل كريسو، وروبرت سايس، وشيفات أولمان، قد ساروا على نهج مؤسس الأسلوبية شارل بالي.‏
ومن الذين اهتموا بالأسلوبية التعبيرية في النقد العربي المعاصر إضافة إلى من سلف ذكرهم، "صلاح فضل" في مؤلفه "علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته" ينضاف إلى ذلك "حمادي صمود" في مؤلفه: "الوجه والقفا في تلازم التراث والحداثة" 1988.‏
وكلهم حاول فهم الأسلوبية التعبيرية، كما جاءت من "شارل بالي" وأتباعه، بالإضافة ثم سعوا إلى تطبيق مقولاتها على اللغة العربية إبداعاً ونقداً في سياق معركة الحداثة التي تجتاح الحركة النقدية العربية المعاصرة.‏
الأسلوبية النفسية "ليو سبيتزر" [1960-1887"> Les Spityer‏
تضع الأسلوبية النفسية، الأثر الأدبي وسيلة للولوج إلى نفسية مبدعه، من خلال المعجم الإفرادي والمعجم تركيبي للغة الحاملة للخطاب القابع في النص الأدبي؛ وذلك كي يتسنى للباحثين في هذا الاتجاه الوصول إلى ذاتية الأسلوبي انطلاقاً من مضمون الرسالة ونسيجها اللغوي في إطار النص المبدع.‏
من رواد هذا الاتجاه في البحث الأسلوبي نجد الألماني "ليوسبيتزر" [1960-1887"> Les Spityer في مؤلفه: "دراسة في الأسلوب"؛ إذ يهتم بالذات المبدعة وخصوصية أسلوبها انطلاقاً من تفردها في الكتابة، حيث ((يتميز باحتفاله بخصوصية الذات الكاتبة... وآثر ذلك على خصوصية استعمالاتها الأسلوبية... ومن ثم يكاد "سبتزر" يجنح إلى تلامس واضح بين الجانب النفسي، لتلك الذات المنتجة، وبين ما أنتجته من كتابة معينة))(33) تختلف عن كتابات الآخرين. ينضاف إلى ذلك ربط "سبتزر" لفردية الذات المبدعة، وتفردها في الأسلوب، داخل وسط اجتماعي يتطور تاريخياً، كما ((يكاد يلامس كذلك المنحى الاجتماعي بحسبان تلك الذات جزءاً من شريحة اجتماعية ضخمة، وهي كذلك واحدة من سلاسل أفراد وجماعات لها روحها العام بجانب روح الذات الخاص))(34) مفردة ضمن سياقها الاجتماعي العام.‏
ينظر "سبتزر" إلى الأسلوب من خلال الذات المبدعة، وخصوصيتها الفردية في إطار سياق جماعي تاريخي يساهم في وسم الأسلوب بميزات خاصة تبعاً لما تمليه الظروف المختلفة؛ ((فالأسلوب خصوصية شخصية في التعبير والتي من خلالها تتعرف على الكاتب، وذلك من خلال عناصر متعددة تعمل على تكوين هذه الشخصية الذاتية))(35) من خلال ذوات أخرى تَحْيا جنباً إلى جنب معهم، في شكل جماعة تحكمها ظروف اجتماعية ونفسية وتاريخية خاصة.‏
تذهب الأسلوبية النفسية ـ من خلال طرحها في مقاربة النص ـ إلى أن علم الأسلوب ـ من منظورها ـ قادر على إدراك كل ما يتضمنه فعل الكلام من أساليب أصلية تتوفر على عناصر الفرادة أوجدتها طاقة خلاقة منبثقة من نفس مبدعة وتفرده في الإلقاء، وقدرته على القول، وتمكنه من التعبير وهنا ينصب جهد البحث الأسلوبي النفسي على تتبع التحولات اللغوية، التي أحدثها المبدع في خصوصيته وفرديته المتميزة انطلاقاً من دفقة شعورية يختص بها، لذلك قد تكون الأسلوبية النفسية أشبه بدراسة السير الذاتية للمبدعين والكتاب، وذلك بالاعتماد على استنطاق لغة النص وما تحمله من دلالات عديده، كما نادت بذلك اللسانيات الحديثة، والتي ولدت من رحمها الأسلوبية.‏
جنحت الأسلوبية النفسية إلى الانطباعية. والإغراق في ذوات المبدعين يظهر حالياً، مادامت تهتم بالجوانب النفسية، في إطار الجماعة بكل ظروفها التي تحيا ضمنها، جاعلة من أسلوب الكاتب في انحرافه عن السائد والمألوف، حقلاً للدراسة والبحث والتقصي.‏
لقد تجلت الأسلوبية النفسية كباقي الاتجاهات الأسلوبية الأخرى في النقد العربي المعاصر، فراح باحثونا يترجمون لأعلامها ساعين إلى فهم وكشف ما تحمله هذه الدراسات الأسلوبية النفسية المعتمدة على المبدع، المتفرد من خلال نصه، الذي لا يفهم إلا منه، ومن النقاد العرب الذين اهتموا بهذا الطرح الأسلوبي نجد:‏
ـ عزة آغا ملك في بحث لها بعنوان "منهجية ليوسبتزر في دراسة الأسلوب الأدبي" عن مجلة الفكر العربي عدد 36 – 1985.‏
ـ حمادي صمود في مؤلفه "الوجه والقفا في تلازم التراث والحداثة" 1988.‏
ـ عبد الفتاح المصري في بحثه "أسلوبية الفرد" عن مجلة الموقف الأدبي، عدد 135 –136، دمشق 1982.‏
ـ صلاح فضل في كتابه "علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته" 1985.‏
وهكذا ترجحت بحوث العرب في الأسلوبية النفسية بين الترجمة، ومحاولة الفهم والدراسة، إلى التطبيق والنقد في غالب الأحيان.‏
الأسلوبية والبنيوية: (الوظيفة).‏
تنطلق الأسلوبية البنيوية في بحثها من النص كنسق لغوي، متأثرة في أطروحاتها باللسانيات الحديثة، وبخاصة علوم: الصرف، والمعاني والتراكيب، لرصد ما يحمله النص من دلالات وإيحاءات بدءاً بمفرداته وتراكيبه المشكلة له، إذ تقارب الأسلوبية البنيوية الأسلوب من خلال النسيج اللغوي للنص، فتحدد العلائق اللغوية في مستوياتها الإفرادية والتركيبية المشكلة لنسيجها النصاني في تتابعها ومماثلتها، مهتمة بمقاربة الظواهر وما تولده من فروق تتولد في سياق الوقائع الأسلوبية ووظائفها في الخطاب الأدبي ذي الجودة العالية فنياً وجمالياً.‏
ينطلق البحث الأسلوبي البنيوي في تحليله للآثار الأدبية من خلال البنى اللغوية المشكلة لها، ومدى تناسقها وتضافرها داخلياً لتكوين ذلك الكل الشمولي المتمثل في النص، ((وليس النص الأدبي نتاجاً بسيطاً من العناصر المكونة، بل هو بنية متكاملة تحكم العلاقات بين عناصرها قوانين خاصة بها، وتعتمد صفة كل عنصر من العناصر على بنية الكل. وعلى القوانين التي تحكمه. ولا يمكن أن يكون للعنصر وجود ـ (فيزيولوجي أو سيكولوجي) ـ قبل أن يوجد الكل، وعلى هذا الأساس فإنه لا يمكن تعريف أي عنصر منفصل إلا من خلال علاقاته التقابلية أو التضادية مع العناصر الأخرى في إطار بنية الكل)) (36)، حينئذ يمكننا مدارسة النصوص الأدبية انطلاقاً من لغتها الحاملة لها، ومدى تفاعل الشكل المتمثل في المفردات والتراكيب في سياق نحوي ما، ناهيك عن تفاعل هذا الشكل بما تولده هذه المفردات والتراكيب والأصوات من دلالات تكتسبها ضمن علاقاتها جنباً إلى جنب لتكون النص في شكله العام.‏
تؤسس الأسلوبية البنيوية لمنهج غايته دراسة النصوص الأدبية انطلاقاً من لغتها، وما تحدثه في تجاور مفرداتها وتراكيبها، في إطار النص كنسق لغوي معزول عن كل اعتبارات تاريخية أو نفسية، لذلك لا يبحث النقاد الأسلوبيون البنيويون عن ملامح أصالة النص في محاكاته للأسيقة بكل أنواعها، بل نجد أن اهتمامهم ينصب على انسجامه النص مع نفسه، ويركزون على مقاربة وحداته التي أسست لتناميه فيبرزون جماليات مكوناته، وثراء دلالاته من خلال تناسق وانسجام أساليبه، فالنص الأدبي من هذا المنظور هو نظم لغوي يعبر عن ذاته بدءاً بانسجام مفرداته وتراكيبه، وعلاقة بعضها ببعض، ومن ثم يجب مقاربته بذاته ولذاته.‏
تركز الأسلوبية البنيوية على تناسق أجزاء النص اللغوية، ورصد مدى انسجامها علائقياً، حتى تكتسب اللغة من خلال النص صفة الأدبية زيادة على صفة الإبداعية ضمن السياق العام للغة، هذا كله ينبئ بأنها بقدر ما تهتم بالنص لذاته وبذاته، فإنها تهتم كذلك بالمتلقي كعنصر هام في تفعيل العملية الإبداعية، مادام هذا الأخير يقبل على الأثر الأدبي إذا بلغ درجة فنية راقية، تجعله يقع في نفسه موقع الاستحسان والقبول الفنيين، فيتمتع به، ويصغي إلى محمولته الدلالية، وينجذب نحو سحره الظاهر في إطار لغة فنية راقية تسمو عن التواصلية النفعية إلى التأثير الجمالي وتالياً إلى الإبداع والفن.‏
لقد كان لـ"رومان جاكبسون" الأثر الأعظم في التأسيس للتحليل الأسلوبي وبخاصة البنوي منه، إذ كان منطلقه في ذلك أن ((الأدب أبعد من المعنى، والعمل الأدبي يمثل كل طرائق الأسلوب، وأن الأسلوب هو البطل الوحيد في الأدب))(37)، ومن ثم قام بالتأسيس الأسلوبية للبنوية ذات الطرح المحايث الذي يجعل من الأسلوب الميدان الأول للبحث والمقاربة.‏
كما ركز "ميشال ريفاتير" في كتابه "مقالات في الأسلوبية البنيوية" على مقاربة المعالم الكبرى للأسلوب الفني وفقاً للطرح النقدي، مع الإدراك الواعي بما تحققه تلك المعالم من غايات وظائفية، سواء أكانت أسلوبية أم جمالية، انطلاقاً من أن النص بنية خاصة تشكل منظوراً أسلوبياً.‏
أسس هذا الطرح للتحليل الشكلاني الذي يحلل ويصنف مجموعة الأنساق التكرارية مع التركيز على ملاحظة الأداء البنائي وفق المستويات المتنوعة، مع الاهتمام بمقاربة المستوى الصوتي منه بخاصة.‏
لقد تشكل الاهتمام لدى الأسلوبية البنيوية بفن الشعر أو فن الأسلوب أكثر الاهتمام سعة وعمقاً، حتى كادت أن تعرف بدراسة الشعر دون الأجناس الأخرى؛ إلا أن هذا المدى الأسلوبي الشكلي، والذي استمد أسسه من الطابع الموضوعي المفرط في المحايثة، لم يسلم من الانتقاد المنهجي من بعض الدارسين، الذين عابوا عليه الانغماس في الطابع اللغوي الجاف متناسياً الجانب المضموني في العمل الأدبي. وهاذ ما دفع إلي بروز اتجاه آخر في الأسلوبية يركز على المناحي الانطباعية ويحاول ملامسة الجوانب الإنسانية في الأعمال الأدبية، وقد عرف بالأسلوبية الأدبية ولقي رواجاً في الدراسات الألمانية ا لتي تستند في كثير من أطروحاتها إلى الفلسفة المثالية.‏
وجد هذا الاتجاه أقلاماً نقدية عربية حاولت أن تتبنى أطروحاته وتحاول أن تؤسس لها حتى تصبح قراءة لها مجال في الممارسة النقدية العربية المعاصرة، ومن النقاد الذين سعوا إلى ذلك:‏
ـ فؤاد أبو منصور: "النقد البنيوي الحديث".‏
ـ عبد السلام المسدي: "محاولات في الأسلوبية الهيكلية".‏
ـ حمادي صمود: "الوجه والقفا في تلازم التراث والحداثة".‏
محمد العمري: "تحليل الخطاب الشعري".‏
ـ شكري محمد عياد: "اتجاهات البحث الأسلوبي".‏
ـ فؤاد زكريا: "الجذور الفلسفية للبنائية.‏
لقد ترجحت هذه البحوث بين الترجمة ومحاولات التطبيق على النصوص الأدبية العربية، وقيامهم بالنقد أحياناً.‏
4 ـ الأسلوبية الإحصائية:‏
تعتمد الأسلوبية الإحصائية، الإحصاء الرياضي مطية للدخول إلى عوالم النصوص الأدبية، دلالة منها على خصائص الخطاب الأدبي في أدواته البلاغية والجمالية إذ ((يهدف التشخيص الأسلوبي الإحصائي إلى تحقيق الوصف الإحصائي الأسلوبي للنص، لبيان ما يميزه من خصائص أسلوبية))(38) عن باقي النصوص الأخرى.‏
انصبت جهود الأسلوبيين الإحصائيين على مدارسة النصوص الإبداعية، من خلال بنياتها المشكلة لها ومراعاة عدم تكرارها، والبحث عن الصيغ والمفردات التي يركز عليها المبدع دون غيرها، وذلك للوقوف على المعجم الإفرادي والتركيبي والإيقاعي للمبدع ذاته، كما سعت إلى تبيان خصائص اللغة التي اعتمدها الكاتب محاولة منها لتأكيد أن المقاربة الإحصائية للأسلوب يقصد منها تمييز الملامح اللغوية للنص، وذلك من خلال إبراز معدلات تكرار مختلف المعاجم، سواء أكانت إفرادية أم تركيبية أم إيقاعية ونسب هذا التكرار، ولهذا النمط من المقاربة أهمية خاصة في تشخيص الاستعمال اللغوي عند المبدع، وإظهار الفروق اللغوية بينه وبين مبدع آخر، مع ذكر العلل والأسباب إلى حد ما.‏
ومن رواد المنهج الأسلوبي الإحصائي في الغرب يمكن أن نقتصر على الأسماء الآتية:‏
ـ برنلد شبلز في مؤلفه "علم اللغة والدراسات الأدبية، دراسة الأسلوب والبلاغة".‏
ـ كراهم هاف: "الأسلوب والأسلوبية".‏
ـ جون كوهن: "بنية اللغة الشعرية".‏
كما نجد تجلي الأسلوبية الإحصائية واضحاً في النقد العربي المعاصر، حيث تركز بين الترجمة والنقد ومحاولات التطبيق على النصوص الإبداعية العربية، ومن النقاد العرب الأسلوبيين الذين برزوا في هذا الاتجاه:‏
ـ محمد الهادي الطرابلسي "في منهجية الدراسة الأسلوبية"، مجلة الجامعة التونسية نوفمبر 1983.‏
ـ سعد مصلوح "الأسلوب دراسة لغوية إحصائية"، و"الدراسة الإحصائية للأسلوب، بحث في المفهوم والأجزاء والوظيفة" عالم الفكر العدد 03 أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر 1989.‏
ـ صلاح فضل "علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته".‏
ـ محمد العمري "تحليل الخطاب الشعري".‏
نخلص في ختام هذا البحث إلى أن البلاغيين العرب الأوائل كانوا ينظرون إلى الأسلوب من خلال سمات القوة والتناسق والجمال، مراعين في ذلك ما يقتضي الحال ا لذي يكون عليه المخاطب، أما بالنسبة للمخاطَب فيشترطون فيه إلمامه بعلوم اللغة من نحو وصرف وبيان وعروض. يشكل هذا لديهم إجماعاً وقلما نجد من أضاف إليه جديداً في مفهوم الأسلوب، مع استثناء "الجرجاني" في نظرية النظم، و"ابن خلدون" في تحديده للأسلوب على أنه صورة ذهنية، وربما نلمس أيضاً توافقهم في جعل الأسلوب توفيقاً بين أطراف الكلام.‏
لم يخرج كثير من النقاد في مطلع القرن الماضي عن مفهوم أسلافهم بشكل عام إلا أنهم طعموه بنصيب من الثقافة الأدبية والنقدية الأوروبية الحديثة وكان أبرزهم "أحمد أمين" و"أحمد حسن الزيات" ولعل الجدير بالإشارة اهتمامُهم بنظرية "بوفون" في الأسلوب وبخاصة في مجال تجسيد الأسلوب للطبيعة والنفس البشرية.‏
وتشكل نظرة الأسلوبيين للأسلوب فتحاً مهماً للدراسات النقدية، وذلك انطلاقاً من نظرتهم إلى الأسلوب على أنه انحراف عن المعيار المألوف والمتداول في نظم الكلام الإبداعي، ومن ثم تبقى الأسلوبية المنهج النقدي الذي بوسعه ـ إلى حد ما ـ رصد مكامن الفنية والجمال في النصوص الإبداعية، انطلاقاً من اللغة الحاملة لها، من خلال ماتوفره هذه اللغة من انحرافات فنية محمودة، تجعل منها الأسلوبية حقلاً لدرسها، سعياً إلى فهم النصوص الإبداعية، وبجنوح الأسلوبية إلى الوصف العلمي الذي يبغي الابتعاد عن استصدار الأحكام التقييمية، استطاعت الساحة النقدية الحديثة محاولة الإعراض عن البلاغة وما وقعت فيه في مدارسة الأسلوب، وماكان لها ذلك لولا سيرها على نهج لسانيات دي سوسير، وما نادت به من ضرورة دراسة اللغة لذاتها وبذاتها، وإقصاء السياقات الخارجية، وحينئذٍ حققت الدراسات الأسلوبية نقلة نوعية في تعاملها مع الأسلوب بالوقوف عندما تحققه لغته من انزياحات لغوية.‏
المصادر والمراجع‏
1 ـ الأسلوبية والأسلوب/ عبد السلام المسدي، تونس: الدار العربية لكتاب، ط2، 1982م.‏
2 ـ الأسلوبية منهجاً نقدياً/ محمد عزام، دمشق: وزارة الثقافة السورية، ط1، 1989م.‏
3 ـ الأسلوبية وتحليل الخطاب/ نور الدين السدّ، الجزائر: دار هومة، ط1، 1997م.‏
4 ـ البحث الأسلوبي: معاصرة وتراث/ رجاء عيد، الاسكندرية: دار المعارف، ط1، 1993م.‏
5 ـ البلاغة والأسلوبية/ محمد عبد المطلب، مصر: الهيئة العامة للكتاب، ط1، 1984م.‏
6 ـ بنية اللغة الشعرية/ جون كوهن، ترجمة محمد الوالي ومحمد العمري، الدار البيضاء: دار توبقال، ط1، 1986م.‏
7 ـ تاج العروس/ الزبيدي، بنغازي: دار ليبيا للنشر والتوزيع.‏
8 ـ حول الأسلوبية الإحصائية/ محمد عبد العزيز الوافي، مجلة علامات، مج11، ج42، ديسمبر 2001م.‏
9 ـ دلائل الإعجاز/ الجرجاني، بيروت: دار الكتب العلمية.‏
10 ـ شفرات النص: دراسة سيميولوجية/ د.صلاح فضل، بيروت: دار الآداب، ط1، 1999م.‏
11 ـ عيار الشعر/ ابن طباطبا، تحقيق عباس عبد الستار، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1983م.‏
12 ـ القاموس المحيط/ الفيروز أبادي ، بيروت: المؤسسة العربية للطباعة والنشر.‏
13 ـ لمن النص اليوم، للكاتب أم للقارئ؟/ حسن غزالة، مجلة علامات، عدد 392، مج10، مارس 2001م.‏
14 ـ مختار الصحاح/ الرازي، بيروت: مكتبة لبنان، 1988م.‏
15 ـ المقدمة/ ابن خلدون، بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1967م.‏
16- G.Gengembre. Les Grands Courants Littéraire.‏
* أستاذ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ جامعة سيدي بلعباس ـ الجزائر.‏
(1) ـ تاج العروس / الزبيدي ـ 1/ 302.‏
(2) ـ القاموس المحيط / الفيروز أبادي ـ 1/ 86.‏
(3) ـ مختار الصحاح / الرازي ، ص130.‏
(4) ـ عيار الشعر/ ابن طباطبا، ص 11.‏
(5) ـ المرجع السابق، ص11.‏
(6) ـ نفسه، ص11.‏
(7) ـ دلائل الإعجاز/ عبد القاهر الجرجاني، ص64.‏
(8) ـ المرجع السابق.‏
(9) ـ مقدمة ابن خلدون، ص 352.‏
(10)ـ المرجع السابق، ص 353، 354.‏
(11) ـ البلاغة والأسلوب/ محمد عبد المطلب، ص 130.‏
(12) ـ الأسلوبية والأسلوب/عبد السلام المسدي، ص20.‏
(13) ـ ينظر لمن النص اليوم للكاتب أم القارئ/ حسن غزالة، مجلة علامات، ع: 392، مج10، مارس/2001، ص 130 ـ 132.‏
(14) ـ البلاغة والأسلوبية ، مرجع سابق، ص268.‏
(15) ـ البحث الأسلوبي معاصرة وتراث/ رجاء عيد/ دار المعارف، مصر، ط01/ 1993، ص25.‏
(16) ـ المرجع السابق، ص 55.‏
(17) ـ الأسلوب والأسلوبية، مرجع سابق، ص51.‏
(18) ـ البلاغة والأسلوبية، ص 268.‏
(19) ـ البحث الأسلوبي، ص33.‏
(20) ـ البلاغة والأسلوبية، ص 129.‏
(21) ـ شفرات النص: دراسة سيميولوجية في شعرية القصد والقصيد/ صلاح فضل، دار الآداب، بيروت، ط1/1999، ص 80.‏
(22) ـ البحث الأسلوبي معاصرة وتراث، ص 120.‏
(23) ـ البلاغة والأسلوبية، ص 101.‏
(24) ـ الأسلوبية وتحليل الخطاب/ نور الدين السدّ، ص169.‏
(25) ـ البحث الأسلوبي، ص 49.‏
(26) ـ بنية اللغة الشعرية، جون كوهن، تر: محمد الوالي ومحمد العمري، ص 15.‏
(27) ـ المرجع السابق، ص 101.‏
(28) ـ الأسلوبية وتحليل الخطاب، ص 60.‏
(29) ـ المرجع السابق، ص 64.‏
(30) ـ البحث الأسلوبي، ص 31.‏
(31) ـ G.Gengembre.Les Grands Courants Littéraire. P:40.‏
(32) ـ Idemp:40.‏
(33) ـ البحث الأسلوبي ، ص 52 –53.‏
(34) ـ المرجع السابق، ص 53.‏
(35) ـ نفسه، ص 126.‏
(36) ـ الأسلوبية منهجاً نقدياً/ محمد عزام، ص 110.‏
(37) ـ البحث الأسلوبي، ص 48.‏
(38) ـ حول الأسلوبية الإحصائية، محمد عبد العزيز الوافي/ مجلة علامات/ج42/مج11/ديسمبر 2001، ص122.‏

الأسلوب بين النقد القديم والحداثة


حظي الدرس البلاغي عند العرب بكثير من الاهتمام، وذلك لأن (البلاغة) كانت تحمل منذ نشأتها بذور العبقرية العربية في جلالها وقدرتها على استكشاف مواطن النفس الإنسانية حين تقول فتجيد، وحين تتلقى فتحسن التلقي، وحين تكتب فتبدع فتحسن الإبداع، وقد أدرك العرب قيمة الدرس البلاغي من حيث كشفه عن أسرار بنية الخطاب وأثره في المتلقي، وقدرة الكلمة على التأثير والتعبير باعتبار أن البلاغة هي إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ على حد وصف الرماني في رسائله في إعجاز القرآن.‏
والأسلوب من أمهات القضايا البلاغية العربية التي تجسدت من خلال درسها مدى قدرة البلاغي العربي القديم على التفطن لسرّ جمالية الخطاب سواء أكان شعراً أم نثراً، فربط الدرس البلاغي في نظرته إلى الأسلوب بين النحو من حيث هو درس لآليات ومكونات الجملة العربية وبين توليده للدلالة داخل النص، وبذلك تجاوز الكثير من الأطروحات البلاغية التي سبقته، من مثل إشكالية اللفظ والمعنى، وأيهما الأساس في تشكيل جمالية الفضاء في الخطاب؟..‏
الأسلوب في التراث البلاغي العربي:‏
احتفى الدرس العربي منذ القرن الثاني الهجري بدراسة الأسلوب في مباحث الإعجاز القرآني التي استدعت ـ بالضرورة ـ ممن تعرضوا للتفسير أن يتفهموا مدلول لفظة "أسلوب" عند البحث الموازن بين أسلوب القرآن الكريم وغيره من أساليب الكلام العربي، متخذين ذلك وسيلة لإثبات ظاهرة الإعجاز للقرآن الكريم.‏
لقد كان لعلماء متقدمين كأبي عبيدة (ـ 210هـ) والأخفش سعيد بن مسعدة (ـ207هـ) والفراء (ـ 208 هـ) الجهد الكبير في إثراء مفهوم الأسلوب في الشعر وجلاء أشكاله، رغم تباين الأهداف التي سعوا إليها، بين بلاغة الخطاب القرآني وإعجازه أو دفع طعون الملحدين في القرآن وعربيته.‏
وإذا التفتنا إلى المعجميين فإننا نجدهم يعرّفون الأسلوب بالطريقة والفن، فالزبيدي يعرف الأسلوب بـ((السطر من النخيل و"الطريق" يأخذ فيه، وكل طريق ممتد فهو أسلوب، والأسلوب: الوجه والمذهب، يقال هم في أسلوب سوء، ويجمع على أساليب، وقد سلك أسلوبه: طريقته وكلامه على أساليب حسنة، والأسلوب بالضم "الفن"، يقال أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين منه))(1)، ويذهب الفيروز أبادي نفس المذهب إلى أن ((الأسلوب الطريق))(2)، وينعته الرازي بـ ((الفن))(3).‏
أما إذا بحثنا في مفهوم الأسلوب عند البلاغيين فإننا نجد ابن طباطبا العلوي (ـ 322هـ) من الأوائل الذين التمسوا للأسلوب مفهوماً رغم عدم تسميته لفظاً بالأسلوب؛ حيث نجده يشير إلى ذلك عند حديثه عن طريقة الشاعر إذا رغب النظم، فمخاض ((المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه فكره نثراً، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه. فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه بل يتعلق كل بيت يتفق نظمه، على تفاوت مابينه وبين ما قبله. فإذا كملت له المعاني، وكثرت الأبيات وفق بينها بأبيات تكون نظماً لها وسلكاً جامعاً لما تشتت منها))(4)، ومن ثم نجد أن الأسلوب هو أساس صناعة الشعر، يجمع بين الرؤية التي يمتلكها الشاعر والاحتراف اللغوي والإيقاعي والجمالي، يتأمل المبدع من خلاله ((ما أداه إليه طبعه ونتجه إليه فكره، يستقصي انتقاده، ويروم ما وهى منه))(5)، وبذلك يؤدي رسالته مراعياً رؤيته وأفق انتظار المتلقي.‏
إن مفهوم الأسلوب الجيد القائم على أصول فنية كالمطابقة بين اللفظ والمعنى ابتداءً والتوفيق بين القوافي والأبيات انتهاء قائم من اهتمام ابن طباطبا بخصائص نظم الشعر، لأن شأن الشاعر ـ في اعتقاد ابن طباطبا ـ كشأن ((النساج الحاذق الذي يوفق وشيه بأحسن التوفيق ويسديه وينيره))(6) حتى يجلي نظمه في أحسن حلة، ولا يتأتى له ذلك إلا بالحذق في صناعة الأسلوب والتحكم في آلياته.‏
وإلى جانب اهتمام ابن طباطبا بخاصية التلاؤم بين مواد الشعر يؤكد كذلك خاصية الصدق في التجربة الشعرية، ولا يكون ذلك على مستوى المبدع بل تتعداها إلى المتلقي الذي يتأثر لما يتلقاه مما قد عهده طبعه وقبلته مداركه، فيثار بذلك ماكان دفيناً، ويتجلى ماكان مكنوناً.‏
وليس هذا فحسب، بل الصدق يتجسد ـ كذلك ـ على مستوى ثالث يشترط فيه موافقة تجربة السامعين، إذ يوظف الشاعر تجاربهم في أشكال صور استعارية، وقد لخص ابن طباطبا هذه الخاصية الأسلوبية في جملة تدعو الشاعر لأن يعتمد الصدق والإصابة في تركيب الصور ونسجها ولا يتأتى له ذلك إلا بالحذق في تنويع نسوج أساليبه.‏
لا يقف ابن طباطبا عند الصدق في ضبطه لخصائص الأسلوب، بل يؤكد ضرورة المراجعة والانتقاد لما نسجه الشاعر، فيغير كلمة نابية بأخرى مألوفة، ويغير بكل لفظة مستهجنة لفظة مألوفة نقية، ساعياً لغاية الوضوح؛ لأن منتهى الشاعر أن يستوعب السامع فكرته، وتالياً يجد ما يصبو إليه من تأثير في المتلقي استدراجاً له.‏
إن المتأمل في نظرة ابن طباطبا إلى الأسلوب يجد أنها لا تقوم على أصل واحد متفرد كاللفظ و المعنى، بل يرى ((أن الأسلوب ليس المعنى وحده واللفظ وحده، وإنما هو مركب فني من عناصر مختلفة يستمدها الفنان من ذهنه ومن نفسه ومن ذوقه. تلك العناصر هي الأفكار، والصور والعواطف، ثم الألفاظ المركبة والمحسنات المختلفة))، ومن ثم فالأسلوب في النص هو الأساس في نسج بنيته عبر جميع مستوياتها.‏
تتعمق النظرة إلى الأسلوب في التراث البلاغي مع أطروحات عبد القاهر الجرجاني (ـ 471هـ)؛ إذ نجده يساوي بين الأسلوب والنظم، لأن الأسلوب عنده لا ينفصل عن رؤيته للنظم، بل نجده يماثل بينهما من حيث أنهما يشكلان تنوعاً لغوياً خاصاً بكل مبدع يصدر عن وعي واختيار، ومن ثم يذهب عبد القاهر إلى أن الأسلوب ضرب من النظم وطريقة فيه.‏
إذا كان الأسلوب ـ كذلك ـ يجب أن يتوخى فيه المبدع اللفظ لمقتضى التفرد الذاتيّ في انتقاء اللغة عن وعي وذلك بمراعاة حال المخاطب، فإن الجرجاني قد أضاف أصلاً أصيلاً إلى نظرية الأسلوب في البلاغة العربية القديمة، إذ جعل الأسلوب يقوم على الأصول العربية وقواعدها، فالنظم يمتنع معنى إذا لم ينضبط بالنحو، وذلك ما أسس له الجرجاني في دلائل الإعجاز بقوله: ((واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ منها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخل بشيء منها))(7)، وبذلك جعل عبد القاهر الجرجاني من النحو قاعدة لكل نظم، لا باعتباره أداة أسلوب ينتظم بها التركيب في نسقه الإعرابي العام، وإنما جعل منه ـ كذلك ـ مستفتحاً لما استغلق من المعنى؛ إذ الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب مفتاحاً لها، و((أن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه؛ والمقياس الذي لا يعرف صحيحاً من سقيم حتى يرجع إليه ولا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه))(8)، فإذا أدرك المبدع ذلك استقام له الأسلوب وأتاه أنى شاء.‏
وإذا كان عبد القاهر الجرجاني قد أكد ضرورة التزام النحو في مفهوم النظم، فإنه قد تشدد في ضرورة النسج على طريقة مخصوصة تميز شاعراً عن شاعر آخر، وبذلك نجد أن عبد القاهر الجرجاني يميز الأسلوب بتميز صاحبه في نظمه عن غيره من أهل النظم والأدب، ومن ثم نلاحظ أن هذه النظرة لا تخرج عن نظريته في النظم التي يؤكد فيها التزام معاني النحو في التأليف، وذلك من خلال تأكيد توفر محاسن الكلام في ترتيب المعاني في النفس بطريقة خاصة؛ وحسب مقتضى الحال حتى يحصل التجانس.‏
إن مفهوم الإعراب عند الجرجاني لا ينتهي فيه إلى مفهوم الموقع من الجملة أو نسبته من الجملة من سابقه أو لا حقه رفعاً أو نصباً أو جراً، وإنما يتعداه إلى المفهوم الدلالي الذي تقتضيه فصاحة المخاطب ونباهة البليغ، ومن ثم نجده لا يقف في نظرته إلى الإعراب عند المظاهر الشكلية التي أسس لها الإعراب لاحقاً في الاهتمام بالقواعد الإعرابية، بل ينظر إلى الإعراب لا على أنه علم يحذق فيه صاحبه علم الحركات، بل على أنه علم يقصد فيه التأسيس لفهم يساعد على إدراك معنى المعنى.‏
لا شك في أن قيام النظم عند الجرجاني بتوخي معاني النحو يوجب حضوراً عقلياً واستعمالاً منطقياً للغة؛ ولهذا يقوم الإبداع عنده على جملة من المراحل الواعية، ينتظمها الأسلوب الفني بدءاً من الذهن وتصوراته في المعنى والمبنى، إلى مرحلة مخاطبة المتلقي، وهنا يلزم أن يراعي الشاعر حالة المخاطب لأن النظم يقوم على الروية والتفكير، وهذا انطلاقاً من الرؤية المؤسسة على أن النظم يقوم أولاً على استحضار الفكرة أولاً، ثم التمثل والنطق ثانياً، والاعتبار يكون بحال واضع للكلام.‏
فالترتيب الذهني والإخراج الفني المراعي لمقتضى الحال من دواعي قوة الأسلوب، ورصانته وبلاغته وجزالته، وليس الشأن في اللفظ حَسُنَ أو قَبُحَ، بل مفاضلة بين الألفاظ خارج سياق الكلام، وهذا ما جنح إليه الجرجاني، ولعله ـ هنا ـ خالف سابقيه المعتقدين بفصاحة اللفظة المفردة وجمالها، وسبقَ لاحقيه وبخاصة الطرح الألسني البُنوي المعاصر، الذي يذهب إلى الاعتقاد بأن جمال اللفظة لا يكون إلا في نظامها، وبذلك يتجلى لنا طرح الجرجاني وهو يناقش مسألة النظم في أن الأسلوب يقوم على توخي معاني النحو، لأننا في طلبها نطلب الجمال في الأسلوب والتفرد في الصياغة والقوة في الصناعة.‏
إن إخضاع مفهوم الأسلوب لمعاني النحو فهمٌ شاع في التراث البلاغي العربي بعد الجرجاني، لكننا نجد أن عبد الرحمن بن خلدون (ـ 808 هـ) لم يؤصل الأسلوب على معاني النحو فقط، وإنما جعل النحو والبلاغة والعروض علوم آلات تغذي سلوك الأسلوب كما يسميه، وهو طرح لا يجانب كثيراً طرح الجرجاني ولكنه يمتح من معين التقعيد الذي وقعت فيه العلوم اللغوية على زمانه. لقد تبيّن لابن خلدون أن الأسلوب عند أهل الصناعة ((عبارة عن المنوال الذي تنسج فيه التراكيب أو القوالب التي يفرغ فيها، ولا يرجع على الكلام باعتبار إفادته كمال المعنى الذي هو وظيفة البلاغة والبيان؛ ولا باعتباره الوزن كما استعمله العرب فيه الذي هو وظيفة العروض. فهذه العلوم الثلاثة خارجة عن هذه الصناعة الشعرية))(9)، التي تتعدى معرفة العلوم المذكورة؛ ولا تقوم الشاعرية عند الشاعر بإدراك هذه العلوم، فكم من شاعر لا يحيط بها إحاطة كاملة، وكم من محيط بهذه الأدوات وليس بشاعر، فالفرق بين عالم البلاغة والشاعر المبدع بيّن؛ ولكنها ـ بالرغم من ذلك كله ـ تؤسس لمشروع شاعر امتلك الملكة التي تطبع ذوقه من خلال التعمق في معارفها والتمرن على أساليب هذه العلوم قراءة وحفظاً.‏
إن هذا الطرح الذي يعالج من خلاله ابن خلدون مسألة الأسلوب يجعلنا نطرح التساؤل التالي: إذا كانت الصناعة الشعرية خارجة عن العلوم الثلاثة فما وظيفتها؟ وبخاصة إذا علمنا أنها الأساس في صناعة الأسلوب، بل ما الأسلوب ـ أصلاً ـ عند ابن خلدون؟.‏
يؤكد ابن خلدون في مقدمته أن الوظيفة الشعرية أو الصناعة الشعرية ـ كما يقول ـ ((ترجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة باعتبار انطباقها على تركيب خاص، وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها ويصيرها في الخيال كالقالب أو المنوال، ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبناء، فيرصها فيه رصاً كما يفعله البناء في القالب أو النساج في المنوال حتى يتسع القالب بحصول التراكيب الوافية بمقصود الكلام))(10)، وبذلك ندرك أن ابن خلدون يذهب إلى أن وظيفة الأساليب الشعرية هي استيعاب العلوم إدراكاً، ثم انتقاء منها ما يناسب التركيب الخاص بالشاعر والصور الذهنية التي يحملها وهل هي متسعة لوظائف القدرات اللغوية والإبداعية.‏
إن الأسلوب حسب تصور ابن خلدون صورة ذهنية تغمر النفس وتطبع الذوق الأساس فيها الدربة النابعة عن قراءة النصوص الإبداعية المتفردة ذات البعد الجمالي الأصيل، وبمثل ذلك تتكون وتتألف التراكيب التي تعودنا على نعتها بالأسلوب؛ وإذا كانت التراكيب التي يكون الأساس الأول فيها اللغة هي الأداة المثلى للتشكيل الصورة الذهنية "الأسلوب" فإن الوظيفة الشعرية للأسلوب تجمل في تحقيق التجانس بين مختلف التراكيب المنتظمة في بنية أساسها اللغة، ولا يتحقق ذلك إلا بالتوفيق بين التراكيب النحوية والبلاغية من ناحية والذوق من ناحية أخرى، وبذلك نلاحظ قرب مذهب ابن خلدون في مناقشة مسألة الأسلوب من الأسلوبيين المعاصرين الذين يعرفون الأسلوب على أنه ((إسقاط محور الاختيار على محور التوزيع))(11)، لتجسيد مبدأ التركيب والانزياح.‏
إن الملاحظ من خلال هذا الرصد المركز لمفهوم الأسلوب في التراث البلاغي العربي القديم أن هناك تبايناً بين الأطروحات التي تبناها كل علم من هؤلاء الأعلام الثلاثة، فابن طباطبا ربط مفهوم الأسلوب بصفة مناسبة الكلام بعضه لبعض، باعتبار أن الأسلوب داخل النص الشعري يتحقق إذا كملت له المعاني، وانسجمت الأبيات ووفق بينها بأبيات تكون نظاماً لها وسلكاً لما تشتت منها، أما الجرجاني فقد أخضع الكلام لعلم النحو، حتى يحقق صفة النظم لأن النظم هو أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، بينما نجد أن ابن خلدون جعل الأسلوب صورة ذهنية مهمتها مطابقة التراكيب المنتظمة على التركيب الخاص، لأن الصناعة الشعرية التي هي بمعنى الأسلوب ترجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص. لكن رغم هذا التباين في الأطروحات التي تبناها كل علم في مقاربته لمفهوم الأسلوب فإننا نجد أنهم قد أجمعوا على أن الأسلوب توفيق بين أطراف الكلام، سواء أكان ذلك بالملاءمة في الأسلوب أم بتوخي معاني النحو.‏
الأسلوب عند الحداثيين:‏
يذهب جلّ الباحثين والمهتمين بحقلي النقد والدراسات الأدبية، إلى القول إن للسانيات (دي سوسير) الأثر الكبير في نشأة المناهج النقدية النسقية، وانتهاجها الوصف والتحليل في مقاربة النصوص الأدبية، وتركها المعيارية واستصدار الأحكام النابعة ـ في الغالب ـ من تأثير السياقات الخارجية على النقاد، سواء أكانت هذه السياقات تاريخية أم اجتماعية أم نفسية أم أنتروبولوجية.‏
هذه النقلة النوعية في التعامل مع النصوص الأدبية والتي جاءت والنقد النسقي، تجلت بوضوح مع مطلع القرن العشرين في شتى المناهج النقدية المعاصرة.‏
الأسلوب STYLE سابق عن الأسلوبية stylistique في الظهور إذ ارتبط بالبلاغة منذ القديم في حين انبثقت الأسلوبية إثر الثورة التي أحدثتها لسانيات دي سوسير مطلعَ القرن العشرين، في مجال الدرس اللغوي ومدى تأثيره فيما بعد في الدراسات النقدية والأدبية إذ يعد مفهوم الأسلوبية ـ كما هو معروف ـ وليد القرن العشرين وقد التصق بالدراسات اللغوية وهو بذلك قد انتقل عن مفهوم "الأسلوب" السابق في النشأة منذ قرون، والذي كان لصيقاً بالدراسات البلاغية، ومن الممكن القول إن الأسلوب مهاد طبيعي للأسلوبية، فهو يقوم على مبدأ الانتقاء والاختيار للمادة الأدائية التي تقوم ـ في الخطوة التالية ـ الدراسات الأسلوبية بمهمة تحليلها من الناحية الأسلوبية المحضة؛ وتصنيفها حسب جماليتها الفنية؛ باتخاذها لغة الخطاب حقلاً للدراسة والاستقراء منها وبها تلج إلى عوالم النص لاستنطاقه وسبر أغواره.‏
تبحث الأسلوبية عن الخصائص الفنية الجمالية التي تميز النص عن آخر، أو الكاتب عن كاتب آخر، من خلال اللغة التي يحملَّها خلجات نفسه، وخواطر وجدانه، قياساً على هذه الأمور مجتمعة، تظهر الميزات الفنية للإبداع، إذ منها نستطيع تمييز إبداع عن إبداع انطلاقاً من لغته الحاملة له بكل بساطة؛ ومن ثم فالأسلوبية تحاول الإجابة عن السؤال: كيف يكتب الكاتب نصاً من خلال اللغة؟ إذ بها ومنها يتأتى للقارئ استحسان النص أو استهجانه، كما يتأتى له أيضاً الوقوف على مافي النص من جاذبية فنية تسمو بالنص إلى مصاف الأعمال الفنية الخالدة.والأسلوبية من المناهج التي تبنت الطرح النسقي انطلاقاً من مؤسسها شارل بالي، ((فمنذ سنة 1902 كدنا نجزم مع شارل بالي أن علم الأسلوب قد تأسست قواعده النهائية مثلما أرسى أستاذه ف.دي.سوسير أصول اللسانيات الحديثة))(12)، ووضع قواعدها المبدئية، حينها غيرت الدراسات النقدية نمط تعاملها مع الآثار الأدبية، باعتمادها النسق المغلق المتمثل في النص، واستقرائه من خلال لغته الحاملة له، وإبعادها كل ماله صلة بالسياقات وإصدار الأحكام المعيارية.‏
إن الأسلوبية بشكل عام منهج يدرس النص ويقرؤه من خلال لغته وما تعرضه من خيارات أسلوبية على شتى مستوياتها: نحوياً، ولفظياً، وصوتياً، وشكلياً، وما تفرده من وظائف ومضامين ومدلولات وقراءات أسلوبية لا يمت المؤلف بصلبه مباشرة لها على أقل تقدير(13) إذا نحن وضعنا في الحسبان أن المناهج النسقية تزيح السياقات في مقاربتها لنصوص الإبداعية.‏
تترصد الأسلوبية مكامن الجمال والفنية في الآثار الأدبية وما تحدثه من تأثيرات شتى في نفس القارئ، لما تسمو هذه الآثار عن اللغة النفعية المباشرة، إلى لغة إبداعية غير مباشرة، فنية وأكثر إيحاء وتلميحاً، هذا يحدد مجال الدراسة الأسلوبية، بينما يبقى ((الأسلوب الوسيلة بيانية للكتابة تتحقق على المستوى الفردي، كما تتحقق على المستوى الجماعي بل وتتمايز المراحل التاريخية للفرد أو العصر))(14) من منطقة إلى منطقة أخرى حسب تركيبتها الثقافية والاجتماعية والفكرية.‏
وتسعى الأسلوبية كمنهج نسَقي دوماً إلى محاولة مدارسة أساليب الكتاب اللغوي، ومدى تمايزها من خلال قدرة كل كاتب على التمايز في توظيف معجمه الفني من جهة، ومن جهة ثانية مدى استطاعته التأثير في المتلقي عبر اللغة، حينها تكون هاته اللغة تحقق انزياحات بشتى أنواعها سواء أكانت معجمية، أو دلالية، أو نحوية، أو عرفية، أو صوتية.‏
قد لا نعدو الحقيقة، إذا قلنا إن الأسلوبية مجال درسها الأسلوب، كظاهرة لغوية فنية، تسعى جاهدة إلى الوقوف على نسبية اختلافها من كاتب إلى كاتب، "وبصورة مجملة فإن البحث الأسلوبي إنما يعني بتلك الملامح أو السمات المتميزة في تكوينات العمل الأدبي وبواسطتها يكتسب تميزه الفردي أو قيمه الفنية، بصفته نتاجاً إبداعياً لفرد بعينه، أو ما يتجاوزه إلى تحديد سمات معينة لجنس أدبي بعينه"(15) دون سواه من الأجناس الأدبية الأخرى.‏
انطلاقاً من الجدل القائم بين مصطلحي الأسلوبية والذي أعرضنا عن الخوض فيه، سعياً إلى مباشرة للأسلوبية كمنهج نسقي يقارب النصوص الأدبية من خلال اللغة الحاملة لها، يمكننا أن نخلص إلى أن الأسلوبية كمنهج نقدي غايته مقاربة النصوص في سياقها اللغوي المتمثل في النص، ومدى تأثيره في القراء، فيجعل من الأسلوب مادة لدراسته، حينها نجد أن هذا الأخير يكون حقلاً خصباً تجد فيه الأسلوبية ضالتها درساً وتطبيقاً.‏
الأسلوبية واللغة:‏
تعرف اللغة بأنها مؤسسة اجتماعية تدرس تزامنياً، كما نادى بذلك دي سوسير في محاضراته، وهي مؤسسة اجتماعية لأنها تبحث في لغة جماعة ما، لها خصائصها المختلفة عن جماعة أخرى، في الزمان والمكان.‏
يقف البحث اللغوي الحديث عند اللغة في شموليّتها، أي في تداولها بين فئة اجتماعية معينة، ليضع لها قواعد صارمة لا يجب الخروج عنها أو تجاوزها، دون تطرقه للغة الفرد من خلال هذه الجماعة، فهذا الأخير في إبداعاته يقوم بتشويه اللغة، بحملها من المألوف إلى المألوف، ولن يكون له ذلك إلا بخرقه لهذه القواعد خرقاً فنياً جمالياً نابعاً من اللغة ذاتها،وهذا ما دأبت على مدارسته الأسلوبية بشتى اتجاهاتها، حيث تبقى أقل شمولية من البحث اللغوية الصرفة، مادامت تجنح إلى الانتهاكات الفردية للغة ومحاولة تعليل ذلك من مستويات ثلاثة: الكاتب، النص والقارئ، كل حسب دوره في عملية التلقي ووظيفته التواصلية. رصداً للقيم التزينية والفنية. وبذلك يتخذ ((الدرس اللغوي مساره تجاه الأصوات ـ المفردات ـ التركيبات وما يتصل بذلك، محدداً هدفه نحو دراسة تلك العناصر، وما يتميز به من خواص معينة، بينما تجعل "الأسلوبية" وجهتها دراسة العلاقات بين تلك العناصر السابقة، ودرجة تمازجها ومدى علاقاتها ومسافة توزعها، ثم يكون ذلك لهدف تال، وهو استشفاف القيم الفنية والجمالية من خلال ذلك التوجه الخاص للظاهرة اللغوية))(16)، وتفردها عن ظواهر لغوية أخرى في إبداعات فنية لكتاب آخرين.‏
مما سلف ذكره، يمكننا أن نبقى على مجال البحوث اللغوية في مدارستها للألفاظ والتراكيب، صوتياً، معجمياً، نحوياً، صرفياً، لتأتي البحوث الأسلوبية لرصد العلاقات الكامنة وراء النسيج اللغوي، والعلل الباعثة له من خلال اختلافه عن نسيج لغوي آخر، سعياً وراء كشف الفنية والجمالية في الظاهرة اللغوية، ذات النمط الخاص ضمن الإبداعات الفنية المختلفة شعرية كانت أو سردية.‏
الأسلوبية واللسانيات:‏
بدأت الدراسات اللغوية تأخذ الصبغة العلمية الوصفية بعيداً عن المعيارية الحكمية، ومع مجيء لسانيات دي سوسير في مطلع القرن العشرين، ومناداتها بدراسة اللغة تزامنياً، دراسة علمية وصفية، تقصي من غاياتها الاحتكام إلى المعايير واستصدار الأحكام القطعية، ينضاف إلى ذلك إقصاء الدراسة التعاقبية التاريخية للغة، وعلى هذا النهج، ومن هذا الرحم اللساني المحض نهلت الدراسة طريقة تعاملها مع اللغة من خلال النصوص، ((فإذا كانت لسانيات دي سوسير قد أنجبت أسلوبية بالي، فإن هذه اللسانيات نفسها قد ولدت البنيوية التي احتكت بالنقد الأدبي فأخصبا معاً "شعرية" جاكبسون، و"إنشائية" تودوروف، و"أسلوبية" ريفاتير. ولئن اعتمدت كل هذه المدارس على رصيد لساني من المعارف، فإن الإسلوبية معها قد تبوأت منزلة المعرفة المختصة بذاتها أصولاً ومناهج))(17)، ما دامت ـ في رأينا ـ أخصب المناهج وأقربها إلى الدراسات اللغوية الحديثة المعتمدة الوصف العلمي منهجاً.‏
أخذت الأسلوبية من اللسانيات الصفة العلمية الوصفية في الدراسة اللغة، غير أنها درست الخطاب ككل، وما يتركه هذا الخطاب من أثر في نفس المتلقي، في حين نجد أن اللسانيات قد اتجهت إلى دراسة الجملة بالتنظير واستنباط القواعد التي تستقيم بها، والقوانين التي من خلالها تكتسب طابع العلمية.‏
زودت اللسانيات المنهج الأسلوبي بطابع العلمية الوصفية في دراسة النصوص من خلال لغتها، وبذلك جعلت منه منهجاً علمياً وصفياً ينأى عن الدراسة المعيارية الحكمية، التي وقعت فيها البلاغة القديمة مما ولد عقمها وجمودها.‏
البلاغة والأسلوبية:‏
اهتمت البلاغة بدراسة الخطاب دراسة جزئية تقوم على المعيارية واستصدار الأحكام التقييمية، متبعة في ذلك مبدأي التخطئة والتصويب، بناء على تفضيلها للشكل على المضمون مما جعلها في النهاية تصاب بالعقم، في استنطاق النصوص إلى حد ما.‏
ومع ظهور لسانيات دي سوسير في مطلع القرن العشرين، ودعوته إلى الدراسة العلمية الوصفية التزامنية للغة، ظهرت على أنقاضها الأسلوبية كمنهج بديل، مادامت هذه الأخيرة ((كعلم جديد نسبياً، حاولت تجنب المزالق التي وقعت فيها البلاغة القديمة من حيث إغراقها في الشكلية، ومن حيث اقتصارها على الدراسة الجزئية بتناول اللفظة المنفردة، ثم الصعود إلى الجملة الواحدة أو ماهو في حكم الجملة الواحدة، وهذه الدراسة البلاغية كانت يوماً ما أداة النقد في تقييم الأعمال الأدبية))(18)، حين كانت الدراسة المعيارية المعتمدة استصدار الأحكام، والحرص على التقيد بالتوصيات المسطرة سلفاً، منهجاً يعول عليه كثيراً في تركيب الآثار الأدبية.‏
تستمد الأسلوبية علاقتها بالدرس اللساني الحديث بوصفها منهجاً وصفياً علمياً، تنفي عن نفسها المعيارية، وإرسال الأحكام التقييمية، بالقبول، أو بالرفض، ينضاف إلى ذلك، أنها لا تسعى إلى غاية تعليمية البتة، ناهيك عن حرصها الشديد على تعليل الظواهر الإبداعية وبعد أن تقرّر وجودها ههنا جاز لنا أن نقر بأحقية الدراسات الأسلوبية في مقاربتها النصوص الإبداعية، بشيء من العلمية الوصفية، على النقيض مما تعاملت به البلاغة.‏
الأسلوبية والنقد الأدبي:‏
مع ظهور البنيوية في القرن العشرين، بتأثير من لسانيات دي سوسير، ودعوتها إلى دراسة النص من الداخل وإقصائها لجميع السياقات الخارجة عن النص، راحت جل المناهج النقدية المعاصرة تحذو حذوها في قراءتها النصوص الأدبية.‏
نجد الأسلوبية من المقاربات التي اقتصرت في درسها للنص الأدبي على جانبه اللغوي، ((ومن هنا فإن الجانب اللغوي هو مجال الباحث الأسلوبي، أما ما يتصل بالأثر الجمالي، أو تحليل عمل الشاعر، أو الروائي، أو المسرحي وجدانياً، وجمالياً وموقفاً أو سواه فكل ذلك يكون مهمة الناقد الأدبي بعد ذلك))(19) بصفة أكثر شمولية، وذلك ما يطلع به النقد بشتى اتجاهاته.‏
تعد الأسلوبية اتجاهاً من اتجاهات النقد الأدبي، إن لم نقل جزءاً منه، وإن كنا نجد أن كل من الباحث الأسلوبي، والناقد الأدبي يقوم بالممارسة لفعل القراءة كل حسب ما توفرت له من رؤية وأدوات إجرائي، حينها لا نجد فرقاً أو احتواء أحدهما للآخر، مادام كل منها يحاول أن يقارب النص الإبداعي بأدواته الإجرائية، غير أن الناقد الأدبي يصبح أكثر منهجية عندما يستوعب ويلتزم بأحد المناهج، يستقي منه أدواته، ليقارب النصوص الأدبية.‏
فالنقد الأدبي لن يوفق في عمله مالم يستعن بمنهج نقدي من المناهج النقدية المعروفة سواء أكانت سياقية منها أم نَسقيّة، كل بحسب أدواته الإجرائية، وطرائقه ومقولاته في استنطاق النصوص الأدبية، وفهم العملية الإبداعية من ناص ونص ومتلقٍّ.‏
الأسلوبية والنص الأدبي:‏
تركز الأسلوبية ـ بوصفها منهجاً نسقياً يقصي من طريقه كل السياقات الخارجة عن النص ـ على مقاربة لغة النص، وأسلوب الكاتب فيه انطلاقاً من إمكاناته اللغوية المتاحة، ومن ثم فهي ترتكز قراءتها للنص على مفهوم الأسلوب كمجموعة من الخيارات يقوم بها الكاتب في نصه على مستويات اللغة المختلفة، اللفظية منها والنحوية بشكل رئيسي ثم الصوتية، وما تفرزه هذه الخيارات الأسلوبية من وظائف ومعانٍ ومدلولات أسلوبية ناشئة عن علاقات متشابهة، ومترابطة أو متنافرة، وأحياناً معقدة بين مستويات اللغة المذكورة، بحسب الموقف الذي ساهم في إنتاج النص.‏
يعتمد المنهج الأسلوبي اللغة الحاملة للنص قصد سبر أغوارها، وكشف مكنوناتها، من خلال الألفاظ، والتراكيب سواء من جانبها النحوي، أو الصوتي، أو الدلالي، سعياً إلى الوقوف عند اللغة الأدبية المميزة للنص عن سواه من النصوص الأخرى، لأن ((التناول الأسلوبي إنما ينصب على اللغة الأدبية لأنها تمثل التنوع الفردي المتميز في الأداء بما فيه من وعي واختيار، وبما فيه من انحراف عن المستوى العادي المألوف، بخلاف اللغة العادية التي تتميز بالتلقائية والتي يتبادلها الأفراد بشكل دائم وغير متميز))(20)، وذلك ما يميز بين الأسلوب في خصوصيته الإبداعية والأسلوب كأداة يومية تستعمل للتواصل؛ والأسلوبية باعتبارها منهجاً نقديّاً ينصب اهتمامها على اللغة الأدبية من خلال انحرافاتها الإبداعيةعن النمطية ضمن اللغة الإبداعية العادية.‏
تبقى القراءة الأسلوبية ذلك المنهج النسقي الذي يجعل لغة النص وسيلة وغاية لفهم الإبداع والوقوف على درجة الأدبية فيه، من خلال الهوامش التي تحققها اللغة الإبداعية إذ تسمو بالنص إلى مصاف الأعمال الفنية الجذابة، انطلاقاً من مدى اختيار الألفاظ وتراصها وعلاقة بعضها ببعض، ضمن تركيب نحوي وصوتي ودلالي؛ ولذلك نجد أن ((الأسلوبية تعود بالضرورة إلى خواص النسيج اللغوي، وتنبثق منه، فإن البحث عن بعض هذه الخواص ينبغي أن يتركز في الوحدات المكونة للنص وكيفية بروزها وعلائقها))(21) بعضها ببعض.‏
وتبقى الأسلوبية منهجاً نقدياً عمل من أجل الكشف عن أسرار اللغة الأدبية في النص الإبداعي، من خلال وحداته المكونة لـه وانطلاقاً من اللغة كوسيلة وغاية، كوسيلة للوصول إلى استنطاق النص، وكغاية سعياً وراء الوقوف عند درجة الأدبية في النص الأدبي.‏
محددات الأسلوب في الأسلوبية:‏
لقد دأب النقاد الأسلوبيون المعاصرون على رصد أساليب الكتاب وتفردهم واختلافهم، الواحد عن الآخر، من خلال المقولات الثلاث: الاختيار ـ التركيب ـ الانزياح.‏
1 ـ الاختيار:‏
يعمد الكاتب إلى اللغة بوصفها خزّاناً جماعياً رحباً، منه ينتقي مفرداتٍ، يتخيرها كي يصب فيها ما تجيش به نفسه من مشاعر وأحاسيس وانطباعات، وهنا يبدأ بحث النقاد الأسلوبيين من حيث العمل على كشف العلل والأسباب الكامنة وراء هذا الاختيار أو ذاك مادام ((مبدأ "الاختيار" أو "الانتقاء" يمثل خاصية من خصائص البحث الأسلوبي، وإذا كانت اللغة تحوي مفردات متعددة، تتركب منها أعداد لا تحصى من العبارات والجمل، فإن القضية المثارة هي البحث عن الدلالات المتعلقة بأسباب اختيار جملة بدلاً من جملة أخرى، وتفضيل تركيب عن تركيب سواه))(22)، ورصد العلل المضمرة وراء هذا الاختبار أو ذلك.‏
إن عملية الاختيار يحكمها جانبان: شعور فردي وجداني تمليه الدفقة الشعورية للإبداع، وآخر خارجي اجتماعي لغوي فني تفرضه القواعد والأعراف، والطقوس المتداولة عند الكتاب والمتلقين، حتى يكون هناك إدراك واضح لما تحمله النصوص الإبداعية، بفهم لغتها وما ترمي إليه، وجعلها أكثر قابلية عندهم، ومن نجد أن ((الوضوح يتحقق باختيار الكلمات المعينة غير المشتركة بين معان، والتي تدل على الفكرة كاملة، والاستعانة بالعناصر الشارحة، أو المقيدة، أو المخيلة، واستعمال الكلمات المتقابلة المتضادة إذا كان ذلك يخدم المعنى والفكرة، والبعد عن الغريب الوحشي، والعمد إلى لغة الناس وما يستطيعون إدراكه))(23)، بسهولة وبصورة واضحة لا تشوبها شائبة.‏
يبقى الاختيار من العمليات المساعدة على كشف تفرد كاتب عن كاتب آخر، من خلال أسلوبه المتمثل في اللغة المعجمية، التي انتقاها ورصها مفرداتياً بعضها إلى بعض لتصير في النهاية لغة إبداعية فنية جمالية تستهوي القارئ، وترقع النص إلى مصاف الآثار الأدبية الخالدة.‏
2 ـ التركيب:‏
إن سلامة التركيب في جميع نواحيه، معجمياً، ونحوياً، وصوتياً، وصرفياً، ودلالياً، تستدعي انطلاقه من عملية سابقة عليه، وهي الاختيار، فكلما كان الاختيار دقيقاً يخدم الكاتب والنص القارئ، حينها يأتي التركيب كذلك؛ إذ ((ترى الأسلوبية أن الكاتب لا يتسنى له الإفصاح عن حسه ولا عن تصوره للوجود إلا انطلاقاً من تركيب الأدوات اللغوية تركيباً يفضي إلى إفراز الصورة المنشورة والانفعال المقصود)) (24)، والانطباع النابع من الذات عبر النص من خلال اللغة، ليحتضنه القارئ بحرارة.‏
وتقاس عملية التركيب بالرجوع إلى المزاج النفسي للكاتب وثقافته الخاصة، بالإضافة إلى السمات الثقافية لكل عصر، وهي الرقيب الذي يسير الكاتب تحت إمرته حتى يفهم عند المتلقين، ((فكل كاتب له مزاجه النفسي وثقافته المتميزة، كما أن لكل عصر سماته الثقافية، ومزاجه الفكري، ومن ثم يختلف أسلوب كاتب عن كاتب، كما يختلف أسلوب عصر عن عصر، إن الموقف وطبيعة القول وموضوعه، كل ذلك سوف يفرض بالضرورة أداء يختلف عن أداء، بل إن ذلك قد يكون لدى كاتب واحد))(25)، لأنه عايش فترتين زمنيتين مختلفتين.‏
أن ظاهرة التركيب التي لها علاقة تامة بالأسلوب تتحدد ضمن الأداء، من عدّة منطلقاتٍ ذاتيةٍ خاصةٍ بالكاتب ومزاجه النفسي، وثقافته المتميزة، والموضوع المتناول، وهي التي تفرض عليه لا محالة توظيف مفردات وتراكيب خاصة به، انطلاقاً مما سلف ذكره، وهذا لن يكون ذا فائدة تواصلية لغوية فنية جمالية، مالم يبق في إطار العصر وخصائصه الثقافية والفكرية واللغوية.‏
3 ـ الانزياح:‏
لقد ذهب جل النقاد الأسلوبيين، وعلى رأسهم الناقد الفرنسي "جون كوهن" إلى كشف ملامح الاختلاف بين الأساليب بدءاً بمدى انحراف الكتّاب عن النمط المألوف، والطقوس المتداولة في الكتابة في سياق نصوصهم الإبداعية؛ إذ ((الأسلوب هو كل ما ليس شائعاً ولا عادياً ولا مطابقاً للمعيار المألوف... إنه انزياح بالنسبة لمعيار، أي إنه خطأ ولكنه خطأ مقصود))(26)، ومحمود تنزع النفس إليه مادام يحمل جمالاً فنياً.‏
فالانزياح في المفهوم الأسلوبي هو قدرة المبدع على انتهاك واختراق المتناول المألوف، سواء أكان هذا الاختراق صوتياً أم صرفياً أم نحوياً أم معجمياً أم دلالياً؛ ومن ثم يحقق النص انزياحاً بالنسبة إلى معيار متواضَعٍ عليه، لذا تبقى اللغة الإبداعية هي التي تسمح بهذه الخلخلات اللغوية ضمن النصوص بحملها من النفعية البلاغية إلى الفنية الجمالية؛ وهذا كله وفقاً لأفكار وتداعيات خاصة، في إطار أمنية ومواقف محددة تمليها طبيعة المواضيع المتناولة في ضمن النصوص، حيث ((أنه من غير المجدي حصر الكلام في تكرار جمل جاهزة، كل واحد يستعمل اللغة لأجل التعبير عن فكرة خاصة في لحظة معينة، يستلزم ذلك حرية الكلام))(27) واستقلالية الخوض فيه وبه بارتياح، في رحاب لغة فنية أدبية تجعل الجمالية والتأثير غايتَيْها.‏
إن جمالية الانزياح عندما تخلق اللغة الإبداعية هوامش رحبة، على حساب اللغة المعجمية وانطلاقاً منها، ففيها يتأتى للقارئ الإقبال على العمل الفني، وتذوقه ومدارسته ومحاورته، بشقف ونهمٍ كبيرين، إلى درجة الاستمتاع والإثارة والاقتناع به فنياً وجمالياً.‏
بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"