بحث هذه المدونة الإلكترونية
الأربعاء، 28 أبريل 2010
العلم/2
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الأخوة الكرام ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له )) .
[الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ] .
أول شيء أيها الأخوة أن الإنسان في جبلته طموح ، وأن الإنسان في جبلته يحب الأفضل ، والأكبر ، والأجمل ، والأكمل ، والأعلى ، والأرقى ، هذه جبلته .
وشيء آخر هو أن كل إنسان على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة له عند الله مكانة بحجم عمله تماماً ، قال تعالى :
( سورة الأنعام الآية : 132 ) .
فالإنسان العاقل يسعى في الدنيا إلى عمل ليس له سقف .
أضرب لكم مثلاً : إنسان اشترى صفقة وباعها وربح ، ربحه محدود ، أما إنسان معه وكالة ، كل من يشتري من هذه الشركة في هذه المنطقة لوكيل هذه الشركة ربح ثابت ، من دون جهد ، من دون حركة ، من دون أن يتحرك حركة ، من دون أن يرسل فاكس ، يأتي الربح جاهزاً ، عندما صار وكيل شركة أرباحه أصبحت غير محدودة ، هناك أعمال كثيرة فيها طبيعة التفجر ، التوالد .
فالنبي عليه الصلاة والسلام ينصحنا أنه إذا مات الإنسان انتهى عمله ، له عدة أعمال قام بها في الدنيا ، يسعد بها لا شك ، لكن لأن الجنة غير محدودة ، لها درجات لا تنتهي ، فهناك أعمال في الدنيا تستطيع أن تصل بها إلى أعلى درجات الجنة ، هذه الأعمال هي التي لا تنتهي عند موت صاحبها ، إنسان أسس معهداً شرعياً ومات ، هذا المعهد خرّج عشرات بل مئات بل ألوف الطلاب ، وكل طالب استلم منبراً ، وألقى خطبة ، ونصح الناس ، وعمل عملاً طيباً ، فكل هؤلاء الذين تخرجوا من هذا المعهد ، ونفعوا الناس ، ودعوا إلى الله، وبينوا الحق ، ورسخوا قيم الإسلام ، في صحيفة هذا الذي أنشاه .
إذا كان الإنسان طموحاً ، وإذا كان غيوراً على مصالحه ، وإذا كان يحب الجنة في أعلى مرتبة ، فسبيل بلوغ أعلى الدرجات أن يكون لك عمل متوالد ، هناك عمل منقطع ، وهناك عمل متوالد ، من هذه الأعمال المتوالدة ، الصدقة الجارية ، ساهم إنسان ببناء مسجد ، لكن هذا بيت الله ، كل صلاة تعقد فيه ، كل ذكر يعقد فيه ، كل مجلس ذكر يعقد فيه ، كل توبة تنعقد فيه ، في صحيفة كل من ساهم في البناء فيه ، وأرسى بنيانه ، ويسر أموره .
النقطة الدقيقة : الله عز وجل يريدنا أن نربح عليه ، الآن عقليتنا كلها تجارية يقول لك : هنا بالـ% 30 أربح لي ، هنا بالـ%15 قليل ، بالـ% 28 كثير ، فالإنسان إذا أراد أن يستثمر ماله يبحث عن جهة تعطيه أعلى ربح ، الله عز وجل يريدنا أن نربح عليه.
والله أيها الأخوة ، أتكلم ولا أجد لهذا الكلام تطابقاً مع ما أتمنى أن أقوله ، هناك بنك يعطي على الليرة مليون و كل سنة ؟ لا ، كل شهر ؟ لا ، كل يوم ؟ لا ، كل ساعة ؟ لا، كل دقيقة ؟ لا ، مليون ، هل من الممكن أن تستثمر مالك بالمئة ثلاثة أو أربعة أو خمسة ، وتترك البنك الذي يعطيك كل دقيقة على الليرة مليون ؟ شيء مستحيل ، كلام فلكي ، أرقام فلكية ، هكذا الله عز وجل .
( سورة الصف ) .
تاجر مع الله .
أحياناً الإنسان يعمل عملاً يبتغي به وجه الله ، يترفع عن أجر في الدنيا ، هذا يعطيه الله :
(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ )) .
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ] .
مرة حدثني أخ كان مقطوعاً بطريق ، يبدو أن الطريق أول صعود حاد ، وكل السيارات تنطلق تأخذ مجالاً لتنطلق بأعلى سرعة ، قال لي : ساعة ، ساعتين ، لا أحد يقف لي ، معه أهله ، بعدها توقف إنسان و أعطاني رافعة كنت بحاجة لها وعندما أعطاني الرافعة وأنا أستخدمها حدثت نفسي بهذا الإنسان العظيم الذي وقف وعطل وقته ، وغلب عليه روحه الإنسانية ، بعدما انتهينا ، قال : أريد خمس ليرات ، هذه قصة قديمة ، قال : والله لو طلبت مئة ليرة لأعطيتك ، لكن لا ليتك لم تطلب هذه الخمس ليرات ، بين أن يكون لك عمل صالح له عند الله أجر ليس له حدود ، بين من استنفذه بخمس ليرات .
لي قريبة مقعدة ، ولها مبلغ بدائرة حكومية ، والوكالة قدر المبلغ ، فذهبت إلى الموظف ، وقلت له : هل من الممكن أن تأتي معي إلى البيت ؟ قال لي : على عيني ، أنا استغربت ! قلت : أنا آتي وآخذك ، قال : لا ، أنا آتي لوحدي ، أعطني عنوان البيت ، ما قبل أن آتي وآخذه بالسيارة ، أخذ عنوان البيت ، أذكر أن الحادثة كانت في رمضان ، طرق الباب عند العصر ، وسلم المبلغ ، وأخذ التوقيع ، قال لي : أريد أن أصلي العصر عندك ، صلى ، ثم قلت له : هل من الممكن أن أوصلك ؟ قال : لا تنزع علي عملي ، أنا ابتغيت بهذا العمل وجه الله .
فالإنسان إذا كان له عمل لوجه الله لا يريد شيئاً ، هذا أغنى إنسان ، وأقوى إنسان، وأرفع إنسان عند الله ، فأنت اختار ، هناك أعمال أجرها محدود ، لماذا هناك أناس لا يحبون الوظيفة ، دخلها محدود ، لها سقف ، لماذا يحبون التجارة ؟ ليس لها سقف ، فالإنسان إذا توفق فيها ليس لها سقف ، يربح أرباحاً كثيرة جداً .
يقولون الآن : هناك إنسان في أمريكا يملك ثلاثة و عشرين مليار دولار ، شاب عمره اثنتان و أربعون سنة ، يملك الميكرو سوفت ، لو موظف يلحقهم ؟ لا يلحقهم .
تاجر مع الله ، النبي يقول :
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية )) .
بناء ، فرش ، كهرباء ، مرافق عامة ، تدريس ، الحياة متكاملة ، فيجب على الإنسان أن يسعى للجنة ، الذي يتكلم بالجامع له أجر ، والذي بنى له أجر مثله ، والذي أسس له أجر ، والذي جاء لك برخصة له أجر ، والذي نظف له أجر ، نحن بتفكيرنا الساذج نصنف الناس أن هذا كبير عند الله ، كبير ؟ لا ، الذي ينظف المسجد له أجر كبير عند الله ، وإذا كان مخلصاً بعمله لعله يسبق الذي يتكلم ، لا تعرف ، عند الله مقاييس نحن لا نعرفها ، و منها مقياس الإخلاص .
أنا أعرف مسجداً ، شيء يحير العقول ، لو عملت مسابقة بين بيوت دمشق من حيث النظافة لا تجد بالشام بيتاً نظافته كهذا المسجد ، إن دخلت إلى مرافقه شيء عجيب كأن الرخام رُكب الآن ، يعمل ليلاً نهاراً ، مرة التقيت معه ، كبر بالسن ـ توفي رحمه الله ـ قال لي : أنا أستمد الحماس في تنظيف المسجد من قوله تعالى :
( سورة البقرة الآية : 125 ) .
النبي الكريم قال : ﴿ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ .
الذي نظف المسجد ، الذي زينه ، الذي فرشه ، الذي دفأه ، الذي هواه ، كل من ساهم في بنائه ، بتأسيسه ، بمرافقه العامة ، بتنظيفه ، بالتدريس فيه ، نحن أسرة ، كل إنسان يقوم بعمل لا ينافس فيه الآخر ، مسجد ، ميتم ، دخلنا لميتم مثل بيوتنا ، النظافة ، والترتيب، والفرش ، والأسرّة ، والطعام الطيب ، والنظام ، والتوجيه الديني ، خمسمئة طالب ، هؤلاء الذين ساهموا بالميتم ماتوا ؟ لا لم يموتوا ، لم يموتوا أبداً لأنهم تركوا عملاً مستمراً ، معهداً شرعياً ، ميتماً ، مسجداً ، أحياناً مستشفى الغاية منها خدمة المجتمع لا ابتزاز الأموال ، أي عمل صالح .
فأي حلّ مشكلة ، زوج شاباً ، شاب في أول حياته ، عندما تزوج انضبط ، لزم مسجداً ، أنجب ذرية صالحة ، وجهها توجيهاً دينياً ، الذي زوجه وربطه بالدين هذا له أجر كبير .
يقول لي شخص : دخلت لمسجد و كان أبي قد اشترى لي حذاء جديداً ، فسرق ، فخرجت هائماً على وجهي ، ومتألماً أشد الألم ، رآني رجل أخذني واشترى له حذاء جديداً ، يقول لي هذا الرجل : والله منذ هذا الحادث لم أترك الصلاة أبداً ، لأنه صلى سُرق حذاءه ، جاء شخص قدر فيه هذه الصلاة ، فأمن له حذاءً جديداً .
هناك أعمال صالحة كبيرة جداً أيها الأخوة تبدأ من المسجد ، من المعاهد الشرعية، من المياتم ، مستشفيات ، خدمات عامة ، أعمال متواردة ، أنت أغنى الأغنياء .
(( صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به )) .
مرة فتحت تفسير القرطبي وجدت فيه آية جميلة جداً ، مشروحة شرحاً رائعاً ، عملتها خطبة فتأثر الناس تأثراً بالغاً ، وبعدما انتهت هذه الخطبة ، صاحب هذا التفسير جالس بالقبر ، لكن انظر نفعه إلى أين وصل ، أنا قرأت الموضوع وتأثرت ، وعملته خطبة ، وقد تأثر الناس به كثيراً .
الإمام الغزالي ترك الإحياء ، كم إنسان قرأ الإحياء ؟ كم خطيب قرأ الإحياء ؟ كم أستاذ قرأ الإحياء ؟ كم إنسان قرأ الإحياء واستفاد منه ؟ .
والغزالي كان بعصره عالماً كبيراً ، وداعية كبيراً ، له دروس ، وبدرسه كان أربعمئة لفة ، لكن الإحياء أهم من دروسه كلها ، هو بالإحياء لم يمت ، مهما كان عظيماً ، فألّف كتب تفسير ، كتب حديث ، كتب فقه ، وهناك كتب مشهورة جداً .
الإمام النووي ، عاش أقل من خمسين سنة ، ترك رياض الصالحين وهو من أفضل الكتب في حياتنا ، ترك الأذكار ، ترك المحتاج ، ترك شرح صحيح مسلم ، ترك كتب أعمدة في العلم و قد عاش أقل من خمسين سنة .
الإمام السيوطي من المفسرين الكبار .
القدماء تركوا كتباً و خيرات لا يعرفها إلا الله ، فالإنسان لا يعرف قيمة التأليف الذي له تأثير كبير جداً ، وله أثر الديمومة والاستمرار ، فالشريط له دور ، والكتاب له دور ، فهذا ترك علماً ينتفع به .
مرة كنا بالجامع الأموي ، أحد علماء دمشق توفي ـ رحمه الله ـ هو خطيب الأموي ، اجتمع بالتعزية نخبة البلد ، وأنا جالس قام أحد عرفاء الحفل وقدم ابن هذا الخطيب ليلقي كلمة رائعة ، ارتجالية ، لغة ، حكمة ، و كان أبوه قد تعب عليه كثيراً ، الوزير كان موجوداً ، قال : أنا سوف أعين فلاناً ابن المرحوم في الأموي مكان والده ، ظهرت مني كلمة معنى هذا أن الأب لم يمت ، لأن العمل استمر من بعده .
الذي عنده ابن بقدر ما يعتني به فله أجر ، هذا الابن يحتاج إلى جهد ، والتربية صعبة جداً ، تأمين الطعام سهل ، تأمين اللباس على العيد سهل ، تؤمن له الطعام ، والشراب، واللباس ، القضية سهلة جداً ، يفعلها الناس جميعاً ، أما تخرجه عالماً ؟ هذا عمل كبير جداً ، يأتي معك إلى المسجد ، تعتني به ، تجلس معه ، تقنعه ، تعرف من رفقائه ، أين يذهب ؟ يلتزم بالشرع ، إن رأيته وهو شاب يصلي ، إن رأيته يقرأ القرآن ، يدخل على قلبك من السرور ما لا يوصف ، هذا الولد استمرار لك ، جزء منك ، الذي عنده ولد رباه تربية إسلامية لن يموت .
فالحديث هو :
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له )) .
[الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ] .
مرة كنت بحفل ألقى أخ كريم كلمة أعجبتني جداً ، قال : إما أن تكون داعية و إما أن تتبنى داعية ، شاب علمه على حسابك ، طالب علم أجنبي أم عربي ، هذا عمل عظيم جداً، إنسان جاءك ضيف ، قدم له شيئاً ، اعتنِ به ، يشعر أنه جالس ضمن أهله ، فإذا علمته ، وذهب إلى أهله ، دعا إلى الله ، تسلم منبراً ، كل أعماله بصحيفتك ، عطاء ليس له حدود ، وثلاث قنوات ، صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له ، والعلم ليس له نهاية ، أو تطلب العلم وتعلم ، أو تطلب العلم وتؤلف ، والتعليم والدعوة إلى الله على خطين ، إما أن تؤلف القلوب وإما أن تؤلف الكتب ، تأليف القلوب أعمق أثراً وأقصر أمداً ، تنتهي الدعوة بموت صاحبها ، تأليف الكتب طبعاً أقل أثراً وأطول أمداً ، فحياتنا محدودة أخواننا الكرام ، انظر إلى النعوات ، مات انتهى ، انتهى بيته ، انتهت مركبته الفخمة ، انتهت زوجته ، انتهى أولاده ، انتهى كل شيء ، له مكتب مكيف ، له مكانة اجتماعية ، الموت ينهي كل شيء ، إلا إذا كنت من أصحاب هذا الحديث ، ما انتهى شيء ، بالعكس ، الآن يبدأ التوالد .
أنا سمعت عن شيخ الأزهر السابق مشى في جنازته ستة ملايين إنسان ، دخل الناس إلى بيته بعد الوفاة و اجتمعوا على طول مئة متر ، ومعه التهاب مفاصل ، كتبه بالصناديق لأنه لا يملك مكتبة ، طاولته عادية جداً ، وتحت يده مئات الملايين ، بحسب التصور لم يدخل له جنيه واحد ، وفتواه صحيحة ، وموقفه جريء ، ستة ملايين ، انتهى ، مات .
وسمعت عن إنسان آخر وهو على فراش الموت يرفع يديه متبرئاً من كل فتوى أفتاها ، هناك فرق .
كل شيء ماض ، نظرت إلى هذه الجلسة من باب الاحتياط بعد خمسين سنة ، بعد مئة سنة ، لا يوجد أي واحد منا ، فكل شيء ماض ، ماذا أكلت ؟ ماذا شربت ؟ أين سكنت ؟ ماذا ركبت ؟ كله ماض ، يبقى هذا .
(( صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به ، أو ولد صالح يدعو له )) .
فكلما كنت أعقل تبحث عن عمل يتوالد ، تحتاج وكالة لا تحتاج صفقة ، ليس لها قيمة ربحها محدود ، ربحت ، وأنفقت الربح ، وانتهى الأمر ، أما وكالة كل من يشتري من هذه البضاعة لك منه نصيب .
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له )) .
[الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ] .
فالإنسان إذا كان عاقلاً يتحرك على الخطوط الثلاثة ، يعتني عناية بالغة بأولاده ، فإذا أنفقت كل إمكانيتك ، وكل وقتك ، وكل طاقاتك ، وكل مالك على أولادك حتى يصبحوا دعاة إلى الله أنت أعقل إنسان ، هناك إنسان يبخل على ابنه ، هذا بضعة منك ، هذا جزء منك.
أنا أعرف أخاً من أخواننا ، كل شيء يملكه دفعه في سبيل تزويج أولاده الثلاثة ، كل واحد أخذ له بيتاً ، هو تاجر متوسط أو أقل ، لكنه أمّن أولاده كلهم ، فلاحظت أن أولاده أمامه كجندي أمام لواء ، فأنت عندما أمنت له بيتاً ، زوجته ، سررته ، ارتبط بك ، و لا يتمنى وفاتك ، يتمنى بقاءك ، هناك فرق كبير ، الأب البخيل يتمنى أقرب الناس وفاته ، إذا جاء الطبيب وقال لهم : الحالة عرضية إن شاء الله ينزعجون كثيراً ، لا نريدها عرضية نريدها خطيرة ، إياك أن تجعل أولادك يتمنون موتك ، هم بضعة منك ، كما قال النبي عليه الصلاة و السلام :
(( إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويغضبني ما أغضبها )) .
[ المعجم الكبير عن ابن الزبير] .
الابن ولد صالح ، لا نريد ولداً لا يعرف الله ، غني فقط ، الآن هناك أشخاص يقولون لك : ابني يعمل بالمنصب الفلاني ، دخله كذا ، بيته في المكان الفلاني ، ليس هذا القصد ، نريد ابناً عالماً ، نريد ابناً داعية إلى الله ، نريد ابناً يخدم الناس ، فالابن أحد أكبر أسباب الجنة ، الجنة التي ليس لها حدود ، والعلم ، والصدقة الجارية ، والأعقل أن تعمل على كل الخطوط معاً ، هناك جهد كبير ، وهناك بذل لكن الله يعوض و يكرم .
مثلاً إذا أمضى الشخص كل وقته في دراسة جادة ، لم يسهر مع رفقائه ، و لم يذهب نزهة حتى إنه لم يجلس مع أهله ، عندما يأخذ درجة عالية في الثانوية العامة ، و يدخل إلى الجامعة بفرع مرموق ينسى كل تعبه ، والذي أمضى أوقاته في السهر مع أصدقائه عندما يرسب ، ينسى أيضاً كل ملذاته ، الملذات تنسى والمتاعب تنسى أمام النتائج .
فنحن يهمنا أن يكون هذا الحديث شعاراً لنا :
(( صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به ، أو ولد صالح يدعو له )) .
تَبَنى داعية ، تبنى طالب علم ، ارعَ طالب علم ، أنا أقول لكم : من أعظم الأعمال على الإطلاق أن تتبنى طالب علم ، أحياناً هو بحاجة للكتب ، بحاجة للمساعدة ، بحاجة للرعاية ، بحاجة إلى تدريس ، بحاجة إلى أن ينضم إلى جامع ، إلى معهد ، أعن طالب علم ، وبناء مسجد ، وتوابع المسجد :
(( أو ولد صالح يدعو له )) .
والحمد لله رب العالمين
كتاب العلم/1
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( إنَّ أبغض الرجالِ إلى اللّه تَعَالَى : الأَلَدُّ الْخَصِمُ )) .
[ متفق عليه عن عائشة] .
هذا الذي ينشئ خصومة مع الناس ، هذا الذي يفرق شمل المسلمين ، هذا الذي الذين يجعل الدين شعياً وأحزاباً وطوائف ، هذا الذي يفتت وحدة المسلمين ، هذا الذي يقيم خصومة على فروع الدين لا على أصوله ، أعداء المسلمين يتعاونون على عشرة بالمئة من المتفق عليه ، والمسلمون يقيمون خصومة على تسعين بالمئة من المتفق عليه ، على عشرة بالمئة خلاف تقام خصومات لا تنتهي ، هذه الخصومة سماها الله عز وجل في القرآن كفراً .
مرةً غاظ اليهود أن يتفق الأوس والخزرج ، بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام فجاء أحدهم بقصيدة قيلت في أيام الجاهلية في هجاء للأوس ، فدفعها إلى غلام من الخزرج ليلقيها على مسامع الأوس ، ونشبت خصومة ، وتلاسن الطرفان ، وأخذتهم حمية الجاهلية ، ثم سلوا سيوفهم وكادت تقع فتنة ، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر فخرج غاضباً وقال : أفتنة وأنا بين أظهركم ؟ ثم نزل قوله تعالى :
( سورة آل عمران الآية : 101 ) .
فَسَمّى الله سبحانه وتعالى هذه الخصومة الجاهلية كفراً .
بالمقابل أي إنسان ينشئ خصومة بين المسلمين ، لو أن إنساناً خرج عن أصول الدين ، وجاء ببدع ما أنزل الله بها من سلطان ، لا مانع أن نخاصمه ، أما إذا كنا متفقين على تسعين بالمئة من الدين ، وهناك خلافات في عشرة بالمئة لا يبغي أن نفتت وحدة المسلمين من أجل هذه الخلافات التي هي في فروع الدين .
الإمام الشافعي في هذا المقام له مقال رائع ، يقول : " نتعاون فيما اتفقنا ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا " .
بل إن أحدهم عدَل هذه المقولة فقال : "نتعاون فيما اتفقنا ، وينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا " .
لذلك بعض العلماء يقول : " نحن لا نُكفّر بالتعيين ، لا يجوز أن تقول فلان كافر من كَفّر أخاه فقد كفر ، ومن كَفّر أخاه فقد باء بالكفر أحدهما ".
ماذا تقول ؟ من قال كذا فقد كفر ، من اعتقد كذا فقد كفر ، دون أن تُعين ، لا تعيين ، ولبعض العلماء مقولة أخرى : ما كل من وقع في الكفر وقع عليه الكفر .
هذا البدوي الذي ركب ناقته وعليها زاده وشرابه ، وانطلق بها في الصحراء فلما جلس بها ليستريح أخذته سنة من النوم ، فاستيقظ فلم يجد الناقة ، فبكى حتى كاد يهلك من شدة البكاء ، لأنه أيقن بالهلاك فغفل لحظة فأفاق فرأى الناقة ، فقال : يا رب أنا ربك وأنت عبدي ، يقول عليه الصلاة والسلام : "لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته" .
هذا الذي قال : أنا ربك وأنت عبدي ألم ينطق بالكفر ؟ هل وقع الكفر عليه ؟ لم يقع .
فما كل إنسان يقول كلمة لا يقصد مضمونها لك أن تكفره .
مرة قال لي أحدهم : لله رجال إذا أرادوا أراد ، سمع هذه المقولة إنسان يحضر هذه الجلسة ، فقال : هذا كفر ، فقلت له : لعله أراد أن يقول رجال مستجابو الدعوة ، إذا دعوا ربهم استجاب لهم ، ولك أن تؤول تأويلاً آخر ، لك أن تقول إذا كان لهؤلاء الرجال إرادة مستقلة عن إرادة الله هذا كفر طبعاً ، التمس أخيك عذراً ، حاول أن تؤول كلامه ، أما أن نأخذ الكلام على ظاهره وأن نُكفّر الناس و نقيّمهم وكأننا أوصياء عليهم فهذا لا يجوز .
هناك فرق إسلامية ـ والعياذ بالله ـ أي إنسان لو قال : يا رسول الله يقولون : هذا مشرك ، يوزعون ألقاب الشرك والكفر على الناس بغير حساب .
هذا الذي يضيق على الناس ، ويجعل نفسه وصياً عليهم ، ويوزع ألقاب الكفر والشرك كما يريد ، هذا يفتت وحدة المسلمين ، نحن لا نُكَفّر أهل القبلة ، أي إنسان يقف باتجاه القبلة ويريد أن يصلي لا نُكَفّره ، لا نُكَفّر أهل لا إله إلا الله ، أي إنسان شهد أنه لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله لا نُكَفّر ، بل إن الأصوب من ذلك أن تقييم الناس ليس من شأن الإنسان ، هذا من شان الله عز وجل ، أنت لست مؤهلاً أن يقيم الناس ، لأن الله عز وجل يقول :
( سورة الإسراء ) .
لذلك أيها الإخوة ، الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حق من الله تعالى .
ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى .
هناك إنسان وظيفته مع الناس قناص ، ما معنى قناص ؟ يقرأ الكتاب لا ليفهم ما فيه بل ليبحث عن أخطاء مؤلفه فقط ، إن جلس إليك لا ليستفيد منك ، يبحث عن كلمة لا تروق له فيقنصها ، وينقلها عنك ليشهرك بين الناس ، هذا الإنسان قناص هو الألد الخصم ، الذي يبغضه الله عز وجل .
(( الأَلَدُّ الْخَصِمُ )) .
النبي عليه الصلاة والسلام بكماله الخُلقي أحد أصحابه وهو حاطب بن بلتعة ، هذا الصحابي ارتكب في العرف الدولي والسياسي والإداري في كل الأنظمة على مرور الدهور والعصور ما يسمى بالخيانة العظمى ، أرسل كتاباً إلى قريش يقول فيه : إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم ، جاء الوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وأطلعه على فعل حاطب ، أرسل النبي سيدنا علي بن أبي طالب ، إلى المرأة التي كانت تحمل هذا الكتاب ، إلى مكان اسمه الروضة فيما بين مكة والمدينة ، طبعاً هذا الكتاب استخرج من المرأة ، أُخذ من ظفيرة شعرها ، وقد كتب فيه : من حاطب بن بلتعة إلى قريش ، إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، سيدنا النبي استدعى حاطب وسأله : ما حملك على ما صنعت ؟ سيدنا عمر واقف ، قال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، قال : لا يا عمر إنه شهد بدراً ، أرأيتم إلى وفاء النبي ! أرأيتم إلى اتساع صدر النبي ! أرأيتم إلى رحمة النبي ! قال : والله يا رسول الله ما كفرت ، ولا ارتددت ، اغفر لي ذلك يا رسول الله ، إنني لصيق في قريش ، ولست منهم ، أردت بهذه المبادرة أن أحمي أهلي ومالي ، النبي عليه الصلاة والسلام ما كان منه إلا أن قال: "إني صدقته فصدقوه ، ولا تقولوا فيه إلا خيراً ".
قال كُتّاب السيرة : لقد نظر سيدنا عمر لذنب حاطب فرآه خيانة عظمى ، فأراد أن يضرب عنقه ، ونظر النبي إلى صاحب الذنب ، لا إلى الذنب ، فرأى هذا الذنب ضعفاً أصاب هذا الإنسان في بعض اللحظات ، فبدل أن يسحقه في قدمه أنهضه ، وأعانه على شيطانه .
والمؤمن الصادق دائماً يكون عوناً لأخيه على الشيطان ، ولا يكون عوناً للشيطان على أخيه .
(( الأَلَدُّ الْخَصِمُ )) .
الذي ينشئ خصومات ، الذي ينشئ عداوات ، الذي يفرق بين المسلمين ، الذي يفتت جمعهم ، يفرق وحدتهم ، هذا ممن يبغضهم الله عز وجل .
لذلك أنا أقول دائماً : لا يجوز أن تنتمي لجماعة صغيرة وتعادي بقية المسلمين ، ينبغي أن تنتمي لمجموع المؤمنين ، يجب أن تشعر أن كل أخ مسلم أخوك في الله ، من أية جماعة أخرى ما دامت عقيدته صحيحة ، ومنهجه صحيح ، في الكليات لا في التفاصيل ، في التفاصيل قد نختلف .
يقول الإمام الشافعي : " أنا على حق ، وخصمي على باطل ، وقد أكون مخطئاً " ويقول : " أنا على حق ، وخصمي على باطل ، وقد يكون مصيباً ".
اجعل احتمالاً للصواب عند خصمك ، واجعل احتمالاً للخطأ عندك ، بهذا تقف موقفاً معتدلاً ، ما من جريمة أكبر من أن تجعل المسلمين شيعاً وأحزاباً ، ما من جريمة أكبر من أن تفرقهم ، وتشتتهم ، وتفت في عضدهم ، فإن هذا يضعفهم ، قال تعالى :
( سورة الأنفال الآية : 46 ) .
ويا أيها الإخوة الكرام ، ما من محنة أصابت المسلمين على ضعفهم ، وعلى كثرة أعدائهم ، وعلى هجمة خصومهم ، أشد من تفرقهم .
التقيت في مصر قبل شهرين أو أكثر بعالم كبير ، وداعية كبير هناك ، طرحت عليه هذا السؤال ، قلت له : هذه الصحوة الإسلامية ما سببها ؟ قال : التفرقة ، التفرقة بين الدعاة ، لأنه بهذه التفرقة يسقط الدعاة جميعاً من نظر الناس ، أما إذا تعاونوا ، وتناصروا ، وأثنى بعضهم على بعض ، وعرف بعضهم قدر الآخر ، وكَمّل بعضهم بعضاً ، حببوا الناس بالدين .
كنت أقول دائماً : النبي صلى الله عليه وسلم معصوم بمفرده ، بينما أمته معصومة بمجموعها ، أي أن كل واحد من أمة النبي يحتاج إلى أخيه ، تفوق في جانب وغاب عنه جانب ، والثاني تفوق في جانب ، وغاب عنه جانب ، مجموع أمة النبي لا تخطئ، ماذا يقول عليه الصلاة والسلام ؟
(( لا تجتمع أمتي على ضلالة )) .
[أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن أبي نصرة الغفاري ] .
مجموع الأمة معصوم ، أما النبي وحده معصوم .
إذاً بدل التنافس نتعاون ، بدل التنافس نتناصح ، بدل التنافس يستمع الواحد منا لأخيه .
لذلك أقول دائماً : هناك دعوة إلى الله خالصة ، ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله ، أخطر دعوة أن تدعو إلى ذاتك ، وأن تغلف هذه الدعوة بدعوة إلى الله ، هذا الذي يدعو إلى ذاته يبتدع ولا يتبع ، لأنه إن لم يبتدع ماذا سيقول ؟ صار واحداً من المسلمين ، أما إذا ابتدع يقول : أنا وحدي على حق ، وما سواي على باطل .
لذلك قالوا : اتبع لا تبتدع ، اتضع لا ترتفع ، الورع لا يتسع .
سيدنا الصديق يقول في أول خطبة له : لقد وليت عليكم ولست بخيركم ، إن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، إنما أنا متبع ، ولست بمبتدع .
فالذي يدعو إلى الله بإخلاص يتبع ولا يبتدع ، إذا اتبع لم يعد له ميزة كبيرة جداً .
تقريباً منهج اللغة العربية في القطر ، في كل المحافظات ، في كل المدارس ، أية مدرسة في هذه المحافظات العديدة ، الكتاب واحد ، أما المدرسون يختلفون ، كل مدرس له أسلوبه ، أما الموضوعات واحدة ، الصفحات واحدة ، وكذلك المسلمون منهجهم واحد ، كتابهم واحد ، نبيهم واحد ، سنتهم واحدة ، عقيدتهم واحدة ، هدفهم واحد ، كل داعية له أسلوب في الدعوة يتميز به ، هذا لا ينبغي أن يجعل البقية على ضلال ، أو على خطأ ، لكن يتفاوت الدعاة في إخلاصهم ، وفي أساليبهم ، وفي قدراتهم على نقل الحقائق للناس .
لذلك أيها الإخوة ، هذا حديث خطير جداً :
(( إنَّ أبغض الرجالِ إلى اللّه تَعَالَى : الأَلَدُّ الْخَصِمُ )) .
[ متفق عليه عن عائشة] .
الألد بالتشديد ، الشديد في الخصومة ، لذلك ما هو الغلو في الدين ؟ الغلو في الدين أن تأتي بفرع من فروع الدين وتجعله أصلاً ، وأن تحارب من أجله ، أن تأتي بقضية فرعية لا تقدم ولا تؤخر ، فتجعلها أساساً في الدين وتخاصم من أجلها .
بالمناسبة لا يجوز أن تنكر شيئاً فيه خلاف بين الصحابة ، إنسان صلى وقد أسبل يديه ، فعل هذا النبي ، لا ينبغي أن تنكر عليه ذلك ، الشيء الذي اختلف فيه العلماء ، ليس موضعاً للإنكار ، أما شيء أتفق عليه فإذا خرج عليه الإنسان يمكن أن ننصحه ، أما في الخلفيات ليس هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، لأن كل عبادة وافقت أحد المذاهب المتعمدة فهي صحيحة عن علم أو عن غير علم .
لو أخذنا القواسم المشتركة لتوحدنا ، وكنت أقول دائماً : الفرق الضالة في العالم الإسلامي منذ العصر الأموي وحتى الآن ، الفرق الضالة تجمعها خصائص ثلاث ، أول خصيصة أنها تعتمد على أحاديث ضعيفة أو موضوعة ، نصها غير موثق ، لو ألغيت الأحاديث الموضوعة والضعيفة ، لاتفقنا جميعاً ، لأن الصحاح تجمع و لا تفرق ، لذلك في الدعوة إلى الله ابتعد عن الأحاديث الموضوعة والضعيفة :
(( ومن كذبَ عليَّ مُتعمِّداً فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار ))
[ البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ] .
(( مَنّ حدَّثَ عنِّي بحديث يرُى أنه كذب ، فهو أحد الكاذَّبين ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة ] .
الشيء الثاني : أي فرقة ضالة يكبر فيها الشخص على حساب المبدأ ، نحن في عالمنا الإسلامي ليس عندنا رجل كلامه دليل ، إلا أن يأتي بدليل على كلامه ، المنهج إن كنت ناقلاً فالصحة ، مبتدعاً فالدليل ، فالدليل أساس ديننا ، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء .
الشيء الثالث : تخفيف التكاليف ، تخفف التكاليف ، ويؤله الأشخاص ، ويعتمد على نصوص موضوعة أو الضعيفة ، لو درست الفرق الضالة من العهد الأموي وحتى الآن لما وجدت الفرق تخرج عن هذه الخصائص الثلاث .
الآن أهل السنة والجماعة يعتمدون على النصوص الصحيحة والمبادئ أكبر من الأشخاص ، والشيء الثالث ما هو ؟ بالمقابل المبادئ أكبر من الأشخاص ، والنصوص صحيحة ، والتكاليف كاملة ، هؤلاء هم على حق .
على كلٍ الإنسان دائماً حينما يعتدل حتى في خصومته يرقى عند الله عز وجل ، يعتدل .
(( أحْبِبْ حبِيبَك هَوْنا مَّا ، عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يوماً مَّا ، وأبْغِضْ بغيضَك هَوْنا مَا عسى أن يكونَ حبيبَك يوماً ما )) .
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ] .
(( الأَلَدُّ الْخَصِمُ )) .
الألد بالتشديد الشديد في الخصومة ، هو الشديد في الخصومة .
فلذلك الآن نحن بحاجة ماسة إلى أن نبقى في المتفق عليه ، أنا أقول لكم : بإمكان كل داعية في العام الإسلامي أن يدعو إلى الله خمسين عاماً دون أن دون أن يتعرض للخلفيات، ابقَ في المتفق عليه .
هذا الأعرابي الذي قال للنبي : عظني ولا تطل ، قال له :
( سورة الزلزلة ) .
قال كُفيت ، إذاً آية واحدة كفت أعرابياً ، فقال عليه الصلاة والسلام : "فقه الرجل " فما قولكم في قرآن يتلى علينا صباحاً و مساءً ؟
أنا أتمنى على كل أخ كريم أن ينفتح على الناس لا أن ينغلق ، لا أن يدعي على أنه على حق والناس على باطل ، لا يدعي أن جامعه هو الأوحد وما سوى ذلك كله هراء بهراء ، هذا موقف غير أخلاقي ، وغير موضوعي ، والله عز وجل يحب عباده جميعاً .
أحياناً الإنسان يتوهم في ساعة جهل أن الله له وحده ، وأن الجنة له وحده ، مع أن الله فضله عميم ، والله لكل عباده ، ولكل الناس ، فهذه النظرة الضيقة تنشئ خصومات ، وتضعف المسلمين ، وتفتت في عضدهم ، هذا الحديث الشريف :
(( إنَّ أبغض الرجالِ إلى اللّه تَعَالَى : الأَلَدُّ الْخَصِمُ )) .
(( غَفرَ الله لرجل كان قبلكم : سهلاً إذا باع ، سَهلاً إذا اشترى ، سهلاً إذا اقتضى )) .
[أخرجه البخاري والترمذي عن جابر بن عبد الله ] .
وقس على ذلك حتى في أية علاقة أخرى ، وحينما أثنى الله على نبيه الكريم أثنى عليه بخلقه العظيم ، والدين هو حسن الخلق ، ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين .