بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 28 أبريل 2010

العلم/2

لحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

Text Box: العالم والعابد :

أيها الأخوة الكرام :

(( ذُكِرَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم رجلان : أحدهما عابد ، والآخر عالم ، فقال عليه الصلاة والسلام : فضلُ العَالِم على العَابِدِ كَفَضْلِي على أدْناكم )) .

[الترمذي عن أبي أمامة] .

هو سيد الخلق ، هو في قمة المجتمع البشري ، هو في قمة ولد آدم ، وانظر إلى أدنى إنسان في الأرض ، المسافة بين رسول الله وبين أدنى إنسان هي المسافة نفسها بين العالم والعابد ، كل إنسان طبق أوامر الله فهو عابد ، فكل إنسان تعرف إلى الله فهو عالم ، العابد مقاومته هشة ، امرأته تفتنه ، تهديد يخرجه عن طاعته لله ، فتنة تصرفه عن الدين ، مقاومته هشة جداً ، إذا أفلح العابد قبل مئة عام يوم كان الناس منضبطين ، يوم كان الناس على شيء من الدين ، العابد الآن لا يفلح أبداً ، لأن الفتن مستعرة ، والشهوات متقدة ، والباطل له جولة كبيرة ، فالتقليد لا ينفع الآن لو أردت أن تقلد أهل الدنيا لرأيتهم غارقون فيها.

Text Box: فَضْل العالمِ على العَابِدِ كَفضل القمر على سائر  الكوَاكِب :

لذلك النبي عليه الصلاة والسلام فرّق بين العابد والعالم ، وقال :

(( فضلُ العَالِم على العَابِدِ كَفَضْلِي على أدْناكم )) .

[الترمذي عن أبي أمامة] .

(( وَإِن فَضْلَ العالمِ على العَابِدِ كَفضل القمر ليلة البدرِ على سائرِ الكَوَاكِب )) .

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ] .

أضرب لكم مثلاً : حاجب أو آذن في جامعة ، يقف على مدخل الجامعة ، مهمته أن يبقى على الباب ، كل يوم يدخل بعض الأساتذة ، يقف لهم ، ويرحب بهم ويجلس ، هذا الأستاذ الكبير يدخل إلى القاعة ويلقي درساً ، أنا أوازن بين طالب يستمع إلى دروس الأستاذ وبين الآذن الذي يقف على الباب ، كلاهما يحترم الأستاذ ، لكن الآذن سنة ، وسنتان ، وثلاث سنوات يقول لك : أنا بالجامعة من ثلاثين سنة ، لكن معرفته بهذا الأستاذ لا تزيد ولا شعرة ، هو أديب مع الأستاذ ، وكلما دخل يقف له ، أما هذا الذي يستمع إلى محاضراته ، محاضرة تلوى المحاضرة ، يرى من علمه الغزير ، من فهمه العميق ، يرى من ثقافته العالية ، يرى من دقة محاكمته ، يرى من عمق تفكيره ، يرى من صواب آرائه ، يرى من سعة إطلاعه ، إذاً الموازنة كبيرة بين كل طالب يتلقى كل يوم علماً جديداً من هذا الأستاذ ، ويزداد حجمه عنده ، وبين المستخدم الذي يرحب به كل يوم ، ولا يزيد علمه شعرة ولا درجة ، طوال ثلاثين عاماً .

قلت لكم من قبل : إن النبي عليه الصلاة والسلام ما حبذا أن يقبع الإنسان في المسجد ليصلي ويدع العمل ، فلما رأى شاباً يصلي ، سأله من يطعمك ؟ قال : أخي ، قال : أخوك أعبد منك .

النبي الكريم وقف موقفاً يناقض هذا الموقف مع إنسان آخر ، إنسان اشتكى للنبي أن شريكه لا يقدم الجهد الكافي ، شريكه كان طالب علم ، فقال عليه الصلاة والسلام : لعلك تُرزق به ، كأنه رحب بهذا الذي يطلب العلم ، ووعد الشريك الذي يتعب أن رزق هذه الشركة بسبب هذا الطلب ، لعلك ترزق به ، بينما لم يرحب بالأول الذي قبع في المسجد وترك العمل .

Text Box: إذا أردت الدنيا والآخرة معاً فعليك بالعلم :

أيها الأخوة الكرام :

(( ولفقيه واحدٌ أشد على الشيطان من ألف عابد )) .

[ابن عساكر عن أبي هريرة] .

يروى أن رجلاً أراد أن يبين للناس هشاشة العبادة وعمق العمل ، فارتدى جبة ولفة خضراء ، وطرق باب أحد العباد ، قال له : من أنت ؟ قال له : أنا الخضر ، فهذا العابد اختل توازنه ، وبكى ، وفرح ، قال له : أنا أعطيك بشارة أولى رفعت عنك الصلاة ، فازداد إعجاباً ، وازداد بكاء ، وازداد ثناء ، فلما ذهب هذا الرجل ذي العمامة الخضراء إلى بيت العالم وقال له : رفعت عنك الصلاة ، ذهب وأتى بقضيب ليضربه .

الدجال يضحك على مليون عابد ، ولكن لا يستطيع أن يمرر كذبة واحدة على عالم ، لا أقول أن يكون كل واحد منا عالماً بالمعنى المألوف ، لا ، يجب أن يفقه أمر دينه ، يجب أن يعرف أن أحداً في الأرض لا يستطيع أن يلغي أي عبادة .

أحياناً تذهب إلى بلاد طويلة عريضة ألغيت فيها عبادة من العبادات الكبرى التي ودر فيها صفحة في كتاب الله ، لأنه لا يوجد علم ، صفحة في كتاب الله تقرر عبادة أساسية تلغى ؟ يلغيها إنسان ؟ العلم لا بد منه .

إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .

تجد العابد أحياناً يحكي ألف قصة كلها ليس لها أصل إطلاقاً ، تتناقص مع كتاب الله ، لأنه لم يطلب العلم ، الآن يأتي إنسان ويفتري فرية في الإسلام ، يصدقها عامة الناس ، يقول : هكذا قال فلان من الناس ، أما الميزان الدقيق ، معك كتاب ، معك سنة ، الكتاب يفهم وفق علم الأصول ، السنة تفهم وفق علم الفقه ، أما كل من قال كلمة في الدين نصدقه ؟.

Text Box: العالِم قلّما يخطئ لأنه لا يقبل شيئاً إلا بالدليل ولا  يرفض شيئاً إلا بالدليل :

أنا أقول مرة : لو جمعنا ما قيل في الإسلام منذ أن ظهر وحتى الآن ، لوجدنا ركاماً من المقولات ـ لا أقول حقائق ـ لا تحصى ، كيف السبيل إلى معرفة الصواب منها ؟ تحتاج مقياساً ، العلم يعطيك المقياس ، هذه القصة ساقطة لأنها تناقض هذه الآية ، هذا العمل خطأ لأن النبي نهى عنه ، فأنت حينما تعلم الكتاب والسنة تملك المقياس ، المنهج ، يسمى منهج التلقي لا تقبل إلا حقاً ، ولا تصدق إلا حقاً ، لا تقبل إلا بالدليل ، ولا ترفض إلا بالدليل.

فلذلك أيها الأخوة ، العالم قلّما يخطئ لأن معه منهجاً ، والعابد قلّما يصيب لأنه بلا منهج ، يتحرك بحركة عاطفية هوجاء انفعالية ، عندنا مشكلة ، يأتي شخص إلى مسجد يتأثر تأثراً لا حدود له ، ويبكي ، ويصلي ، وينتكس فجأة ، ينتكس فيدع الصلاة ، وينغمس في الملهيات ، ما تفسير ذلك ؟ هذا عابد وليس عالم ، العالم لا يتأثر .

أنا أعرف إنساناً لأنه وقعت له مشكلة مع أخ في المسجد ترك الدين كله ، ترك الاستقامة ، هذا عابد ، أدق كلمة العابد هش المقاومة ، سريع العطب ، أقل ضغط يخرجه عن طاعته لله ، أقل إغراء يخرجه عن استقامته .

(( ولفقيه واحدٌ أشد على الشيطان من ألف عابد )) .

[ابن عساكر عن أبي هريرة] .

(( فضلُ العَالِم على العَابِدِ كَفَضْلِي على أدْناكم )) .

[الترمذي عن أبي أمامة] .

(( وَإِن فَضْلَ العالمِ على العَابِدِ كَفضل القمر ليلة البدرِ على سائرِ الكَوَاكِب )) .

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ] .

Text Box: العلم خير من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال :

أيها الأخوة ، العلم خير من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق .

أنا سمعت قصة عن سائق سيارة استوقفته امرأة ، و عندما وقف سألها إلى أين تريدين أن تذهبي ؟ قالت : إلى حيث تريد ، فهم ، وقضى حاجته ، وأعطته ظرفين ، بالأول رسالة ، وفي الثاني مبلغ من المال كبير ، خمسة آلاف دولار ، هذا لجهله ، ولأنه لم يطلب العلم ، ولأن العلم الذي ينبغي أن يطلبه يحرسه ، فرح فرحاً شديداً قضى حاجته منها ، ونال هذين الظرفين ، في الأول مبلغ كبير ، ذهب ليصرف المبلغ فإذا به مبلغ مزور ، فأدخل إلى السجن ، أما الرسالة الثانية تقول له : مرحباً بك في نادي الإيدز ، المرأة مصابة ، هذا لو طلب العلم ، لو عرف حدود الإنسان ، لو عرف أن الزنا محرم ، كان قد ركلها بقدمه ، العلم يحرس ، الآن تجد أكثر من في السجن خالف منهج الله عز وجل ، لو لم يخالف لما وقع في هذه المشكلة .

Text Box: التزام منهج الله عز وجل يقود الإنسان إلى الجنة :

الآن أكثر الخيانات الزوجية سببها مخالفة لمنهج الله ، أطلق لها العنان ، يغيب عنها كثيراً ، لا يلتفت إليها ، يأتي بأصدقائه إلى البيت ، يجلسون معاً ، فصار هناك خيانة ، العالِم في حصن حصين ، أقول العلم الحقيقي ، تعرف الحدود ، الحلال والحرام ، الخير والشر ، الآن أكثر الناس يدخل عليهم موضوع الاستثمار بربح ثابت ، ربا مئة بالمئة ، ماذا تعطيني على الألف ؟ مرتاح ، قال لي : أنا لا أحب الحسابات ، أنا أريد مبلغاً ثابتاً ، لو طلب العلم يوماً واحداً بالسنة لرفض هذا الأسلوب ، لأن هذا ربا ، كالبنك تماماً ، ساعة ربح ثابت، ساعة اختلاط ، هذه مثل أختي إن شاء الله ، من قال لك مثل أختك ؟ هل أنت مشرع ؟ في العلاقات الاجتماعية هناك تجاوزات ، هذه تنتهي بالطلاق ، بالخيانة الزوجية ، لأن هناك جهل ، أو ينتهي بكسب المال الحرام ، أما العالم :

(( ولفقيه واحدٌ أشد على الشيطان من ألف عابد )) .

[ابن عساكر عن أبي هريرة] .

الدرس الذي قبل البارحة ، الإنسان عندما يلبس ثيابه ، ويخرج من بيته ، ليرتاد أحد مساجد الله ليطلب العلم ، هو لا يدري أن هذا الطريق ينتهي به إلى الجنة ، له تفسير دقيق لأنك تطلب العلم ، تحب ذاتك ، تحب وجودك ، تحب سلامة وجودك ، هذه حرام ، هذه حلال ، هذه تجوز ، هذه لا تجوز ، وأنت لا تدري ، تلاحظ مؤمناً قديماً في المسجد ، كلامه مضبوط ، بيته مضبوط ، هناك استقامة ، و سرور ، و سعادة ، ناتجة من طلب العلم ، الإنسان من دون علم بهيمة ، أو دابة فلتانة ، إذا كان دابة فلتانة ، أو بقرة مجنونة ماذا يفعل ؟

لذلك عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال :

(( ذُكِرَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم رجلان : أحدهما عابد ، والآخر عالم ، فقال عليه الصلاة والسلام : فضلُ العَالِم على العَابِدِ كَفَضْلِي على أدْناكم )) .

[الترمذي عن أبي أمامة] .

Text Box: من طلب العلم أحبّ ذاته و وجوده و سلامة وجوده :

مثلاً النبي قال :

(( الحَمْوُ : الموتُ )) .

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عقبة بن عامر ] .

الآن معظم الناس لا يعبؤون بهذا ، الأقارب ، المرأة القريبة الأجنبية أشد خطراً من المرأة البعيدة الأجنبية .

أنا حدثني رجل قال لي : أخي ترك أخوين له ، وزوجته ، وسافر إلى مصر ، الأخ الصغير يكاد ينفجر من شدة القلق ، قال لي : أخي الكبير يأتي إلى غرفة زوجة أخيه الذي سافر إلى مصر بالليل كل يوم والزوجة شابة ، هذا يجهل كل شيء عن الدين .

أنا أذكر ، وقلت هذا كثيراً : أول ما خطبت في هذا المسجد ، عقب إحدى الخطب استوقفني رجل وصار يبكي ، لفت نظري بكاؤه ، قال لي : زوجتي تخونني منذ خمس سنوات قلت : مع من ؟ قال : مع جاري ، قلت له : كيف عرفت هذا الجار ؟ قال : مرة زارنا فقلت لها : تعالي واجلسي معنا ، هذا الجار كأخيك ، من هنا بدأت المشكلة ، قلت له : لو حضرت مجلس علم لما وقعت في هذا ، لو عرفت أن هذا لا يجوز لما فعلت هذا ، فالبارود بارود ، والنار نار ، فإذا قربت النار من البارود صار هناك انفجار ، والناس يركبون رؤوسهم .

Text Box: معرفة كلام الله و سنة النبي واجب على كل إنسان :

فيا أيها الأخوة الكرام ، معرفة كلام الله ، معرفة سنة النبي ، معرفة أحكام الفقه ، هناك ألف طريق لكسب المال الحرام .

البارحة سألني أخ ، أنه يبيع سلعة ديناً بثمن مرتفع ، ثم يشتريها نقداً بثمن منخفض ، السلعة هي هي ، وهو مرابٍ بأسلوب شرعي ، سجادة يبيعها بألف ليرة ديناً ويشتريها بثمانمئة نقداً ، سجل ألف ودفع ثمانمئة ، هذا إنسان مرابٍ ، يقول : هذا بيع وشراء، هو فعلاً بيع وشراء ، لكن هذا البيع والشراء أراد منه القرض الربوي ، الحاجة نفسها والبيع شكلي ، فالبيع ليس حقيقياً .

آلاف الفتاوى ، آلاف الأخطاء ، في الزواج ، في كسب المال ، في العلاقات الاجتماعية ، في السفر ، في البيع والشراء .

الآن تجد إنساناً يصلي ، يحرم البنات ، ما قيمة عبادتك طول عمرك ؟ ستون سنة تعبد الله ، لماذا حرمت البنات ؟ أنت خالفت منهج الله عز وجل .

اتصلت بي زوجة ، قالت : لا أسامح أبي ، أتمنى له كل شر ، لأنه حرمها كلياً وأعطى أولاده الشباب ، بنت هذه لها حق عندي ، هناك جهل ، الأب يصلي و يحرم ورثته؟!

Text Box: الشرع من عند خالق الإنسان وهو وحده الخبير به فالإنسان  عليه أن يطبقه كي يسلم :

يا أيها الأخوة ، عليكم بطلب العلم كما قال الإمام الشافعي : "إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ".

أنا كان عمري بالعشرين سنة تقريباً ، صاحبت رجلاً من أقربائنا و هو إنسان راقٍ جداً في مسير ، وصلنا إلى بيت ابنه ، طرق الباب ، فخرجت زوجة ابنه ، قال لها : هنا فلان ؟ قالت له : لا ، فمشى ، والطريق طويل ، أنا تمنيت أن ندخل لنرتاح ، بيت ابنه ، قال لي : لا يجوز أن ندخل في غيبة ولدي ، أنا ما عرفت ، هذا بيت ابنه ! وهذه امرأة ابنه ! ثم قرأت في كتب الفقه أنه لا يجوز الخلوة بالصهرة الشابة ، ثم بلغني عن بعض الأشخاص أنه يتحرش بزوجة ابنه في غيبته ، فالفقهاء عندما يجتهدون أن هذا الشيء لا يجوز فهذا لحكمة بالغة ، إذاً هناك محارم كالأم ، والأخت ، والبنت ، هؤلاء صنف ، وهناك محارم من صنف ثان ، لكن لا يجوز الخلوة بها .

أحد أخواننا قال لي : أنا كل يوم آتي وأصلي الفجر عندك ـ القصة قديمة ـ وابني يخونني مع زوجتي ، طبعاً زوجته الثانية ، كل يوم ، ما هذا الكلام ؟ لأن الابن شاب ، والزوجة شابة ، والزوج كبير ، و صلاة الصبح ثابتة ، وقت مضمون ، طبعاً طلقها ، هناك خلوة ، الخلوة خطيرة جداً ، فزوجة الأب ، زوجة الابن ، هذه محارم ، لكن من نوع ثان ، ليست مثل الأم ، والأخت ، والبنت ، هذه لا يجوز الخلوة بها .

أنا لا أريد أن أعطي تفاصيل ، أريد أن نعلم أن هذا الشرع من عند خالق الإنسان، وهو وحده الخبير به ، فالإنسان عليه أن يطبقه كي يسلم ، قلت كلمة : تطبق الشرع فتسلم ، تقترب من الله فتسعد ، السعادة بالقرب منه ، والسلامة بتطبيق أمره ، هناك شخص يطبق أمره لكن لا يسعد ، مشغول في الدنيا ومهموم ، مستقيم ، تطبيق شرعه تسلم من كل عطب ، والقرب منه تسعد أيما سعادة .

والحمد لله رب العالمين


العلم/2

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

Text Box: كل إنسان على وجه الأرض له عند الله مكانة بحجم عمله :

أيها الأخوة الكرام ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له )) .

[الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ] .

أول شيء أيها الأخوة أن الإنسان في جبلته طموح ، وأن الإنسان في جبلته يحب الأفضل ، والأكبر ، والأجمل ، والأكمل ، والأعلى ، والأرقى ، هذه جبلته .

وشيء آخر هو أن كل إنسان على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة له عند الله مكانة بحجم عمله تماماً ، قال تعالى :

( سورة الأنعام الآية : 132 ) .

فالإنسان العاقل يسعى في الدنيا إلى عمل ليس له سقف .

أضرب لكم مثلاً : إنسان اشترى صفقة وباعها وربح ، ربحه محدود ، أما إنسان معه وكالة ، كل من يشتري من هذه الشركة في هذه المنطقة لوكيل هذه الشركة ربح ثابت ، من دون جهد ، من دون حركة ، من دون أن يتحرك حركة ، من دون أن يرسل فاكس ، يأتي الربح جاهزاً ، عندما صار وكيل شركة أرباحه أصبحت غير محدودة ، هناك أعمال كثيرة فيها طبيعة التفجر ، التوالد .

فالنبي عليه الصلاة والسلام ينصحنا أنه إذا مات الإنسان انتهى عمله ، له عدة أعمال قام بها في الدنيا ، يسعد بها لا شك ، لكن لأن الجنة غير محدودة ، لها درجات لا تنتهي ، فهناك أعمال في الدنيا تستطيع أن تصل بها إلى أعلى درجات الجنة ، هذه الأعمال هي التي لا تنتهي عند موت صاحبها ، إنسان أسس معهداً شرعياً ومات ، هذا المعهد خرّج عشرات بل مئات بل ألوف الطلاب ، وكل طالب استلم منبراً ، وألقى خطبة ، ونصح الناس ، وعمل عملاً طيباً ، فكل هؤلاء الذين تخرجوا من هذا المعهد ، ونفعوا الناس ، ودعوا إلى الله، وبينوا الحق ، ورسخوا قيم الإسلام ، في صحيفة هذا الذي أنشاه .

Text Box: الله عز وجل يريدنا أن نربح عليه :

إذا كان الإنسان طموحاً ، وإذا كان غيوراً على مصالحه ، وإذا كان يحب الجنة في أعلى مرتبة ، فسبيل بلوغ أعلى الدرجات أن يكون لك عمل متوالد ، هناك عمل منقطع ، وهناك عمل متوالد ، من هذه الأعمال المتوالدة ، الصدقة الجارية ، ساهم إنسان ببناء مسجد ، لكن هذا بيت الله ، كل صلاة تعقد فيه ، كل ذكر يعقد فيه ، كل مجلس ذكر يعقد فيه ، كل توبة تنعقد فيه ، في صحيفة كل من ساهم في البناء فيه ، وأرسى بنيانه ، ويسر أموره .

النقطة الدقيقة : الله عز وجل يريدنا أن نربح عليه ، الآن عقليتنا كلها تجارية يقول لك : هنا بالـ% 30 أربح لي ، هنا بالـ%15 قليل ، بالـ% 28 كثير ، فالإنسان إذا أراد أن يستثمر ماله يبحث عن جهة تعطيه أعلى ربح ، الله عز وجل يريدنا أن نربح عليه.

والله أيها الأخوة ، أتكلم ولا أجد لهذا الكلام تطابقاً مع ما أتمنى أن أقوله ، هناك بنك يعطي على الليرة مليون و كل سنة ؟ لا ، كل شهر ؟ لا ، كل يوم ؟ لا ، كل ساعة ؟ لا، كل دقيقة ؟ لا ، مليون ، هل من الممكن أن تستثمر مالك بالمئة ثلاثة أو أربعة أو خمسة ، وتترك البنك الذي يعطيك كل دقيقة على الليرة مليون ؟ شيء مستحيل ، كلام فلكي ، أرقام فلكية ، هكذا الله عز وجل .

( سورة الصف ) .

تاجر مع الله .

Text Box: من ابتغى بعمله وجه الله عز وجل و ترفع عن الدنيا أعطاه  الله فوق ما يستحق :

أحياناً الإنسان يعمل عملاً يبتغي به وجه الله ، يترفع عن أجر في الدنيا ، هذا يعطيه الله :

(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ )) .

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ] .

مرة حدثني أخ كان مقطوعاً بطريق ، يبدو أن الطريق أول صعود حاد ، وكل السيارات تنطلق تأخذ مجالاً لتنطلق بأعلى سرعة ، قال لي : ساعة ، ساعتين ، لا أحد يقف لي ، معه أهله ، بعدها توقف إنسان و أعطاني رافعة كنت بحاجة لها وعندما أعطاني الرافعة وأنا أستخدمها حدثت نفسي بهذا الإنسان العظيم الذي وقف وعطل وقته ، وغلب عليه روحه الإنسانية ، بعدما انتهينا ، قال : أريد خمس ليرات ، هذه قصة قديمة ، قال : والله لو طلبت مئة ليرة لأعطيتك ، لكن لا ليتك لم تطلب هذه الخمس ليرات ، بين أن يكون لك عمل صالح له عند الله أجر ليس له حدود ، بين من استنفذه بخمس ليرات .

لي قريبة مقعدة ، ولها مبلغ بدائرة حكومية ، والوكالة قدر المبلغ ، فذهبت إلى الموظف ، وقلت له : هل من الممكن أن تأتي معي إلى البيت ؟ قال لي : على عيني ، أنا استغربت ! قلت : أنا آتي وآخذك ، قال : لا ، أنا آتي لوحدي ، أعطني عنوان البيت ، ما قبل أن آتي وآخذه بالسيارة ، أخذ عنوان البيت ، أذكر أن الحادثة كانت في رمضان ، طرق الباب عند العصر ، وسلم المبلغ ، وأخذ التوقيع ، قال لي : أريد أن أصلي العصر عندك ، صلى ، ثم قلت له : هل من الممكن أن أوصلك ؟ قال : لا تنزع علي عملي ، أنا ابتغيت بهذا العمل وجه الله .

فالإنسان إذا كان له عمل لوجه الله لا يريد شيئاً ، هذا أغنى إنسان ، وأقوى إنسان، وأرفع إنسان عند الله ، فأنت اختار ، هناك أعمال أجرها محدود ، لماذا هناك أناس لا يحبون الوظيفة ، دخلها محدود ، لها سقف ، لماذا يحبون التجارة ؟ ليس لها سقف ، فالإنسان إذا توفق فيها ليس لها سقف ، يربح أرباحاً كثيرة جداً .

يقولون الآن : هناك إنسان في أمريكا يملك ثلاثة و عشرين مليار دولار ، شاب عمره اثنتان و أربعون سنة ، يملك الميكرو سوفت ، لو موظف يلحقهم ؟ لا يلحقهم .

Text Box: الأعمال الصالحة لا تعد و لا تحصى :

تاجر مع الله ، النبي يقول :

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية )) .

بناء ، فرش ، كهرباء ، مرافق عامة ، تدريس ، الحياة متكاملة ، فيجب على الإنسان أن يسعى للجنة ، الذي يتكلم بالجامع له أجر ، والذي بنى له أجر مثله ، والذي أسس له أجر ، والذي جاء لك برخصة له أجر ، والذي نظف له أجر ، نحن بتفكيرنا الساذج نصنف الناس أن هذا كبير عند الله ، كبير ؟ لا ، الذي ينظف المسجد له أجر كبير عند الله ، وإذا كان مخلصاً بعمله لعله يسبق الذي يتكلم ، لا تعرف ، عند الله مقاييس نحن لا نعرفها ، و منها مقياس الإخلاص .

أنا أعرف مسجداً ، شيء يحير العقول ، لو عملت مسابقة بين بيوت دمشق من حيث النظافة لا تجد بالشام بيتاً نظافته كهذا المسجد ، إن دخلت إلى مرافقه شيء عجيب كأن الرخام رُكب الآن ، يعمل ليلاً نهاراً ، مرة التقيت معه ، كبر بالسن ـ توفي رحمه الله ـ قال لي : أنا أستمد الحماس في تنظيف المسجد من قوله تعالى :

( سورة البقرة الآية : 125 ) .

النبي الكريم قال : ﴿ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ .

الذي نظف المسجد ، الذي زينه ، الذي فرشه ، الذي دفأه ، الذي هواه ، كل من ساهم في بنائه ، بتأسيسه ، بمرافقه العامة ، بتنظيفه ، بالتدريس فيه ، نحن أسرة ، كل إنسان يقوم بعمل لا ينافس فيه الآخر ، مسجد ، ميتم ، دخلنا لميتم مثل بيوتنا ، النظافة ، والترتيب، والفرش ، والأسرّة ، والطعام الطيب ، والنظام ، والتوجيه الديني ، خمسمئة طالب ، هؤلاء الذين ساهموا بالميتم ماتوا ؟ لا لم يموتوا ، لم يموتوا أبداً لأنهم تركوا عملاً مستمراً ، معهداً شرعياً ، ميتماً ، مسجداً ، أحياناً مستشفى الغاية منها خدمة المجتمع لا ابتزاز الأموال ، أي عمل صالح .

فأي حلّ مشكلة ، زوج شاباً ، شاب في أول حياته ، عندما تزوج انضبط ، لزم مسجداً ، أنجب ذرية صالحة ، وجهها توجيهاً دينياً ، الذي زوجه وربطه بالدين هذا له أجر كبير .

يقول لي شخص : دخلت لمسجد و كان أبي قد اشترى لي حذاء جديداً ، فسرق ، فخرجت هائماً على وجهي ، ومتألماً أشد الألم ، رآني رجل أخذني واشترى له حذاء جديداً ، يقول لي هذا الرجل : والله منذ هذا الحادث لم أترك الصلاة أبداً ، لأنه صلى سُرق حذاءه ، جاء شخص قدر فيه هذه الصلاة ، فأمن له حذاءً جديداً .

Text Box: من ترك علماً يُنتفع به فله أجر عظيم عند الله عز وجل :

هناك أعمال صالحة كبيرة جداً أيها الأخوة تبدأ من المسجد ، من المعاهد الشرعية، من المياتم ، مستشفيات ، خدمات عامة ، أعمال متواردة ، أنت أغنى الأغنياء .

(( صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به )) .

مرة فتحت تفسير القرطبي وجدت فيه آية جميلة جداً ، مشروحة شرحاً رائعاً ، عملتها خطبة فتأثر الناس تأثراً بالغاً ، وبعدما انتهت هذه الخطبة ، صاحب هذا التفسير جالس بالقبر ، لكن انظر نفعه إلى أين وصل ، أنا قرأت الموضوع وتأثرت ، وعملته خطبة ، وقد تأثر الناس به كثيراً .

الإمام الغزالي ترك الإحياء ، كم إنسان قرأ الإحياء ؟ كم خطيب قرأ الإحياء ؟ كم أستاذ قرأ الإحياء ؟ كم إنسان قرأ الإحياء واستفاد منه ؟ .

والغزالي كان بعصره عالماً كبيراً ، وداعية كبيراً ، له دروس ، وبدرسه كان أربعمئة لفة ، لكن الإحياء أهم من دروسه كلها ، هو بالإحياء لم يمت ، مهما كان عظيماً ، فألّف كتب تفسير ، كتب حديث ، كتب فقه ، وهناك كتب مشهورة جداً .

الإمام النووي ، عاش أقل من خمسين سنة ، ترك رياض الصالحين وهو من أفضل الكتب في حياتنا ، ترك الأذكار ، ترك المحتاج ، ترك شرح صحيح مسلم ، ترك كتب أعمدة في العلم و قد عاش أقل من خمسين سنة .

الإمام السيوطي من المفسرين الكبار .

القدماء تركوا كتباً و خيرات لا يعرفها إلا الله ، فالإنسان لا يعرف قيمة التأليف الذي له تأثير كبير جداً ، وله أثر الديمومة والاستمرار ، فالشريط له دور ، والكتاب له دور ، فهذا ترك علماً ينتفع به .

مرة كنا بالجامع الأموي ، أحد علماء دمشق توفي ـ رحمه الله ـ هو خطيب الأموي ، اجتمع بالتعزية نخبة البلد ، وأنا جالس قام أحد عرفاء الحفل وقدم ابن هذا الخطيب ليلقي كلمة رائعة ، ارتجالية ، لغة ، حكمة ، و كان أبوه قد تعب عليه كثيراً ، الوزير كان موجوداً ، قال : أنا سوف أعين فلاناً ابن المرحوم في الأموي مكان والده ، ظهرت مني كلمة معنى هذا أن الأب لم يمت ، لأن العمل استمر من بعده .

Text Box: التعليم والدعوة إلى الله على خطين ؛ إما أن تؤلف القلوب  وإما أن تؤلف الكتب :

الذي عنده ابن بقدر ما يعتني به فله أجر ، هذا الابن يحتاج إلى جهد ، والتربية صعبة جداً ، تأمين الطعام سهل ، تأمين اللباس على العيد سهل ، تؤمن له الطعام ، والشراب، واللباس ، القضية سهلة جداً ، يفعلها الناس جميعاً ، أما تخرجه عالماً ؟ هذا عمل كبير جداً ، يأتي معك إلى المسجد ، تعتني به ، تجلس معه ، تقنعه ، تعرف من رفقائه ، أين يذهب ؟ يلتزم بالشرع ، إن رأيته وهو شاب يصلي ، إن رأيته يقرأ القرآن ، يدخل على قلبك من السرور ما لا يوصف ، هذا الولد استمرار لك ، جزء منك ، الذي عنده ولد رباه تربية إسلامية لن يموت .

فالحديث هو :

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له )) .

[الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ] .

مرة كنت بحفل ألقى أخ كريم كلمة أعجبتني جداً ، قال : إما أن تكون داعية و إما أن تتبنى داعية ، شاب علمه على حسابك ، طالب علم أجنبي أم عربي ، هذا عمل عظيم جداً، إنسان جاءك ضيف ، قدم له شيئاً ، اعتنِ به ، يشعر أنه جالس ضمن أهله ، فإذا علمته ، وذهب إلى أهله ، دعا إلى الله ، تسلم منبراً ، كل أعماله بصحيفتك ، عطاء ليس له حدود ، وثلاث قنوات ، صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له ، والعلم ليس له نهاية ، أو تطلب العلم وتعلم ، أو تطلب العلم وتؤلف ، والتعليم والدعوة إلى الله على خطين ، إما أن تؤلف القلوب وإما أن تؤلف الكتب ، تأليف القلوب أعمق أثراً وأقصر أمداً ، تنتهي الدعوة بموت صاحبها ، تأليف الكتب طبعاً أقل أثراً وأطول أمداً ، فحياتنا محدودة أخواننا الكرام ، انظر إلى النعوات ، مات انتهى ، انتهى بيته ، انتهت مركبته الفخمة ، انتهت زوجته ، انتهى أولاده ، انتهى كل شيء ، له مكتب مكيف ، له مكانة اجتماعية ، الموت ينهي كل شيء ، إلا إذا كنت من أصحاب هذا الحديث ، ما انتهى شيء ، بالعكس ، الآن يبدأ التوالد .

أنا سمعت عن شيخ الأزهر السابق مشى في جنازته ستة ملايين إنسان ، دخل الناس إلى بيته بعد الوفاة و اجتمعوا على طول مئة متر ، ومعه التهاب مفاصل ، كتبه بالصناديق لأنه لا يملك مكتبة ، طاولته عادية جداً ، وتحت يده مئات الملايين ، بحسب التصور لم يدخل له جنيه واحد ، وفتواه صحيحة ، وموقفه جريء ، ستة ملايين ، انتهى ، مات .

وسمعت عن إنسان آخر وهو على فراش الموت يرفع يديه متبرئاً من كل فتوى أفتاها ، هناك فرق .

Text Box: كل شيء في الحياة لا قيمة له إلا صدقة جارية أو علم  يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو لك :

كل شيء ماض ، نظرت إلى هذه الجلسة من باب الاحتياط بعد خمسين سنة ، بعد مئة سنة ، لا يوجد أي واحد منا ، فكل شيء ماض ، ماذا أكلت ؟ ماذا شربت ؟ أين سكنت ؟ ماذا ركبت ؟ كله ماض ، يبقى هذا .

(( صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به ، أو ولد صالح يدعو له )) .

فكلما كنت أعقل تبحث عن عمل يتوالد ، تحتاج وكالة لا تحتاج صفقة ، ليس لها قيمة ربحها محدود ، ربحت ، وأنفقت الربح ، وانتهى الأمر ، أما وكالة كل من يشتري من هذه البضاعة لك منه نصيب .

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له )) .

[الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ] .

فالإنسان إذا كان عاقلاً يتحرك على الخطوط الثلاثة ، يعتني عناية بالغة بأولاده ، فإذا أنفقت كل إمكانيتك ، وكل وقتك ، وكل طاقاتك ، وكل مالك على أولادك حتى يصبحوا دعاة إلى الله أنت أعقل إنسان ، هناك إنسان يبخل على ابنه ، هذا بضعة منك ، هذا جزء منك.

أنا أعرف أخاً من أخواننا ، كل شيء يملكه دفعه في سبيل تزويج أولاده الثلاثة ، كل واحد أخذ له بيتاً ، هو تاجر متوسط أو أقل ، لكنه أمّن أولاده كلهم ، فلاحظت أن أولاده أمامه كجندي أمام لواء ، فأنت عندما أمنت له بيتاً ، زوجته ، سررته ، ارتبط بك ، و لا يتمنى وفاتك ، يتمنى بقاءك ، هناك فرق كبير ، الأب البخيل يتمنى أقرب الناس وفاته ، إذا جاء الطبيب وقال لهم : الحالة عرضية إن شاء الله ينزعجون كثيراً ، لا نريدها عرضية نريدها خطيرة ، إياك أن تجعل أولادك يتمنون موتك ، هم بضعة منك ، كما قال النبي عليه الصلاة و السلام :

(( إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويغضبني ما أغضبها )) .

[ المعجم الكبير عن ابن الزبير] .

Text Box: كل متاعب الإنسان أو ملذاته تنسى أمام النتائج التي يحصل  عليها :

الابن ولد صالح ، لا نريد ولداً لا يعرف الله ، غني فقط ، الآن هناك أشخاص يقولون لك : ابني يعمل بالمنصب الفلاني ، دخله كذا ، بيته في المكان الفلاني ، ليس هذا القصد ، نريد ابناً عالماً ، نريد ابناً داعية إلى الله ، نريد ابناً يخدم الناس ، فالابن أحد أكبر أسباب الجنة ، الجنة التي ليس لها حدود ، والعلم ، والصدقة الجارية ، والأعقل أن تعمل على كل الخطوط معاً ، هناك جهد كبير ، وهناك بذل لكن الله يعوض و يكرم .

مثلاً إذا أمضى الشخص كل وقته في دراسة جادة ، لم يسهر مع رفقائه ، و لم يذهب نزهة حتى إنه لم يجلس مع أهله ، عندما يأخذ درجة عالية في الثانوية العامة ، و يدخل إلى الجامعة بفرع مرموق ينسى كل تعبه ، والذي أمضى أوقاته في السهر مع أصدقائه عندما يرسب ، ينسى أيضاً كل ملذاته ، الملذات تنسى والمتاعب تنسى أمام النتائج .

فنحن يهمنا أن يكون هذا الحديث شعاراً لنا :

(( صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به ، أو ولد صالح يدعو له )) .

تَبَنى داعية ، تبنى طالب علم ، ارعَ طالب علم ، أنا أقول لكم : من أعظم الأعمال على الإطلاق أن تتبنى طالب علم ، أحياناً هو بحاجة للكتب ، بحاجة للمساعدة ، بحاجة للرعاية ، بحاجة إلى تدريس ، بحاجة إلى أن ينضم إلى جامع ، إلى معهد ، أعن طالب علم ، وبناء مسجد ، وتوابع المسجد :

(( أو ولد صالح يدعو له )) .

والحمد لله رب العالمين

كتاب العلم/1

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

Text Box: من أنشأ خصومة بين المسلمين و فرّق شملهم فقد كفر :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إنَّ أبغض الرجالِ إلى اللّه تَعَالَى : الأَلَدُّ الْخَصِمُ )) .

[ متفق عليه عن عائشة] .

هذا الذي ينشئ خصومة مع الناس ، هذا الذي يفرق شمل المسلمين ، هذا الذي الذين يجعل الدين شعياً وأحزاباً وطوائف ، هذا الذي يفتت وحدة المسلمين ، هذا الذي يقيم خصومة على فروع الدين لا على أصوله ، أعداء المسلمين يتعاونون على عشرة بالمئة من المتفق عليه ، والمسلمون يقيمون خصومة على تسعين بالمئة من المتفق عليه ، على عشرة بالمئة خلاف تقام خصومات لا تنتهي ، هذه الخصومة سماها الله عز وجل في القرآن كفراً .

مرةً غاظ اليهود أن يتفق الأوس والخزرج ، بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام فجاء أحدهم بقصيدة قيلت في أيام الجاهلية في هجاء للأوس ، فدفعها إلى غلام من الخزرج ليلقيها على مسامع الأوس ، ونشبت خصومة ، وتلاسن الطرفان ، وأخذتهم حمية الجاهلية ، ثم سلوا سيوفهم وكادت تقع فتنة ، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر فخرج غاضباً وقال : أفتنة وأنا بين أظهركم ؟ ثم نزل قوله تعالى :

( سورة آل عمران الآية : 101 ) .

فَسَمّى الله سبحانه وتعالى هذه الخصومة الجاهلية كفراً .

Text Box: ما كل من وقع في الكفر وقع عليه الكفر :

بالمقابل أي إنسان ينشئ خصومة بين المسلمين ، لو أن إنساناً خرج عن أصول الدين ، وجاء ببدع ما أنزل الله بها من سلطان ، لا مانع أن نخاصمه ، أما إذا كنا متفقين على تسعين بالمئة من الدين ، وهناك خلافات في عشرة بالمئة لا يبغي أن نفتت وحدة المسلمين من أجل هذه الخلافات التي هي في فروع الدين .

الإمام الشافعي في هذا المقام له مقال رائع ، يقول : " نتعاون فيما اتفقنا ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا " .

بل إن أحدهم عدَل هذه المقولة فقال : "نتعاون فيما اتفقنا ، وينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا " .

لذلك بعض العلماء يقول : " نحن لا نُكفّر بالتعيين ، لا يجوز أن تقول فلان كافر من كَفّر أخاه فقد كفر ، ومن كَفّر أخاه فقد باء بالكفر أحدهما ".

ماذا تقول ؟ من قال كذا فقد كفر ، من اعتقد كذا فقد كفر ، دون أن تُعين ، لا تعيين ، ولبعض العلماء مقولة أخرى : ما كل من وقع في الكفر وقع عليه الكفر .

هذا البدوي الذي ركب ناقته وعليها زاده وشرابه ، وانطلق بها في الصحراء فلما جلس بها ليستريح أخذته سنة من النوم ، فاستيقظ فلم يجد الناقة ، فبكى حتى كاد يهلك من شدة البكاء ، لأنه أيقن بالهلاك فغفل لحظة فأفاق فرأى الناقة ، فقال : يا رب أنا ربك وأنت عبدي ، يقول عليه الصلاة والسلام : "لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته" .

هذا الذي قال : أنا ربك وأنت عبدي ألم ينطق بالكفر ؟ هل وقع الكفر عليه ؟ لم يقع .

فما كل إنسان يقول كلمة لا يقصد مضمونها لك أن تكفره .

مرة قال لي أحدهم : لله رجال إذا أرادوا أراد ، سمع هذه المقولة إنسان يحضر هذه الجلسة ، فقال : هذا كفر ، فقلت له : لعله أراد أن يقول رجال مستجابو الدعوة ، إذا دعوا ربهم استجاب لهم ، ولك أن تؤول تأويلاً آخر ، لك أن تقول إذا كان لهؤلاء الرجال إرادة مستقلة عن إرادة الله هذا كفر طبعاً ، التمس أخيك عذراً ، حاول أن تؤول كلامه ، أما أن نأخذ الكلام على ظاهره وأن نُكفّر الناس و نقيّمهم وكأننا أوصياء عليهم فهذا لا يجوز .

Text Box: تقييم الناس ليس من شأن الإنسان هذا من شان الله عز وجل :

هناك فرق إسلامية ـ والعياذ بالله ـ أي إنسان لو قال : يا رسول الله يقولون : هذا مشرك ، يوزعون ألقاب الشرك والكفر على الناس بغير حساب .

هذا الذي يضيق على الناس ، ويجعل نفسه وصياً عليهم ، ويوزع ألقاب الكفر والشرك كما يريد ، هذا يفتت وحدة المسلمين ، نحن لا نُكَفّر أهل القبلة ، أي إنسان يقف باتجاه القبلة ويريد أن يصلي لا نُكَفّره ، لا نُكَفّر أهل لا إله إلا الله ، أي إنسان شهد أنه لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله لا نُكَفّر ، بل إن الأصوب من ذلك أن تقييم الناس ليس من شأن الإنسان ، هذا من شان الله عز وجل ، أنت لست مؤهلاً أن يقيم الناس ، لأن الله عز وجل يقول :

( سورة الإسراء ) .

Text Box: المؤمن الصادق يكون عوناً لأخيه على الشيطان ولا يكون  عوناً للشيطان على أخيه :

لذلك أيها الإخوة ، الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حق من الله تعالى .

ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى .

هناك إنسان وظيفته مع الناس قناص ، ما معنى قناص ؟ يقرأ الكتاب لا ليفهم ما فيه بل ليبحث عن أخطاء مؤلفه فقط ، إن جلس إليك لا ليستفيد منك ، يبحث عن كلمة لا تروق له فيقنصها ، وينقلها عنك ليشهرك بين الناس ، هذا الإنسان قناص هو الألد الخصم ، الذي يبغضه الله عز وجل .

(( الأَلَدُّ الْخَصِمُ )) .

النبي عليه الصلاة والسلام بكماله الخُلقي أحد أصحابه وهو حاطب بن بلتعة ، هذا الصحابي ارتكب في العرف الدولي والسياسي والإداري في كل الأنظمة على مرور الدهور والعصور ما يسمى بالخيانة العظمى ، أرسل كتاباً إلى قريش يقول فيه : إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم ، جاء الوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وأطلعه على فعل حاطب ، أرسل النبي سيدنا علي بن أبي طالب ، إلى المرأة التي كانت تحمل هذا الكتاب ، إلى مكان اسمه الروضة فيما بين مكة والمدينة ، طبعاً هذا الكتاب استخرج من المرأة ، أُخذ من ظفيرة شعرها ، وقد كتب فيه : من حاطب بن بلتعة إلى قريش ، إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، سيدنا النبي استدعى حاطب وسأله : ما حملك على ما صنعت ؟ سيدنا عمر واقف ، قال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، قال : لا يا عمر إنه شهد بدراً ، أرأيتم إلى وفاء النبي ! أرأيتم إلى اتساع صدر النبي ! أرأيتم إلى رحمة النبي ! قال : والله يا رسول الله ما كفرت ، ولا ارتددت ، اغفر لي ذلك يا رسول الله ، إنني لصيق في قريش ، ولست منهم ، أردت بهذه المبادرة أن أحمي أهلي ومالي ، النبي عليه الصلاة والسلام ما كان منه إلا أن قال: "إني صدقته فصدقوه ، ولا تقولوا فيه إلا خيراً ".

قال كُتّاب السيرة : لقد نظر سيدنا عمر لذنب حاطب فرآه خيانة عظمى ، فأراد أن يضرب عنقه ، ونظر النبي إلى صاحب الذنب ، لا إلى الذنب ، فرأى هذا الذنب ضعفاً أصاب هذا الإنسان في بعض اللحظات ، فبدل أن يسحقه في قدمه أنهضه ، وأعانه على شيطانه .

والمؤمن الصادق دائماً يكون عوناً لأخيه على الشيطان ، ولا يكون عوناً للشيطان على أخيه .

(( الأَلَدُّ الْخَصِمُ )) .

الذي ينشئ خصومات ، الذي ينشئ عداوات ، الذي يفرق بين المسلمين ، الذي يفتت جمعهم ، يفرق وحدتهم ، هذا ممن يبغضهم الله عز وجل .

Text Box: أكبر جريمة أن تجعل المسلمين شيعاً وأحزاباً :

لذلك أنا أقول دائماً : لا يجوز أن تنتمي لجماعة صغيرة وتعادي بقية المسلمين ، ينبغي أن تنتمي لمجموع المؤمنين ، يجب أن تشعر أن كل أخ مسلم أخوك في الله ، من أية جماعة أخرى ما دامت عقيدته صحيحة ، ومنهجه صحيح ، في الكليات لا في التفاصيل ، في التفاصيل قد نختلف .

يقول الإمام الشافعي : " أنا على حق ، وخصمي على باطل ، وقد أكون مخطئاً " ويقول : " أنا على حق ، وخصمي على باطل ، وقد يكون مصيباً ".

اجعل احتمالاً للصواب عند خصمك ، واجعل احتمالاً للخطأ عندك ، بهذا تقف موقفاً معتدلاً ، ما من جريمة أكبر من أن تجعل المسلمين شيعاً وأحزاباً ، ما من جريمة أكبر من أن تفرقهم ، وتشتتهم ، وتفت في عضدهم ، فإن هذا يضعفهم ، قال تعالى :

( سورة الأنفال الآية : 46 ) .

ويا أيها الإخوة الكرام ، ما من محنة أصابت المسلمين على ضعفهم ، وعلى كثرة أعدائهم ، وعلى هجمة خصومهم ، أشد من تفرقهم .

التقيت في مصر قبل شهرين أو أكثر بعالم كبير ، وداعية كبير هناك ، طرحت عليه هذا السؤال ، قلت له : هذه الصحوة الإسلامية ما سببها ؟ قال : التفرقة ، التفرقة بين الدعاة ، لأنه بهذه التفرقة يسقط الدعاة جميعاً من نظر الناس ، أما إذا تعاونوا ، وتناصروا ، وأثنى بعضهم على بعض ، وعرف بعضهم قدر الآخر ، وكَمّل بعضهم بعضاً ، حببوا الناس بالدين .

كنت أقول دائماً : النبي صلى الله عليه وسلم معصوم بمفرده ، بينما أمته معصومة بمجموعها ، أي أن كل واحد من أمة النبي يحتاج إلى أخيه ، تفوق في جانب وغاب عنه جانب ، والثاني تفوق في جانب ، وغاب عنه جانب ، مجموع أمة النبي لا تخطئ، ماذا يقول عليه الصلاة والسلام ؟

(( لا تجتمع أمتي على ضلالة )) .

[أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن أبي نصرة الغفاري ] .

مجموع الأمة معصوم ، أما النبي وحده معصوم .

إذاً بدل التنافس نتعاون ، بدل التنافس نتناصح ، بدل التنافس يستمع الواحد منا لأخيه .

Text Box: الدعوة إلى الله و الدعوة إلى الذات :

لذلك أقول دائماً : هناك دعوة إلى الله خالصة ، ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله ، أخطر دعوة أن تدعو إلى ذاتك ، وأن تغلف هذه الدعوة بدعوة إلى الله ، هذا الذي يدعو إلى ذاته يبتدع ولا يتبع ، لأنه إن لم يبتدع ماذا سيقول ؟ صار واحداً من المسلمين ، أما إذا ابتدع يقول : أنا وحدي على حق ، وما سواي على باطل .

لذلك قالوا : اتبع لا تبتدع ، اتضع لا ترتفع ، الورع لا يتسع .

سيدنا الصديق يقول في أول خطبة له : لقد وليت عليكم ولست بخيركم ، إن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، إنما أنا متبع ، ولست بمبتدع .

فالذي يدعو إلى الله بإخلاص يتبع ولا يبتدع ، إذا اتبع لم يعد له ميزة كبيرة جداً .

تقريباً منهج اللغة العربية في القطر ، في كل المحافظات ، في كل المدارس ، أية مدرسة في هذه المحافظات العديدة ، الكتاب واحد ، أما المدرسون يختلفون ، كل مدرس له أسلوبه ، أما الموضوعات واحدة ، الصفحات واحدة ، وكذلك المسلمون منهجهم واحد ، كتابهم واحد ، نبيهم واحد ، سنتهم واحدة ، عقيدتهم واحدة ، هدفهم واحد ، كل داعية له أسلوب في الدعوة يتميز به ، هذا لا ينبغي أن يجعل البقية على ضلال ، أو على خطأ ، لكن يتفاوت الدعاة في إخلاصهم ، وفي أساليبهم ، وفي قدراتهم على نقل الحقائق للناس .

Text Box: الابتعاد عن الغلو في الدين :

لذلك أيها الإخوة ، هذا حديث خطير جداً :

(( إنَّ أبغض الرجالِ إلى اللّه تَعَالَى : الأَلَدُّ الْخَصِمُ )) .

[ متفق عليه عن عائشة] .

الألد بالتشديد ، الشديد في الخصومة ، لذلك ما هو الغلو في الدين ؟ الغلو في الدين أن تأتي بفرع من فروع الدين وتجعله أصلاً ، وأن تحارب من أجله ، أن تأتي بقضية فرعية لا تقدم ولا تؤخر ، فتجعلها أساساً في الدين وتخاصم من أجلها .

بالمناسبة لا يجوز أن تنكر شيئاً فيه خلاف بين الصحابة ، إنسان صلى وقد أسبل يديه ، فعل هذا النبي ، لا ينبغي أن تنكر عليه ذلك ، الشيء الذي اختلف فيه العلماء ، ليس موضعاً للإنكار ، أما شيء أتفق عليه فإذا خرج عليه الإنسان يمكن أن ننصحه ، أما في الخلفيات ليس هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، لأن كل عبادة وافقت أحد المذاهب المتعمدة فهي صحيحة عن علم أو عن غير علم .

Text Box: خصائص الفرق الضالة :

لو أخذنا القواسم المشتركة لتوحدنا ، وكنت أقول دائماً : الفرق الضالة في العالم الإسلامي منذ العصر الأموي وحتى الآن ، الفرق الضالة تجمعها خصائص ثلاث ، أول خصيصة أنها تعتمد على أحاديث ضعيفة أو موضوعة ، نصها غير موثق ، لو ألغيت الأحاديث الموضوعة والضعيفة ، لاتفقنا جميعاً ، لأن الصحاح تجمع و لا تفرق ، لذلك في الدعوة إلى الله ابتعد عن الأحاديث الموضوعة والضعيفة :

(( ومن كذبَ عليَّ مُتعمِّداً فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار ))

[ البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ] .

(( مَنّ حدَّثَ عنِّي بحديث يرُى أنه كذب ، فهو أحد الكاذَّبين ))

[ أخرجه مسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة ] .

الشيء الثاني : أي فرقة ضالة يكبر فيها الشخص على حساب المبدأ ، نحن في عالمنا الإسلامي ليس عندنا رجل كلامه دليل ، إلا أن يأتي بدليل على كلامه ، المنهج إن كنت ناقلاً فالصحة ، مبتدعاً فالدليل ، فالدليل أساس ديننا ، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء .

الشيء الثالث : تخفيف التكاليف ، تخفف التكاليف ، ويؤله الأشخاص ، ويعتمد على نصوص موضوعة أو الضعيفة ، لو درست الفرق الضالة من العهد الأموي وحتى الآن لما وجدت الفرق تخرج عن هذه الخصائص الثلاث .

الآن أهل السنة والجماعة يعتمدون على النصوص الصحيحة والمبادئ أكبر من الأشخاص ، والشيء الثالث ما هو ؟ بالمقابل المبادئ أكبر من الأشخاص ، والنصوص صحيحة ، والتكاليف كاملة ، هؤلاء هم على حق .

Text Box: على كل إنسان أن يبتعد عن الخصومات التي تضعف المسلمين  ليرقى عند الله تعالى :

على كلٍ الإنسان دائماً حينما يعتدل حتى في خصومته يرقى عند الله عز وجل ، يعتدل .

(( أحْبِبْ حبِيبَك هَوْنا مَّا ، عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يوماً مَّا ، وأبْغِضْ بغيضَك هَوْنا مَا عسى أن يكونَ حبيبَك يوماً ما )) .

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ] .

(( الأَلَدُّ الْخَصِمُ )) .

الألد بالتشديد الشديد في الخصومة ، هو الشديد في الخصومة .

فلذلك الآن نحن بحاجة ماسة إلى أن نبقى في المتفق عليه ، أنا أقول لكم : بإمكان كل داعية في العام الإسلامي أن يدعو إلى الله خمسين عاماً دون أن دون أن يتعرض للخلفيات، ابقَ في المتفق عليه .

هذا الأعرابي الذي قال للنبي : عظني ولا تطل ، قال له :

( سورة الزلزلة ) .

قال كُفيت ، إذاً آية واحدة كفت أعرابياً ، فقال عليه الصلاة والسلام : "فقه الرجل " فما قولكم في قرآن يتلى علينا صباحاً و مساءً ؟

أنا أتمنى على كل أخ كريم أن ينفتح على الناس لا أن ينغلق ، لا أن يدعي على أنه على حق والناس على باطل ، لا يدعي أن جامعه هو الأوحد وما سوى ذلك كله هراء بهراء ، هذا موقف غير أخلاقي ، وغير موضوعي ، والله عز وجل يحب عباده جميعاً .

أحياناً الإنسان يتوهم في ساعة جهل أن الله له وحده ، وأن الجنة له وحده ، مع أن الله فضله عميم ، والله لكل عباده ، ولكل الناس ، فهذه النظرة الضيقة تنشئ خصومات ، وتضعف المسلمين ، وتفتت في عضدهم ، هذا الحديث الشريف :

(( إنَّ أبغض الرجالِ إلى اللّه تَعَالَى : الأَلَدُّ الْخَصِمُ )) .

(( غَفرَ الله لرجل كان قبلكم : سهلاً إذا باع ، سَهلاً إذا اشترى ، سهلاً إذا اقتضى )) .

[أخرجه البخاري والترمذي عن جابر بن عبد الله ] .

وقس على ذلك حتى في أية علاقة أخرى ، وحينما أثنى الله على نبيه الكريم أثنى عليه بخلقه العظيم ، والدين هو حسن الخلق ، ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين .

والحمد لله رب العالمين

بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"