بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 15 أبريل 2010

في معنى اسم" الرزاق"

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الدرس الثاني عشر من دروس أسماء الله الحسنى والاسم اليوم هو الرزاق . ورد هذا الاسم في قوله تعالى :

(سورة الذاريات)

والرزَّاق كما تعلمون صيغة مبالغة ، وإذا جاء اسم الله عزَّ وجل بصيغة المبالغة فمعنى أنه يرزق العباد جميعاً مهما كثر عددهم ويرزق الواحد منهم رزقاً وفيراً لا حدود له ، إما على مستوى مجموع المرزوقين ، وإما على مستوى كمية الرزق ، لذلك لم تأت الرازق بل أتت الرزَّاق ، لأنه يرزق كل العباد ويرزق العبد الواحد كل شيء ، إذا أعطى أدهش .

وورد هذا الاسم في قوله تعالى على شكل فعل مضارع :

(سورة العنكبوت الآية 60)

ومن دعاء سيدنا داود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، اللهم يا رازق البُغاث ، (للبغاث قصة) ، والبغاث فراخ الغراب ، أضعف أنواع الطير ، والمثل العربي الشهير : "إن البغاث بأرضنا يستنسر" ، لشدة ضعفنا صار البغاث وهو أضعف الطيور صار أمامنا كالنسر .

هذا البغاث فرخ من فراخ الغراب فإذا انفقأت البيضة عنه خرج البغاث أبيض كالشحمة ، يعني قطعاً من الشحم ، فإذا رآه الغراب أنكره لبياضه ، لأن الغراب أسود اللون ، فيسوق الله تعالى له بعض الحشرات يتغذى عليها إلى أن ينبت ريشه ويسود لونه عندئذ يتعرف عليه الغراب .

فمن أغرب هذه القصص أن فراخ الغراب وهي البغاث عبارة عن شحمة بيضاء لا تقوى على شيء والله سبحانه وتعالى يسوق لها الرزق ، إذاً ورد في بعض الأدعية يا رازق البغاث في عشه .

الحقيقة الرزق من الخطأ والسذاجة أن تحصره في الطعام والشراب قال :

(سور آل عمران)

فقال العلماء: " رزق الأبدان بالأطعمة ورزق الأرواح بالمعرفة "، والمعرفة أشرف الرِزقَين فإذا خصك الله بدخل وفير أكلت به أطيب الطعام وخص عبداً آخر برزق المعرفة فاعلم علم اليقين أن العبد الآخر أكثر حظوةً عند الله منك لأنه منحه رزق النفوس رزق الأرواح وهي المعارف ، قال الله عز وجل :

(سورة القصص)

هذا هو الرزق .. وقد ورد في بعض الأحاديث : " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " وكأن النبي عليه الصلاة والسلام استعمل كلمة الطعام والشراب للرزق الروحي وهو أشرف أنواع الأرزاق .

يا أيها الإخوة الأكارم .. بشارة : من أسباب سَعة الرزق الصلاة .. ما الدليل .. قال الله عز وجل :

(سورة طه)

استنباط من الآية لطيف جداً ، فإذا أردت أن يزداد رزقك لن أقول لك صل فأنت مصلٍ إنما أقول لك أتقن صلواتك ، فالخشوع من فرائض الصلاة لا من فضائلها ، وربنا عز وجل حينما أثنى على المؤمنين ، قال الله تعالى :

(سورة المؤمنون)

ومن آداب العبودية أن يرجع العبد إلى ربه في كل ما يريد ، في الأشياء النفيسة وفي الأشياء الخسيسة ، هذا من آداب العبد مع الله عز وجل ، أن يرجع إليه في كل شيء خسيساً كان أو نفيساً ، أي إن الله يحب من العبد أن يسأله شسع نعله إذا انقطع .. ضيعتَ مفاتيح البيت قل اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه ، اجمع بيني وبينهم ، اِسأله الأشياء الخسيسة كما تسأله الأشياء النفيسة .. إذا أضعت مكان موعد اللقاء مثلاً..

ذكر لي أحد الأخوة توجه إلى المدينة المنورة ونسي العنوان الذي سوف يتوجه إليه فدعا الله في الطريق فساقه إلى البيت بشكل يسير بينما إنسان آخر بقي عشر ساعات ضائعاً عن مكان البيت .

إذاً اسأله الأشياء الخسيسة كما تسأله الأشياء النفيسة ، وهذا من تمام العبودية لله عز وجل.

الدليل .. سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام ماذا سأل الله ، قال رب أرني أنظر إليك ، فهذا من الأسئلة النفيسة من أرقى الأسئلة ، ولما جاع قال : " إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ "، وهذا دليل على أن العبد يجب أن يسأل ربه كل شيء .

سيدنا علي رضي الله عنه يقول : " لستَ مطالباً بطلب الرزق ولكنك أمرت بطلب الجنة " فما الذي فعلته ، تركت ما أمرت بطلبه وطلبت ما أُمرت بتركه ، هذه مشكلة الناس ، والله سبحانه وتعالى ضمن لهم الرزق بأدلةٍ كثيرة ، قال الله تعالى :

(سورة الذاريات)

(سورة الروم)

(سورة الأنعام)

(سورة الإسراء)

أدلة كثيرة .. قال الله تعالى :

(سورة الذاريات)

إذاً ربنا سبحانه وتعالى طمأننا بأنه تكفل لنا رزقنا ، ومع ذلك يجهد الناس ويبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل من أجل الرزق ، " خلقت السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ، لي عليك فريضة ولك علي رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك " . تكّفل لنا بالرزق وأمرنا أن نسعى للدار الآخرة ، فقال:

(سورة النجم)

ماالذي يحصل ، إن الذي كُلِّفت في طلبه توانيت في طلبه والذي ضمنه لك سعيت إليه .

إذاً أَقبلوا على ما كُلِّفتم ودعوا ما ضُمِن لكم ، سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام يَقول فيما تروي بعض الكتب : " لا تغتمُّوا لبطونكم ".

إنسان توفي أخوه وترك لهم خمسة أولاد ليس له مورد رزق ، فصار يبكي ، ثم التقى بشيخه فقال له ما بالك يا ولدي ، قال توفي أخي وترك لي خمسة أيتام ، قال ألم يترك لهم شيئاً ، قال بلى شيئاً يكفيهم سنة قال جيد حينما تنتهي هذه المؤونة ابدأ بالبكاء . وتروي المقولة إن هذا الرجل توفي قبل أن ينتهي الرزق بثلاثة أشهر .

أعرِفُ شخصاً سيُهدم منزله ، لسبب تنظيمي ، فضاج وزمجر وأرعد ، وتمزق وبكى واستعطف ، وقد وُعِدَ وَعْدَاً قطعياً بتأمين بيتٍ لائق له ، رغم كل الوعود والمواثيق بقي مضطرباً وضَجِراً ومات بعد أشهر عدة قبل أن يهدم بيته .

الإنسان لا ينبغي له أن يهتم للشيء أكثر مما ينبغي .

قال بعض العلماء : " الرازق من غذّى نفوس الأبدان بتوفيقه ، وحلى قلوب الأخيار بتصديقه " ، دائماً الرزق رزقان رزق الأبدان ورزق النفوس ، وقال عليه الصلاة والسلام : " إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت "

وبعض العلماء فسر القوت برزق الأرواح ، يعني إذا صليت صلاةً وأعجبتك ، إذا صليت وبكيت إذا قرأت القرآن وخشع قلبك تطمئن فمعناها أنك قريب من الله عز وجل ، وأن هناك حياة ونبض ، وأن هناك شيئاً من الإخلاص حتى خشعت ، إذاً إذا أحرزتِ النفس قوتها اطمأنت، بالمعنى الأول والمعنى الثاني .

قال بعض العلماء : " الرزاق من خص الأغنياء بوجود الرزق "، ترى الغنيَّ أنَّ المال بين يديه كثير ، يأكل ما يشتهي يشتري أجمل بيت يقتني أجمل أثاث ، يذهب إلى أي مكان يشاء ، يختار أجمل مركبة ، يختار أجمل الثياب ، يختار أجمل المصايف . قال : " الرزاق هو الذي خص الأغنياء بوجود الرزق ، وخص الفقراء المؤمنين بشهود الرزاق ".

أعطاك طعاماً وأعطى الغني طعاماً وشراباً وبيتاً ودخلاً ومركبة وأعطى الفقير المؤمن شهود الرزاق ، إما أن تجد الأرزاق وإما أن تشهد الرزاق ، المجموع ثابت ، هناك نظرية رائعة جداً ، معناها لو جمعت كل شيء أعطاك الله إياه وجمع الآخَرُ كل شيء أعطاه الله إياه لكان مجموع الاثنين واحداً ، فإذا أخذ منك بعض البحبوحة عوضك عنها ببعض التجلي، وإذا أغرقك في النعيم المادي حرمك من نعيم القرب .

فهناك توازن يعبّرون عنه بأن المجموع واحد والمجموع ثابت ، وهناك نظرية أخرى ليست في المعنويات في الماديات ، فلو أعطى الإنسان علامة للزوجة والبيت علامة والدخل علامة ولوظيفته علامة ولصحته علامة ولوسامته علامة ، تجد أن معظم الناس ينالون مجموع علامات واحد لكن متفاوتة فيما بينها ، مثلاً ثمانية على الزوجة اثنان على الأولاد خمسة على الرزق فالمجموع خمس عشرة ، اثنتان على الزوجة ثمان على الأولاد خمس على الرزق المجموع خمس عشرة ، عشر على الرزق ثلاث زوجة اثنان على الأولاد المجموع خمس عشرة، فلو دققت ترى من له دخل أقل من حاجته هو منعم براحة البال التي لا يحلم بها من آتاه الله زرقاً وفيراً ، يؤكد هذا قوله عليه الصلاة والسلام : " خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر " .

شيء آخر عن الرزق ، الزرق أيها الإخوة في أدق تعاريفه هو ما يُنتَفع به : المال ينتفع به ، العلم ينتفع به ، الخلق ينتفع به ، شعور القلب بالطمأنينة ينتفع به ، في أدق تعاريف الرزق، الرزق ما ينتفع به .

جاء رجل إلى حاتم الأصم ، فقال من أين تأكل ، فقال من خزائنه فقال الرجل أيلقي الله عليك الخبز من السماء ، فما هذا الكلام ، قال لو لم تكن الأرض له لألقى علي من السماء الخبز، يرزقني من الأرض " هكذا تجد أن الإنسان حينما يطلب الرزق من الله عز وجل فالله يسوق له الرزق، يلتقي بإنسان صدفة يسأله أتعمل ، يقول لا ، يقول له هناك عمل .

الموضوع طويل وله آلاف الشواهد ، قد ترزق من حيث لا تحتسب قد ترزق بسبب تافه جداً قد ترزق بنظرة ، قد ترزق برسالة جاءتك خطأً قد ترزق ببضاعة كاسدة .

سمعت أن أحد تجار البزورية في الحرب العالمية الثانية باع السكر بزيادة قليلة فجاءت الضابطة فأغلقت المحل بالشمع الأحمر ، إلى أن انتهت الحرب تضاعف السعر مائة ضعف فاغتنى إلى ولد ولده كما يقولون، فقد ترزق بشيء مزعج ، فالله عز وجل هو الرزاق ذو القوة المتين .

الشيء الدقيق أنك إذا علمت أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين أفردته بالقصد ، الناس أحياناً يتجهون إلى زيد إلى عبيد إلى فلان إلى هذه الجهة يطمعون ليأخذوا ، ولكن إذا علمت أن الله وحده هو الرزاق تفرده بالقصد ولا تسأل أحداً سواه ، تكسب العزة والكرامة والطمأنينة والحظوة عند الله عز وجل .

قيل لإنسان آخر من أين تأكل قيل من خزائن مَلِكِ لا تدخلها اللصوص ولا يأكلها السوس ، خزائن الله عز وجل مفتوحة وخزائنه مملوءة وخزائنه فيها كل شيء ، والدليل . قوله تعالى :

(سورة الحجر)

من أسخف النظريات أن يقول الإنسان إن موارد الأرض تشح ، إن الأرض مهددة بمجاعة، إن ازدياد السكان ازدياد هندسي ، "مالتوس" يقول الانفجار السكاني سيوقع الناس بمجاعة كبيرة ، هذه كلها كلمات من لا يعرف الله عز وجل ، لأن كل تقنين أو تقتير أو تقليل في الرزق هو تقليل وتقنين من نوع التأديب لا من نوع العجز ، والإنسان وحده إذا قنَّن فعن عجز أما الإله إذا قنن فلغاية التأديب فقط .

امرأة أحد العارفين بالله قيل لها كيف يرزقك زوجك قالت زوجي ليس رزَّاقاً بل كيّال .

فمن الأخطاء الشائعة أخطاء في التوحيد ، يقولون فلان معيل ، أي عنده عائلة كبيرة ، والصواب فلان مُعال وليس مُعيل ، المُعيل هو الله عز وجل ، والناس كلهم على مائدة الرحمن .

كما قلت قبل قليل إن الله عز وجل خص الأغنياء بوجود الأرزاق وخص الفقراء بشهود الرزاق ، فمن شهد الرزاق ما ضره ما فاته من الأرزاق ، من علامة المؤمن أنه إذا عرف الله ووصل إليه ما تألم على شيء فاته من الدنيا قط ، إذا تألمتَ ألماً شديداً وإذا احترق القلب حرقة لاذعة على شيء فاتك من الدنيا فهذه علامة أنك لا تعرف الله وأنك ما وصلت إليه ، فلو وصلت إليه لما تألمت ولما حزنت على شيء فاتك من الدنيا إطلاقاً ، وقد قيل إن سيدنا الصديق رضي الله عنه ما ندم على شيء فاته قط ، أحياناً تجلس مع إنسان تحس قلبه يحترق ندماً لأن هذه الأرض باعها ثم أصبح سعرها مائة ضعف ، متألم ألماً شديداً ألماً لا حدود له - بل إن معظم الأمراض اليوم أمراض القلب والشرايين أمراض المعدة وأمراض الأعصاب وأمراض الأوعية ، هذه الأمراض أكثرها بسبب الآلام والندم ، دائماً يتألم ، أما إذا شهدت الرزاق ما ضرك ما فاتك من الأرزاق .

ومن عرف أن الرزاق واحد قصده ولم يسأل أحداً سواه ، كلكم يعرف القصة التالية أن أحد خلفاء بني أمية طلب عالماً جليلاً ليلتقي به ، فالتقى به ، فأراد هذا الخليفة أن يكرم هذا العالم، قال له سلني حاجتك ، فقال والله إني لا أسأل غير الله في بيت الله ، فهذا بيت الله أستحي أن أسأل أحداً سواه ، فلما التقى به خارج المسجد قال له سلني حاجتك ، قال والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها ؟ فلما أصَّر عليه ، قال أطلب منك الجنة ، قال هذه ليست لي ، قال إذاً ليس لي عندك حاجة .

هذا العِزّ عزة التعفف ، فما أجمل أن يعطي الغني الفقير ، والأجمل من ذلك أن يتعفف الفقير عن مال الغني وأن يقول الحمد لله .

قال بعض العلماء : " كما أن الله لا شريك له في خلقه ، لا شريك له في رزقه ، كما أنه لا إله إلا الله ، أيضاً لا رازق إلا الله .

يقولون دائماً إذا أعطى أدهش .

ولو كانت الأرزاق تجري مع الحجى هلكن إذاً من جهلهن البهائم

ترى إنساناً ذكياً جداً رزقه قليل وقد تجد إنسان في منتهى البساطة والسذاجة رزقه وفير ، فمعناها الرزق له عامل آخر غير عامل الذكاء وعامل السعي ، لكن تأكدوا أن للرزق علاقةً بالاستقامة ، العوام يفهمون أن هذا الرزق مكتوب ولا حيلة لأحد في كسبه ودفعه ، هذا الكلام صحيح من جانب واحد ، فالله يقول :

(سورة الجن)

(سورة الأعراف)

" قد يحرم المرء بعض الرزق في المعصية " حديث شريف .. إذا أردنا أن نوضح هذه الحقيقة ، مثلاً إذا رأيت أن ابنك ليس أهلاً لتملك المال، فإنك تعطيه الحد الأدنى ، تعطيه مبلغاً يسيراً يكفي حاجاته الضرورية ، أما إذا كان ابنك من أهل الصلاح ، ورعاً واستقامةً واتزاناً وحكمةً تقول له أبقِ معك الخمسمائة ليرة لا شيء عليك ، أما خمسمائة لولد آخر يذهب لأماكن لا ترضي الله عز وجل تعطيه ثمن شطيرة ثمن ركوب سيارة ، الحد الأدنى .. لذلك قال الله تعالى:

(سورة الشورى)

الفكرة خطيرة وهامة جداً ، التقنين تقنين تأديب لا تقنين عجز ، أو الأصح من ذلك التقنين تقنين حكمة لا تقنين حاجة .

يروى في بعض الكتب أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، سأل الله في مناجاته ، قال يا رب إني تعرض لي الحاجة الصغيرة أحياناً ، أفأسألها منك أم أطلبها من غيرك ، أي أن الإنسان أحياناً يحتاج شيئاً بسيطاً ، فمرةً حدثني طبيب ناشئ أول ما فتح عيادة له ووالدته مريضة في دمشق وهو في بلد آخر ، يحتاج لمبلغ معين، فقال يا رب أريد المبلغ الفلاني، فعلى خلاف العادة أتاه مريض وراء مريض .. إلى أن اجتمع المبلغ بكامله .

الإنسان أحياناً عليه دفع .. ليقل يا رب ليس عندي فأعطني ، عوّد نفسك الطلب من الله فإذا رأيت الزوجة متصلبة برأيها فقل يا رب .. رأيت الشريك مزعج .. فقل يا رب لطفه .. وجدت الابن منحرف .. يا رب أدبه .. وجدت العمل مزعج .. فقل يا رب بدله لي ، عوّد نفسك أن تسأل الله عز وجل كل شيء . قال يا رب إني لتعرض لي الحاجة الصغيرة أفأسألها منك أم أطلبها من غيرك ؟ فأوحى الله تعالى إليه ، لا تسل غيري .

أحياناً الإنسان مع أخيه المؤمن يقول إكراماً له : إياك أن تسأل أحداً غيري ، كلما سنحت لك حاجة تعال إلي وخذها مني ، هذه منتهى المودة ، فإنك إذا أحببت إنساناً حباً شديداً ، فإنك لا ترضى أن يبذل ماء وجهه لغيرك ، فإنك تقول له إياك وأستحلفك بالله أية حاجة تعرض لك فأَتِ إلي ، وكأن الله عز وجل لشدة حرصه علينا وحبه لنا قال لا تسأل غيري .

يُحكى عن حماد بن مسلمة أنه قال ، كان في جواري امرأة أرملة لها أيتام ، وكانت ليلة ذات مطر ، فسمعت صوتها ، تقول يا رفيق أُرفق بحالي ، قال فخطر ببالي أنها أصابتها فاقة ، فصبرتُ حتى احتبس المطر ، فحملتُ معي عشرة دنانير ، وقرعت عليها الباب ، فقالت : حماد بن مسلمة؟ " يبدو أنه معروف بالصلاح " فقلت نعم حماد ، كيف الحال ، فقلت في خير وعافية، احتبس المطر ودفي الصبيان ، فقال خذي هذه الدنانير وأصلحي بها بعضَ شأنك .. عندها بنية صغيرة ، صاحت هذه البنية ، لا نريد يا حماد أن تكون بيننا وبين الله ، ثم قالت لأمها لما رفعت صوتك بإظهار السر علمت أن الله يؤدبنا بإظهار الرفق على يد مخلوق .

أحياناً ينالك الخير من الله مباشرة ففيها عز ، لا أحد له عليك مِنَّة وأحياناً أنت تشتكي ، فإذا اشتكيت لمؤمن قد يرّق لك قلب هذا المؤمن لكن الآن سيأتيك العطاء لا من الله مباشرة عن طريق هذا المؤمن فإذا اشتكيت إلى كافر يشمت بك وقد يعطيك ، لكن هذا منتهى الإهانة أن يعطيك عن طريق كافر ، فإذا كان هناك منظر يهز أعمق مشاعري أن أرى مؤمناً يتذلل أمام كافر ، يبذل ماء وجهه ، يتشكى ، يتطامن يتضعضع ، والآخر يشعر أنه لو الإيمان ينفع لما اشتكيت إلي ، كأنه يشمت بك .

فمن اشتكى لمؤمن فكأنما اشتكى إلى الله ، ومن اشتكى إلى كافر فكأنما اشتكى على الله ، وأرقى أنواع الشكوى أن لا تشتكي ..

(سورة يوسف)

أحدهم شعر بآلام بجسمه آلام لا تحتمل ، لو قال لزوجته أو لبناته أو لأولاده ، فإنهم يتعاطفون معه ويتأثرون ، من يستطيع أن يوقف هذا الألم ؟ الله وحده .

هناك أشخاص يصبرون يكابرون ، لا يحبون أن يُشركوا أحداً في مصيبتهم ، هذا مستوى من المستويات ، ولكن لا مانع إذا اشتكى الرجل لزوجته ، هذا ليس موضوع حلال وحرام ، ولكن هذا كلما رقت النفس وشفت ، ترى أن الله عز وجل هو وحده يُشتكى إليه ، " قال يا إبراهيم ألك حاجة ؟ قال منك ؟ قال لا من الله ، قال علمه بحالي يغني عن سؤالي ".

فالله يراك ، ويعرف وضعك ودخلك يعرف ألمك يعرف مرضك يعرف مشكلتك مع زوجتك، يعرف مشكلتك مع شريكك ، يعرف بعد بيتك، يعرف سوء الموصلات ، يعرف أنك أوصلت فلان والوقود غالٍ .

فالله يعرف كل شيء . فالله يقدّر الليل والنهار ، فكلما شفت نفسك وكلما أقبلت على الله تستغني به عما سواه ، تشعر بعزة النفس فالمؤمن يمتلئ عزة يمتلئ إيماناً وغنى ونشوة وعزة وكرامة .

تحدث لي أن شخصاً مهماً يدنّي نفسه لعرض من الدنيا قليل ، فمرة نظرت فوجدت أمام أحد المصارف ازدحام كبير ، أكثر من خمسمائة شخص الساعة الثانية والنصف ، بأشد أيام الحر ، فسألت ما القصة ، قالوا هناك تسجيل على السيارات ، الساعة السادسة مساءً ، فهم واقفون من الساعة الثانية بدورهم .

الإنسان أمام مصالحه وأمام المكاسب الدنيوية يتجشم المشاق ، لكن أمام عباداته وأمام الأعمال الصالحة ، فدائماً يميل إلى الراحة والى الكسل ، " قالت لأمها يا أمي ، لما رفعت صوتك بإظهار السر علمت بأن الله يؤدبنا بإظهار الرفق على يد مخلوق " . هناك دعاء بهذا المعنى " يا رب ارحمني رحمة من عندك " ، من عند الله مباشرة ، أحياناً ربنا يؤدب ولكن تأديب فيه ستر ، آلام داخلية والمظهر ليس به شيء ، وأحياناً مرض جلدي كلما التقيت مع إنسان " يقول لك خيراً إن شاء الله ما هي القصة ، أين تعالجت ، أنت تريد بالناقص كلمة ، يعطيك الناس كلمة زائدة ، أحياناً الإنسان لا يحب أن تنتشر مشكلته بين الناس ، ولكن الله أحياناً يرسل مشكلة من شأنها أن تنتشر ، وأحياناً ربنا يؤدب الإنسان تأديباً داخلياً ، تأديباً مباشراً " .. يا رب اغفر لي مغفرةً من عندك " أي يا رب إذا أردت أن تؤدبني فأدبني سراً ، أي بينك وبين الله "، كيف ترى ، هذا العقاب من هذا العمل ..

حدثني شخص أثق بإيمانه وأعلم أنه يغض بصره عن محارم الله سافر إلى أوربا ، قال في مطار لارنكا في قبرص ، طائرة سويدية نزل منها نساء بزي واحد وعدد كبير جداً ، قال كيف خانتني عيني ونظرت لا أدري ، وبعد ذلك ركب سيارة أجرة ثم دفع للسائق أجرة بعملة أجنبية ، فالسائق ساقه إلى مخفر شرطة ، فدخل وتكلم مع عناصر الشرطة ، خرج اثنان فأخذوه ووضعوه في قفص صغير ، هو شخصية مهمة جداً وذاهب إلى مؤتمر ويتقن لغتين ، فما هذا الذي وقع فيه ، قال والله بكيت ، فوقع في قلبه نداء " لماذا نظرت إليهن " .

فأحياناً الله عز وجل يغفر لك مباشرة من دون سجن ومن دون إهانة وأحياناً هناك عذاب مهين .

مرةً رأيت في الطريق شخصاً يرتدي أجمل الثياب وعمره من فوق الخمسين سنة ، تقاوّل مع الشرطي ، من أجل المرور ، فجاء الضابط فلطمه لطمتين على وجهه ، فالآن كلما أذكر المشهد أمام الناس يرتدي بدلةً كحلي وأزرار معدن وأنيق جداً ، قلت إن الله عز وجل عنده عذاب مهين وعنده عذاب أليم وعنده عذاب عظيم ، وذلك في الآخرة ، بالدنيا عذاب أليم عذاب مهين ، هناك آلام للسرطان لا تحتمل ، وآلام نوبات الرمل لا تحتمل، فالله قال : " وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ " ، المس عندما يلمس الإنسان المكواةَ احتياطاً يبلل يده بلعابه ويضع إصبعه على المكواة بأقصر زمن ممكن وبأبعد مكان ممكن ، هذا هو المس ، فربنا إذا مسنا بألم لا نحتمل فكيف إذا سلطه عليه ، فالإنسان ضعيف .

بعضهم تسمو هممهم فلا يطلبون من الله إلا الحوائج النفيسة يقولون يا رب ارزقني الجنة، يا رب ارزقني أن أعرفك ، يا رب لا تمتني قبل أن ترضى عني ، دائماً طلباتهم متعلقة بالجنة والمعرفة وفهم القرآن وإتمام التفسير ، وهناك أشخاص يقولون يا رب يخرج المستأجر من داري ، يا رب .. فناس يطلبون أشياء نفيسة وناس يطلبون أشياء خسيسة ، هذا اجتهاد .

هناك من يقول " لا أطلب من مولاي غير مولاي ، وأما الحقير أطلبه من الحقير " أي لا أطلب من الله إلا الله ، وإذا كان شيء حقير أطلبه من إنسان عادي .

يُحكى أن امرأة يحيى بن معاذ قالت ليحيى لقد رأيت العجب العجاب إن بنيتي طلبت مني شيئاً تأكله مع الخبز ، فقلت لها سلي من الله قالت ابنتها " إني أستحي من الله أن أسأله ما آكل " هذا اجتهاد آخر، لك أن تأخذ بالأول أو بالثاني ، ولكن الحديث الشريف :

عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ *

وهناك تعليق ، أن هذه الصبية الصغيرة تستحي أن تسأل الله مباحاً وهذا الشيخ الطاعن في السن لا يستحي أن يعصي الله .

والله هناك منظر لا يصدق إنسان في الستينات يلعب الطاولة في القهوة تارك للصلاة ، وإنسان متصابٍ بالخمسينات يتزيّن أمام الفتيات أو واقف على محل أو على شرفة أو على طريق ينظر إلى النساء أو على مقهى رصيف جالس ينظر إلى النساء ، شيء عجيب ، قال عليه الصلاة والسلام في بقية هذا الحديث " ... وأُبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد".

إن الله عز وجل يرزق الأرواح والسرائر كما يرزق الأشباح والظواهر ، أؤكد لك إذا أنت صليت صلاة صحيحة ، أو إذا أكرمك الله بالحج مثلاً ، وقف في عرفات وبكى حتى انتشى ، يبقى أحياناً شهراً في نشوة هذا البكاء ، أو هذا القرب أو هذه الرحمة ، إذا صلى فرض صلاة وشعر أن هذه الصلاة جيدة ، هذه الصلاة التي أرادها الله عز وجل شعر بخشوع فتح الله عليه في فهم ما تلا من قرآن ، هذه أرزاق ، إذا صام رمضان صياماً مقبولاً وشعر أن صيامه كان صحيحاً ، ليس فيه معاصيٍ ، كان منيباً إلى الله فيه ، وصلى التراويح بنشاط ، يقول لي بعض الإخوة الأكارم لو كان التراويح خمسين ركعة نحن في سرور طبعاً صيامه صحيح مستقيم أثناء النهار ، أكل قليلاً ، نام قليلاً عصراً ، جاء إلى التراويح نشيط.

قال إن الله يرزق الأرواح والسرائر كما يرزق الأشباح والظواهر وأرزاق القلوب الكشوفات والمعاني كما أن أرزاق الأجساد الغذاء والأحاظي، جمع حَظوةً ، الكشوفات أي أن المؤمن يرى مالا يرى الآخرون عنده رؤيا ، عنده شعور ، يعرف جوهر الحياة ، يعرف أين كان وإلى أين المصير ، يعرف أثمن ما في الحياة .

أحياناً الإنسان يضيع وقته بأشياء تافهة وأحياناً يمضي وقته بأشياء ثمينة ، وهذا أيضاً رزق ، هناك نقطة ثانية ، وهي عكس الرزق ، فكما أن الله عز وجل يضيق على العبد رزقه ، قال الله تعالى:

(سورة الفجر)

تراه ذكياً ، يحمل شهادة عليا ودخله قليل ، ليس له وظيفة ولا عمل هذا بتقدير الله عز وجل ، فكما أن الله عز وجل ، يضيّق على العبد رزقه المادي أحياناً يضيق عليه رزقه الروحي، يصلي صلاة لا معنى لها جوفاء ليس فيها خشوع ، يشرد في الصلاة ، قال لي شخص ، إذا كنت غلطان بالمحاسبة لا أذكرها إلا في الصلاة ، هناك أمر غير مسجل يصلي فيلقاها في الصلاة ، قال لي بالصلاة كل المشكلات تأتي إلى خاطري ، معناها هناك سد ، كما أن الله عز وجل يضيق على العبد رزقه المادي أحياناً يضيق عليه رزقه الروحي ، هذا التضييق له تفسيران، الأول أن هناك معصية هناك مخالفة هناك تقصير هناك حقوق لم تؤدِها ، هذا الحجاب ، كل معصية لها حجاب ، وهناك تفسير آخر ، قد تكون مستقيماً على أمر الله لكن هذا التضييق سببه التعطيش وصلتَ لمرتبة أنت راغب بأن تبقى فيها ، والله عز وجل أراد لك أن ترتقي عن هذه المرتبة ، فكيف تنتقل من مرتبة إلى مرتبة ، يحجب الله عنك الأحوال والمواجيد والتجليات ، تضج تقلق ، تخاف تشمر وتعمل الصالحات ، تصعد درجة ، تعيش فيها فترة لا بأس بها ثم تألفها وترضى بها، لكن الله لا يرضى لك هذه الحالة المستمر ، يحجب عنك الأحوال ، فلا صلاتك صلاة ولا ذكرك ذكر ولا تلاوتك تلاوة ، قلب متصحّر ، مالٌ فيه ضيق واشمئزاز ..

هو مستقيم ، ولكن لا يوجد أحوال ولا سرور ولا تجليّات ولا مشكلة تنطلق إلى العمل الصالح فترفع مستوى عملك الصالح فتقفز قفزة إلى أن تبلغ أعلى درجة أرادها الله لك بهذه الطريقة ، إذاً هذا تفسير قد يضيق الله على عبده رزق الأرواح .

قال أحدهم دخلت على داوود الطائي فرأيته منبسطاً ، أحياناً ترى إنساناً طليقاً مسروراً مرحاً وجهه فيه تألق ، على خده تورد في عينيه لمعان ، طليق اللسان ، حركاته خفيفة ، هذه صفات المنتشي دائماً وقبل أن أتابع القصة لي هذه الملاحظة ، أنت كمؤمن ، إن سعدت بقربك من الله عز وجل فأنت مؤمن ورب الكعبة ، إذا كانت نشوتك وسرورك وطلاقتك وراحة نفسك وجدتها بإقبالك وقربك ، فهذه علامة إيمانك ، أما إذا تألقت عيناك وتورد خداك وانطلق لسانك لأرباح حققتها أو لمكسب وصلت إليه فهذه علامة أخرى ، فمن أنت ؟ أَمِنْ أهل الدنيا أم من أهل الآخرة ؟ إذا سرك عطاء البشر فأنت من أهل الدنيا ، أما إذا سرك عطاء الله عز وجل فأنت من أهل الآخرة .

قال دخلت على داود الطائي فرأيته منبسطاً ، وكنت إذا دخلت عليه أراه منقبضاً ، المؤمن إذا أنكر قلبه وضعفت صلته بالله عز وجل يصبح كاليتيم ، تراه هادئاً ، خير إن شاء الله ، ما في شي ، قال الحسن البصري إذا تلوت القرآن وذكرتَ الله عز وجل وصليت ولم تجد شيئاً فاعلم أنك محجوب ، قال الله تعالى :

(سورة المصففين)

ذاك حجاب الآخرة ، ولكن في الدنيا حجاب ، إذا شعرت أنك محجوب انتبه وابحث عن السبب ، لعلك مقصر لعلك معتَدٌّ بنفسك لعلك مستغنٍ عن الله لعلك وقع في نفسك سوء ظن بالله وأنت لا تدري لعلك وقعت في سوء ظن بالنبي عليه الصلاة والسلام وأنت لا تدري ، فإذا شعرت أن بينك وبين الله حجاب فابحث عن السبب وإياك أن يزداد الحجاب، والحجاب يرق ويثخن ، فإذا كان الحجاب كثيفاً فالمشكلة خطيرة جداً ، كما قال سيدنا عمر " تعاهد قلبك " ، يعني راقب قلبك راقب أحوالك راقب طمأنينتك ، لو أن إنساناً استيقظ بعد صلاة الشمس فإذا لم يشعر بانقباض فحالته خطيرة جداً ، لكن إذا شعرت بانقباض شديد وألم وشعور بالخزي والعار من الله عز وجل وشعور بالضياع أما إذا قال مثل بعضها، شو صار ، أيضاً هي مشكلة كبيرة جداً ،

" دخلت على داوود الطائي فرأيته منبسطاً ، وكنت إذا دخلت عليه أراه منقبضاً فقلت أي شيء حالك ، فقال سقاني البارحة شرابَ أُنسِهِ فأردت أن أجعل اليوم يوم عيد " ، يعني صار له صلة بالله أقبَلَ على الله ، شعر بنشوة الاتصال ، هذا أجمل ما عنده فقال أردت أن أجعل ذلك اليوم يوم عيد لذلك إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أنْ هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .

نشوة المؤمن في تقربه من ربه ، أقول لكم هذه الكلمة ، يعني إذا سعد الإنسان في الدنيا فهذه علامة خطيرة ، يجب أن تسعد بالله ، وحقيقة ثانية لا يمكن أن تسعد إلا بالله ، إذا سعد إنسان بما سوى الله !! فالقرآن أليس كلام الله ؟ ربنا عز وجل قال :

(سورة طه)

سأل رجل ما بال الملوك ، كل شيء عندهم ، الأغنياء ، فأجاب عالم آخر قال : ضيق القلب ، المعيشة الضنك للأغنياء أو للأقوياء ضيق القلب في قلوبهم من الضيق والتبرّم والشقاء ما لو وزع على أهل بلد كفاهم ، لذلك فالله عز وجل قد يعطيك الدنيا ويأخذ منك راحة قلبك ، وقد يعطيك راحة القلب ويسلب الدنيا منك ، فالعبرة أن يكون قلبك غنياً بالله عز وجل .

قال سقاني البارحة شراب أنسه فأردت أن أجعل من ذلك اليوم عيداً فقلت أتأذن لي أن أحمل لك طعاماً حتى تفطر ، فقال لست أشير إلى هذا وشتان بين شراب يدار على الكف وشراب يكون في موجب لطف وروية كشف ، هناك شراب مادي وهناك شراب معنوي .

إذاً الرزاق هو الله عز وجل ، والآن ما علاقتنا بهذا الاسم ، وهذه مهمة جداً ، أول شيء أن ترضى بقسمة الرزاق بِدأً من أمك وأبيك أنت ابن فلان وفلانة ، هذا تقدير الله عز وجل ، أنا أبي ليس مثل أبي فلان انظر إلى أبي فلان راق جداً ، أخلاقه عالية أنا أبي شرس أبي قاس أبي جاهل ، أبي فقير ، انظر إلى رفيقي أبوه غني أبوه مثقف ثقافة عالية ، أبوه راق .

يجب أن ترضى بوالديك لأن هذا منتهى الحكمة ، ويجب أن ترضى بشكلك ، فالله أقامك بهذا الشكل ، طول زائد ، قصر ، وسامة ، دمامة صحة ، ضعف ، هكذا أقامك الله ، فإذا اعترضت على الله فلست مؤمناً يجب أن ترضى عن اختيار الله لك من أي رجل وامرأة كان وجودك وبأي شكل كان وجودك ، وعن رزقك وعن زوجتك ، فالله اختار لك هذه الزوجة ، أكثر الأشخاص غير المؤمنين يمضي كل حياته في عذاب يقول ما توفقت في هذه الزوجة ، فالله اختارها لك ، علم فيك خيراً فضمها إليك لعلك تهديها إلى الله ، انظر إلى المؤمن عنده حسن ظن بالله ، لو أن الله ساق له ولد سيئ لا يتبرم ، يقول لك الله عز وجل هكذا اختار ، لو زوجه امرأة سيئة ، وفي القصة .. قال له أحدهم طلقها قال والله لا أطلقها فأغش بها المسلمين .

هذا يعني أن ترضى عن رزق الله لك ، والمعنى الثاني أن تجعل يدك على مالك وأن تجعل مالك خزانة ربك ، يدك على المال يد الأمانة لا يد الملك ، قال الله تعالى :

(سورة الفرقان)

إذاً أول معنى من معاني الرزق أن ترضى بما قسمه الله لك ، وإذا رضيت بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس ، المعنى الثاني ، أن تجعل مالك مال ربك وأنت عليه أمين ولستَ مالكاً .

والحمد لله رب العالمين

في معنى "الوهاب" جل جلاله

بادئ ذي بدء ، الإنسان عقل وقلب ، بعقله يعرف الله وبقلبه يحبه ، وهذا الاسم اليوم متعلق بالحب ، وقبل أن أشرح معنى الوهاب لغةً واصطلاحاً أضرب لكم مثلاً مُنتَزَعاً من حياتكم اليومية ، قد يوجد شاب فقير جداً يعاني من شظف العيش ومن خشونة الحياة ، لو أن إنساناً اختاره زوجاً لابنته ، ابنته مهذبة متعلمة مؤمنة طيّعة ، ومنحه منزلاً ومنحه َمْتجراً ومنحه مركبة، ألا يمتلئ قلب هذا الشاب حباً وحمداً وشكراً لهذا الرجل الذي أنعم عليه بكل هذه النعم ؟ هذا شأن الإنسان .

" يا داوود ذكّر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها " .

القصد من معرفة اسم الوهاب أن تحب الله عز وجل ، لأنه لا إيمان لمن لا محبة له ، ليس الإسلام حقائق ندركها وحسب ، بل هو حقائق ومشاعر ، أن يكون العقل مدركاً لوجود الله ولعظمته ولأسمائه الحسنى وأن يكون القلب مفعَماً بحب الله ، سأضع بين أيديكم هذه الحقيقة: أقول لكم إنَّ الذي يحرك الإنسان حبَّه أكثر مما يحركه عقله ، فالإنسان بدافع الحب يقدم الغالي والرخيص والنفس والنفيس ، بدافع الحب يقدم كل شيء ، بدافع العقل قد يقتنع وقد يعتقد وقد يوقن ولكن لا يتحرك.

لذلك فالدعاة إلى الله يجب أن يخاطبوا العقل والقلب في وقت واحد ، ربما إذا أحدثوا في العقل القناعة فهذا نصف النجاح ، أما إذا أحدثوا في الإنسان بالإضافة إلى قناعة العقل موقفاً أساسه الحب فهذا كل النجاح ، أنت قبل كل شيء إنسان لك عقل ولك قلب ، العقل إذا أعمَلْته في الكون عرفت الله ، وإذا أدركت النعم الإلهية أحببته بقلبك ، وإذا أحببت الله فقد أحسنت الاختيار، لا يُسمى الإنسان إنساناً إلا إذا أحب .

مرةً كنا في الجامعة وقد أحيل أحد الأساتذة إلى التقاعد وأقيمت له حفلة طيبة وهو أستاذ علم النفس ، قال هذه الكلمة و لا أنساها :

" الإنسان الذي لا يشعر برغبِة أن يُحِب و لا يشعر برغبة أن يُحَب فليس من بني البشر "

لا يمكن أن تُسَمَّى إنساناً إذا كان قلبك صخراً ، أو إذا كان قلبك جلموداً .

إذاً لا بد من أن تُحِبَّ ، الشيء الذي يلفت النظر هو أن أصحاب النبي عليهم رضوان الله، لماذا فعلوا المستحيلات ؟ لماذا باعوا أنفسهم لماذا قدموا كل شيء ؟ أحدنا لو جرحت يده أو أصبعه لصاح ولضمدها ولاعتذر عن لقاءآته ولأخذ إجازةً ... سيدنا جعفر تأتيه ضربة سيف تقطع يمينه فيُمسك الراية بشماله ، تأتيه ضربة سيف أخرى تقطع شماله فيمسك الراية بعضديه إلى أن يخِرَّ شهيداً ، ما هذا الحب ؟!

الخنساء قبل أن تُسلم ملأت الدنيا صخباً وعويلاً على أخيها صخر ، فلما توفي أولادها الأربع ، استشهدوا في القادسية ، ما زادت على أن قالت :

" الحمد لله الذي شرفني بقتلهم ، وأرجو الله أن يجمعني معهم في مستقر رحمته ".

خُبيب بن عدي وهو على مشارف القتل ، صلبه المشركون في جذع نخلة ، تمهيداً لرميه بالسهام ، قال له أبو سفيان : أتحب أن يكون محمدٌ مكانك ؟ .. الكلام الشائع الآن : " ألف أم ولا أمي " .. أتحب أن يكون محمدٌ مكانك ؟ .. قال : " والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكه " ما هذا الحب ؟ اقرؤوا تاريخ الصحابة أيها الإخوة تجدوا العجب العجاب ، تجدوا شيئاً لا يوصف .

سيدنا الصديق وهو خليفة رسول الله ، من أعماله الطيبة أنه كان يحلب شياه جيرانه ، يبدو أنه قد توفي الزوج وليس عندهم من يرعى شؤونهم ، فكان يقوم بخدمة حلب شياههم ، فلما صار خليفة ظن الجيران أنه سينقطع عن هذه الخدمة ، طُرِقَ الباب فتحت البنت ، قالت الأم : يا بنيتي من الطارق ؟ فقالت البنت : يا أمي جاء حالب الشاة ما هذا ؟ رئيس دولة ، خليفة رسول الله .. الذي ظهر من الصحابة في عهدهم شيء لا يصدق ، أساسه الحب ، لأنهم أحبوا الله عز وجل .

وأنا أقول لكم : الذي يبذل ويضحي ويقف عند حدود الله ويتجشم المشاق في سبيل الله الذي حركه هو الحب ، والذي يُسْعِد هو الحب ، لن تَسْعَدَ إلا إذا أحببت الله عز وجل ، والله سبحانه وتعالى بابه مفتوح .

هناك شخصيات يفتح بابها لأناس دون أناس ، يقبلون أناساً ولا يقبلون آخرين يُستَرضَون وقد لا يرضون ، و لكن سبحانه وتعالى بابه مفتوح لكل الخلق .. " إذا رجع العبد العاصي إلى الله ، نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله " .

إذا تأملنا في اسم الوهاب بحسب فطرتنا وبحسب جبلتنا القصد أن يمتلئ قلبنا حباً لله ، فإذا امتلأ قلبنا حباً لله رأينا من معاملة الله لنا ، رأينا من تجليه على قلوبنا رأينا من التوفيق ، رأينا من السَّداد ، رأينا من الرشاد ، رأينا من الشعور بالتفوق ، رأينا من الشعور بالفلاح ما لا سبيل إلى وصفه .

إذاً الإيمان أساسه الحب ، " ألا لا إيمان لمن لا محبة له " ، هذا القلب متى يضطرب ؟ من علامة المؤمن أنه إذا ذُكِرَ الله وجل قلبه:

(سورة الأنفال)

هذا من علامة القلب ، فالإنسان لا يجامل نفسه ولا يتملّق نفسه، بل يتعهد قلبه ويتفحصه، ويسأل نفسه السؤال الحرج ، أنا مَن أُحب ، دائماً دعوى الحب كثيرة فكل يدعي وصلاً بليلى ، لما كَثُر دعاة المحبة طالبهم الله بالدليل ، قال الله تعالى :

(سورة آل عمران)

نحن غارقون في النعم ، لاحظْ نفسك لو ركبت سيارة عامة وبجانبك صديق دفع عنك ثلاث ليرات ونصف ، تشكره و تبالغ في شكره وتخجل وقبل أن تنزل تدعوه إلى البيت ، لأنه دفع عنك ثلاث ليرات ونصف .. راقب نفسك ، لو أن إنساناً قدم لك هدية فإنك تذوب خجلاً أمامه ، تعبر عن امتنانك وعن شكرك وعن محبتك وتوعده بزيارة وتدعوه لأنه قدم لك هدية ، هكذا النفس البشرية .

" يا داود ذكر عبادي بإنعامي عليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها " .

فما الفرق بين المؤمن والكافر ؟ الكافر يبقى في النعمة والمؤمن ينتقل منها إلى المنعم .. معقول أن تدخل إلى بيت وأنت في حال جوع شديد ترى طعاماً نفيساً ألواناً منوعةً ، أطعمة فاخرة ، مقبِّلات ، طعام من الدرجة الأولى ، وراءه الحلويات وراءه الفواكه ، تأكل بنهم وتنتهي من الطعام وتتجه نحو الباب وتخرج ، هذا شأن الإنسان ؟ ، لا حظ نفسك لو أن أحداً دعاك إلى طعام فقبل أن تنتهي من الطعام تقول له أكل طعامك الأبرار أو تقول له نعمة دائمة أو أكرمتنا أكرمك الله ، والله يديم عزك والله يبارك فيك ، تتفنن بالعبارات ، تذوب خجلاً .. لماذا إذا جاءتك نعمة من إنسان تذوب خجلاً وإذا أنعم الله عليك بنعم لا تُقدّر !!!

(سورة البلد)

ترى ابنك الصغير ترى أهلك ترى إخوانك ترى الغابات ترى الأشجار ترى الأزهار ترى من تحب ترى معالم الطبيعة ترى الألوان ترى الأشخاص ، تسير في الطريق مرتاحاً مطمئناً ، الطريق واضح أمامك ، تقرأ ، تطَّلع تُطالع تنظر تستمتع :

" أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9) " .

مرةً دخلت إلى عند إنسان لا يتكلم ويعمل في بخ (طلي) الأثاث وأردت أن أتكلم فأشار إلي أن أتحدث مع الصانع ، فتكلمت مع الصانع ، نظرت فرأيت لغة جديدة بينهما ، فقال له يريد أن يبخَّ غرفة نوم بالإشارة قال للصانع هل يريد مواد مستوردة أم تصنيع محلي ، وأنا ألاحظ هذا الحديث الطويل بالإشارة ، ، قال الله تعالى :

(سورة البلد)

تتكلم وتعبر عن مشاعرك وعن أحوالك وعن قناعاتك ، تقول أنا اليوم قرأت مقالة كذا ، تعبر عن تفسير آية عن قصة ممتعة ، تتصدر المجالس تتحدث مع أهلك وأولادك ..

" أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10) " .

علمونا في الجامعة في التربية أن الإنسان حينما يولد لا يملك إلا منعكساً واحداً ، والمنعكس كما تعلمون ربنا عز وجل خلقه تام ، صُنْعُ الله الذي أتقن كل شيء ، لو فرضنا أن أحدهم مسَّك بجمرة لفافة ، تسحب يدك قبل أن تفكر ، فإذا جاء تنبيه عصبي بالحرارة يأتي الأمر لا من الدماغ بل من النخاع الشوكي ، هذا يسمونه المنعكس الشرطي اكتشفه عالم يدعى " بابلوف " ، فالإنسان حينما يولد ليس لديه إلا منعكس شرطي واحد ، ولولا هذا المنعكس لما كنا في هذا المسجد ، لما عاش إنسان لمجرد أن يولد الطفل يُعطى ثدي أمه يضع شفتيه على ثدي أمه ، يُحكِم شفتيه على الثدي ، ولو سمح للهواء أن يمر لا يستطيع الرضاعة لابد من إحكام شفتيه على حُلمة الثدي وبعدئذ يسحب الهواء ، هذا منعكس معقّد جداً ، حينما يولد الإنسان يكون مزوداً بهذا المنعكس .

وما سوى ذلك من المفاهيم من التخيلات ، يقول لك الطفل الصغير عن كل رجل أبوه ، بعد حين يقول عمو ، فصل بذهنه مفهوم الوالد ومفهوم العم ، أول فترة كلُّ رجلٍ أب وبعد ذلك يظهر عنده مفهوم الرجل ، إنسان يَفصل مفهوم الرجل عن مفهوم العم والوالد ، كيف تنشأ هذه المفاهيم ؟ يقول شجرة يتصور الطفل معنى الشجرة ، لا يتصور برتقالة ولا جوز ، يتصور مفهوم مجرد ، شجرة ، لو تتبعنا كيف تتشكل في الدماغ المفهومات والمصطلحات ، كيف يتعامل الإنسان ويفكر ، كيف يتعامل بالرموز ، عالم قائم بذاته .

مائة وأربعون مليار خلية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد في الدماغ فالدماغ عاجز عن فهم ذاته . فالفرق بين المؤمن والكافر أن المؤمن ينتقل من النعمة إلى المُنْعم ، وغير المؤمن من الكفار والفُسَّاق والفُجّار يستمتعون بالنعم أعلى استمتاع ولكنهم غفلوا عن المنعم وغَفْلَتهُم عن المنعم سوف تودي بهم إلى النار إلى أبد الآبدين . أما المؤمن فيفكر من أين هذه النعمة ، كل أخ منكم يدخل إلى بيته يلقى زوجة و إنسان لها مشاعر لها تفكير ، تجد الطعام جاهزاً والبيتَ نظيفاً، هذه هدية من الله عز وجل .

الإنسان في ساعة غفلة يقول أنا تزوجت وأنا كدَّيت وسعيت بكد يميني وعرق جبيني وأسست هذا البيت وفرشْتَه وجمعت مهراً واخترت فلانة هذه هي الغفلة عن الله عز وجل ، هذه الزوجة هدية قدمها الله لك ، وهذا الطفل الذي يملأ بيتك سروراً وسعادةً مَن جعله بهذه النفسية اللطيفة؟ من جعله بريئاً من جعله ساذجاً ؟ لو كان الطفل الصغير يتعامل معك تعامل الكبير لن تحبه ، إذا تكلمت معه كلمة ، يخاصمك شهراً .. قد تؤنبه وتوبخه وبعد قليل يقبل عليك ويقبلك ، من جعل الطفل بهذه النفسية من الصفاء بهذه الذاتية ، من جعل الطفل بهذا الحب الذي أودعه الله عز وجل بقلبه لأمه وأبيه .

في علم النفس تجربة هي أن حياة الإنسان النفسية أساسها الدماغ هكذا يقول العلماء ، فوجدوا طفلاً دماغه سائل ، حالة نادرة ، فصار يبكي فلما جاءت أمه سكت ، معنى ذلك أن في الإنسان نفساً ، هذه النفس حتى الآن لا يستطيع أحد أن يكشف حقيقتها ، أساساً " الإنسان ذلك المجهـــول " عنوان كتاب شهير محوره أن العالم الآن ما عرف إلا شيئاً طفيفاً عن طبيعة الجسد ، أما طبيعة النفس لا تزال سراً مجهولاً ، قال الله تعالى :

(سورة الإسراء)

طبعاً هذه المقدمة ، يعني إذا تحدثنا عن اسم الوهاب ورأيت النعم التي وهبك الله إياها يجب أن يكون منعكس هذا الدرس حباً ، والحب من علامته الطاعة :

تعصي الإله وأنت تظهر حبـه ذاك لعمري في المقال شنيــع

لو كان حبك صادقاً لأطعتـــه إن المحب لمن يحب مطيــع

الآيات الكريمة التي ورد فيها اسم الله الوهاب :

(سورة آل عمران)

(سورة الشورى)

(سورة مريم)

وَهَبَ ، فعل ماض ، يهب فعل مضارع ، هَبْ فعل أمر ، معقول أن إنساناً يأمر الله عز وجل ، علماء البلاغة قالوا ، الأمر إذا كان من أدنى إلى أعلى فهو دعاء :

(سورة آل عمران)

فإذا كان من مساوٍ إلى مساوٍ هذا التماس ، مثلاً .. أنت موظف من المرتبة الأولى جالسٌ إلى الطاولة وأمامك بالغرفة نفسها موظف بالمرتبة الأولى لستَ رئيسه ولا هو رئيسك قلت له رجاءً ، أعطني المسطرة مثلاً ، هذا ليس أمراً ولا دعاء هذا التماس ، فمن مساوٍ إلى مساوٍ التماس ، لكن لو وجهت أمراً وأنت معلم إلى طالب أو من ضابط إلى ذي رتبة عالية إلى مرؤوسه فهذا اسمه أمر " الأمر ـ الالتماس ـ الدعاء " وهناك أمر إباحة ، قال الله تعالى :

(سورة البقرة ـ من الآية 187)

رجل استيقظ في السحور ليس جائعاً فإذا لم يأكل يكون قد عصى؟ لا قال العلماء هذا أمر إباحة :

(سورة المائدة : من الآية 2)

لا أريد الصيد هذا أمر إباحة . وهناك أمر ندب :

(سورة النور)

وهناك أمر وجوب :

(سورة النور)

وهناك أمر تهديد :

(سورة الكهف)

اكفر وانتظر ماذا يحصل لك ، مثلاً تقول الأم لابنها اكسرها لترى تقول له اكسرها ، قالت له اكسرها أمر تهديد ، فالبلاغة ضرورية جداً لفهم كلام الله .

" رَبِّ هَبْ لِي " .. معنى هب لي هذا دعاء ، وهب يهب هب ، صاروا حرفين ، وهب فعل معتل الأول بالواو أيام يأتي الأمر حرف واحد، وقى يقي قِ ، قاف : هذه القاف فعل أمر وفَى يفي فِ ، وأى يأي إِ همزة ، فعل أمر .

سؤال : ما اسم الفاعل من هدا الفعل وهب ؟ .. واهب ، لكن ربنا وهَّاب ، وهاب صيغة مبالغة لاسم الفاعل .

أعطاك رجل قلم حبر ، هذا اسمه واهب .. وإذا أعطاك مركبة قال لك هذه هدية ، هذا لم يعد في نظرك واهب بل وهَّاب ، عندما يكون العطاء كبيراً نقول وهّاب ، وإذا كان العطاء يومياً متنوعاً أو كبيراً نستخدم صيغة مبالغة اسم الفاعل " إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ "

ماذا وهبنا الله ؟ ، أول شيء وهبنا الله إياه هو نعمة الوجود ، بقيود النفوس فلان بن فلان مقيم في مكان كذا " عمارة نارنجة خانة 67 " فأنت موجود ، لك اسم في السجلات ، من وهبك نعمة الوجود ، الله عز وجل .

إذاً أنت متمتع بوجودك متمتع بصحتك متمتع بالطعام بالشراب متمتع بزواجك متمتع ببيت، لك عمل لك شأن اجتماعي ، كلك ، وجودك من وهبك إياه ، الله عز وجل وهبك نعمة الوجود ، أوجدك وأمدك بكل شيء . فمثلاً ، كيف نتعامل مع الحجر بالحديد ؟ نريد أن نضع لسان " دلاية " بالحجر لغَلَق الحديد ، إذا حفرت الحجر ، وأدخلت الدلاية تنزل ، لكن ربنا خلق لنا معدناً نصهره بدرجة قليلة ، نصبه في الحفرة وحينما يبرد يتوسع ويثبت الحديد .

مرةً لفت نظري حديقة ألغيت وقد ثبتوا سور حديد على الحجر ولما أرادوا إلغاءها قصوا الحديد قصاً ، سألت نفسي سؤالاً لماذا قص الحديد لماذا لم ينزع ، فلما سألت قالوا قصهُ أهون ألف مرة من نزعه لأنه مثبت بالرصاص ، فلو أن الله عز وجل ما خلق الرصاص ، هل تستطيع أن تُعامِل الحديد مع الحجر .

ولاحِظْ طبيب الأسنان يضع لك حشوة الضرس لونها أسود ، ففيها رصاص ، تتوسع . وخلق لك جبساً ، تصنع إسفيناً في الحائط ، تُدخل خشبة مع جبس ، فعندما يبرد الجبس يتوسع ، كل شيء يبرد ينكمش ، لكن الله خلق مواد ومعادن على البرودة يزداد حجمها ، هذا خلق وإمداد.

خلق ماءً ، لا لون له ولا طعم ولا رائحة له ، لو كان الماء لونه زهر ، لضاق الإنسان بحياته ، لو كان الماء حلواً ، لأصبح الطعام وكل شيء حلواً ، لو كان الماء لزجاً ، بماذا يغسل الإنسان جسده وأشياءه، تصور ماء كالقطر ... فقد جعله الله سائلاً لا لون ولا رائحة ولا طعم ، لو كان الماء يتبخر بدرجة مائة .. تنظف البيت ، بالشتاء يبقى للصيف حتى يبخر ، فالماء يتبخر بدرجة أربعة عشر ، اسفح كأس ماء في غرفة بعد ساعتين يتبخر ، والماء يغلي بدرجة مائة لو كان يغلي بدرجة خمسمائة مثل الزيت لَحُرِق الطعام في الطبخ .

من أعطى الماء خواصه ؟ يغلي بدرجة مائة يتبخر بدرجة أربعة ، له سيولة عجيبة يسري في أدق المسامات ، لا لون له لا طعم لا رائحة " إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ "..

أنتحدث عن الكون كله ، نتحدث عن العين عن الأذن ، جاؤوا بإنسان وضعوا له بصيوان أذنه شمعاً لم يعرف من أين يأتي الصوت ، هذا الصيوان لو أنك درسته دراسةً هندسية ، فيه سطح بكل اتجاه ، من أين يأتي الصوت يواجه سطح يعكسه على الداخل ، ولتتأكد ضع يدك فوق الصيوان ترى أن الصوت قوي عندك ، فالصيوان يتلقى الأمواج ويعكسها إلى الداخل.

من أعطاك ذاكرة صوتية ، فتعرف الأصوات وتتعرف عليها حتى على الهاتف ؟ وإذا سحقت قطعة زجاج تحت الباب ، تنزعج وتخرج من جلدك فهذا اسمه الضجيج وتطرب لصوت العصفور وهذا اسمه النغم . " إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ " .

من جعل الطعام ذا رائحة طيبة ، لو جعل الله الطعام المفيد رائحته كريهة والطعام غير المفيد رائحته طيبة ، اللحم إذا تفسخ له رائحة لا تقابل " إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ " كيفما تحركت ، وجودك ، المواد التي حولك ، حواسك .

من وهبنا الشمس ؟ تدفع ثمن البيت مائة ألف زيادة إن كان قبلاً والبيت الشمالي أرخص بمائة ألف ، الشمس ، هذه الشمس لا تنطفئ قالوا إن عمرها خمسة آلاف مليون سنة ، وطمأننا العلماء قالوا ستبقى خمسة آلاف مليون سنة أخرى ليس لنا مشكلة مع الشمس ، " إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ " .

من جعل القمر في السماء تقويماً ، لتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا، " إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ " .

من جعل الرياح تتحرك ، تنشط ، وتُنعش الإنسان ، تتبدل الأجواء حينما يكون فيها تلوث أو غبار أو روائح كريهة ، تحريك الرياح من نعم الله العظمى . تخزين المياه :

(سورة الحجر)

مرةً أجرينا حساب فلو أراد كل إنسان أن يخزن احتياجه من الماء عن سنة تقريباً لاحتاج إلى خزان يعادل مساحة بيته تماماً ، فإذا كان بيتك مائة متر مربع فإنك تحتاج إلى خزان مائة متر مكعب ، قال الله تعالى : " وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ " .

تخزين المياه بالينابيع شيء لا يصدق ، صنعوا خزان ماء في نبع الفيجة ، قلدوا تقليداً التخزين الطبيعي ، تحت الأرض أربعمائة متر عمقاً لا ضوء ولا صوت ولا شيء ، من خزّنَ هذه الأمواه ؟ ، (أمواه جمع مياه). " إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ " .

تعريف الهبة ؟ .. إذا قال رجل لآخر وهبتك هذا الكتاب بمائة ليرة هذا الكلام في الشرع عقد بيع ، ما دام قال له وهبتك هذا الكتاب بمائة ليرة ، فهدا عقد بيع ولا عبرة لكلمة وهبتك . وإذا قلت بعتك هذا الكتاب بلا ثمن ، هذا عقد هبة ، ما تعريف الهبة إذاّ ، " تمليك بلا عوض " لذلك بعض الناس حتى يتهربوا من ضريبة انتقال الملكية ، صاروا يقبضون الثمن سراً والعلن هبة ، فانتبهت الدولة ووضعت ضريبة على الهبة ، فهذا ليس هبة ، هذا بيع غير مصرح به ، الهبة تمليك بلا عوض .

إذا رجل عنده ابنٌ متديّن خلوق بار بوالديه خدوم لطيف مهذب ، فإذا قال أنا تعبت في تربية ابني كثيراً ربيته وعلمته وحرصت عليه ، هذا الكلام صح أم خطأ ؟ أنا أقول لك إن هذا الكلام خطأ ، قال الله تعالى :

(سورة الإنعام)

فيعني بلا عوض ، فإذا أعطاك الله ولداً بلا عوض فهذا هبة من الله وقد تكون أعظم إنسان ، يأتيك ولد يحيرك يجعل حياتك شقاءً ، وكثير من الأشخاص في أعلى مستوى من العلم ابناؤهم ضالون ، سمعت عن إمام بالمسجد النبوي إذا ذُكِّرَ بابنه يموت من البكاء ، ابنه منحرف انحرافاً شديداً، ليس باليد ، فإذا وهب الله لرجل ابناً صالحاً مطيعاً باراً فلابد أن يُقَبِّل الأرض شكراً لله عز وجل ، فلا يعزيها لذكائه " أنا أب ناجح أنا فوق رأس أبني " إذا كان الابن منحرفاً فمهما كنت رقيباً عليه قد يتفلت منك ، فكلمة : " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ " تعني أنه هذا عطاء بلا عوض فأنت لم تقدم شيئاً أنت تلقيت هذه الهبة من الله عز وجل .

إذاً الهبة عبارة عن التمليك بغير عوض ، والوهاب صيغة مبالغة من وهب ، بناءً على هذا التعريف هل يصح أن نقول إن فلاناً وهب فلاناً أتصدق إنساناً في الأرض يعطي شيئاً بلا عوض ، لنفرضه مؤمناً كبيراً فعِوضَه الثواب من الله عز وجل ، يطمع برضاء الله عز وجل ، يقدم شيئاً بلا مقابل ؟ ينطلق إلى خدمة الناس بلا مقابل ؟ يسعف المريض بلا مقابل ، يدرس حسبة يخطب حسبة ، يخدم بيت الله حسبة ، يقول لا أريد شيئاً ، أأنت مصدق أنه لا يريد شيئاً ؟!

لو رجل قال لمعلم ، علِّم فلاناً دروساً خاصة ، وخذ على كل درس مليون ليرة ، تأخذها مني ، ولا تأخذ شيئاً منه ولما ذهب أخذ من الطالب مائة ليرة ، فلما أخذ مائة من الطالب فَقَد حقَّه عند الأول .

فالذكي لا يطلب الأجر من الناس ، بل يطلب الأجر من رب الناس فهل تصدق إنساناً يطلب شيئاً بلا عوض ، أعلى عوض أن تطلب رضاء الله عز وجل ، أن تطلب جنته ، أن تطلب ما عنده ، أن تطلب توفيقه ، إذاً لا بد من عوض .

فلا يصح أن نقول فلان وهب إلا مجازاً ، لكن الإنسان أحياناً يهب شيئاً وبنيته المديح ، فهذا هو العوض ، ثناء الناس عليه هو العوض أحياناً ينتخي أمام الناس فيدفع مبلغاً ضخماً لجمعية خيرية ، ويتمنى أن يشيد الناس به ، يقول أنا دفعت ، أنا دفعت ، يريد لوحة رخامية ، يريد أن يقرأ اسمه ليُعرف صاحب السبيل ، أو صاحب الخير ، لماذا هذا الكلام ، يريد عوضاً ، إذاً تمليك بلا عوض ، لا يصح إلا من حضرة الله عز وجل.

وشيء آخر إذا وهبك إنسان شيئاً فمن هو الواهب الحقيقي ، فمن ألقى في قلبه أعطِ فلاناً ؟ الله عز وجل .

أحد العلماء الأجلاء في طرابلس الشام ، يسكن في بيت أجرة ويبدو أن صاحب البيت أراد أن يخرجه من البيت والقانون معه ، فأقام عليه دعوى واستحق الحكم ، والعالِم ليس له بيت وهو رجل صالح ، والقصة غريبة جداً ، فأحد كبار أغنياء طرابلس رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له اِشترِ لفلان بيتاً ، وهذا الرجل ميسور الحال فما صدَّق ، بحث عنه حتى وجده ، فقال له انتقِ أي بيت .

لا تظن أن إنساناً يعطي شيئاً إلا والله عز وجل ألقى في قلبه الدافع ... أحياناً تكون أمام موظف يقول لك موافق ، فإذا أردت الحقيقة فهذه من الله ، فإذا كان الله يريد أن يؤدبك يخلق لك ألف عقبة ، تحتاج المعاملة إلى توقيع ، تحتاج إلى تصديق من السفارة السورية في الدولة الفلانية قال لي رجل : ثمان وثلاثين شاحنة أنزلوا بضاعتها لأنها غير مصدقة من السفارة السورية في الدولة الفلانية .

فإذا عاونك إنسان يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن الله عز وجل ألقى في رَوع هذا الموظف أن يتساهل معك ، ألقى عطفاً عليك في قلبه ألقى رغبةً بمساعدتك .

بناءً على هذا ألا أشكر الموظف ؟ فإذا أحدهم قدم لك خدمةً ولم تشكره فهذا من الكفر لأنه أيضاً خدمك باختياره ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ

لأن هذا الإنسان خدمك وهو واعٍ وعاقل وخدمك بمحض اختياره، لكن الله عز وجل ألقى في رَوعه ودفعه لخدمتك ، فيجب أن تشكر الله أولاً على أنه ألقى في قلبه رغبةً في خدمتك وأن تشكر هذا الإنسان ثانياً على أنه خدمك مختاراً والنبي الكريم يقول صلى الله عليه وسلم :

عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ *

يعني يعرف المسلون يعرفون كلمة الله يجزيك الخير وأكثرَ الله خيرك ، وإن شاء الله ما نحترمك هذا كله كلام فارغ ، قدَّم لك إنسان خدمة يجب أن تقدم خدمة مقابلها أما إذا كنت عاجزاً لا تملك ، فالآن مقبول منك أن تقول جزاك الله عني خيراً ، وهذه كبيرة جداً ، إذا كنت فعلاً عاجزاً عن رد جميله عاجزاً عن مقابلة هديته بهدية ، عاجزاً عن مقابلة خدمته بخدمة ، إذا كنت فعلاً عاجزاً وقلت له جزاك الله عني كل خير مقبولة منك .

إياك أن تظن أن القضية تمر بكلمة تقولها " أكثر خيرك فضلت " أيكفي هذا هكذا علمك الإسلام ، إنسان خدمك تقابله بكلمة أكثر الله خيرك ؟ كله ديَن عليك .

تعلمت هذا من موقف لسيدنا ربيعة ، فسيدنا ربيعة خدم النبي عليه الصلاة والسلام . بعد أيام قال له يا ربيعة سلني حاجتك ، قلت سبحان الله نبي الله ، رسول الله ، ألا يستحق أن تقدم له خدمات بلا مقابل ، لقد رآها دَيناً عليه ، هذا هو الكمال .

ولا تذكر أفعالك الطيبة ولا تنس كل فعل طيب أُسدي إليك ، فإذا خدمت إنساناً فالكمال يقتضي أن تنسى هذا المعروف وكأنك ما فعلته أنت فعلتَه مع الله عز وجل ، ، قال الله تعالى :

(سورة الإنسان)

أما إذا خدمك أحدٌ خدمة فإنه يعُدُّ جريمة إذا نسيت الفضل منه " من لم يشكر الناس لم يشكر الله " مع اعتقادك أن هذا الذي جاءك عن طريق فلان من الله عز وجل ، أولاً ألهمه ثانياً سمح له ، ثالثاً مكنَّه ، فلو ألهمه وما سمح له ، " يقول لك العين بصيرة واليد قصيرة " وأحياناً إنسان يحب أن يخدمك ، لا يقدر ، يقول لك " لم أستطع " هو راغب في خدمتك ، ألهمه ولم يسمح له ، فإذا إنسان قدم لك خدمة فهذه يجب ألا تُنسى . كما قال عليه الصلاة والسلام : " من أسلم على يد رجل فله ولاؤه "

الإنسان يعطيك حاجة تنتهي بانتهاء الحياة ، أما إذا ساق لك الله الهدى عن طريق إنسان ، فهذا أعطاك شيئاً يستمر معك إلى أبد الآبدين فربنا عز وجل قال :

(سورة الشورى)

فإذا شرب الإنسان من نبع لا يبصق فيه .

أُعلِّمه الرماية كل يـــوم فلما اشتد ساعده رماني

وكم علمته نظم القوافــي فلما قال قافيةً هجانــي

فإذا ساق الله له الهُدى عن طريق إنسان ، لا يتنكر للفضل لا يتنكر للجميل ، لا يقول ما استفدنا ، فأنت لم تستفد لوحدك ، هذا من لوازم الإيمان .

فالذي ألقى في روع الإنسان أن يخدمك هو الله والذي مكن هذا الإنسان أن يخدمك هو الله، الملهم هو الله والفعال هو الله .

ينادى له في الكون أنَّا نحبه فيسمع من في الكون أمرَ محبنا

ألم يمرَّ معك أن إنسان خدمك وتعجبت لماذا خدمك ، لا يوجد معرفة سابقة معه ، قد لان معك ، يسر لك أمرك ، تساهل معك ، ألم يمر معك هكذا حادث ، الله ألهمه ، هو الملهم وهو الممكّن وهو الفعال ، إذاً موقفك السليم الموحِّد ، بادئ ذي بدئ ، أن تقول يا رب لك الحمد .

السيدة عائشة رضي الله عنه لما نزلت الآيات بتبرئتها قال لها أبوها قومي إلى رسول الله.. قالت لا والله لا أقوم إلا إلى الله . فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل شيئا ، الأصل الله عز وجل برَّأها ، ثم قامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . رجلٌ قال ما شاء الله وشئت ، قال أجعلتني مع الله نداً ؟ ما شاء الله فقط .

قال بعض العلماء : " الوهاب من يكون جزيل العطاء والنوال ، كثير المن والأفضال " ، طبعاً المن هو العطاء ، قال بعضهم : المن يفسد المن ، جناس تام ، يقيني بالله يقيني ، إذا ملك لم يكن ذا هبة فدعه فدولته ذاهبة ، المرء تحت طي لسانه لا تحت طيلسانه ، هذا كله جناس تام، وقد مر بالقرآن الكريم جناس :

(سورة الروم)

ساعة .. ساعة . قالوا الوهاب من يكون جزيل العطاء والنوال ، كثير المن والأفضال واللطف والإقبال يعطي من غير سؤال ولا يقطع عن العبد فضله في كل حال .

والوهاب من يعطيك بلا وسيله وينعم عليك بلا سبب ولا حيلة.

والوهاب هو الذي يعطي بلا عوض ويميت بلا غرض .

نحن عبيد لله عز وجل ، وكل ما نحن فيه فضل من الله عز وجل فيجب أن تعلم علم اليقين أن كل نعمة أصبحتَ بها فمن الله ، وكلكم يعلم أن الشكر ثلاث مراتب ، أول مرتبة أن تعلم أن هذه النعمة من الله هذا أحد أنواع الشكر ، وأن يمتلئ قلبك حمداً لله هذا نوع آخر ، وأن تنطلق لخدمة العباد وهذا أرقى أنواع الشكر ، بالقرآن في آيات متعاكسة ، تفهم هكذا وهكذا، قال الله تعالى :

(سورة الرحمن)

يعني ياعبدي إذا استقمت على أمري وخدمت عبادي ودللتهم عليَّ وراعيتهم ونصحتهم وعاونتهم وتكرمت عليهم ، فقد أحسنت لعبادي هل أنساك من إحساني ، هل جزاء إحسانك يا عبدي إلا أن أُحسن إليك ؟! الله شكور .

المؤمن إذا ما عاين من الله معاملة طيبة جداً ورآها أنها نظير استقامته وإخلاصه وخدمته ، يكون عنده خلل كبير وإخلاصه ضعيف جداً ، من علامة الإيمان أن ترى من آيات الله الدالة على فضله ، أنت خدمت عباده ، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه .

هناك آية ثانية ، قال الله تعالى :

(سورة الرعد)

القصص التي تؤكد أن الله وهاب كثيرة جداً في كل مكان وكل زمان لكن قصة وقعت لأحد إخوتنا الكرام يعمل في عمل دخله بالشهر ثلاثة آلاف ، له آخ مؤمن فقد عمله ، فقد دخله كلياً ، فشكا له همه ، فقال له تعال واعمل معي وخذ نصف الربح ، وهو دخله ثلاثة آلاف ، أقسم لي وهو صادق ، أول شهر ربح عشرة أمثال الدخل السابق ، عشرة أمثال " إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ".

لذلك أنفق بلالاً ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً .

لكن إياك أن تؤثر الخلق على الله ، فتنفق من دينك إكراماً للناس فهذا ليس هبة ، لا ينبغي أن تُؤْثر جهة دون الله على الله ، والخير كله في المؤاثرة .

الشبلي أحد العلماء سأل بعض أصحاب أبي علي الثقفي ، قال أي اسم من أسماء الله تعالى يجري على لسانك ، قال الوهاب ، لأنه أحد هبات الله عز وجل هو وجودك .

حظ الإنسان من هذا الاسم أن يبذل مما آتاه الله عز وجل ، من علمه من خبرته من وقته من عضلاته من جهده من مكانته من جاهه ، هذا الذي يستفاد من هذا الاسم .

والحمد لله رب العالمين

بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"