الموضوع: حرر فقرة لاتتجاوز خمسة عشر سطرا تبرز فيهاأهمية "الشك المنهجي" الذي دعا اليه الجاحظ في نصه "الشك طريق الى اليقين" في رد الشبهات والاشاعة مستدلا على ذلك بأمثلة من الواقع المعيش.
الأهداف *تبين خصائص الوصف والتصوير في الشعر الأندلسي. *استجلاء أهم المعاني فيه. *التعرف الى مظاهر الطرافة فيه معنى ومبنى . *ابداء الرأي. التوجيهات *يتم الاهتمام بما يلى : -في خصائص الوصف والتصوير : *أساليب التعبير *الصورةوالايقاع -في المعاني: *علاقة الشاعر بالطبيعة *أشكال حضور الطبيعة *صورة الحبيبة والمحب -في مظاهر الطرافة: *مظاهر التفرد في الشعر الأندلسي في الآيقاع والتصوير والمعاني.
حكم الإحرام بالحج يوم الثامن والخروج إلى منى فإذا كان يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة استحب للمحلين بمكة ومن أراد الحج من أهلها الإحرام بالحج 78 من مساكنهم ; لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أقاموا بالأبطح وأحرموا بالحج منه يوم التروية عن أمره صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا إلى البيت فيحرموا عنده أو عند الميزاب وكذا لم يأمرهم بطواف الوداع عند خروجهم إلى منى , ولو كان ذلك مشروعا لعلمهم إياه , والخير كله في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم . ويستحب أن يغتسل ويتنظف ويتطيب عند إحرامه بالحج كما يفعل ذلك عند إحرامه من الميقات . وبعد إحرامهم بالحج يسن لهم التوجه إلى 79 منى قبل الزوال أو بعده من يوم التروية ويكثروا من التلبية إلى أن يرموا جمرة العقبة ويصلون بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر , والسنة أن يصلوا كل صلاة في وقتها قصرا بلا جمع إلا المغرب والفجر فلا يقصران . ولا فرق بين أهل مكة وغيرهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس من أهل مكة وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة قصرا . ولم يأمر أهل مكة بالإتمام ولو كان واجبا عليهم لبينه لهم . ثم بعد طلوع الشمس من يوم عرفة يتوجه الحاج من منى إلى عرفة , ويسن 80 أن ينزلوا بنمرة إلى الزوال , إذا تيسر ذلك لفعله صلى الله عليه وسلم , فإذا زالت الشمس سن للإمام أو نائبه أن يخطب الناس خطبة تناسب الحال يبين فيها ما يشرع للحاج في هذا اليوم وبعده , ويأمرهم فيها بتقوى الله وتوحيده والإخلاص له في كل الأعمال , ويحذرهم من محارمه , ويوصيهم فيها بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم , والحكم بهما والتحاكم إليهما في كل الأمور اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كله , وبعدها يصلون الظهر والعصر قصرا وجمعا في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين لفعله صلى الله عليه وسلم . رواه 81 مسلم من حديث جابر . ثم يقف الناس بعرفة , وكلها موقف إلا بطن عرنة , ويستحب استقبال القبلة وجبل الرحمة إن تيسر ذلك فإن لم يتيسر استقبالهما استقبل القبلة وإن لم يستقبل الجبل , ويستحب للحاج في هذا الموقف أن يجتهد في ذكر الله سبحانه ودعائه والتضرع إليه , ويرفع يديه حال الدعاء وإن لبى أو قرأ شيئا من القرآن فحسن , ويسن أن يكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير . لما روي عن النبي 82 صلى الله عليه وسلم أنه قال : خير الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : أحب الكلام إلى الله أربع : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فينبغي الإكثار من هذا الذكر وتكراره بخشوع وحضور قلب وينبغي الإكثار أيضا من الأذكار والأدعية الواردة في الشرع في كل وقت ولا سيما في هذا الموضع في هذا اليوم العظيم 83 ويختار جوامع الذكر والدعاء ومن ذلك " سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ " لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " " لا حول ولا قوة إلا بالله " رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي فيها 84 معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير والموت راحة لي من كل شر " " أعوذ بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء " " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل ومن المأثم والمغرم ومن غلبة الدين وقهر الرجال . أعوذ بك اللهم من البرص والجنون والجذام ومن سيئ الأسقام . اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي . اللهم استر عوراتي 85 وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني . اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي . اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني . أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير . اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد . وأسألك شكر 86 نعمتك وحسن عبادتك . وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا . وأسألك من خير ما تعلم . وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك علام الغيوب . اللهم رب النبي محمد عليه الصلاة والسلام اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأعذني من مضلات الفتن ما أبقيتني . اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته أنت الأول 87 فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر . اللهم أعط نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها . اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر . اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت أعوذ بعزتك أن تضلني لا إله إلا أنت . أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس 88 يموتون اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها . اللهم جنبني منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء . اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي . اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك . اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى . اللهم إني أسألك الهدى والسداد . اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه 89 وما لم أعلم وأسألك من خير ما سألك منه عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم . وأعوذ بك من شر ما استعاذ منه عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم . اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا , لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير . سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم صل على محمد وعلى آل 90 محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد . رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ويستحب في هذا الموقف العظيم أن يكرر الحاج ما تقدم من الأذكار والأدعية وما كان في معناها من الذكر والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويلح في الدعاء . ويسأل ربه من خيري الدنيا والآخرة . وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا كرر الدعاء ثلاثا فينبغي التأسي به في ذلك 91 عليه الصلاة والسلام . ويكون المسلم في هذا الموقف مخبتا لربه سبحانه متواضعا له خاضعا لجنابه منكسرا بين يديه يرجو رحمته ومغفرته , ويخاف عذابه ومقته , ويحاسب نفسه ويجدد توبة نصوحا ; لأن هذا يوم عظيم , ومجمع كبير , يجود الله فيه على عباده , ويباهي بهم ملائكته , ويكثر فيه العتق من النار , وما رئي الشيطان في يوم هو فيه أدحر ولا أصغر ولا أحقر منه في يوم عرفة إلا ما رئي يوم بدر , وذلك لما يرى من جود الله على عباده وإحسانه إليهم وكثرة إعتاقه ومغفرته . 92 وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة , فإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء فينبغي للمسلمين أن يروا الله من أنفسهم خيرا وأن يهينوا عدوهم الشيطان ويحزنوه بكثرة الذكر والدعاء وملازمة التوبة والاستغفار من جميع الذنوب والخطايا ولا يزال الحجاج في هذا الموقف مشتغلين بالذكر والدعاء والتضرع إلى أن تغرب الشمس , فإذا غربت انصرفوا إلى مزدلفة بسكينة ووقار 93 وأكثروا من التلبية وأسرعوا في المتسع لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز الانصراف قبل الغروب لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف حتى غربت الشمس وقال : " خذوا عني مناسككم " . فإذا وصلوا إلى مزدلفة صلوا بها المغرب ثلاث ركعات والعشاء ركعتين جمعا بأذان وإقامتين من حين وصولهم إليها لفعل النبي صلى الله عليه وسلم سواء وصلوا إلى مزدلفة في وقت المغرب أو بعد دخول وقت العشاء , وما يفعله بعض العامة من لقط حصى الجمار من حين وصوله إلى مزدلفة قبل الصلاة واعتقاد كثير منهم أن ذلك مشروع فهو غلط لا 94 أصل له , والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أن يلتقط له الحصى إلا بعد انصرافه من المشعر إلى منى ومن أي موضع لقط الحصى أجزأه ذلك , ولا يتعين لقطه من مزدلفة بل يجوز لقطه من منى والسنة التقاط سبع في هذا اليوم يرمي بها جمرة العقبة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أما في الأيام الثلاثة فيلتقط من منى كل يوم إحدى وعشرين حصاة يرمي بها الجمار الثلاث . ولا يستحب غسل الحصى بل يرمي به من غير غسل لأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولا يرمي بحصى 95 قد رمي به ويبيت الحاج في هذه الليلة بمزدلفة ويجوز للضعفاء من النساء والصبيان ونحوهم أن يدفعوا إلى منى آخر الليل . لحديث عائشة وأم سلمة وغيرهما . وأما غيرهم من الحجاج فيتأكد في حقهم أن يقيموا بها إلى أن يصلوا الفجر ثم يقفوا عند المشعر الحرام فيستقبلوا القبلة ويكثروا من ذكر الله وتكبيره والدعاء إلى أن يسفروا جدا , ويستحب رفع اليدين هنا حال الدعاء وحيثما وقفوا من مزدلفة أجزأهم ذلك ولا يجب عليهم القرب من المشعر ولا صعوده , لقول النبي صلى الله عليه وسلم : وقفت ههنا - يعني على المشعر - وجمع كلها موقف 96 رواه مسلم في صحيحه , وجمع هي مزدلفة , فإذا أسفروا جدا انصرفوا إلى منى قبل طلوع الشمس وأكثروا من التلبية في سيرهم فإذا وصلوا إلى محسر استحب الإسراع قليلا , فإذا وصلوا إلى منى قطعوا التلبية عند جمرة العقبة ثم رموها من حين وصولهم بسبع حصيات متعاقبات , يرفع يده عند رمي كل حصاة ويكبر , ويستحب أن يرميها من بطن الوادي ويجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه , لفعل النبي صلى الله عليه وسلم , وإن رماها من الجوانب الأخرى 97 أجزأه إذا وقع الحصى في المرمى , ولا يشترط بقاء الحصى في المرمى وإنما المشترط وقوعه فيه فلو وقعت الحصاة في المرمى ثم خرجت منه أجزأت في ظاهر كلام أهل العلم . وممن صرح بذلك النووي رحمه الله في شرح المهذب , ويكون حصى الجمار مثل حصى الخذف , وهو أكبر من الحمص قليلا . ثم بعد الرمي ينحر هديه ويستحب أن يقول عند نحره أو ذبحه " بسم الله والله أكبر , اللهم هذا منك ولك " . ويوجه إلى القبلة , والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى وذبح البقر 98 والغنم على جنبها الأيسر , ولو ذبح إلى غير القبلة ترك السنة وأجزأته ذبيحته لأن التوجيه إلى القبلة عند الذبح سنة وليس بواجب , ويستحب أن يأكل من هديه ويهدي ويتصدق لقوله تعالى : فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ويمتد وقت الذبح إلى غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق في أصح أقوال أهل العلم , فتكون مدة الذبح يوم النحر وثلاثة أيام بعده ثم بعد نحر الهدي أو ذبحه يحلق رأسه أو يقصره , والحلق أفضل لأن 99 النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين واحدة ولا يكفي تقصير بعض الرأس بل لا بد من تقصيره كله كالحلق , والمرأة تقصر من كل ضفيرة قدر أنملة فأقل . وبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء ويسمى هذا التحلل : التحلل الأول , ويسن له بعد هذا التحلل التطيب والتوجه إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة , لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم 100 ولحله قبل أن يطوف بالبيت أخرجه البخاري ومسلم . ويسمى هذا الطواف طواف الإفاضة وطواف الزيارة وهو ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به , وهو المراد في قوله عز وجل ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ثم بعد الطواف وصلاة الركعتين خلف المقام يسعى بين 101 الصفا والمروة إن كان متمتعا , وهذا السعي لحجه والسعي الأول لعمرته . ولا يكفي سعي واحد في أصح قول العلماء لحديث عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت الحديث وفيه فقال : من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا إلى أن قالت : " فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم " رواه البخاري ومسلم . وقولها رضي الله عنها عن الذين أهلوا بالعمرة ثم طافوا طوافا 102 آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم , تعني به الطواف بين الصفا والمروة على أصح الأقوال في تفسير هذا الحديث , وأما قول من قال أرادت بذلك طواف الإفاضة فليس بصحيح لأن طواف الإفاضة ركن في حق الجميع وقد فعلوه , وإنما المراد بذلك ما يخص المتمتع وهو الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية بعد الرجوع من منى لتكميل حجه , وذلك واضح بحمد الله وهو قول أكثر أهل العلم ويدل على صحة ذلك أيضا ما رواه البخاري في الصحيح تعليقا مجزوما به عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن متعة الحج فقال : ( أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب . وقال من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله , ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ) انتهى المقصود منه وهو صريح في سعي المتمتع مرتين والله أعلم . 104 وأما ما رواه مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا . طوافهم الأول فهو محمول على من ساق الهدي من الصحابة لأنهم بقوا على إحرامهم مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى حلوا من الحج والعمرة جميعا . والنبي صلى الله عليه وسلم قد أهل بالحج والعمرة وأمر من ساق الهدي أن يهل بالحج مع العمرة وألا يحل حتى يحل منهما جميعا والقارن بين الحج والعمرة ليس عليه إلا سعي واحد كما دل عليه حديث جابر المذكور وغيره من الأحاديث الصحيحة . 105 وهكذا من أفرد الحج وبقي على إحرامه إلى يوم النحر ليس عليه إلا سعي واحد , فإذا سعى القارن والمفرد بعد طواف القدوم كفاه ذلك عن السعي بعد طواف الإفاضة وهذا هو الجمع بين حديث عائشة وابن عباس وبين حديث جابر المذكور وبذلك يزول التعارض ويحصل العمل بالأحاديث كلها . ومما يؤيد هذا الجمع أن حديثي عائشة وابن عباس حديثان صحيحان وقد أثبتا السعي الثاني في حق المتمتع وظاهر حديث جابر ينفي والمثبت مقدم 106 على النافي كما هو مقرر في علمي الأصول ومصطلح الحديث والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب , ولا حول ولا قوة إلا بالله .
الحمد لله الذي فضل بحكمته البيت الحرام ، وفرض حجه على من استطاع إليه السبيل من أهل الإيمان و الإسلام ، وغفر لمن حج واعتمر ما اكتسب من الذنوب والآثام ، أحمده حمداً كثيراً طيباً على مر الليالي والأيام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق وصفوة الأنام .اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه الأخيار ، أما بعد …فهذه رسالة موجزة ومختصرة في ( توضيح الأحكام الخاصة في مناسك الحج والعمرة ) والزيارة فيها من أقوال أهل العلم المختصر المفيد ، وقد أرجعنا ما أشكل علينا من المسائل إلى ترجيحات سماحة الشيخ / محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى وجزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء .فما كان من صواب فمن الواحد المنان وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان . والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به كل من قرأه وطبعه ونشره وأن يجعله سبباً للفوز لديه في جنات النعيم إنه سميع مجيب وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .المبحث الأول : تعريف الحج والعمرة لغة وشرعاً :الحج لغة :- القصد ( النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 1/340 ) تقول العرب :حج بنو فلان فلاناً إذا قصدوه وأكثروا التردد عليه ثم غلب في الاستعمال الشرعي والعرفي على حج بيت الله تعالى وإتيانه ، فلا يفهم عند الإطلاق إلا هذا النوع الخاص من القصد لأنه هو المشروع الموجود كثيراً (شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة لشيخ الإسلام ابن تيمية 1/75 وانظر المصباح المنير 1/121 ).الحج شرعاً :- هو التعبد لله عز وجل بأعمال مخصوصة في أوقات مخصوصة ، في مكان مخصوص من شخص مخصوص على ما جاء في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم .العمرة لغة :- الزيارةالعمرة شرعاً :- التعبد لله عز وجل بزيارة البيت العتيق على وجه مخصوص ، بإحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير ، ثم تحلل .المبحث الثاني : حكم الحج والعمرة :أولاً الحج :- وهو واجب وفرض بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وبإجماع المسلمين ( الإجماع لابن المنذر ص54 وشرح العمدة 15/87 ) . وهو أحد أركان الإسلام التي بني عليها . وهو واجب على من توافرت به الشروط في العمر مرة واحدة إلا أن ينذر فيجب عليه الوفاء بالنذر وما زاد فهو تطوع .ودليل وجوب الحج هو قول الله تبارك وتعالى [ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ] سورة آل عمران آية 97 . وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : [ أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ..] رواه مسلم 2/975 في الحج باب فرض الحج مرة في العمر .ومن أنكر فرضية الحج فهو كافر مرتد عن الإسلام إلا أن يكون جاهلاً بذلك كأن يكون حديث عهد بإسلام أو ناشئ في بادية بعيدة لا يعرف من أحكام الإسلام شيئاً فهذا يعذر بجهله ويعرّف ، ويبين له الحكم ، فإن أصر على إنكاره حكم بردّته ، وأما من تركه متهاوناً مع اعترافه بفرضيته فهذا لا يكفر ولكنه على خطر عظيم لأن الراجح أن الحج واجب على الفور فيمن توافرت فيه شروط الحج ( التي سيتم ذكرها بعد قليل لأن الأصل في الأمر أن يكون على الفور ولهذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية حين أمرهم بالإحلال وتباطؤوا ) أخرجه البخاري في الشروط (2731 ) ، (2732 ) . ولأن الإنسان لا يدري ما يعرض له فقد يكون الآن قادراً وفي المستقبل عاجزاً ولأن في ذلك إبراء للذمة قبل معاجلة الموت ولأن الله تعالى أمر بالاستباق إلى الخيرات فقال :- [ فاستبقوا الخيرات ] سورة البقرة آية 148 . وبعد أن تبينا حكم الحج نود أن نتعرض لتاريخ مشروعية : تاريخ مشروعية الحج ( متى فرض الحج ) :اختلف العلماء في تاريخ مشروعية الحج على أقوال فمنهم من قال في السنة السادسة للهجرة وقال آخرون في السنة التاسعة وهو الصواب لأن آية فرضيته هو قول الله تعالى [ ولله على الناس حج البيت .. ] وهي في صدر سورة آل عمران وقد نزل صدر هذه السورة عام الوفود (شرح العمدة لشيخ الإسلام 1/219 وتفسير ابن كثير 1/368 ) وفي هذا العام قدم وفد نجران وصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أداء الجزية والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع . وحكمة تأخر فرضية الحج والله تعالى أعلم ، أن مكة زادها الله شرفاً ، كانت قبل تلك السنة تحت سيطرة المشركين من قريش فليس يتسنى للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يحجوا على الوجه الأكمل ومن المتوقع أن تمنعهم قريش من الحج كما فعلوا في السنة السادسة عندما صدوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن إتمام عمرتهم ، ولكن بعد أن تحررت مكة من الكفر بعد فتحها صار إيجاب الحج على الناس موافقاً للحكمة .ثانياً : العمرة :- فقد اختلف العلماء في حكم العمرة فمنهم من يرى أنها واجبة ومنهم من قال أنها سنة ومنهم من فرق بين المكي وغيره ، فقال هي واجبة على غير المكي أما أهل مكة فلا تجب عليهم . والراجح والله تعالى أعلم أنها واجبة على المكي وغيره في العمر مرة لكن وجوبها أدنى من وجوب الحج ، لأن وجوب الحج فرض مؤكداً ، وهو أحد أركان الإسلام بخلاف العمرة يقول ابن عمر رضي الله عنهما [ ليس أحد إلا وعليه حج وعمرة ] البخاري مع الفتح 3/597 . وعندما سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله هل على النساء جهاد ؟ قال : [ نعم عليهن جهاد لا قتال فيه : الحج والعمرة ] أخرجه الإمام أحمد في مسنده 65/156 وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه 2/151 . وعن أبي رزين أنه قال : [ يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن ، قال : فحج عن أبيك واعتمر ] أخرجه أهل السنن وقال الألباني صحيح النسائي 2/556 – أبي داود 1/341 . وهذا هو الصواب الذي دلت عليه الأدلة الشرعية أن الحج والعمرة واجبان في العمر مرة واحدة لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة ؟ قال : [ بل مرة واحدة ، فمن زاد فهو تطوع ] صححه الألباني في صحيح أبي داود 1/324 والنسائي 2/556 وابن ماجه 2/148 .المبحث الثالث : شروط وجوب الحج والعمرة :فما هي شروط الحج والعمرة : يجب الحج والعمرة بخمسة شروط (شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة لابن تيمية 1/113 ) .الشرط الأول : [ الإسلام ] لقوله تعالى [ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ] سورة التوبة آية 28 . ولأنه لا يصح منهم ذلك ومحال أن يجب ما لا يصح لأن العبادات لا تجب إلا على المسلم لأن كل عبادة لا تصح من كافر لقوله تعالى [ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ] سورة التوبة آية 54 .الشرط الثاني : [ العقل ] فلا حج ولا عمرة على مجنون إلا أن يفيق لقوله صلى الله عليه وسلم [ رفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبدأ ، وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم ] رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الألباني ص ج ص 2/35 .الشرط الثالث : [ البلوغ ] فلا يجب الحج على الصبي حتى يبلغ ولكن لو حج صح حجه لكن لا يجزئه عن حجة الإسلام . لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبياً فقالت : ألهذا حج ؟ قال : [ نعم ولك أجر ] رواه مسلم 2/974 .ولقوله عليه الصلاة والسلام : [ أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى .. ] رواه الخطيب البغدادي وصححه الألباني في ص ج ص 2729 الشرط الرابع : [ كمال الحرية ] فلا يجب الحج على المملوك ولكنه لو حج فحجه صحيح لكن لا يجزئه عن حجة الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم : [ وأيما عبد حج ثم أعتق ، فعليه أن يحج حجة أخرى ] نفس المصدر السابق .الشرط الخامس : [ القدرة أو الاستطاعة بالمال والبدن ] :* فإن كان الإنسان قادراً بماله دون بدنه فإنه ينيب من يحج عنه لفعل المرأة الخثعمية التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم ( فقالت يا رسول الله : إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه ؟ قال عليه الصلاة والسلام [ نعم ] وذلك في حجة الوداع ) شريطة أن يكون النائب قد حج عن نفسه .* أما من كان قادراً ببدنه دون ماله ولا يستطيع الوصول إلى مكة فإن الحج لا يجب عليه .* [ ومن القدرة ] أن تجد المرأة محرماً لها . فإن لم تجد محرماً فإن الحج لا يجب عليها لقوله عليه الصلاة والسلام [ لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا ومع ذي محرم ، فقال رجل : يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال عليه الصلاة والسلام [ انطلق فحج مع امرأتك ] البخاري مع الفتح 6/143 ومسلم 3/978 .* لكن لو حجت المرأة بغير محرم أجزأتها الحجة عن حجة الفرض مع معصيتها وعظيم الإثم عليها .[شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة لابن تيمية 1/182] .• لكن اختلف العلماء هل يجب على من لم تجد محرم أن تنيب من يحج عنها ويعتمر ؟ أو لا يجب ؟على قولين لأهل العلم بناء على أن وجود المحرم هل هو شرط لوجوب الأداء ؟ أو هو شرط للوجوب من أصله ؟ والمشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى- أن المحرم شرط للوجوب وأن المرأة التي لا تجد محرماً لا يلزمها حج ولا يلزمها أن تقيم من يحج عنها .المبحث الرابع : فضل الحج والعمرة1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه ] البخاري مع الفتح 4/20 – مسلم 2/984 . وفي لفظ مسلم : [ من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه ] مسلم 2/983 وفي الترمذي " غفر له ما تقدم من ذنبه " صحيح الترمذي 1/345 .2- وعنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ] البخاري مع الفتح 3/597 ومسلم 2/983 .الحج المبرور هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة ، ولم يخالطه إثم ولا يعقبه معصية وهو الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعاً كما طُلب من المكلف على الوجه الأكمل ، وهو الحج المبرور ومن علامات القبول أن يرجع خيراً مما كان و لا يعاود المعاصي .
1) عرّف الحج؟الحج: هو قصد مكة لأداء عبادة ذات إحرام، ووقوف، وطواف، وسعي وغير ذلك· أو هو: عبادة يلزمها الوقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة·2) ما دليل مشروعية الحج؟ دليل المشروعية: قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) آل عمران .98وحديث الصحيحين: ''بني الإسلام على خمس·· وفيه: ''حج البيت من استطاع إليه سبيلا''·3- ما حكم الحج؟الحج فرض واجب على مستطيعه من أحرار المكلفين، والنساء، مرة في العمر·4- ما شروط وجوب الحج؟شروط وجوبه: الحرية، البلوغ، العقل، الاستطاعة·5- ما حد الاستطاعة؟الاستطاعة: هي إمكان الوصول بلا مشقة عظيمة، ويدخل في الاستطاعة، أمن الطريق على النفس والمال من الهلاك·6- ما شروط أداء الحج؟شروط أدائه شيئان: الإسلام، وإمكان المسير والوصول إلى مكان الحج·7-- ما الشروط الخاصة بالمرأة؟يزاد للمرأة من الشروط: الزوج أو المحرم مطلقا أو رفقة مأمونة في حجة الفرض خاصة·8- هل يشترط في الرفقة المأمونة أن تكون نساء؟تشترط الرفقة المأمونة سواء أكانت رجالا أو نساء، أو تجمع بينهما·9- ما دليل ما قيل؟أصله: ما جاء في الموطأ والصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ''لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما وليلة إلا مع ذي محرم منها''·01- هل وجوب الحج على الفور، أو على التراخي؟فرض الحج على الفور، فلا يجوز للقادر عليه أن يؤخره·11- ما دليل وجوب الحج على الفور؟دليله: حديث: ''تعجّلوا إلى الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له'' أخرجه أحمد، وحديث: ''من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة'' أخرجه أحمد وأبو داود·12- ما أركان الحج التي لا يصح إلا بها؟أركانه:أ) الإحرام·ب) الحضور بعرفة في أي وقت من ليلة عيد النحر·ج) السعي بين الصفا والمروة·13- ما ميقات الحج؟للحج ميقاتان: زماني، ومكاني·14- متى يبدأ الميقات الزماني؟يبدأ الميقات الزماني من أول شوال، وآخره بالنسبة للإحرام، ويمتد إلى ما قبل طلوع الفجر يوم النحر بما يسع النية والوقوف جزءا، وأما آخره بالنسبة لتمام النسك فيمتد إلى آخر شهر ذي الحجة·15- ما الدليل على الحكم السابق؟دليله قوله تعالى: ''الحج أشهر معلومات'' البقرة.197
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :فنحن ننتمي إلى الإسلام، وهذا الانتماء هو الذي شرفنا الله - تبارك وتعالى- به وسمانا به . ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - هو إمام الدعاة، وهو القدوة والأسوة والداعية المعلم الذي أمر الله تبارك وتعالى باقتفاء نهجه، وأن نقتدي به في عبادتنا ودعوتنا وخلقنا ومعاملاتنا وجميع أمور حياتنا، قال تعالى: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [يوسف:108]، وقال تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" [الأحزاب:21] أولا : أهمية الموضوع : وتتضح أهمية موضوع الرسول – صلى الله عليه وسلم- القدوة في النقاط الآتية :1- إن الناظر في الأوساط التربوية اليوم ليلحظ قلة القدوة الصالحة المؤثرة في المجتمعات الإسلامية، رغم كثرة أهل العلم والتقوى والصلاح .2- إن المتأمل في خضم الحياة المعاصرة يجد الأمور قد اختلطت، والشرور قد سادت، وأصبح النشء والشباب يُرددون : (نحن لا نجد القدوة الصالحة.. فلماذا؟) .3- إن كثيراً من الناس اليوم بدلاً من أن يتخذوا سيرة نبيهم وقدوتهم محمد – صلى الله عليه وسلم -، تراهم قد انشغلوا بالمشاهير من الممثلين أو اللاعبين، وما تراهم إلا استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير .ثانيا : وجوب الاقتداء بالرسول – صلى الله عليه وسلم-: يجب على كل مسلم ومسلمة الاقتداء والتأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم -; فالاقتداء أساس الاهتداء، قال تعالى : "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" [الأحزاب:21] قال ابن كثير : "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله – صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أُمِرَ الناسُ بالتأسي بالنبي – صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه –عز وجل-" (1).فمنهج الإسلام يحتاج إلى بشر يحمله ويترجمه بسلوكه وتصرفاته، فيحوِّله إلى واقع عملي محسوس وملموس، ولذلك بعثه – صلى الله عليه وسلم- بعد أن وضع في شخصيته الصورة الكاملة للمنهج- ليترجم هذا المنهج ويكون خير قدوة للبشرية جمعاء .لقد كان الصالحون إذا ذكر اسم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -; يبكون شوقا وإجلالا ومحبة لَهُ، وكيف لا يبكون؟ وقد بكى جذع النخلة شوقا وحنينا لما تحوَّل النبي - صلى الله عليه وسلم -; عنه إلى المنبر، وكان الحسنُ إذا ذَكَرَ حديث حَنينَ الجذع وبكاءه، يقول : "يا معشر المسلمين، الخشبة تحن إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم- شوقا إلى لقائه؛ فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه" (2).يقول ابن تيمية -رحمه الله- : "وإنما ينفع العبد الحب لله لما يحبه الله من خلقه كالأنبياء والصالحين؛ لكون حبهم يقرب إلى الله ومحبته، وهؤلاء هم الذين يستحقون محبة الله لهم" (3).ولا بد من تحقيق المحبة الحقيقية لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -; وتقديم محبته وأقواله وأوامره على من سواه (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون اللهُ ورسولُهُ أَحَبَّ إليه مما سواهما..) الحديث (4).إن واجبنا الاقتداء بسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -; وجعلها المثل الأعلى للإنسان الكامل في جميع جوانب الحياة، واتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -; دليل على محبة العبد ربه، وسينال محبة الله تعالى لَهُ، وفي هذا يقول الله –عز وجل- " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [آل عمران:31]. فسيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم- كانت سيرة حية أمام أصحابه في حياته وأمام أتباعه بعد وفاته، وكانت نموذجاً بشرياً متكاملاً في جميع المراحل وفي جميع جوانب الحياة العملية، ونموذجاً عملياً في صياغة الإسلام إلى واقع مشاهدٍ يعرفُ من خلال أقوالِهِ وأفعالِهِِ فيتبع رسولَهُ محمداً – صلى الله عليه وسلم-، ويجعل اتِّبَاعَه دليلا على صدق محبته-سبحانه-.كما أن محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم- أصل من أصول الإيمان الذي لا يتم إلا به، عن عمر –رضي الله عنه- قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- : ((والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين)) (5).ولقد كان الصحابة جميعا-رضي الله عنهم- يحبون النبي – صلى الله عليه وسلم- حبا صادقا حملهم على التأسي به والاقتداء واتباع أمره واجتناب نهيه؛ رغبة في صحبته ومرافقته في الجنة، قال تعالى : "وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً" [النساء:69] وفي الحديث "المرء مع من أحب" (6).وجاء في حديث أنس –رضي الله عنه-; بلفظ قال:"شهدت يوم دخل النبي – صلى الله عليه وسلم- المدينة فلم أَرَ يوماً أحسنَ ولا أضوأََ منه" (7)، وفي رواية :"فشهدتُه يومَ دخلَ المدينةَ فما رأيت يوماً قَط كان أحسنَ ولا أضوأَ من يوم دخل علينا فيه، وشهدته يوم مات فما رأيت يوماً كان أقبحَ ولا أظلمَ من يوم مات فيه –صلى الله عليه وسلم-" (8).ثالثا : أمور مهمة في الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم- : - ومن الجوانب المهمة في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ أن سيرته - صلى الله عليه وسلم- في إيمانه وعبادته وخلقه وتعامله مع غيره، وفي جميع أحواله كانت سيرة مثالية في الواقع، ومؤثرة في النفوس؛ فقد اجتمعت فيها صفات الكمال وإيحاءات التأثير البشري، واقترن فيها القول بالعمل؛ ولا ريب أن الإيحاء العملي أقوى تأثيراً في النفوس من الاقتصار على الإيحاء النظري؛ لهذه العلة أرسل الله تعالى الرسل ليخالطهم الناسُ ويقتدوا بهداهم، وأرسل الله سبحانه الرسولَ – صلى الله عليه وسلم- ليكون للناس أسوة حسنة يقتدون به، ويتأسون بسيرته، قال المولى – عز وجل- " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" [الأحزاب:21]، وقد أمرهم -صلى الله عليه وسلم- بالتأسي به فقال :"صلوا كما رأيتموني أصلي" (9)، وقال – صلى الله عليه وسلم- :"لتأخُذُوا مناسِكَكُم" (10).وقال بعضهم في الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم- والتأسي به : إذا نحن أدلجنا وأنت إمَامُنـا *** كفى بالمطايا طِيبُ ذِكراكَ حادياوإن نحن أضلَلْنَا الطريقَ ولم نجدْ*** دليلا كفَانَا نُورُ وَجْهِكَ هَاديـا (11) ومن الأمور التي يجدر التنبيه عليها أيضا في الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم والتأسي به:- العمل بسنته باطنا وظاهرا: مثل سنن الاعتقاد ومجانبة البدعة وأهلها. والسنن المؤكدة : مثل سنن الأكل واللباس والوتر وركعتي الضحى، وسنن المناسك في الحج والعمرة ..- تطبيق السنن المكانية : الذهاب إلى مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والصلاة في مسجده، والصلاة في مسجد قباء، والصلاة في الروضة الشريفة، وهي من رياض الجنة التي ينبغي التنعم فيها والاعتناء بها، قال – صلى الله عليه وسلم- : ((ما بين بيتى ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي)) (12).- الإكثار من الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم -; كما في قوله : ((من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا)) (13).رابعا : حاجة الأمة إلى القدوات دوما بعد الرسول – صلى الله عليه وسلم- : إن الاقتداء بالرسول – صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله تعالى ليس بالموضوع الهين، فإنه أمر جلل، والأمة الإسلامية اليوم، وهي تشهد صحوة وتوبة وأوبة إلى الله تعالى، وتشهد -في الوقت نفسه- مناهج وطرقاً مختلفة في الدعوة إلى الله.. هي أحوج ما تكون إلى معرفة منهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنهج الأنبياء الكرام في الدعوة إلى الله؛ فليس هناك منهج يقتدى به في الدعوة والعلم والعمل إلا منهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن تبعه من الصحابة الكرام والسلف الصالح .فمنذ عهد الصحابة –رضوان الله عنهم- ومن تبعهم من الصالحين والعلماء والدعاة وأهل الفضل والتقى على مر العصور خلفوا سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم- في عطائها وإيحائها وتأثيرها؛ لأنهم ورثة الأنبياء، يقتدي بهم الناس في اتباع هدي الرسول – صلى الله عليه وسلم- والعمل بسنته، وبقيت سيرهم بعد وفاتهم نبراساً يضيء طريق محبيهم إلى الخير، ويرغبهم في السير على منهج الحق والهدى .وعلى الرغم من اختفاء تلكم الشخصيات عن العيون إلا أن سيرها العطرة المدونة لا تزال بقراءتها تفوح مسكاً وطيباً، وتؤثر في صياغة النفوس واستقامتها على الهدى والصلاح، قال بشر بن الحارث : "بحسبك أقوام تحي القلوب بذكرهم، وبحسبك أقوام تموت القلوب بذكرهم" .ذلك أن القدوة لا تزال مؤثرة وستبقى مؤثرة في النفس الإنسانية، وهي من أقوى الوسائل التربوية تأثيراً في النفس الإنسانية، لشغفها بالإعجاب بمن هو أعلى منها كمالاً، ومهيأة للتأثر بشخصيته ومحاولة محاكاته، ولا شك أن الدعوة بالقدوة أنجح أسلوب لبث القيم والمبادئ التي يعتنقها الداعية.وفي التأكيد على أهمية القدوة الحسنة في الداعية أو الأستاذ وأثر ذلك في تلاميذه، نقل الذهبي : "كان يجتمع في مجلس أحمد زُهاء خمسة آلاف أو يزيدون، نحو خمس مئة يكتبون، والباقون يتعلّمون منه حُسْنَ الأدب والسَّمت" (14).وقبل أن نختم موضوعنا يجدر بنا أن نطرح تساؤلا مهما كثيرا ما يرد : ما السبب في قلة القدوة المؤثرة إيجابياً في الوسط التربوي ؟وتكون الإجابة على هذا السؤال بالأمور التالية (15):1- عدم توافر جميع الصفات التالية في كثير من الأشخاص الذين هم محل للاقتداء :أ- الاستعداد الذاتي المتمثل في طهارة القلب وسلامة العقل واستقامة الجوارح .ب- التكامل في الشخصية أو في جانب منها بحيث يكون الشخص محلاً للإعجاب وتقدير الآخرين ورضاهم، مع سلامة في الدِّين وحسن الخلق .ت- حب الخير للآخرين والشفقة عليهم والحرص على بذل المعروف وفعله والدعوة إليه، فمن كان على هذه الصفة أحبه الناس وقدروه وتأسوا به، ومن فقد هذه الصفة لم يلتفتوا إليه .2- عدم تسديد النقص أو القصور الذي قد يعتري من هم محل للاقتداء كالآباء والمعلمين وأهل العلم في صفة من تلك الصفات مما يصرف الناس عن التأسي بهم، وهذا يرجع إلى عدم إدراك هؤلاء للواجب، أو عدم تصورهم لأثر القدوة في التربية والإصلاح، أو لضعف شخصي ناتج عن استجابة لضغط المجتمع ، أو لسلبية عندهم نحو المشاركة في تربية الناشئة وإصلاح أفراد المجتمع .3- مزاحمة القدوات المزيفة المصطنعة للتلبيس على الناس وإضلالهم عن الهدى وتزيين السوء في أعينهم، وصرفهم عن أهل الخير وخاصة الله، فقد أسهم الإعلام المنحرف والمشوب في صناعة قدوات فاسدة أو تافهة، وسلط عليها الأضواء ومنحها من الألقاب والصفات والمكانة الاجتماعية ما جعلها تستهوي البسطاء من الناس أو ضعاف النفوس والذين في قلوبهم مرض، وتوحي بزخرف القول الذي يزين لهؤلاء تقليدهم ومحاكاتهم .4- "العناصر الخيرة قليلة في سائر المجتمعات، فما يكاد العامة يرون نموذجا جيداً حتى يسارعوا إلى الالتفاف حوله والتعلق به" (16).ومن هنا تأتي الحاجة ملحة لأن نعيد إلى الناس بيان حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم- القدوة والأسوة الحسنة للناس جميعا، ونعنى بتربية الأبناء والشباب، وإعطائهم الصورة الصحيحة للقدوة الصالحة، وإبرازهم الشخصية المستحقة للاتباع والاحتذاء .ونختم موضوعنا؛ في الرسول – صلى الله عليه وسلم- القدوة، بأن المسلم إذا راقب الله تعالى في عباداته ومعاملاته ودعوته وأَجْرَاها وَفْقَ ما أمر الله عز وجل; وما أمر رسوله – صلى الله عليه وسلم- كان مقتديا برسول الله – صلى الله عليه وسلم- .اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد .--------------------------------------------------(1) تفسير القرآن العظيم، تحقيق : سامي السلامة (6/391).(2) سير أعلام النبلاء (4/570)، وفتح الباري (6/602).(3) مجموع الفتاوى (10/610).(4) البخاري ح16، ومسلم ح3.(5) البخاري ج14 و15 ، ومسلم 69 و70.(6) رواه البخاري (6168).(7) رواه الحاكم في كتاب الهجرة، رقم (4338)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجه.(8) رواه أحمد (3/287). (9) البخاري (631) ، ومسلم (674). (10) مسلم (1297).(11) الفوائد لابن القيم ، (ص:56).(12) البخاري ح (1196)، ومسلم ح (1391).(13) مسلم ح (284).(14) سير أعلام النبلاء (11/316).(15) النقاط 1-3 يراجع : إجابة سؤال (قلة القدوة المؤثرة)، فضيلة شيخنا الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحليبي ، موقع الإسلام اليوم – على الإنترنت ، تاريخ 17/6/1423هـ(16) الدعوة الإسلامية لمحمد يوسف، ص: 73.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن وجود القدوة الحسنة في الحياة ضرورة لا بد منها، ليحتذى بها الإنسان ويكتسب منها المعالم الإيجابية لحركته في الحياة، سواء مع الله تعالى في أداء العبادات والفرائض، أو مع النفس وتزكيتها وتدريبها على الأخلاق الفاضلة، أو مع الأهل والأبناء داخل الأسرة من أجل بناء أسرة متماسكة، أو مع المجتمع من حوله في أمور الدين والدينا، وهكذا. ومن أجل ذلك جعل الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة ونموذجًا يجسد الدين الذي أرسل به، حتى يعيش الناس مع هذا الدين ورسوله واقعًا حقيقيًا بعيدًا عن الأفكار المجردة، فكان هذا الرسول عليه الصلاة والسلام خير قدوة للأمة في تطبيق هذا الدين ليكون منارًا لها إلى يوم القيامة، يقول تبارك وتعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ)(1).
والرسول عليه الصلاة والسلام كان قدوة حسنة في مجالات الحياة المختلفة، ومن أهمها: 1 – أخلاقه في بيته: لقد وصفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها خلق النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت: (كان خلقه القرآن)، فانبثق سائر أعماله عليه الصلاة والسلام من هذا الخلق العظيم الذي أشار إليه القرآن الكريم: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وكان إظهار هذا الخلق واضحًا في بيته مع زوجاته وبناته، حيث كان يحدثهم بأطيب الكلمات وأرق التعابير، وكان يلاعبهم ويلاطفهم، ويدخل السرور إلى قلوبهم، ويعدل بينهم، قالت عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه)(2). وتقول عنه أيضًا: (كان بشرًا من البشر: يفلي ثوبه ويحلب شاته، ويخدم نفسه)(3). يفعل هذا وهو نبي الأمة وقائدها، يريد أن يعلم أمته من بعده أن الإنسان مهما علا شأنه واسمه يجب عليه أن لا يتكبر ولا يتجبر، بل يحافظ على تواضعه وحلمه. وكتب السيرة حافلة بمثل هذه الصفات الحميدة التي تميزت بها شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام في بيته بين أهله.
2 – أخلاقه مع الناس: حيث كان عليه الصلاة والسلام على درجة رفيع من الخلق العظيم مع صحابته رضوان الله عليهم، فلم يكن يستعلى على أحد منهم، يقابلهم بالوجه الحسن المبتسم، ويكلمهم بأسلوب هادئ رزين، ويشاركهم في أفراحهم وأتراحهم، وكان يعامل الصحابة جميعًا معاملة واحدة، حتى يظن أحدهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعامل أحدًا بمثل ما يعامله من الرفق واللطف. ثم إنه عليه الصلاة والسلام على يشاورهم في أمور الدعوة وفي الحروب، دون تمييز أو تفريق بينهم، عربًا كانوا أم عجمًا، فقد أخذ برأي سلمان الفارسي بحفر الخندق في غزوة الأحزاب، وجعل بلالاً مؤذنه الخاص وهو حبشي. ويجب أن يلتفت الزعماء والمسؤولون والتجار والعلماء والموظفون وسائر الناس إلى هذا الخلق النبيل الذي اتصف به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويجعلوه صفة دائمة في حياتهم مع الناس، فلا يتكبرون على عباد الله ولا يظلموهم ولا يغشوهم ولا يصعبوا أمورهم، فإن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الاقتداء بأعماله كلها، حتى يطمئن الناس إلى بعضهم البعض، وتزداد ثقتهم ببعض، فيزول من المجتمع البغض والكراهية، ويحل الوئام والمودة.
3 – أخلاقه مع الصغار: تروي لنا السيرة النبوية نماذج من أخلاقه مع الصغار والأطفال وعطفه وحنانه عليهم، فكان عليه الصلاة والسلام يلاعبهم ويمازحهم، وكان لا يغضب عليهم ولا يضربهم، حتى أحبه جميع الصبيان والأطفال، قالت عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتي بالصبيان فيدعو لهم فأُتي بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه ولم يغسله)(4)، وكان عليه الصلاة والسلام يلاعب زينب بنت أم سلمة وهو يقول: (يا زوينب..). وإذا أصاب أحد هؤلاء الصغار مكروه، تجد الرسول عليه الصلاة والسلام يبكي عليهم ويحزن لمصابهم، فقد رآه مرة سعد بن عبادة رضي الله عنه وعيناه تفيض دموعًا، فقال رضي الله عنه: يا رسول الله، ما هذا؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: (هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)(5).
4 – أخلاقه مع أعدائه: لقد أدهشت العالمَ معاملة رسول الله صلى الله عليه مع أعدائه وهو متمكّن منهم، فلم يظهر في التاريخ أرحم منه مع أعدائه رغم ما كان يلاقيه منهم من الأذى والعذاب والتشريد، فعندما فتحت مكة، ودانت للدين الجديد القبائل والوفود، وصار جميع الأعداء الذين كانوا يحاربونه بالأمس ويحاربون دعوته تحت يده وتصرفه، نادى فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء)(6). وعندما ذهب إلى الطائف لعله يجد من ينصره هناك، استقبله بنو ثقيف بالطرد ولحقه صبيانهم بالحجارة والشتائم، حتى أدميت قدماه، جاءه ملك الجبال وقال له: إن إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال عليه الصلاة والسلام: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا)(7). وما أحوج الناس إلى هذا الخُلق العظيم، في هذا العصر المتلاطم الأمواج، حيث حلّت الوحشية محل الرحمة، والرذيلة محل الفضيلة، والنفاق محل الصدق والإخلاص، وجميعها معاول هدم ودمار على العالم، والمشاهد المأساوية التي نعاينها على مدار الساعة، ما بين القتل والتشريد والحرمان والفقر في العالم هي من نتائج غياب هذه الأخلاق والقيم التي جاء بها رسول هذه الأمة عليه الصلاة والسلام. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
1) سورة الأحزاب، الآية 21. (2) صحيح مسلم7020، رقم، ص1205. (3) مسند الإمام أحمد، باقي مسند الأنصار. (4) صحيح البخاري، رقم6355، ص1104. (5) صحيح البخاري، رقم1284، ص205. (6) السيرة النبوية لابن هشام، علق عليها وأخرج أحاديثها عمر عبدالسلام تدمري، 4/54-55. . (7) صحيح البخاري، رقم 3231، ص539.
لم يكن هيناً على الأمويين أن يحتفظوا بملكهم طويلاً بعد عصر الراشدين، بسبب الثورات المتلاحقة التي كانت تنشب في وجههم وتنازعهم الحكم، ولاسيما ثورات الخوارج والشيعة والزبيريين.. ثم كانت ثورة العباسيين سنة 132هـ/750م آخر حلقة في سلسلة تلك الثورات، التي أنهكت دولة بني أمية وآلت إلى القضاء عليها. كان في مقدمة ماتطلع إليه بنو العباس التمركز في حاضرة جديدة بعيداً عن دمشق موطن الأمويين، وفي منأى عن الكوفة معقل الشيعة، وقد آثر الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور لذلك موقع قرية على دجلة تدعى بغداد على مقربة من مدينة بابل القديمة، واتخذها عاصمة لملكه وأطلق عليها لقب دار السلام مقتبساً ذلك من القرآن الكريم. وانصرف المنصور إلى إعمار حاضرته على خير وجه، فابتنى فيها القلاع والجسور، وأقام حولها الأرباض والسدود، ونشر في ربوعها الشوارع والأسواق. ثم ما لبثت المدينة أن عمِّرت بمئات المساجد والمكتبات، والأسواق والمنتزهات، فأمها العلماء والأدباء، والمهندسون والصناع. ثم تعاظم شأن بغداد حتى بلغت في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، أوج ازدهارها، وغدت أهم مركز حضاري في العالم، وأصبحت موئل الحركة الفكرية والعلمية والأدبية بلا منازع. وقد ظلت البادية حتى ضحى هذا العهد ترفد المدن والحواضر بمواد اللغة والأخبار، والخطب والأشعار، بوصفها موطن الأصالة ومنبع الإبداع. ثم أخذ الرواة واللغويون ينتشرون في حواضر العراق ويتجمعون في مدنها، حتى اكتظت بهم الكوفة والبصرة فضلاً عن بغداد. وفي هذه المراكز العلمية والأوساط الأدبية قامت حركة تدوين رائدة لم يكن لمثلها نظير. فنشط الرواة وكثر المؤلفون وراجت سوق الوراقين. وقد واكب ذلك على صعيد الأدب نبوغ عدد من الشعراء والكتَّاب الذين احتضنتهم هذه المدن، واتسم نتاجهم المنظوم والمنثور بكثير من ملامح الجدة والطرافة. وما من ريب في أن الاستقرار السياسي، ولاسيما بعد انقضاء طور الفتوح والقضاء على الفتن، قد ساعد على الالتفات إلى شؤون الأدب والعلم وقضايا الفلسفة والفكر، وجعل الظروف ملائمة لتدفق العطاء وتفجر الإبداع. وكان من المعهود أن يولي الخلفاء كل ذلك اهتمامهم ويحرصوا على تشجيع ذوي المواهب، يعينهم على ذلك ثراء كبير تجمع في خزائنهم من موارد البلاد الواسعة. بل إن من الخلفاء أنفسهم من كان معروفاً بميله إلى الأدب وحبه للعلم مثل المهدي والرشيد، والأمين والمأمون، والمعتصم والمتوكل. كذلك سار أمراء بني العباس وولاتهم ووزراؤهم على غرار خلفائهم، فكان لكل منهم بلاط يقارب بلاط الخليفة أو يضارعه، من مثل ما كان لآل برمك، وطاهر بن الحسين، وعبد الله بن طاهر، ثم الصاحب بن عبّاد وابن العميد وعضد الدولة والمهلبي وسيف الدولة الحمداني. ويعد العصر العباسي أزهى العصور العربية حضارة ورقياً، كما أنه أطولها زمناً، إذ امتد حتى سنة 656هـ/1258م، حين تمكن هولاكو المغولي بجحافله اللجبة من اجتياح بلاد العراق والشام والقضاء على الدولة العباسية في بغداد التي دامت ما يزيد على خمسة قرون. وبوسع الباحث أن يتبين عهدين كبيرين في هذه الحقبة العباسية المديدة: عهد قوة ومنعة عاش فيه الخليفة عزيز السلطان مهيب الجانب، ويعرف بالعهد الذهبي الذي يصادف القرن الثاني وبعض القرن الثالث الهجري (القرنين الثامن والتاسع للميلاد)، وعهد انحلال سياسي، تخاذل فيه الخلفاء وضعفت في أيامهم هيبة الحكم. فما أطل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، حتى غدت بلاد فارس في حوزة بني بويه، والموصل وديار بكر وديار ربيعة ومضر في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في قبضة محمد بن طغج ثم الفاطميين. على أن التفكك السياسي لم يصحبه بالضرورة تقهقر حضاري ولا تخلف علمي، بل إن الفكر العربي الإسلامي، بما أوتي من قوة دافعة أكسبته إياها القرون الأولى الوطيدة، استطاع أن يمضي في طريق النضج والازدهار ويغمر الأرض بنور المعرفة وألق الإبداع. فقد تعددت مراكز الإشعاع الحضاري، إضافة إلى مدن العراق، فكانت مكة والمدينة في الحجاز، والفسطاط والقاهرة في مصر، وحلب ودمشق في الشام، والري وهمذان في فارس ثم بخارى وسمرقند في ما وراء النهر،وغزنة في أفغانستان وجرجان في خرسان. وكان طبيعياً في غمار هذا الوضع السياسي والاجتماعي أن ينطوي ذلك المجتمع الجديد على تمازج في العادات والثقافات، وأن يفرز هذا العصر أصنافاً من العلوم وألواناً من الآداب، وأن يعكس ذلك على كل صعيد في الحياة العامة وفي جملتها الحياة الأدبية. الشعر شهدت بواكير العصر العباسي نبوغ عدد وفير من الشعراء المبدعين الذين اتسمت أشعارهم بملامح الجدة وانطوت على رواء الحداثة، وبدا جلياً أن الغلبة لم تعد لمنازع القديم ونماذجه الموروثة، وهكذا أخذت الأنظار تتجه إلى بشار بن برد [ر] وأبي نواس [ر] وأبي العتاهية [ر] ومسلم بن الوليد [ر ] والحسين ابن الضحاك [ر] وعلي بن الجهم [ر] وأمثالهم ممن فاضت قرائحهم بشعر جديد بات مهوى أفئدة الجيل. وقد تجلى هذا الانعطاف على لسان أبي عمرو بن العلاء (ت154هـ/770م) وطبقته المحافظة من الرواة واللغويين الذين كانوا قيمين على حركة النقد والتأليف حين قال: «قد حسن هذا الشعر وكثر، حتى لقد هممت بروايته». ثم توالى ظهور الشعراء النوابغ في العصر العباسي المديد، ومنهم أبو تمام [ر] والبحتري [ر] وابن الرومي [ر] وابن المعتز [ر] ودعبل [ر].. ومن بعدهم أبو الطيب المتنبي [ر] وأبو فراس الحمداني [ر] والشريف الرضي [ر] وأبو العلاء المعري [ر]، وسواهم، وكان أن اتسع مجال القول، وارتقت أساليب التعبير وعرف الشعر العربي أزهى عهوده. أغراض الشعر: حرص شعراء العصر العباسي ونقاده بوجه عام على أن يدور شعرهم في فلك الأغراض الموروثة، وأن تنتسج أغراضه على منوال الفحول المتقدمين. فحافظ المديح على منزلته السالفة تبعاً لارتباطه الوثيق ببلاط الخلفاء والملوك، ومجالس الأمراء والولاة، ولكونه السبيل الأول للحظوة عند أولي الأمر، والطريق الأقصر لبلوغ الشهرة المنشودة. المديح: وكما اقترن شعر المديح بالموقف السياسي في العصر الأموي، حين كان للخليفة شعراؤه الذين يمدحونه وينالون عطاياه، بقي الحال على هذا الغرار في ظل الحكم العباسي، فاصطنع خلفاؤه شعراء موالين لهم لزموهم في حلهم وترحالهم، وخصوهم بمدائحهم وذادوا عن حقهم في حكم المسلمين. وقد ظهر في عهد الخلفاء الأوائل عدد وفير من هؤلاء الشعراء مثل بشار وأبي العتاهية والسيد الحميري وأبي نواس والفضل الرقاشي وسلم الخاسر وأبي دلامة ومروان بن أبي حفصة ومطيع بن إياس وأشجع السلمي ومنصور النمري. وقد فاق الخليفة المهدي سلفيه في تقريب الشعراء وإكرامهم، فأكثروا فيه القول وغالوا في الثناء. ومضى الخليفة هارون الرشيد بعد ذلك إلى مدى أبعد في رعاية الشعر وتقريب الشعراء طوال حكم قوي زاهر دام اثنتين وعشرين سنة. ويقول الرواة إنه لم يجتمع بباب أحد ما اجتمع ببابه من الشعراء، ومن مداحه ابن مناذر وأبو الشيص ومروان بن أبي حفصة والعماني ومسلم ابن الوليد وربيعة الرقي.. فضلاً عن أبي العتاهية وأبي نواس وسلم الخاسر، وأصبح لإطراء الممدوح حيز أكبر لدى شعراء هذا العصر. وقد غاص عدد من الشعراء عهدئذ في حمأة السياسة وخاضوا بشعرهم معركة ولاية العهد بني الأمين والمأمون، فانتصر بعضهم لهذا وبعضهم لذاك في قصائد تداخلت فيها المعاني المدحية والآراء السياسية. كذلك ظل الشاعر في العصر العباسي حريصاً على رسم الخصال الرفيعة والقيم المثلى في شخصية الممدوح، إذ ما زالت سجايا الكرم والشجاعة، والحلم والحزم، والنجدة والمروءة، والعفة والشهامة، موضع إجلال المجتمع العربي الإسلامي. ومضى الشعراء يبدون أضرب البراعة والفن ضمن هذا الإطار الرحيب من الصفات الأصيلة المثلى. وكان ما قام به خلفاء بني العباس وقادتهم وولاتهم من جلائل الأعمال، وتصديهم لخصوم الدولة المتمردين عليها في الداخل، ولأعدائها المتربصين بها في الخارج، خير ما أثار قرائح الشعراء وأذكى مدائحهم بعناصر البطولة والبأس. وقد تجلى ذلك لدى الشاعر أبي تمام (ت231هـ/846م) الذي ارتفع ببعض قصائده إلى مستوى يقارب الملاحم، وآخى فيها بين شعر المديح وشعر الحرب، مقدماً بذلك للأدب العربي نموذجاً جديداً متطوراً من الشعر الحماسي الأصيل. وعلى هذا الغرار مضى أبو الطيب المتنبي (ت354هـ/965م) بعد قرون من الزمان، مشيداً بانتصارات سيف الدولة الحاسمة ومعاركه المظفرة في قتال دولة الروم المتاخمة. غير أن موضوع المديح لم يبرأ من بعض العيوب التي شابتها في هذا العصر، وفي مقدمتها المبالغة والتهويل، فلم يعد ما قاله الأوائل مثلاً في صدد شعر زهير بن أبي سلمى من أنه «لم يكن يمدح الرجل إلا بما فيه» منحى مطلقاً، بل أسرف الشعراء على أنفسهم في ذلك، وغالوا أحياناً في إسباغ الصفات الخارقة على ممدوحيهم. ومن هذا القبيل قول أبي نواس في الخليفة الأمين: وأخفـت أهــل الشــرك حتى إنــه
لتخافــك النطـف التي لــم تخلق الهجاء: أما الهجاء، وهو الغرض الذي يقابل عادة غرض المديح، فقد انعطف في مساره عما كان عليه في العصر الأموي، فخفتت فيه نزعة تحقير الخصم بسبب وضاعة أصله ونسبه، أو خمول مكانة أبيه وجده، أو ضآلة شأن عشيرته وقبيلته. إذ لم تعد للأنساب تلك الأهمية البالغة التي كانت لها في سالف العهد، بعد همود حدة العصبيات القبلية وانصهار أكثر القبائل في بوتقة المجتمع المتحضر الحديث. فتركز الهجاء أو كاد، في إبراز المعايب الشخصية اللاصقة بذات المهجو وما تنطوي عليه نفسه من مثالب. وهذا المنحى أدخل في رحاب التصوير والفن، وأبعد عن مجال القذف والشتم. وكثيراً ما كانت المهاجاة تستعر بين الشعراء أنفسهم فيكثر في قصائدهم ذكر المثالب والمعايب، وقد يتجاوزون الحدود إلى التحقير والتسفيه. وقد عرف بذلك بشار بن برد وأبو نواس وأبو عيينة المهلبي وابن الرومي ودعبل الخزاعي وعبد الصمد بن المعذل، حتى إن الأمر بلغ ببعضهم حد التعرض للخلفاء أنفسهم، شأن الشاعر الهجاء دعبل (ت246هـ/860م) الذي لم يتورع عن هجاء الرشيد والمأمون والمعتصم والواثق. وقد قرن الخليفتين الأخيرين معاً في قوله: خليفة مــات لــم يحزن له أحــد
وآخر قام لم يفرح به أحـــد كذلك تنوعت أنماط الهجاء تبعاً لتعدد أوجه الحياة في هذا المجتمع العباسي المتحضر. فابن الرومي (ت283هـ/896م) الذي عاش في عصر اكتظ بالجواري والقيان مثل جلنار وبستاق وبدعة وشاجي ودريرة وغناء وظلوم ووحيد وغيرهن من مطربات مجالس الولاة والوزراء، تعرض في شعره لهؤلاء وغيرهن كما تعرض معاصره البحتري وسواه، وكان طبيعياً أن يقرظ بعضهن إعجاباً بأصواتهن وأن يهجو أخريات لم يجد في غنائهن ما يروقه. الرثاء: أما غرض الرثاء فمن الطبيعي أن تظل له منزلته السامية في النفوس لانبثاقه من عاطفة الحزن الواري في كل زمان ومكان. غير أن فن الرثاء ارتقى في هذا العصر، واكتسب غنى وعمقاً، بفضل شعراء كبار أبدعوا فيه وفي سائر أغراض الشعر، وفي طليعة شعراء الرثاء أبو تمام الذي قيل عنه «مداحة نواحة»، ومن بعده ابن الرومي الذي عرف برثاء أولاده. كذلك افتن الشعراء في هذا الغرض تبعاً لتشابك العلاقات الاجتماعية في ذلك العصر، وتوطد صلاتهم مع أولي الأمر. إذ لم يمت خليفة ولا وزير، ولا قائد ولا عظيم، إلا رثوه رثاء حاراً وأبَّنوه تأبيناً رائعاً، مبرزين في قصائدهم كل ما كان يتحلى به الفقيد في حياته من مناقب وما كان له من فضل. وكم ألمت بهذا العصر العباسي المديد أحداث جائحة وفتن طاغية وجدت لها في النفوس صدى أليماً وتجلت على ألسنة الشعراء مراثي دامعة. وحدث أن اجتاح الزنج البصرة في فتنة هوجاء حين زحفوا إليها من ظاهر المدينة، فاستباحوها وأعملوا فيها يد التخريب والتنكيل. وراع هذا النبأ الفاجع ابن الرومي فقال في رثاء المدينة المنكوبة قصيدة تعد من أروع الشعر مطلعها: ذاد عــن مقلتي لذيــذ المنـــام
شـــغلها عنه بالدموع الســـجام ولم يكن هذا النمط من رثاء المدن معهوداً في الشعر العربي،ولكن أحوال ذلك العصر المتفجر اقتضت مواكبة الشعر لها. ولعل هذه القصيدة باكورة رثاء الممالك الذي أخذ في الظهور فيما بعد ولاسيما إثر سقوط بغداد بيد التتار القساة، وإثر تساقط دويلات المسلمين في الأندلس بيد الفرنجة. وقد تستدعي حقيقة الموت من الشاعر أن يتأمل في طبيعة الحياة وحال الدنيا،فيكون له من ذلك نظرات وآراء،ولاسيما بعد أن تشبع الشعراء بأفكار ثقافات أغنت معارفهم وعقولهم، ومن هذا القبيل كثير من شعر أبي العتاهية في الوجود والعدم، والحياة والموت، والبقاء والفناء. ولأبي العلاء المعري (ت449هـ/1058م) فلسفة أعمق في هذا الصدد تبعاً لغنى فكره ونفاذ بصيرته، حين عمد إلى رثاء صديقه الأثير أبي حمزة الفقيه في قصيدته المشهورة التي مطلعها: غير مجــد فـي ملتي واعتقـادي
نـــوح بــاك ولا ترنـــم شـــــاد فقد استطاع أبو العلاء أن يحلق في أجواء علوية سامية وينظر من خلالها إلى الكون والحياة نظرة كلية شاملة وبذلك ارتفع في رثائه من نطاق الحادثة الفردية المحدودة إلى رحاب الإنسانية الشاملة. كل ذلك يعني أن هذه المراثي تغاير في كثير من ملامحها معهود شعر الرثاء الذي يغلب عليه النواح وتبلل قوافيه الدموع. الغزل: وقد اكتسب الغزل في العصر العباسي غنى ومضاء لارتباطه بعاطفة الحب الغلابة في النفس الإنسانية. وأقبل الشعراء إقبالاً كبيراً علىالنظم فيه، فكثر كثرة بالغة وازدهر ازدهاراً واسعاً. غير أن الاتجاهين اللذين غلبا في العصر الأموي وهما الغزل العفيف والغزل الصريح لم يسيرا في العصر العباسي على ذلك النحو المتوازن. فقد أخذ الغزل العفيف في التضاؤل، في عصر تكاثرت فيه النحل والآراء، واحتدمت المنازع والأهواء، وقلما عرف المجتمع العباسي طائفة من شعراء الحب النقي الطاهر كالذين عرفتهم من قبل بوادي الجزيرة وربوع الحجاز، مثل قيس بن ذريح وجميل بن معمر وعروة بن أذينة. ولعل العباس بن الأحنف وقلة من أمثاله الشعراء الذين تعذبوا في عشقهم يمثلون بقية ذلك المنحى، وإن لم يبلغوا فيه شأو العذريين قبلهم. فالعباس بن الأحنف (ت192هـ/808م) قصر شعره، أو كاد، على التغني بعاطفته ومشاعره. ولعلي بن الجهم غزل كثير أجاد فيه تصوير لواعج حبه. وقد برع في مقدماته الغزلية الرقيقة ولاسيما ما كان يستهل به مدائحه للخلفاء. ومن ذائع غزله في صدد مديحه للمتوكل: عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري واشتهر البحتري بالغزل، لما اتسمت به ألفاظه من سهولة ورقة وعباراته من عذوبة وسلاسة، وقد أحب علوة الحلبية، وقال فيها جل غزله. وغزل الشريف الرضي (ت406هـ/1016م) على تأخر عهده من أبرز الشواهد على نبل الشعور وعفة اللسان، فضلاً عن سمو مكانة ورفعة نسب، وقصائده الجميلة التي اشتهرت بالحجازيات نفثات شجية أثارت كوامن نفسه المضطربة. أغراض أخرى: ولعل أبرز انعطاف طرأ على الشعر العربي في العصر العباسي هو انبثاق غرضين آخرين أضيفا إلى سائر الأغراض المعهودة في الشعر العربي، وهما غرض المجون والزندقة، وغرض الزهد والتصوّف.ومع أن لهذين الغرضين جذوراً في الشعر العربي القديم، إلا أنهما بلغا في هذا العصر المدى من التطرف. لقد انطوى المجتمع الإسلامي في العصر العباسي على كثير من التعقيد، وعرض له كثير من الاختلال. وكان ذلك كله بسبب التبدل الشديد الذي أصاب الحياة الاجتماعية والفكرية والدينية. إذ التفت الناس إلى حياة الدعة واللهو نتيجة انقضاء مرحلة الجهاد والفتح، فازدهرت التجارة وحركة القوافل، وتكاثر المتمولون وتركزت الثروة في جيوب فئة من الأغنياء. ونشطت تبعاً لذلك حركة المتاجرة بالرقيق، وانتشرت أسواق النخاسة، وشاع اقتناء الجواري والغلمان، بعد أن انصبت عناصر أعجمية كثيرة على الحياة العربية من فرس وروم وترك، حاملة معها نزعاتها ونزواتها، وعاداتها وأهواءها، فكثرت عناصر الموالي، وتزعزعت القيم،وضعفت الأعراف والتقاليد. وهكذا برزت الزندقة لتغدو مظهراً من مظاهر المروق من الدين وفساد العقيدة، كما برز المجون مظهراً آخر من مظاهر التحلل في الأخلاق والسلوك، والاستهتار بالقيم والأعراف. وقد تطرّف الشعراء في ذلك،من أمثال بشار وأبي نواس ومطيع بن إياس، حين أطلقوا لأنفسهم عنان القول، وخرجوا عن نطاق الحشمة والوقار. ولم يفتقد الأدب ذلك الحب العذري أو العفيف، وما اتسمت به من ملامح الطهر والنقاء، بل ابتلي بنمط شاذ مستحدث من الشعر الهابط في مضمونه لم يعهده العرب من قبل، وهو التغزل بالمذكر. كما لم يعد الكثيرون يجدون حرجاً في شرب الخمرة وارتكاب المعاصي متحللين من كل خلق ودين. وثمة نزوات كثيرة اشتهر بها أبو نواس وتجلت في أقواله وأفعاله، إنه يخاطب ساقية في الحانة بكلمات طافحة بالاستهتار والتحدي: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر
ولا تســقني سراً إذا أمــكن الجهر حتى إن بعضهم جهر بالزندقة ومنهم بشار ابن برد وحماد عجرد والحسين بن الضحاك وصالح بن عبد القدوس وسواهم، وقد عرف أكثرهم بالمجون والتهتك. والملاحظ أن هذه النزعات المتطرفة قد برزت في مدن العراق كالبصرة والكوفة وبغداد نتيجة انصباب فئات كبيرة من الأعاجم على سكان تلك الحواضر، حاملة معها نحلها الغريبة، من بوذية وزرادشتية ومانوية وغير ذلك. وطبيعي داخل ذلك المجتمع الحافل الذي كان يضطرب بتيارات شتى أن تتعدد النزعات، وتتعارض الاتجاهات. ولم يكن بوسع مجتمع عميق الجذور ورث القيم العربية وتشبع بالروح الإسلامية أن يتقبل الزيغ والانحراف، ويرتضي الطيش والمروق. لقد هال الأتقياء وذوي الغيرة على الدين والأخلاق ما تعرض له ذلك الجيل من غزو لأفكاره ومعتقداته، وفساد في قيمه وسجاياه. ورأوا أن خير سبيل إلى النجاة من تلك الشرور العودة إلى جوهر الدين والتمسك بحبل الله. وهكذا اشتد تيار الزهد والتقشف في مقابل نزوع الآخرين إلى المجون والتحلل. وقد غلا بعض هؤلاء في التضييق على أنفسهم غلو أولئك في تحللهم واستهتارهم. فدأبوا على الوعظ والتعبد، وحضوا على حياة النسك ونبذ حطام الدنيا. ويعد الشاعر أبو العتاهية الذي عاش في صدر العصر العباسي ممثل تيار الزهد في الشعر العربي، حين أكثر من نظم قصائده الزهديات وبرع فيها، حتى إنه جعل من ذلك الشعر غرضاً جديداً انضم إلى سائر الأغراض المعهودة. وقد نظم في غرض الزهد شعراء كثيرون، منهم سفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك ومحمود الوراق ومالك بن دينار، إضافة إلى أبي نواس في أواخر حياته. ثم أخذ تيار الزهد يخرج عن بساطته ويزداد اتساعاً وتعقيداً، فلم يعد أعلامه يكتفون بالوعظ والتذكير بالموت، والإكثار من ذكر القيامة والنار، بل راحوا يرتكزون إلى أصول فكرية وفلسفية، انبثق منها في نهاية الأمر مذهب التصوف. وقد تجلى مفهوم الحب الإلهي في عصر مبكر لدى رابعة العدوية (ت135هـ أو 185هـ) الزاهدة العابدة، التي يقال إنها استعملت لأول مرة لفظة الحب للتعبير عن إقبالها على الله، وإعراضها عن كل ما سواه. وهذا الحب الإلهي هو المحور الذي دار حوله اهتمام المتصوفة لأنه الحب الأمثل الذي يفنون فيه فناء يحقق لهم السعادة والاطمئنان. ثم أخذ الفكر الصوفي ينطوي على كثير من التعقيد بفعل مؤثرات دخيلة على الإسلام من بوذية وإغريقية ومسيحية. وكان أن ظهر في السنين العباسية المتأخرة عدد من الشعراء الأعلام في التصوف مثل الحسين بن منصور الحلاج (ت309هـ/921م) الذي تم فيه تنفيذ حكم القتل، وكان يعتقد باتحاد الناسوت، أي الروح الإنساني، باللاهوت، أي الروح الإلهي. كما ظهر في أواخر العصر العباسي عدد من كبار المتصوفة الذين نظموا أشعاراً كثيرة عرضوا فيها مذهبهم بأسلوب رامز يعتمد تعابير العشاق وألفاظ المحبين، مثل ابن الفارض (ت632هـ/1234م) الذي يقول في إحدى قصائد ديوانه الصغير الشهير متغنياً فيها بخمرة الوحدة الإلهية: شــربنا على ذكر الحبيب مدامــة
سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم وقد أفاض في عرض مذهبه في المجاهدة ونظرته في وحدة الوجود ضمن مطولة شعرية بلغت سبعمئة وستين بيتاً، وتعرف بنظم السلوك. خصائص الشعر: اتسع مجال القول على صعيد الشعر والنثر في أدب العصر العباسي، تبعاً لاتساع مناحي الحياة وتشعبها في هذا الطور المتألق من حضارة العرب. فتكاثرت الموضوعات التي تناولها الشعراء فضلاً عن الأغراض الشعرية التي نظموا فيها. من ذلك توسعهم في وصف مشاهد الطبيعة المختلفة، مثل وصف الربيع لأبي تمام وللبحتري وكذلك ما وصف به أبو الطيب المتنبي شعب بوان في بلاد الفرس. وأوغل شعراء هذا العصر في وصف الأيك والحمائم، والرياض والحياض، والأزهار والثمار،حتى حفلت دواوين البحتري وابن الرومي وأبي بكر الصنوبري وأمثالهم بهذه الأوصاف الجميلة التي انطوت على التشبيهات الطريفة والألوان البهيجة. وقد عني أبو بكر الصنوبري (ت334هـ/945م) بوصف الحدائق والبساتين، والورود والرياحين، حتى اشتهر بأشعاره (الروضيات)، وهو يشير إلى هذا المنحى الأثير لديه في قوله: وصف الرياض كفاني أن أقيم على
وصف الطلول، فهل في ذاك من باس وكان لوصف المدن والمنشآت العمرانية حيز آخر في قصائد الشعراء الذين عاش معظمهم في الحواضر، وعرفوا حياة البلاط ومجالس الأمراء، فوصفوا القصور والرياض وكثيراً من مظاهر الحضارة الجديدة ومناحي الحياة المستحدثة. فوصف البحتري قصر الجعفري الممرد، كما وصف بركة المتوكل التي كانت آية في الحسن بفضل إبداع هندستها. وفي الوقت نفسه التفت شعراء العصر العباسي في أحوال قليلة إلى شؤون تتصل بحياة عامة الناس بعيداً عن بلاط الخلفاء وقصور الأمراء. ومن الموضوعات الجديدة على هذا الصعيد الشعبي وصف ابن الرومي لبسطاء الناس وكادحيهم، وما كان يمتاز به بعضهم من براعة في مهنتهم، كوصفه للخباز وللحمال وقالي الزلابية.. في مقطعات شعرية حافلة بالصور الطريفة. ولعل في طليعة ما طرأ على معاني الشعر العباسي من تطور، على صعيد آخر، أنها جنحت للرقة والعذوبة، بفضل غلبة الحضارة وانصقال الأذواق، كما اتسمت في جانب منها بالابتكار والعمق، تبعاً لنضج العقل العربي وتوسع آفاقه. كذلك امتازت معاني الشعر بالجدة والطرافة بعد أن قيض لها شعراء أفذاذ عرفوا بقوة فنهم وشدة براعتهم وسعة ثقافتهم. وكان لشعر الغزل وشعر الوصف نصيب واف من ملامح الحداثة التي أغنت الشعر العربي وزادته رونقاً وبهاء. وتجلى الإبداع الشعري في هذا العصر من خلال اختراع المعاني وابتكار الصور ونفاذ الرؤية. وغلب على جانب من الشعر فكر الفلاسفة وعلماء الكلام، واقتحمته ألفاظهم واصطلاحاتهم، كالجوهر والعرض والشك واليقين، مثل شعر أبي العتاهية الذي ينم على آثار المانوية الفارسية وعقيدتها الثنائية: لكــــل إنســـــان طبيعتـــان
خير وشـر وهمــا ضــدان وكل شيء لاحق بجوهره
أصــغره متصــل بــأكبــره أو مثل شعر بشار الذي تظهر فيه أصداء مذاهب العصر وأفكاره مثل قضية الجبر والاختيار: طبعــت علــى ما فيَّ غيـــر مخير
هواي ولو خيرت كنت المهذَّبا أريد فلا أعطى، وأعطى ولم أرد
وقصــر علمـي أن أنال المغيبا على أن هذا المنحى في التحديث لم يرق المحافظين الذين تمسكوا بعمود الشعر التقليدي، ونهج القصيدة الموروث، إذ الشعر في رأيهم لا يحتمل وطأة الحقائق الذهنية المجردة،والاصطلاحات الفلسفية المعقدة، والمنطق الذهني الصارم. ورأى البحتري في مثل ذلك بدعة في الأدب لم يعرفها فحول المتقدمين،ولم يجنح إليها امرؤ القيس إمام الشعراء: كلفتمـــونا حـــــدود منطقكــم
والشعر يغني عن صدقه كذبه أما المبنى الشعري فقد تعرض لتغير ملموس في بعض نماذجه، سواء على صعيد الأوزان أو صعيد الأسلوب. فقد مالت القصائد إلى القصر وسارت المقطعات على الألسنة ولاسيما في مجال الغزل والهجاء والزهد والحكم... كذلك آثر الشعراء البحور القصيرة مثل بحر الهزج والمجتث والمقتضب، كما جنحوا للأوزان المجزوءة في بحور الوافر والكامل والبسيط والخفيف. كذلك جددوا في القوافي تخفيفاً من وطأة القافية الواحدة الغالبة، فأحدثوا نوعاً من النظم سموه «المزدوج»، وهو في الغالب من بحر الرجز يختص فيه كل شطرين في البيت بقافية واحدة، وتليها قافية مغايرة في البيت التالي وهكذا. وقد استعاره الفرس وسموه «المثنوي». وشاع المزدوج لدى أبي العتاهية الذي نظم مطولة بالغة الطول عرفت بذات الأمثال، وقد ضاع معظمها. وقد ساغ هذا النمط العروضي الميسر للنحاة والفقهاء وسائر العلماء، فأكثروا فيه المنظومات التعليمية، كما آثره أبان اللاحقي فيما نظمه من أقاصيص كليلة ودمنة، وسواه ممن نظموا في شؤون العلم والدين والتاريخ. ولا ريب في أن شيوع الغناء والرغبة في تلحين الأشعار في المحافل والأسمار من أهم ما أسهم في رواج هذه الأنماط الجديدة التي تعد من خفائف النظم. واستتبع هذا المنحى إيثار الألفاظ السهلة المأنوسة، حتى كادت تنحصر الغرابة اللفظية لدى فئة الرجاز البداة أول الأمر ثم آل أمرهم إلى الانزواء. ومن جهة أخرى على هذا الصعيد الأسلوبي غلبت الصنعة على مبنى الشعر، وأوغلت فيه أضرب التزويق والتزيين، فكثرت فيه الزخارف اللفظية والمحسنات البديعية، ويعد أبو تمام وابن المعتز في طليعة أصحاب هذا المذهب الفني، إذ جدا في طلبه وأكثرا منه حتى عرفا به. وازداد الشعراء إيغالاً في الصنعة مع مضي الزمن، وغدا الشعر لديهم معرضاً للتزيين والتلوين كقول الوأواء الدمشقي (385هـ/994م): فأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقيت
ورداً، وعضت على العُنّاب بالبرد كذلك اكتسب الخيال غنى ومضاء، فغدت الصور الشعرية متسمة بالتلوين والتعقيد، وخرج التشبيه عن بساطته المعهودة وأطرافه الواضحة المحددة. فحين يود أبو تمام وصف الطبيعة يستخدم نوافر الأضداد، وعندما يتعاورها الصحو والمطر يكون لذلك في مرأى الشاعر منظر معجب: مطر يــذوب الصحــو منه وبعده
صحو يكاد من النضارة يمطر وبالإجمال اكتسب الشعر العباسي تبعاً لمواكبته هذا العصر الحضاري كثيراً من ملامح الجدة والطرافة. حتى ليمكن القول إنه بفضل ما انطوى عليه من جمال التعبير، وطرافة التصوير، وسمو الخيال، وجدة المعنى، وسعة الثقافة وغنى الفكر...، غدا فناً مزدهراً وعاش عصره الذهبي. ملامح البيئة: من الطبيعي أن تكون شخصية الأديب جماع عوامل ومؤثرات تسهم في تكوينه وتتجلى في نتاجه، في طليعتها جملة معارفه وموروثه الأدبي ومعطيات بيئته وعصره. إن انتشار العرب في الأمصار من بلاد خراسان والسند إلى أقصى المغرب والأندلس، نتيجة للفتوح الإسلامية، أدى إلى ظهور بعض الملامح القطرية في الشعر العربي، كما أن اختلاف البيئات المحلية أدى إلى خلق بعض الألوان والطعوم المتمايزة لدى بعض الشعراء. غير أن هذه الملامح لم تبلغ المدى الذي يفضي إلى إبداع أدب إقليمي. فقد ظلت عناصر التوحيد أقوى من عناصر التباين، وذلك لأسباب كثيرة، لعل أهمها طبيعة العرب المحافظة التي تتجلى في نزعتها السلفية وحرصها على سماتها القبلية وموروثها الشعري، ومنها سلطان اللغة العربية الذي ينطوي على معطيات ركينة من التفكير وأنماط خاصة من مناحي التصوير وأساليب التعبير، فضلاً عن الافتتان بالقرآن الكريم وهالته المقدسة في نفوس العرب على اختلاف جموعهم وتباعد بلدانهم، ثم ما يتصل بذلك من تعلق روحي بالحجاز، معقل الفصحى ومهبط الوحي وموئل الرسول. وهذا ما يفسر تحدث الشاعر العربي وهو في أقصى الأندلس عن الجمل والسراب وذكره البان والعلم.. وكثير من شعراء العصر العباسي كانت حياتهم قسمة بين دمشق وبغداد وحلب، أو بين الشام والعراق ومصر، أو بين أقطار المشرق وبلاد المغرب. وإن من أرّخوا للأدب العربي على أساس من التقسيم الإقليمي، وأسبقهم أبو منصور الثعالبي في كتابه المشهور «يتيمة الدهر»، ثم العماد الأصفهاني الذي مضى على غراره في كتابه «خريدة القصر» لم يلزموا أنفسهم بهذا الفصل الجغرافي بين هذه البلدان والأقاليم، فبدت لدى شعرائهم ملامح التشابه أوضح من ملامح التباين، وأكثر ما وصفت به أقاليم العرب لا يتعدى الافتتان بمواطن الحسن والجمال في كل منها ونحو ذلك مما يكاد يكون قاسماً مشتركاً بين كثير من البلدان. كما آثر الأندلسيون بلادهم الجميلة بحبهم ومحضوها إعجابهم، بل إن بعضهم كابن خفاجة وجد في ربوعها جنة أخرى: يــا أهــل أنـدلس لله دركـــم
ماء وظل وأنهار وأشــجار ما جنة الخلد إلا في دياركم
ولو تخيرت هذه كنت أختار من هذا القبيل شعر يبرز جمال ضفاف بردى ودجلة والنيل، ومفاتن غوطة دمشق وشعب بوان، ومحاسن قرطبة والزهراء... إذ قلّما يتعدى الأمر هذه الرؤى الجمالية لتلك الأقاليم. وذلك يفضي إلى القول إنه قلما يلمس لدى شعراء العصر العباسي - على اختلاف أقاليمهم وتباعدها - سمات فنية تلفهم وتميزهم على صعيد الصنعة والمعاني والصور وسائر العناصر الأسلوبية، إلا ما كان لديهم من مقومات شخصية ومعطيات ذاتية، أو من ملامح حضرية أو بدوية. وهكذا كان أبو تمام، الشامي المنبت، هو رائد الصنعة البديعية في الشعر العربي، ويشاركه في هذه الريادة أيضاً ابن المعتز العراقي أحد رؤوس مذهب البديع. كما أن البحتري صوّر الطبيعة في المشرق أو صنوه الصنوبري يقابله ابن خفاجة في الأندلس، ومثل هذا التشارك تجده أيضاً على صعيد سائر أغراض الشعر من مديح وغزل ورثاء، وعلى صعيد الأساليب وسائر الظواهر الفنية لدى شعراء كل إقليم من الأقاليم العربية. أعلام الشعر: حفل العصر العباسي بعدد وفر من الشعراء الأعلام لم يحظ بمثلهم أي عصر آخر ومنهم: بشار بن برد، وأبو نواس، وأبو العتاهية، ومسلم بن الوليد، وأبو تمام، ودعبل الخزاعي، والبحتري، وابن الرومي، وابن المعتز، وأبو فراس الحمداني، والمتنبي، والشريف الرضي، وأبو العلاء المعري، وابن الفارض. النثر ضروب النثر: الخطابة: نشطت الخطابة السياسية في مطلع هذا العصر، إذ اتخذتها الثورة العباسية أداتها في بيان حق بني العباس في الخلافة. وكان من خطباء هذا العصر خلفاؤه الأوائل مثل أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور والمهدي والرشيد، وآل بيتهم ومنهم داوود بن علي وأخوته عبد الله وسليمان وصالح وأبناؤهم. وقد وصفهم الجاحظ بأنهم «لم يكن لهم نظراء في أصالة الرأي وفي الكمال والجلالة... مع البيان العجيب والغور البعيد. وكانوا فوق الخطباء وفوق أصحاب الأخبار». وخطبهم، لا تكاد تختلف من حيث شكلها ومضمونها عن الخطابة في صدر الإسلام والعصر الأموي، إذ غدا من مقتضيات الحياة السياسية العربية أن يشهر اللسان في مثل هذه الأحوال إلى جانب السلاح. ولما تم الأمر لبني العباس وقضوا على أعدائهم الأمويين، ثم على شركائهم الشيعة، خفتت حدة القول، ولم يعد ثمة ما يحفز الخطباء على التصدي للناس، واصطناع الترهيب والترغيب. كذلك ضؤلت الخطابة في الجيوش بعد أن انقضى عهد الفتوح. وصار الكثير من الجنود من الجيش الإسلامي نفسه من الأعاجم، فرساً أو تركاً، لا يفقهون العربية ولا يتأثرون ببلاغتها. ولم يعد للخطابة في النفوس بوجه عام ما كان لها من منزلة في عصر الراشدين والأمويين، حين كانت الفن العربي الأصيل الذي كان قوامه البديهية والارتجال. وهكذا انحسرت الخطابة في ضحى العصر العباسي، وكاد شأنها يقتصر على فئة الوعاظ وأئمة المساجد، ولم تعد تتجاوز في غالب الأحوال نمط الخطابة الدينية. الكتابة: وكان من الطبيعي تبعاً لذلك، ولاسيما في هذا الطور المتحضر، أن تحل الكتابة، مع توالي الأيام محل الخطابة، وأن يقوم كتاب الدواوين ومدبجو الرسائل بتحبير القراطيس وإعداد التقارير. ثم تشعبت أشكال التعبير، لتغدو أقدر على استيعاب مناحي الفكر المتعددة ومنازع الحياة المتجددة. كانت الترجمة إحدى ضرورات الحركة العلمية التي نشطت بفضل فئة نابهة من الأعاجم يتألف معظمها من السريان والفرس. وبذلك انصبت في بحيرة الثقافة العربية جداول شتى، مختلفة المذاق من تلك الثقافات الوافدة. وعادت حركة النقل بالخير على لغة العرب الأصيلة وأدت إلى ازدهار أنماط من النثر، كالنثر الفني والأدبي،والنثر العلمي، والنثر الفلسفي. وغدت الكتابة وعاء لعلوم العصر الكثيرة ومعارفه الغزيرة، بعد أن دخل العرب عوالم التدوين والتأليف والترجمة من أوسع الأبواب. وليس الغرض هنا التوقف عند الكتابة الديوانية التي شاع أمرها في الأوساط الرسمية والإدارية، مما يتصل بشؤون البلاغات والبيانات، والمواثيق والصكوك، والتولية والغزل. غير أن ما يعني الباحث منها هو نمط معين لعله أدخل في فن الأدب وهو المعروف بالتوقيعات، أي العبارات الوجيزة التي كان يعلق بها خلفاء بني العباس الأوائل على موضوع رفع إليهم، أو قضية في أيديهم، فيذيلون ذلك بقلمهم ويمهرونه بتوقيعهم. وكان طبيعياً في هذا الصدد أن تقصر الجملة وتختصر العبارة، تبعاً لضيق وقت الخليفة وغزارة المعروض عليه. من هذا القبيل ما وقع به الخليفة أبو جعفر لأهل الكوفة في ذيل رسالة تظلم تجاه واليهم: «كما تكونوا يولَّ عليكم». وما وقع به هارون الرشيد إلى عامله في خراسان وقد شكا إليه سوء الأحوال: «داو جرحك لا يتسع»، وما وقع به المأمون لوال فاسد: «قد كثر شاكوك، وقل شاكروك. فإما اعتدلت، وإما اعتزلت...». ومثل هذه العبارات المقتضبة أشبه ما تكون بجوامع الكلم التي امتاز بها فصحاء العرب الأوائل الذين اتسموا بالحرص على الإيجاز، وهي على أية حال منسوجة على منوال أنقى عبارات البلغاء. أما النثر الأدبي الحقيقي فلم يتوطد إلا بفضل الكاتب المنشئ عبد الله بن المقفع (ت142هـ/759م) بعد أن تسلم شعلة هذا الفن من صديقه الناثر الرائد عبد الحميد الكاتب، الذي لقي مصرعه في إثر الثورة العباسية، ولم يقيض له المضي إلى شوط أبعد في هذا المضمار. فقد تجلى فن النثر في أدب الرسائل أول الأمر في نهايات العصر الأموي وبدايات العصر العباسي، فكتب ابن المقفع رسائله على غرار رسائل عبد الحميد، وهي مقالات طوال تتناول موضوعاً معيناً، لعل أشهرها «رسالة الصحابة» أي في آداب الصحبة والمعاشرة والسلوك، ولاسيما مصاحبة السلطان والولاة، والحكام والقادة، والأعوان والبطانة. ثم ما للرعية والجند من حقوق يجب عطاؤها، وما عليهم من واجبات ينبغي أداؤها، فرسالة الصحابة، وهي بمنزلة خطاب مفتوح إلى الخليفة، ذات صبغة سياسية - إدارية، تهتم بشؤون الحكم وسياسة الدولة. إن فن الرسالة لا يختلف في جوهره عن فن الخطابة إلا من حيث الحجم، فللخطبة حيز محدود من الزمان على حين قد تطول الرسالة لتقرأ بأناة وتمعن. فهما نمطان أو لونان من النثر الأدبي، فقد درج العرب على أن يكتبوا الرسالة في المقصد الكبير، ويلقوا الخطبة في الحدث الجليل. ويمكن القول مع ذلك أن الكتابة انتسجت على منوال الخطابة، وإنه على طريق الخطباء مشى الكتاب، حتى غدت الكتابة آخر الأمر الوريث الشرعي للخطابة. وما لبث ابن المقفع أن خطا خطوة أخرى في مضمار النثر الأدبي الوليد حين دبج كتابيه الصغيرين «الأدب الصغير»، و«الأدب الكبير»، وهما في واقع الأمر أشبه برسالتين مطولتين، أو هما بتعبير آخر بمنزلة جسر بين الرسالة المحدودة والكتاب النثري الشامل. أما كتاب «كليلة ودمنة» الذي نقله ابن المقفع إلى العربية من لغة قومه البهلوية، فيعد لبنة أساسية وكبيرة في صرح النثر العربي الزاهر. وهو مثال بارز على ظاهرة تمازج الثقافات ولاسيما بين الآداب الهندية والفارسية والعربية. ومع أن الكتاب أعجمي الأصول وليس من إبداع العرب في معظمه، فقد انتزع إعجاب الأدباء والنقاد، برغم انتمائه إلى وثنية الهنود ومانوية الفرس. فأقاصيص كليلة ودمنة تضع قارئها في جو محبب، تتعانق فيه الحقيقة والخيال، في تآلف معجب شائق،حافل بالطرافة والغرابة، حيث الحيوانات الناطقة تملأ ربوعه وجنباته، بالحركة والحياة. ومن خلال الحديث بين كليلة وأخيه دمنة ينعقد الحوار المعهود، وتتوالى الأقاصيص واحدة في إثر واحدة، آخذاً بعضها برقاب بعض: فالحيوانات هي وحدها الشخصيات التي تدور من حولها الأحداث، ولكن هذه الحيوانات في الوقت نفسه كائنات تمثل البشر، وهو نماذج من الناس تحس وتفكر، وتحب وتبغض، وتنجح وتخفق.. إنها في حقيقة الأمر رموز للناس في خيرهم وشرهم، وقوتهم وضعفهم، وفطنتهم وغبائهم، وسعادتهم وشقائهم. وإزاء فيض العلوم وازدهار المعارف في ضحى العصر العباسي حفل المجتمع الإسلامي بأعداد وفيرة من العلماء والكتاب والقصاصين والوعاظ والمؤرخين والفقهاء وعلماء الكلام والفلسفة والمفسرين والمشرعين وأعلام الفكر وأنباه التأليف... واتسعت لذلك كله مناحي القول، ونشط الحوار، وحمي الجدال. وكان الجاحظ (ت255هـ/868م) أبرز ممثل لهذا الخضم الزاخر على صعيد الفكر الأدبي، وفي مجال الترسل والتأليف. وكتابه «البيان والتبيين» مرآه جلية وأمينة للحياة الأدبية الحافلة عند العرب، بما انطوت عليه من روائع الشعر وبدائع النثر وطرائف الأخبار. وكتابه «البخلاء» صورة متألقة لنماذج بشرية انطوت نفوسها على سمات وملامح برع الجاحظ في سبر أغوارها ورسم معالمها، وتصوير منازعها. وكتابه «الحيوان» نمط طريف بين موضوعات لم تكن معهودة لدى المؤلفين، فعالم الحيوان عالم واسع فسيح الأرجاء اقتحمه الجاحظ مزوداً بثقافة موسوعية عريضة، ونظر فاحص ثاقب، وفكر نقدي ناضج. وغدا طبيعياً في هذا العصر أن تكون الطوابع الذهنية غالبة في أكثر أنماط الكتابة ومضامينها، لأن النثر أصلاً وعاء العقل، والشعر ترجمان الشعور. فنشطت كتابات العلماء والفلاسفة والفقهاء وكذلك رؤوس الفرق من معتزلة ومرجئة وشيعة، وأيضاً المجوس والزنادقة والملاحدة. وفي غمار هذه الحياة الفكرية الموارة والبيئة الحضارية الحافلة، اشتد الحوار وحمي التناظر واحتدم الجدال، ولاسيما ما دار بصدد قضايا مهمة كالشعوبية والزندقة ومسائل خلق القرآن والجبر والاختيار... وقد اكتسب بعض هذه المناظرات شهرة واسعة وطابعاً حاسماً، كالذي احتدم في أواخر القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي بين الخوارزمي وبديع الزمان. كذلك امتد هذا المنحى إلى الأدباء والنقاد فظهرت كتب جمة اتخذت من الموازنة بين الشعراء محوراً لها، ككتاب الحسن بن بشر الآمدي (ت371هـ/981م) في «الموازنة بين الطائيين»: أبي تمام والبحتري، وكتاب القاضي الجرجاني (ت392هـ/1001م) في «الوساطة بين المتنبي وخصومه». واتخذت ظاهرة الموازنة بين أمرين أشكالاً كثيرة وتناولت موضوعات متنوعة،ومنها اهتمام المتكلمين بالموازنة بين مساوئ الديك ومحاسنه، وبين منافع الكلب ومضاره، أو المفاضلة بين الديك والطاووس. وفي خضم هذه الحياة الفكرية بدا أن الحقيقة غدت نسبية وأنه يمكن أن يكون لكل قضية وجهان، وفي كل مسألة قولان، وشاع لدى بعضهم أن يؤيد موضوعاً ويثبته، وأن يدحضه في الوقت نفسه وينقضه، وذلك فيما يشبه المنحى السفسطائي. من ذلك ما ترويه بعض كتب الأدب من أن الخليفة في مجلسه طلب مرة من أحدهم أن يصف له كأساً كانت في يده، فما كان منه إلا أن قال: «أبمدح أو بذم؟»، فقال الخليفة: «صفها بمدح» قال: «تريك القذى وتقيك الأذى» ومضى على هذا الغرار من ذكر محاسنها، وحين طلب إليه أن يصفها بذم، وصفها بقوله: «سريع كسرها، بطيء جبرها» مصوّراً على التو معايبها. وكان لمثقفي الولاة والوزراء تأثيرهم في إذكاء هذه الروح من تشجيع التباري والتنافس، فالوزير أبو عبد الله العارض يقول للكاتب أبي حيان التوحيدي (ب410هـ/1019م): «أحب أن أسمع كلاماً في مراتب النظم والنثر، وإلى أي حد ينتهيان، وعلى أي شكل يتفقان. وأيهما أجمع للفائدة، وأرجع بالعائدة، وأدخل في الصناعة، وأولى بالبراعة». وقد أورد أبو حيان في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» صورة من هذه المفاضلة المسهبة. ولا ريب في أن هذه الحركة الفكرية الدائبة التي اتخذت عهدئذ من النثر وعاء رحيباً لها كانت مبعث اهتمام المناطقة والمتكلمين ومهوى أفئدة الناشئة والمتأدبين. على أن ارتقاء أساليب النثر في ظل ازدهار الحياة العقلية استتبع تكاثر المصطلحات المستحدثة كالهيولى والصورة والجوهر والعرض والحد والعنصر، والألفاظ الدخيلة مثل الترياق والآيين والاسطقس.. وكان متوقعاً إزاء فيض الأفكار الجديدة والألفاظ الدخيلة والأسماء الغريبة ألا تنطوي بعض النصوص والكتابات على اليسر المعهود، وأن يستغلق فهمها أحياناً على مدارك الكثيرين من أوساط الناس، حين كانت تصدمهم مظاهر التعقيد وملامح الغموض فيما يسمعون ويقرؤون. وكما ضاق البحتري ذرعاً في هذا العصر مزج حدود المنطق وقضايا الذهن في فن الشعر، واستنكر أحد الأعراب ما سمعه في مجلس بعض النحاة فقال ساخراً متعجباً: «أراكم تتكلمون بكلامنا، في كلامنا، بما ليس في كلامنا». وفي الوقت نفسه إبَّان القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي انبثق في الحياة الأدبية نمط نثري مستحدث عرف بالمقامات، وهو نثر قصصي يغلب عليه التأنق اللفظي والتزيين البديعي ويجنح أحياناً في مضمونه إلى السخرية والدعابة، ويمكن القول إن هذا الفن ولد كاملاً بفضل موهبة الناثر القدير بديع الزمان الهمذاني (ت398هـ/1007م)، فهو في مقامته المسماة «البغدادية» يسوق الحكاية على لسان الراوية الموهوم الذي اخترع شخصيته وأطلق عليه اسم عيسى بن هشام وقد يسند إليه أحياناً دور البطل بالإضافة إلى ذلك كما في مقامته البغدادية: «اشتهيت الازاد وأنا ببغداد، وليس معي عقد على نقد. فخرجت أنتهز محاله، حتى أحلني الكرخ. فإذا أنا بسوادي يسوق بالجهد حماره، ويطرز بالعقد إزاره. فقلت: ظفرنا والله بصيد. وحياك الله أبا زيد...». ومثل هذا النمط الشائق من فنون القول استهوى شباب ذلك الجيل، إذ وجدوا فيه مذاقاً طريفاً ينطوي على المرح والهزل، ويبتعد عن الرصانة والجهد. كما وجدوا في أسلوبه صياغة جميلة ترضي نزوعهم إلى التأنق اللفظي والزخرفة الأسلوبية. وهذا ما حفز ناثراً بارزاً آخر بعد ذلك على المضي قدماً في ممارسة هذا الفن النثري وهو القاسم بني علي الحريري (ت516هـ/1222م) ولكنه تمادى في اصطياد السجع وسائر المحسنات البديعية إلى حد التصنع والتكلف. كما أن مقاماته قصرت عن المقامات السالفة، لأن منشئها لم يكن يضارع بديع الزمان في موهبته، فأتت مقاماته قليلة الرونق أشبه بمتون لغوية مسجوعة. خصائص النثر الفنية: وعلى صعيد الأسلوب في نثر العصر العباسي فقد اغتنت ملامحه وتنوعت أنماطه. فقوام التعبير عند ابن المقفع مشاكلة اللفظ للمعنى، مع توخي الاقتصاد في الألفاظ والوضوح في المعاني إذ البلاغة عنده «هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها»، فكان همه جلاء الفكرة وإيصال المعنى، ولهذا لم يكن يلوي على صنعة أو تنمق ولا وشي أو تزيين. غير أن السنين التي أعقبت ذلك حملت مع التعقيد الحضاري ما يوازيه من التعقيد الأسلوبي، على غرار ما كان أيضاً من حال الشعر، فطالت العبارة لتكون أقدر على استيعاب الفكرة، وحل الإطناب في القول محل الإيجاز المعهود. وحرص الكتاب على أن تتسربل جملهم فيما بينها بإيقاع الازدواج أو التوازن، من مثل ما جنح إليه سهل بن هارون (ت215هـ/830م) والجاحظ، أول الأمر، ثم ما زاد فيه أبو حيان التوحيدي، وما استكثر منه ابن العميد (ت360هـ/830م)، والصاحب ابن عباد (ت385هـ/995م). ثم مضى الناثرون على هذا الصعيد من تدبيج كتاباتهم والتأنق في عباراتهم إلى المدى الأقصى، وذلك في أواخر القرن الرابع الهجري، وما تلاه من قرون. فجدّوا في طلب الزخرفة والتنميق. ولم يقتصر طلب السجع والزخرف على أصحاب المقامات بل كاد يشمل ذلك معظم الأدباء والناثرين. وقلما نأى كاتب منشيء في العهود العباسية المتأخرة عن هذه المظاهر التزيينية في النثر العربي. فأبو العلاء المعري في كتابه «الفصول والغايات» الذي كاد يقصره على مناجاة الخالق بعبارات طافحة بالغرابة اللفظية ومثقلة بالسجع الممجوج: «أقسم بخالق الخيل، والعيس الواجفة بالرحيل، تطلب بموطن جليل، والريح لهابة بليل، بين السوط ومطامع سهيل، إن الكافر لطويل الويل، وإن القمر لمكفوف الذيل، شعر النابغة وهذيل، وغناء الطير على الغيل...». ولم يحل القرن السادس الهجري حتى غلب التصنع على النثر العربي وبسط طابعه على معظم النتاج الأدبي في ذلك العصر. ولعل ما يبعث على الرضى أن بعض أنماط الكتابة النثرية لم تنجرف مع هذا المد التعبيري المتكلف، بل ظلت بريئة إلى حد بعيد من معظم هذه القيود اللفظية والزخارف البديعية، إلا قليلاًَ من السجع بين الألفاظ وبعضاً من التوازن بين الجمل فحافظت كتب المؤلفين ومصنفات العلماء بالإجمال على الأسلوب المرسل ولاسيما مؤلفات النقد الأدبي والتراجم والتاريخ وتقويم البلدان ونحوها. وخير مثال على هذا الترسل ما كتبه أبو الفرج الأصفهاني وعبد القاهر الجرجاني... وامتد هذا المنحى النثري المطلق إلى ما بعد العصر العباسي، وتجلى في نثر ابن خلدون وأمثاله من أصحاب الأسلوب المرسل. أعلام النثر: ظهر في هذا العصر عدد جم من الكتاب والمؤلفين منهم ابن المقفع والجاحظ وابن قتيبة وأبو الفرج الأصفهاني وابن العميد وأبو حيان التوحيدي وبديع الزمان الهمذاني والحريري.