بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 15 يناير 2014

المبحث الأول: تعريف الخوارج لغة

الخوارج في اللغة جمع خارج، وخارجي اسم مشتق من الخروج، وقد أطلق علماء اللغة كلمة الخوارج في آخر تعريفاتهم اللغوية في مادة (خرج) على هذه الطائفة من الناس؛ معللين ذلك بخروجهم عن الدين أو على الإمام علي، أو لخروجهم على الناس  .
وقد أطلقت كلمة الخوارج هذه في كتب اللغة على طائفة من أهل الآراء والأهواء لخروجها على الدين أو على الإمام علي رضي الله عنه. فيقول الأزهري في (تهذيب اللغة): والخوارج: قوم من أهل الأهواء لهم مقالة على حدة. وهو تعريف ابن منظور والفيروزآبادي أيضاً  . ويقول الزبيدي عنهم: هم الحرورية والخارجية طائفة منهم، وهم سبع طوائف سموا به لخروجهم على الناس أو عن الدين أو عن الحق أو عن علي كرم الله وجهه بعد صفين  ...
المبحث الثاني: تعريف الخوارج اصطلاحا

اختلف العلماء في التعريف الاصطلاحي للخوارج، وحاصل ذلك:
منهم من عرفهم تعريفاً سياسياً عاماً، اعتبر الخروج على الإمام المتفق على إمامته الشرعية خروجاً في أي زمن كان.
قال الشهرستاني: (كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجياً، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين لهم بإحسان والأئمة في كل زمان)  .
ومنهم من خصهم بالطائفة الذين خرجوا على الإمام علي رضي الله عنه. قال الأشعري: (والسبب الذي سُمّوا له خوارج؛ خروجهم على علي بن أبي طالب)  .
زاد ابن حزم بأن اسم الخارجي يلحق كل من أشبه الخارجين على الإمام عليّ أو شاركهم في آرائهم في أي زمن. وهو يتفق مع تعريف الشهرستاني  .
وعرفهم بعض علماء الإباضية بأنهم طوائف من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين أولهم نافع بن الأزرق  .، ولم أر هذا التعريف عند أحد غير الإباضية.
وهذا التعريف لأبي إسحاق أطفيش يريد منه أن لا علاقة بين المحكمة الأولى –الذين لا يعتبرهم خوارج لشرعية خروجهم كما يزعم- وبين من بعدهم إلى قيام نافع سنة 64هـ، وهذا التعريف غير مقبول حتى عند بعض علماء الإباضية، ويبقى الراجح هو التعريف الثاني؛ لكثرة من مشى عليه من علماء الفرق في تعريفهم بفرقة الخوارج، وقيام حركتهم ابتداء من خروجهم في النهروان، وهو ما يتفق أيضاً مع مفهوم الخوارج كطائفة ذات أفكار وآراء اعتقاديه أحدثت في التاريخ الإسلامي دوياً هائلاً.
وأما في اصطلاح علماء الفرق فيؤخذ وجهات نظر ثلاثة في التعريف بالخوارج:
- من يرى أنهم الخارجون على الإمام الحق في أي زمان.
- من يرى أنهم الخارجون عن الإمام علي ومن يرون رأيهم.
- ومن يرى أنهم الخارجون بعد الإمام علي ابتداءً من الأزارقة.
وتعريف الشهرستاني هذا تعريف عام يشمل أقسام الخروج، ولا يخص فرقة الخوارج، إذ الخروج على إمام المسلمين ينقسم إلى أقسام:
أولا: من خرج لمنازعة في الملك، ولكنه خرج غضبا للدين، ومن أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة، مثل الحسين بن علي  ، وأهل المدينة في وقعة الحرة، وزيد بن علي زين العابدين  .
ثانيا: من خرج على ولي الأمر بتأويل سائغ  يقره الكتاب والسنة، وهذا ما كان من أصحاب الجمل وصفين إذ خرجوا على علي رضي الله عنه لا معاندين مطالبين بالملك، بل لرأي رأوه واجتهاد صاروا إليه من طلب القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه  .
ثالثا: من خرج لطلب الملك فقط، وكان القتال على الدنيا وهؤلاء هم البغاة حقا  .وقد جاء الوعيد والذم لهذه الطائفة المفرقة للأمة السافكة لدماء المسلمين من أجل الدنيا والملك.
رابعا: من خرج على الإمام وعلى الجماعة المسلمة للدعاء إلى معتقدهم  ، فخروج هؤلاء نابع من مخالفة لأصول في الشريعة الاعتقادية أو العلمية  .
والقسم الرابع هذا الخارج للدعاء إلى معتقده هو الذي وردت فيه نصوص نبوية في ذمه، والأمر بقتاله لأن خطره عظيم على الأمة المسلمة وهو أخطر أقسام الخروج السابقة، يقول ابن تيمية رحمه الله: "وقد اتفق الصحابة والعلماء بعدهم على قتال هؤلاء  ، فإنهم بغاة على جميع المسلمين سوى من وافقهم على مذهبهم، وهم يبدؤون المسلمين بالقتال، ولا يندفع شرهم إلا بالقتال، فكانوا أضر على المسلمين من قطاع الطريق؛ فإن أولئك مقصودهم المال، فلو أعطوه لم يقاتلوا، وإنما يتعرضون لبعض الناس، وهؤلاء يقاتلون الناس على الدين حتى يرجعوا عما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة إلى ما ابتدعه هؤلاء بتأويلهم الباطل وفهمهم الفاسد للقرآن...
وهم شر على المسلمين من غيرهم، فإنهم لم يكن أحد شرا على المسلمين منهم ولا اليهود ولا النصارى؛ فإنهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم، مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم، مكفرين لهم وكانوا متدينين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة"  .
إذا الخوارج بتعريف عام: "كل من خرج على الإمام وعلى الجماعة المسلمة بالسيف للدعاء إلى معتقده وكان خروجه نابعا من مخالفة الأصول في الشريعة" فهذا التعريف أقرب لتعريف الخوارج كفرقة من الفرق، أما من خرج لغير ذلك مما تقدم فيطلق عليهم اسم الخروج العام، ويطلق عليهم خوارج "كحكم شرعي، وصفة لفعلهم.
ونجد د/ ناصر العقل يعرف الخوارج كفرقة من الفرق أنهم: "الذين يكفرون بالمعاصي ويخرجون على أئمة المسلمين وجماعتهم"  . وهذا التعريف عام وإن كان أخص مما ذكره الشهرستاني إلا أنه يشمل كل من سار على هذا المنهج، وإن تسمى باسم آخر غير الخوارج، أو انتمى إلى فرقة أخرى، إذ كل من خرج على إمام المسلمين وجماعتهم بالسيف، وكان الدافع لهذا الخروج عقيدة يعتقدها من تكفير المخالفين أو بدعة يدعو إليها يسمى خارجيا، ويعتبرون خوارج ويلحقهم الذم الوارد في النصوص  ، لذلك يطلق على فرقة الرافضة خوارج مارقة بهذا المعنى  .
وإن كانت الخوارج والرافضة كلها تكفر بالمعاصي  ، وترى الخروج على إمام المسلمين وجماعتهم على خلاف فيما بينهم في تفصيل ذلك إلا أن الفيصل بينهما هو القول في علي رضي الله عنه، فالخوارج الحرورية تكفره، والرافضة تتولاه. لذا إذا أردنا أن نعرف الخوارج الحرورية بتعريف خاص بهم كفرقة من الفرق، لا كحكم شرعي فيهم أو تعريف عام لهم نقول: هم كل من كفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعثمان وأصحاب الجمل ومن رضي بالتحكيم، وهم الذين يكفرون بالمعاصي ، ويرون الخروج على إمام المسلمين وجماعتهم، ويتولون فرقة المحكمة الأولى  .
فهؤلاء هم الخوارج الحرورية وهم المرادون في هذا المبحث والله أعلم، والخوارج فرق متعددة، عدها بعضهم وأوصلها إلى العشرين  .
الفصل الثالث: نشأة الخوارج

اختلف المؤرخون وعلماء الفرق في تحديد بدء نشأتهم، وخلاصة ذلك ما يلي:
أنهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
أنهم نشأوا في عهد عثمان رضي الله عنه.
أنهم نشأوا في عهد علي رضي الله عنه حين خرج عليه طلحة والزبير، كما يزعم بعض علماء الإباضية.
أو حين خرج الخوارج من المحكمة عن جيشه كما هو الراجح.
أنهم ظهروا في عهد نافع بن الأزرق ابتداء من سنة 64هـ، كما تقدم في التعريف بهم. وفيما يلي مناقشة تلك الأقوال وبيان الصحيح منها:
أما بالنسبة للقول الأول، فإن المقصود به ما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم من قيام ذي الخويصرة- عبد الله ذي الخويصرة التميمي- في إحدى الغزوات في وجه الرسول معترضاً على قسمة الرسول صلى الله عليه وسلم للفيء، وأنه لم يعدل - حاشاه - في قسمتها.
وقد قال بهذا القول كثير من العلماء منهم: الشهرستاني وابن حزم وابن الجوزي، والآجري، إلا أنه ينبغي التفريق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراء وتجمع قوي.
فذو الخويصرة لا يعتبر في الحقيقة زعيماً للخوارج، لأن فعلته حادثة فردية- تقع للحكام كثيراً- ولم يكن له حزب يتزعمه ولا كان مدفوعاً من أحد - إلا طمعه وسوء أدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فيمكن القول بأن نزعة الخروج قد بدأت بذرتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم 
وأما بالنسبة للقول الثاني، فهو رأي لبعض العلماء أيضاً كابن كثير وابن أبي العز  , ولكن يرد على هذا أن أولئك الثوار البغاة كان هدفهم قتل عثمان وأخذ المال، ولا ينطبق عليهم وصف فرقة ذات طابع عقائدي خاص، ولهذا اندمجوا مع المسلمين بعد تنفيذ جريمتهم ولم يشكلوا فرقة مستقلة –وإن كان فعلهم يعتبر خروجاً عن الطاعة وخروجاً على الإمام –إلا أنهم ليسوا هم الخوارج كفرقة عقائدية سياسية لما تقدم.
وأما بالنسبة للقول الثالث؛ وهو للورجلاني الإباضي، فأنه قول مردود؛ فإن طلحة والزبير رضي الله عنهما لا يصح وصفهما بالخوارج ولا ينطبق عليهما وصف الخوارج كفرقة، وكان معهما أيضاً أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد شهد الله لها بالإيمان، وطلحة والزبير رضي الله عنهما من العشرة المبشرين بالجنة  .
وأما بالنسبة للقول بأن نشأتهم تبدأ من قيام نافع بن الأزرق؛ فإنه لم يقل به غير من ذكرنا من علماء الإباضية؛ لنفيهم وجود صلة ما بين المحكمة ومن سار على طريقتهم وبين الأزارقة بعدهم، وهو قول غير مقبول لوجود تسلسل الأحداث وارتباطها من المحكمة إلى ظهور نافع بن الأزرق.
والحاصل أن الخوارج بالمعنى الصحيح اسم يطلق على تلك الطائفة ذات الاتجاه السياسي والآراء الخاصة، والتي خرجت عن جيش الإمام علي رضي الله عنه والتحموا معه في معركة النهروان الشهيرة   .
ومما نذكره هنا محاورات بين علي رضي الله عنه والخوارج، تصور لنا مدى التعنت الذي اتصف به الخوارج.
يختلف المؤرخون في تحديد بدء نشأة الخوارج هل كان ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو في عهد عثمان أو في عهد علي رضي الله عنهما أو أن نشأتهم لم تبدأ إلا بظهور نافع بن الأزرق وخروجه عام 64هـ؟
وسوف نتناول أقوال المؤرخين في هذا المقام بالعرض والدراسة واختيار ما نراه صحيحا منها.
القول الأول:
أن أول الخوارج هو ذو الخويصرة أو عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي الذي بدأ الخروج بالاعتراض على النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الفيء واتهامه إياه بعدم العدل وقد ورد في حديث البخاري تحت باب (من ترك قتال الخوارج للتألف وأن لا ينفر الناس عنه) عن أبي سعيد قال: ((بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمى فقال: اعدل يا رسول الله . فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل. قال عمر بن الخطاب دعني أضرب عنقه . قال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته ، وصيامه مع صيامه ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شىء، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل إحدى يديه - أو قال ثدييه - مثل ثدي المرأة - أو قال مثل البضعة - تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه ، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال فنزلت فيه وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ))  ، فهو على ما يبدو من تبويبه لهذا الحديث يعتبر ذا الخويصرة أول الخوارج وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك قتله للتألف.
وقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله هذا الحديث مع اختلاف في الألفاظ  وقد اقتصر في تسمية ذلك الخارجي الأول على (ذي الخويصرة) بينما هو في البخاري عبد الله بن ذي الخويصرة وربما رجع ذلك إلى اشتهار عبد الله باسم أبيه ذي الخويصرة فاقتصر مسلم على الشهرة بينما ذكر البخاري اسمه كاملاً.
وسواء كان الخارج على النبي هو عبد الله أو أباه؛ فإن الحادثة قد وقعت بهذه الصورة وقد أورد مسلم عدة روايات حول هذه القضية ولكنه لم يصرح بالاسم إلا  في رواية أبي سعيد، وفي بعض الروايات التي ذكرها الإمام مسلم عن أبي سعيد ذكر أوصاف ذلك الرجل دون ذكر اسمه كما في قوله:  ((بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسمها الرسول صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر؛ الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان قال: فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم. فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد. قال: فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن يطع الله إن عصيته، أيأمنني على أهل الأرض ولا تؤمنوني؟ قال: ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله (يرون أنه خالد بن الوليد)، فقال رسول الله: إن من ضئضئ  هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد))  .
وقد أخبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ببعض أوصافهم التي أخبره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووقع مصداق ذلك حين قتلهم علي بن أبي طالب  في معركة النهروان، كما جاء في كلام عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم  (أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب قالوا: لا حكم إلا لله قال علي: كلمة حق أريد بها باطل؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم (وأشار إلى حلقه)، من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي، فلما قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا. ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه. قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم: زاد يونس في روايته: قال بكير: وحدثني رجل عن أبي حنين أنه قال: رأيت ذلك الأسود )  .
وقد ذهب إلى القول بأن أول الخوارج هو ذو الخويصرة كثير من العلماء منهم ابن الجوزي وذلك في قوله: أن  " أول الخوارج وأقبحهم حالة ذو الخويصرة " . وقوله:  " فهذا أول خارجي خرج في الإسلام وآفته أنه رضي برأي نفسه ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه  .
ومنهم ابن حزم  ، وهو رأي الشهرستاني أيضاً حيث يقول: وهم الذين أولهم ذو الخويصرة وآخرهم ذو الثدية  ، واعتبر اعتراض ذي الخويصرة خروجا صريحا؛ إذ إن الاعتراض على الإمام الحق يسمى خروجاً فكيف بالاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ويقول بعد أن ذكر حديث ذي الخويصرة: وذلك خروج صريح على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيا فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجياً  .
وينقل الطالبي عن أبي بكر محمد بن الحسن الآجري أنه يرى أن أول الخوارج كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنهم بعد ذلك خرجوا من بلدان شتى واجتمعوا وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى قدموا المدينة فقتلوا عثمان، ثم خرجوا بعد ذلك على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  .
القول الثاني:
وهو للقاضي علي بن علي بن أبي العز الحنفي شارح (الطحاوية)، الذي يرى أن نشأة الخوارج بدأت بالخروج على عثمان رضي الله عنه في تلك الفتنة التي انتهت بقتله وتسمى الفتنة الأولى – يقول:  فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى .
ويسمي ابن كثير الذين ثاروا على عثمان وقتلوه خوارج فيقول: وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شيء كثير جدا  .
القول الثالث:
وهو للورجلاني حيث يعتبر أن نشأة الخوارج بدأت منذ أن فارق طلحة والزبير علياً رضي الله عنه وخرجا عليه بعد مبايعتهما له، ثم يقول: وشرعا دين الخوارج دينا؛ فلهما أجور الخوارج وأوزارهما  .
القول الرابع:
أن نشأة الخوارج بدأت سنة 64هـ بقيادة نافع بن الأزرق في أواخر ولاية ابن زياد وهذا الرأي لعلي يحيى معمر الإباضي  . وهو في هذا الرأي يتابع قطب الأئمة أبي إسحاق أطفيش الإمام الإباضي الذي يرى أن ما حدث بين الإمام علي وبين الطائفة التي انفصلت عن جيشه والتي سميت فيما بعد بالمحكمة إنما هو نوع من أنواع الفتن الداخلية التي وقعت بين المسلمين في ذلك العصر؛ حيث اعتبرت تلك الطائفة أن علياً رضي الله عنه قد زالت عنه الإمامة الشرعية حينما قبل التحكيم، ولهذا فقد ولوا عبد الله بن وهب الراسبي في زهده وتقواه ودعى هذا بدوره عليا للدخول في طاعته بعد أن اختاره من معه من الصحابة وغيرهم  – كما يدعي الخوارج.
فلم يكن ما حدث بين علي ومن معه في نظر أصحاب هذا الرأي إلا فتنة انتهت على نحو ما انتهت عليه وليس خروجا على الإمام، كما هو المعنى الحقيقي للخروج الذي يرون أنه لم يبتدئ إلا بخروج نافع بن الأزرق. أما ما كان قبل ذلك من حركات ثورية على علي رضي الله عنه والأمويين من بعده فهي مجرد ثورات ومواقع حربية دارت بين الفريقين وليست خروجا بالمعنى الصحيح. يقول في هذا أبو إسحاق أطفيش:
 " الخوارج طوائف من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين رؤوسهم: نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، ومحمد بن الصفار، ومن شايعهم، وسموا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق وعن الأمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك "  .
 ويقول علي يحيى معمر:  " سبق إلى أذهان أكثر الناس – بسبب خطأ المؤرخين في ربط الأحداث – أن المحكمة الذين قتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في وقعة النهروان هم أصل الخوارج وهو مفهوم خاطئ؛ فإن المحكمة قد قتلوا في النهر ولم ينج منهم إلا تسعة أفراد، ثم ثار على الحكم الأموي طوائف كثيرة من الناس جماعات وأفرادا، حتى ظهر الخوارج  في أواخر ولاية ابن زياد سنة  64 هـ, بقيادة نافع بن الأزرق، فمعركة النهروان هي فتنة بين الصحابة وقعت بين الإمام علي بن أبي طالب والمحكمة  . ومما يجدر بالذكر أنه قد استبعد أن يكون الناجون من حرب النهروان تسعة فقط كما يأتي ذلك فيما بعد. وهنا أثبت ذلك العدد تأكيدا لرأيه في بدء نشأة الخوارج .
القول الخامس:
أن نشأتهم بدأت بانفصالهم عن جيش الإمام علي رضي الله عنه وخروجهم عليه، وهذا الرأي هو الذي عليه الكثرة الغالبة من العلماء إذ يعرفون الخوارج بأنهم هم الذين خرجوا على علي بعد التحكيم ، ومن هؤلاء الأشعري فقد أرخ للخوارج، وأقدم من أرخ لهم منهم هم الخارجون على الإمام علي وقال عنهم:  " والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي بن أبي طالب  .
وقد تابعه  في صنيعه البغدادي؛ حيث بدأ التاريخ للخوارج بذكر الخارجين على علي رضي الله عنه  . وكذلك يرى أبو الحسين الملطي أن الفرقة الأولى للخوارج هي المحكّمة  .
وقد سار على هذا الرأي أصحاب المعاجم ودوائر المعارف ( في مادة الخروج) والكتاب المحدثون الذين كتبوا عن الفرق الإسلامية كالأستاذ أحمد أمين والشيخ أبو زهرة والغرابي رحمهم الله وغيرهم، والمؤرخون في تأريخهم لأحداث الفتنة الكبرى.
يقول الأستاذ أحمد أمين: واسم الخوارج جاء من أنهم خرجوا على علي وصحبه  .
ويقول الشيخ أبو زهرة: اقترن ظهور هذه الفرقة (أي الخوارج) بظهور الشيعة، فقد ظهر كلاهما كفرقة في عهد علي رضي الله عنه وقد كانوا من أنصاره  . وصاحب كتاب (الأديان) وهو إباضي يعتبر خروج الخوارج إنما كان على علي حينما حكم  .
وقد أصبح إطلاق اسم الخوارج  على الخارجين عن الإمام علي أمرا مشتهرا بحيث لا يكاد ينصرف إلى غيرهم بمجرد ذكره.
هذه هي الأقوال في بدء نشأة الخوارج، وعلينا في اختيار ما نراه صحيحا منها أن نفرق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراؤها الخاصة، ولها تجمعها الذي تحافظ عليه وتعمل به على نصرة هذه الآراء.
والواقع أن نزعة الخروج – أو بتعبير أدق بدء نزعة الخروج – قد بدأت بذرتها الأولى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتراض ذي الخويصرة عليه. لكن هل كان خروجا حقيقيا أم كان مجرد حادثة فردية اعترض فيها واحد من المسلمين على طريقة تقسيم الفيء طمعا في أن يأخذ منه نصيبا أكبر؟ وهو الأمر الذي سنرجحه  فيما بعد.
أما تعبير النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي الخويصرة بأن له أصحابا فقد يجوز:
أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد توقع وجود أصحاب يؤيدون هذا الرجل حيث استطاع الاعتراض على صاحب الدعوة، فامتنع عن قتله تألفا له ولهم.
ويجوز أيضا أن يكون ذلك القول كان توقعاً من النبي عليه السلام وإخبارا عما سيكون من عاقبة هذا الرجل وأمثاله؛ إذ إن الاعتراض على شخصيته صلى الله عليه وسلم يجعل من المتوقع أن يوجد الاعتراض على الخلفاء من بعده والخروج عليهم من باب أولى.
ويجوز أن يكون قصد النبي صلى الله عليه وسلم بالأصحاب لهذا الرجل هم من يكونون على شاكلته في مستقبل الأيام بحيث يكونون متابعين له على فكرته، وإن لم يتزعم قيادتهم في هذا الخروج على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الخلفاء.
لقد مضى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يكن لذي الخويصرة ذكر في هذه العهود بعد تلك الحادثة لا بنفسه ولا مع من يمكن أن يكونوا على شاكلته. ولم يذكر التاريخ -  فيما اطلعت عليه – أنه كان كذلك من الثائرين على عثمان رضي الله عنه أو أنه كان له أبناء أو أصحاب ينتسبون إليه في تلك الثورة مع أن الفارق الزمني بين ورود  الحديث فيه وبين أحداث الفتنة الكبرى يسمح بمثل هذا لو كان.
كل هذا يجعل من هذه الحادثة التي ارتكبها ذو الخويصرة حادثة فردية في وقتها؛ حيث لم يشتهر بالخروج ولم تعرف له آراء خاصة يتميز بها ولم يكون له حزبا سياسيا معارضا وإن لم يمنع هذا من اعتباره الفيء لمجرد نزعة الخروج في صورة ساذجة، إذا صح أن يكون الاعتراض على تقسيم الفيء خروجا.
وأما القول بأن نشأتهم تبدأ بثورة الثائرين على عثمان رضي الله عنه، فلا شك أن ما حدث كان خروجا عن طاعة الإمام إلا أنه لم يكن يتميز بأنه خروج فرقة ذات طابع عقائدي خاص لها آراء وأحكام في الدين، غاية ما هنالك أن قوما غضبوا على عثمان واستحوذ عليهم الشيطان حتى أدى بهم إلى ارتكاب جريمة قتله ثم دخلوا بين صفوف المسلمين كأفراد منهم.
وفيما يتعلق بالقول بأن طلحة والزبير رضي الله عنهما كانا أول الخارجين على علي – كما يقول الورجلاني – فمن الصعب عليه إثبات ذلك. فقد كان معهما أم المؤمنين عائشة ومن معهم من المسلمين، و على كل فقد انتهت موقعة الجمل واندمج من بقي منهم في صفوف المسلمين دون أن تجمعهم رابطة فكرية معينة كتلك التي حدثت بين الخوارج على علي في جيشه فيما بعد، وكان خروجهم باسم المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه فإذا كان قد بدئ الخروج على علي بخروج أصحاب موقعة الجمل فإنه لا ينطبق عليهم مصطلح الخوارج كطائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الدينية الخاصة، وطلحة والزبير من العشرة الذين بشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، فكيف يجوز أن يعتبرا من الخوارج ويطبق عليهما أحاديث المروق الواردة في الخوارج؟!
أما القول بأن نشأتهم تبدأ من قيام نافع بن الأزرق فإنه لم يقل به غير علي يحيى معمر تبعا لقطب الأئمة الإباضية أبي إسحاق أطفيش لنفيهم وجود صلة ما بين المحكمة ومن ثار على طريقتهم وبين الأزارقة بعدهم، وهو قول غير مقبول لوجود تسلسل الأحداث وارتباطها من المحكمة إلى ظهور نافع بن الأزرق بحيث يظهر أن الأولين هم سلف الخوارج جميعا، كما سنبين هذا عند الكلام عن حركات الخوارج وفرقهم.
وهكذا يتضح الفرق بين مجرد وجود نزعة الاعتراض أو الثورة خروجا عن طاعة الإمام، وبين الخروج في شكل طائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة؛ كخروج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه منذ وقعة صفين، وهم الذين ينطبق عليهم مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وهذا هو القول الأخير الذي نختاره ونسير عليه في هذه الرسالة مؤرخين لهذه الطائفة دارسين لآرائهم.
والواقع أن هذا هو ما يشهد له واقع تلك الحركة التي أحدثت دويا هائلا في تاريخ هذه الأمة الإسلامية عدة قرون تميزت فيها بآراء ومعتقدات وأنظمة لفتت إليها أنظار علماء التاريخ والفرق الإسلامية، بخلاف ما سبقها من حركات فإنها لم يكن لها أثر فكري أو عقائدي يذكر.

الجمعة، 10 يناير 2014




                                        بسم الله الرحمن الرحيم
                                 

                          نبذة يسيرة عن  حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
                           


                 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : فقد اختلف بنو إسرائيل . وحرفوا وبدلوا في عقيدتهم وشريعتهم فانطمس الحق وظهر الباطل وانتشر الظلم والفساد واحتاجت الأمة إلى دين يحق الحق ويمحق الباطل ويهدي الناس إلى الصراط المستقيم فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه : ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) النحل/64 . 
أرسل الله جميع الأنبياء والرسل للدعوة إلى عبادة الله وحده , وإخراج الناس من الظلمات إلى النور فأولهم نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) النحل/36 . 
وآخر الأنبياء والرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم فلا نبي بعده قال تعالى : ( ما كان محمداً أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) الأحزاب/40 . 
وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة كما قال سبحانه : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ًونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) سبأ/28 . 
وقد أنزل الله على رسوله القرآن يهدي به الناس ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم قال تعالى : ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ) إبراهيم/1 . 
وقد ولد الرسول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي بمكة عام الفيل الذي جاء أصحابه لهدم الكعبة فأبادهم الله وتوفي أبوه وهو في بطن أمه ولما ولد محمد أرضعته حليمة السعدية ثم زار أخواله في المدينة مع أمه آمنة بنت وهب وفي طريق العودة إلى مكة توفيت أمه بالأبواء وعمره ست سنين ثم كفله جده عبد المطلب فمات وعمر محمد ثمان سنين ثم كفله عمه أبو طالب يرعاه ويكرمه ويدافع عنه أكثر من أربعين سنة وتوفي أبو طالب ولم يؤمن بدين محمد خشية أن تعيره قريش بترك دين آبائه . 
وكان محمد في صغره يرعى الغنم لأهل مكة ثم سافر إلى الشام بتجارة لخديجة بنت خويلد وربحت التجارة وأعجبت خديجة بخلقه وصدقه وأمانته فتزوجها وعمره خمس وعشرون سنة وعمرها أربعون سنة ولم يتزوج عليها حتى ماتت . 
وقد أنبت الله محمداً صلى الله عليه وسلم نباتاً حسناً وأدبه فأحسن تأديبه ورباه وعلمه حتى كان أحسن قومه خَلقاً وخُلقاً وأعظمهم مروءة وأوسعهم حلماً وأصدقهم حديثاً وأحفظهم أمانة حتى سماه قومه بالأمين . 
ثم حُبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء الأيام والليالي يتعبد فيه ويدعو ربه وأبغض الأوثان والخمور والرذائل فلم يلتفت إليها في حياته . 
ولما بلغ محمداً صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة شارك قريشاً في بناء الكعبة لما جرفتها السيول فلما تنازعوا في وضع الحجر الأسود حكموه في الأمر فدعا بثوب فوضع الحجر فيه ثم أمر رؤساء القبائل أن يأخذوا بأطرافه فرفعوه جميعاً ثم أخذه محمد فوضعه في مكانه وبنى عليه فرضي الجميع وانقطع النزاع .
وكان لأهل الجاهلية صفات حميدة كالكرم والوفاء والشجاعة وفيهم بقايا من دين إبراهيم كتعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة وإهداء البدن وإلى جانب هذا كانت لهم صفات وعادات ذميمة كالزنا , وشرب الخمور وأكل الربا وقتل البنات والظلم , وعبادة الأصنام . 
وأول من غير دين إبراهيم ودعا إلى عبادة الأصنام عمرو بن لحي الخزاعي فقد جلب الأصنام إلى مكة وغيرها ودعا الناس إلى عبادتها ومنها ود , وسواع , ويغوث , ويعوق, ونسرا . 
ثم اتخذ العرب أصناماً أخرى ومنها صنم مناة بقديد واللات بالطائف والعزى بوادي نخلة وهبل في جوف الكعبة وأصنام حول الكعبة وأصنام في بيوتهم واحتكم الناس إلى الكهان والعرافين والسحرة . 
ولما انتشر الشرك والفساد بهذه الصورة بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وعمره أربعون سنة يدعو الناس إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام فأنكرت عليه قريش ذلك وقالت : ( أجعل الآلهة ألهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ) ص/5 . 
وظلت هذه الأصنام تعبد من دون الله حتى بعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد فكسرها وهدمها هو وأصحابه رضوان الله عليهم فظهر الحق وزهق الباطل : ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ) الإسراء/81 . 
وأول ما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء الذي كان يتعبد فيه حيث جاءه جبريل فأمره أن يقرأ فقال الرسول ما أنا بقارئ فكرر عليه وفي الثالثة قال له : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ) العلق/1-2-3 . 
فرجع الرسول , وفؤاده يرجف , ودخل على زوجته خديجة ثم أخبرها وقال لقد خشيت على نفسي فطمأنته وقالت : ( والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم , وتحمل الكل , وتقرى الضيف , وتكسب المعدوم , وتعين على نوائب الحق ) ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر فلما أخبره بشره وقال له هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى وأوصاه بالصبر إذا آذاه قومه وأخرجوه .
ثم فتر الوحي مدة فحزن الرسول صلى الله عليه وسلم فبينما هو يمشي يوماً إذ رأى الملك مرة أخرى بين السماء والأرض فرجع إلى منزله وتدثر فأنزل الله عليه : ( يا أيها المدثر ، قم فأنذر ) المدثر/1-2 , ثم تتابع الوحي بعد ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم . 
أقام النبي في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعوا إلى عبادة الله وحده سراً ثم جهراً حيث أمره الله أن يصدع بالحق فدعاهم بلين ولطف من غير قتال فأنذر عشيرته الأقربين ثم أنذر قومه ثم أنذر من حولهم ثم أنذر العرب قاطبة ثم أنذر العالمين . ثم قال سبحانه : ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) الحجر/94 . 
وقد آمن بالرسول قلة من الأغنياء والأشراف والضعفاء والفقراء والعبيد رجالاً ونساءً وأوذي الجميع في دينهم فعُذِّبَ بعضهم وقتل بعضهم , وهاجر بعضهم إلى الحبشة فراراً من أذى قريش وأوذي معهم الرسول صلى الله عليه وسلم فصبر حتى أظهر الله دينه . 
ولما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم خمسين سنة ومضى عشر سنوات من بعثته مات عمه أبو طالب الذي كان يحميه من أذى قريش ثم ماتت من بعده زوجته خديجة التي كانت تؤنسه فاشتد عليه البلاء من قومه وتجرؤا عليه وآذوه بصنوف الأذى وهو صابر محتسب . صلوات الله وسلامه عليه . 
ولما اشتد عليه البلاء وتجرأت عليه قريش خرج إلى الطائف ودعا أهلها إلى الإسلام فلم يجيبوه , بل آذوه ورموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه , فرجع إلى مكة وظل يدعوا الناس إلى الإسلام في الحج وغيره . 
ثم أسرى الله برسوله ليلا ًمن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكباً على البراق بصحبة جبريل , فنزل وصلى بالأنبياء ثم عرج به إلى السماء الدنيا فرأى فيها آدم , وأرواح السعداء عن يمينه وأرواح الأشقياء عن شماله ثم عرج به إلى السماء الثانية فرأى فيها عيسى ويحيى ثم إلى الثالثة فرأى فيها يوسف ثم إلى الرابعة فرأى فيها إدريس ثم إلى الخامسة فرأى فيها هارون ثم إلى السادسة فرأى فيها موسى ثم إلى السابعة فرأى فيها إبراهيم ثم رفع إلى سدرة المنتهى ثم كلمه ربه فأكرمه وفرض عليه وعلى أمته خمسين في اليوم والليلة ثم خففها إلى خمس في العمل وخمسين في الأجر واستقرت الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة إكراماً منه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى مكة قبل الصبح فقص عليهم ما جرى له فصدقه المؤمنون وكذبه الكافرون : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) الإسراء/1 . 
ثم هيأ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ينصره فالتقى في موسم الحج برهط من المدينة من الخزرج فأسلموا ثم رجعوا إلى المدينة , ونشروا فيها الإسلام فلما كان العام المقبل صاروا بضعة عشر فالتقى بهم الرسول صلى الله عليه وسلم فلما انصرفوا بعث معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن , ويعلمهم الإسلام فأسلم على يديه خلق كثير , منهم زعماء الأوس سعد بن معاذ , وأسيد بن حضير . 
فلما كان العام المقبل وجاء موسم الحج خرج منهم ما يزيد على سبعين رجلاً من الأوس والخزرج فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن هجره وآذاه أهل مكة , فواعدهم الرسول في إحدى ليالي التشريق عند العقبة فلما مضى ثلث الليل خرجوا للميعاد فوجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس ولم يؤمن إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه فتكلم العباس , والرسول , والقوم بكلام حسن ثم بايعهم الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يهاجر إليهم في المدينة على أن يمنعوه , وينصروه ويدافعوا عنه , ولهم الجنة فبايعوه واحداً, واحدا ً, ثم انصرفوا ثم علمت بهم قريش فخرجوا في طلبهم , ولكن الله نجاهم منهم , وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة إلى حين : ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) الحج/40 . 
ثم أمر الرسول أصحابه بالهجرة إلى المدينة فهاجروا أرسالاً إلا من حبسه المشركون ولم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله وأبو بكر وعلي فلما أحس المشركون بهجرة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة خافوا أن يلحق بهم فيشتد أمره فتآمروا على قتله فأخبر جبريل رسول الله بذلك فأمر الرسول علياً أن يبيت في فراشه , ويرد الودائع التي كانت عند الرسول صلى الله عليه وسلم لأهلها وبات المشركون عند باب الرسول ليقتلوه إذا خرج فخرج من بينهم وذهب إلى بيت أبي بكر بعد أن أنقذه الله من مكرهم وأنزل الله : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) الأنفال/30 . 
ثم عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهجرة إلى المدينة , فخرج هو وأبو بكر إلى غار ثور ومكثا فيه ثلاث ليال واستأجرا عبد الله بن أبي أريقط وكان مشركاً ليدلهما على الطريق , وسلماه راحلتيهما فذعرت قريش لما جرى وطلبتهما في كل مكان , ولكن الله حفظ رسوله فلما سكن الطلب عنهما , ارتحلا إلى المدينة فلما أيست منهما قريش بذلوا لمن يأتي بهما أو بأحدهما مائتين من الإبل فجد الناس في الطلب وفي الطريق إلى المدينة , علم بهما سراقة بن مالك وكان مشركاً فأرادهما فدعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فساخت قوائم فرسه في الأرض فعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ممنوع , وطلب من الرسول أن يدعوا له ولا يضره فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم , فرجع سراقة , ورد الناس عنهما ثم أسلم بعد فتح مكة . 
فلما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كبر المسلمون فرحاً بقدومه واستقبله الرجال والنساء والأطفال فرحين مستبشرين فنزل بقباء وبنى هو والمسلمون مسجد قباء وأقام بها بضع عشرة ليلة ثم ركب يوم الجمعة فصلاها في بني سالم بن عوف ثم ركب ناقته ودخل المدينة والناس محيطون به , آخذون بزمام ناقته لينزل عندهم , فيقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم دعوها فإنها مأمورة فسارت حتى بركت في موضع مسجده اليوم . 
وهيأ الله لرسوله أن ينزل على أخواله قرب المسجد فسكن في منزل أبي أيوب الأنصاري , ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأتي بأهله وبناته وأهل أبي بكر من مكة فجاءوا بهم إلى المدينة . 
ثم شرع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في بناء مسجده في المكان الذي بركت فيه الناقة وجعل قبلته إلى بيت المقدس وجعل عمده الجذوع وسقفه الجريد ثم حولت القبلة إلى الكعبة بعد بضعة عشر شهراً من مقدمه المدينة . 
ثم آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ووادع الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود وكتب بينه وبينهم كتاباً على السلم والدفاع عن المدينة وأسلم حبر اليهود عبد الله بن سلام وأبى عامة اليهود إلا الكفر وفي تلك السنة تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها . 
وفي السنة الثانية شرع الأذان وصرف الله القبلة إلى الكعبة ، وفرض صوم رمضان . 
ولما استقر الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة وأيده الله بنصره والتف المهاجرون والأنصار حوله واجتمعت القلوب عليه عند ذلك رماه المشركون , واليهود والمنافقون عن قوس واحدة فآذوه وافتروا عليه وبارزوه بالمحاربة والله يأمره بالصبر و العفو والصفح فلما اشتد ظلمهم وتفاقم شرهم , أذن الله للمسلمين بالقتال , فنزل قوله تعالى : ( أذن للذين يُقاتِلون بأنهم ظُلموا وإنَّ الله على نصرهم لقدير ) الحج/39 . 
ثم فرض الّله على المسلمين قتال من قاتلهم فقال : ( و قاتلوا في سبيل الّله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الّله لا يحب المعتدين ) البقرة/190 . 
ثم فرض الله عليهم قتال المشركين كافة فقال : ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) التوبة/36 . 
فقام الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله ورد كيد المعتدين ودفع الظلم عن المظلومين وأيده الله بنصره , حتى صار الدين كله لله فقاتل المشركين في بدر في السنة الثانية من الهجرة في رمضان فنصره الله عليهم وفرق جموعهم وفي السنة الثالثة غدر يهود بني قينقاع فقتلوا أحد المسلمين فأجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن المدينة إلى الشام ثم ثأرت قريش لقتلاها في بدر , فعسكرت حول أحد في شوال من السنة الثالثة ودارت المعركة وعصى الرماة أمر الرسول , فلم يتم النصر للمسلمين وانصرف المشركون إلى مكة ولم يدخلوا المدينة . 
ثم غدر يهود بني النضير وهموا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك بإلقاء الحجر عليه فنجاه الله , ثم حاصرهم في السنة الرابعة وأجلاهم إلى خيبر . 
وفي السنة الخامسة غزا الرسول صلى الله عليه وسلم بني المصطلق لرد عدوانهم , فانتصر عليهم وغنم الأموال والسبايا ثم سعى زعماء اليهود في تأليب الأحزاب على المسلمين للقضاء على الإسلام في عقر داره . فاجتمع حول المدينة المشركون والأحباش وغطفان اليهود ثم أحبط الله كيدهم ونصر رسوله والمؤمنين : ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً ) الأحزاب/25 . 
ثم حاصر الرسول صلى الله عليه وسلم يهود بني قريظة لغدرهم , ونقضهم العهد فنصره الله عليهم فقتل الرجال وسبى الذرية وغنم الأموال . 
وفي السنة السادسة عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على زيارة البيت والطواف به فصده المشركون عنه ، فصالحهم في الحديبية على وقف القتال عشر سنين ، يأمن فيها الناس ويختارون ما يريدون فدخل الناس في دين الله أفواجاً . 
وفي السنة السابعة غزا الرسول خيبر للقضاء على زعماء اليهود الذين آذوا المسلمين ، فحاصرهم ونصره الله عليهم وغنم الأموال والأرض وكاتب ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام . 
وفي السنة الثامنة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً بقيادة زيد بن حارثه لتأديب المعتدين ولكن الروم جمعوا جيشاً عظيماً فقتلوا قواد المسلمين وأنجى الله بقية المسلمين من شرهم . 
ثم غدر كفار مكة فنقضوا العهد فتوجه إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم بجيش عظيم وفتح مكة ، وطهر بيته العتيق من الأصنام ، وولاية الكفار . 
ثم كانت غزوة حنين في شوال من السنة الثامنة لرد عدوان ثقيف وهوازن فهزمهم الله وغنم المسلمون مغانم كثيرة ثم واصل الرسول صلى الله عليه وسلم مسيره إلى الطائف وحاصرها ، ولم يأذن الله بفتحها فدعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم وانصرف ، فأسلموا فيما بعد ثم رجع ووزع الغنائم ، ثم اعتمر هو وأصحابه ثم خرجوا إلى المدينة . 
وفي السنة التاسعة كانت غزوة تبوك في زمان عسرة وشدة وحر شديد فسار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك لرد كيد الروم فعسكر هناك ، ولم يلق كيداً وصالح بعض القبائل ، وغنم ثم رجع إلى المدينة وهذه آخر غزوة غزاها عليه الصلاة و السلام وجاءت في تلك السنة وفود القبائل تريد الدخول في الإسلام و منها وفد تميم ووفد طيء ووفد عبد القيس ، ووفد بني حنيفة وكلهم أسلموا ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يحج بالناس في تلك السنة وبعث معه علياً رضي الله عنه وأمره أن يقرأ على الناس سورة براءة للبراءة من المشركين وأمره أن ينادي في الناس فقال علي يوم النحر : ( يا أيها الناس لا يدخل الجنة كافر ، و لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو إلى مدته ) . 
وفي السنة العاشرة عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على الحج , و دعا الناس إلى ذلك فحج معه من المدينة وغيرها خلقٌ كثير فأحرم من ذي الحليفة , و وصل إلى مكة في ذي الحجة وطاف وسعى وعلم الناس مناسكهم وخطب الناس بعرفات خطبة عظيمة جامعة , قرر فيها الأحكام الإسلامية العادلة فقال : ( أيها الناس اسمعوا قولي , فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا , أيها الناس إن دماءكم , وأموالكم , وأعراضكم حرام عليكم , كحرمة يومكم هذا , في شهركم هذا , في بلدكم هذا , ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع , ودماء الجاهلية موضوعة , وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث , كان مسترضعاً في بني سعد , فقتلته هذيل . وربا الجاهلية موضوع , وأول ربا أضع ربا عباس بن عبد المطلب , فإنه موضوع كله , فاتقوا الله في النساء , فإنكم أخذتموهن بأمان الله , واستحللتم فروجهن بكلمة الله , ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه , فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح , ولهن عليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف , وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله , وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون , قالوا نشهد أنك قد بلَّغت , وأديت , ونصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد , اللهم اشهد ثلاث مرات ) . 
ولما أكمل الله هذا الدين , وتقررت أصوله , نزل عليه وهو بعرفات : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) المائدة/3 . 
وتسمى هذه الحجة حجة الوداع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ودع فيها الناس , ولم يحج بعدها ثم رجع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من حجه إلى المدينة . 
وفي السنة الحادية عشرة في شهر صفر بدأ المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم ولما اشتد عليه الوجع أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يصلى بالناس وفي ربيع الأول , زاد عليه المرض فقبض صلوات الله وسلامه عليه ضحى يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة فحزن المسلمون لذلك حزناً شديداً ثم غُسل وصلى عليه المسلمون يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء ودفن في بيت عائشة والرسول قد مات ودينه باق إلى يوم القيامة . 
ثم اختار المسلمون صاحبه في الغار ورفيقه في الهجرة أبا بكر رضي الله عنه خليفة لهم ثم تولى الخلافة من بعده عمر ثم عثمان ثم علي وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون المهديون رضوان الله عليهم أجمعين . 
وقد امتنّ الله على رسوله محمد بنعم عظيمة وأوصاه بالأخلاق الكريمة كما قال سبحانه : ( ألم يجدك يتيماً فآوى ، ووجدك ضالاً فهدى ، ووجدك عائلاً فأغنى ، فأما اليتيم فلا تقهر ، وأما السائل فلا تنهر ، وأما بنعمة ربك فحدث ) الضحى/6-11 . 
وقد أكرم الله رسوله بأخلاق عظيمة لم تجتمع لأحدٍٍ غيره حتى أثنى عليه ربه بقوله : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) القلم/4 . 
وبهذه الأخلاق الكريمة , والصفات الحميدة , استطاع عليه السلام أن يجمع النفوس ويؤلف القلوب بإذن ربه : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) آل عمران/159 . 
وقد أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة وأنزل عليه القرآن وأمره بالدعوة إلى الله كما قال سبحانه : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ) الأحزاب/46 . 
وقد فضل الله رسوله محمداً على غيره من الأنبياء بست فضائل كما قال صلى الله عليه وسلم : ( فضلت على الأنبياء بست , أعطيت جوامع الكلم , ونصرت بالرعب , وأحلت لي الغنائم , وجعلت لي الأرض طهوراً و مسجداً , وأرسلت إلى الناس كافة , وختم بي النبيون ) . رواه مسلم/523 . 
فيجب على جميع الناس الإيمان به , و اتباع شرعه , ليدخلوا جنة ربهم : ( ومن يطع الله و رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ) النساء/13 . 
وقد أثنى الله على من يؤمن بالرسول من أهل الكتاب وبشرهم بالأجر مرتين كما قال سبحانه : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ) القصص/52 -54 . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه و صدقه فله أجران . الخ ) . 
ومن لم يؤمن بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر , والكافر جزاؤه النار كما قال سبحانه : ( ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً ) الفتح/13 , وقال عليه الصلاة و السلام : ( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاَّ كان من أصحاب النار ) . رواه مسلم/154 . 
و الرسول صلى الله عليه وسلم بشر لا يعلم إلا ما علمه الله ولا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً كما قال سبحانه : ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلاَّ نذير وبشير لقوم يؤمنون ) الأعراف/188 . 
وقد أرسله الله بالإسلام ليظهره على الدين كله : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً ) الفتح/28 . 
ومهمة الرسول هي إبلاغ ما أرسل به , والهداية بيد الله : ( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ ) الشورى/48 . 
ولما للرسول صلى الله عليه وسلم من فضل عظيم على البشرية , بدعوتها إلى هذا الدين وإخراجها من الظلمات إلى النور , فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر وأمرنا بالصلاة عليه في حالات كثيرة فقال سبحانه : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليماً ) الأحزاب/21 .
وقد جاهد النبي عليه الصلاة و السلام في سبيل نشر هذا الدين وجاهد أصحابه معه فعلينا الاقتداء به واتباع سنته و السير على هديه كما قال سبحانه : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر و ذكر الله كثيراً ) الأحزاب/21 . 
والإسلام دين الفطرة و العدل دين ارتضاه الله للناس كافة وهو يشتمل على أصول و فروع و آداب و أخلاق و عبادات و معاملات ولن تسعد الأمة إلا باتباعه والعمل به ولن يقبل الله من الناس غيره كما قال سبحانه : ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) آل عمران/85 . 
اللهم صلّ على محمد , وعلى آل محمد , كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد . 

الثلاثاء، 7 يناير 2014

النظام الذي يريده الشعب و يهتف به و يحقق أهداف ثورته المجيدة : هذا النظام العتيد المنشود هو في جملة وحيدة "تحقيق ارادة الشعب" قي العزة و الكرامة و الحرية , لا ليبيرالية مطلقة و لا اشتراكية مطلقة و من بين شبابها و مثقفيها و علمائها و مجتمعها المدني و الأهبي , حكومة لا تظلم شعبها و لا تفسد في الحرث و النسل , تراقب و تحاسب من طرف الشعب ذاته و تحتكم الى مبادئ العدل و المساواة و الحرية و الكرامة الانسانية
و لأن الفساد ظاهرة إنسانية قديمة في الأمم, ولا يكاد يخلو عصر من العصور من ظاهرة الفساد, والفساد سبب كل تخلف يصيب الأمة, وسبب لكل ما يتلوه من أمراض تطيح بأحلام أبناء الأمة وشبابها, والفساد سبب للاستبداد والدكتاتورية وخير معين للطغاة والفاسدين, فأينما وجد فساد وجد التخلف والعكس صحيح, وأينما وجدت الديكتاتورية والاستبداد وجد الفساد والعكس أيضا صحيح, حتى صرنا في ذيل الأمم, وصرنا أكثر الناس تخلفا بعد أن كنا سادة هذا العالم, وصرنا أضعف الناس وأهون الناس بعد أن كنا قادة العالم, على الرغم من أن ديننا الحنيف يحارب الفساد بكل صوره ويقتلع أسبابه وجذوره.
الفساد له الكثير من التعريفات, تشترك في وصفه بأنه إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة في تحقيق كسب خاص, فيعرف معجم أوكسفورد الإنكليزي الفساد بانه انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة وتعرفه منظمة الشفافية الدولية بأنه كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته), ويعرفه البنك الدولي أنه (إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص , وتعريفات الفساد كثيرة تتنوع تبعا لتنوع البيئة المتواجد فيها, ولكنها تدور كلها في فلك التعريفات المذكورة.
تختلف أسباب الفساد من بيئة لأخرى حسب الثقافة السائدة, ولكن هناك أسباب أساسية متواجدة في كل المجتمعات وهى السبب الرئيسى في الفساد, وتبعا لذلك ووفقا لمدى توافر هذه الأسباب الرئيسية تتحدد مدى فاعلية الأسباب الأخرى, ويمكننا أن نتحدث عن تلك الأسباب الرئيسية باختصار فيما يلى:
-
ضعف الإيمان والوازع الدينى, فالنفس الخاوية من الإيمان, التى لا تخشى الله ولا رسوله, لا تبالى بارتكاب المحرمات, ولا تخشى من العقاب الربانى على الفساد في الأرض, ولا تشعر بالضيق ولا بالهم الذى يشعر به المؤمن في حال اقترافه الفساد, بل يزين له الشيطان سوء عمله, ويسمى الأسماء بغير مسمياتها, فتراه بعد فترة لا يخشى من ارتكاب الفساد ولا يستتر من الناس, فيصير الفساد عادة والصلاح منكرا.
-
اتباع الهوى وانتشار الأخلاق الفاسدة، مثل الكذب، والنفاق، والرياء، والغلظة، وسوء الظن، وعدم الوفاء بالعهود، والعقود، وخيانة الأمانة والرشوة والمحسوبية والاحتيال, والهوى ميل في النفس إلى الشئ واتباع الهوى مذمة لما يؤدى إليه من معاصى ومفاسد فقال تعالى داعيا إلى عدم اتباع الهوى " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى " (سورة النازعات) , وقال تعالى محذرا من اتباع الهوى  "وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" (سورة ص :26) , ويقال أنه إنما سمى الهوى لأنه يهوى بصاحبه, فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى في كتابه إلا ذمه، وكذلك في السنة لم يجىء إلا مذموماً إلا ما جاء منه مقيداً بما يخرج معناه عن الذم كقولهم: هوى حسن, وهوى موافق للصواب، وقد قيل: الهوى لايؤمن.
*/ ضعف السلوكيات الطيبة، وانتشار المادية بين الناس وتفكُّك عرى التكافل والتضامن الاجتماعي، وانتشار الأنانية والحقد والكراهية.
*/ فقدان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهو يعتبر صمام أمان للمجتمع من الفساد فإذا غاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فشا الفساد وانتشر.
*/ الحكم بغير ما أنزل الله والتسلط على الناس وكبت الحريات، وتطبيق نظم وقوانين وضعية تخالف شرع الله عز وجل.
أما أسباب الفساد المختلفة حسب البيئة والظروف فنذكر منها على سبيل المثال لا الحصر وباختصار ما يلى:
*/ تمسك الحكام بالسلطة, ومحاولاتهم المستميتة للحفاظ على الكرسي أبد الدهر , وفي سبيل ذلك يفعلون أى شئ, فيعملون على نشر الفساد في أركان ومؤسسات الدولة حتى يقيدوا الناس بقيود من الفساد فلا يطالب الناس بحقهم في حياة كريمة وحريتهم وحقوقهم الأخرى المشروعة, وهذا هو ما يسمى بالفساد الأفقى.
*/ سياسة الخصخصة وتحويل القطاع العام إلى القطاع الخاص وما يشوب تلك العملية من مجاملات ومحاولات الحصول على أكبر قدر من المكاسب.
*/ شعور الناس أن القانون لا يطبق إلا على البسطاء منهم, بينما كبار الفاسدين لا يقترب أحد منهم وهم فوق القانون.
*/ ضعف المجتمع المدنى وتهميش دور مؤسساته في مواجهته والتصدى له.
*/ التفاوت الرهيب في الأجور بين عامة وكبار الموظفين في الدولة بشكل يثير الحنق والغضب لدى البسطاء.
*/ شعور عامة الناس أنهم غرباء أو مواطنون من الدرجة الثانية لأنهم لا يتمتعون بأبسط حقوقهم الآدمية في المأكل والمسكن والعلاج.
*/ تغلب علاقة النسب والقربى على الواجبات والالتزامات الوطنية.
*/ انتشار مظاهر الجهل ونقص المعرفة بالحقوق والواجبات.
*/ضعف الرقابة ومتابعة الأداء الوظيفي, وفي كثير من الحيان يطال الفساد أجهزة الرقابة أيضا, وهذا ينتشر بصورة ملحوظة في دول العالم الثالث.
*/ غياب التشريعات والأنظمة التي تكافح الفساد, أو وجود تشريعات قاصرة في تعريفها لمفهوم الفساد ورؤيتها الجزئية لوسائل محاربته.
*/ ضعف السلطتين القضائية والتشريعية وخضوعها للسلطة التنفيذية.
*/ قوة ترابط وتكاتف الفاسدين والمفسدين ودقة تنظيمهم واتساع نطاقهم.

للفساد صور وأشكال مختلفة, تتنوع أيضا بحسب البيئة والظروف المحيطة, ومن الصعب حصر كل مظاهر وأشكال الفساد, ومن أبرز صور وأشكال الفساد في العصر الحالى وأكثرها انتشارا ما ذكره الدكتور حسين شحاته أستاذ الاقتصاد الإسلامي:
*/ من صور الفساد في مجال المال: السرقة والاختلاس والرشوة، والتربُّح من الوظيفة، واستغلال الجاه والسلطان والربا، والمضاربات والقمار ومنع الزكاة، وصور خيانة الأمانة في المعاملات المالية.
*/ من صور الفساد في مجال العمل: الإهمال والتقصير، والتعدِّي على لوازم العمل، وعدم الإتقان، وعدم الانضباط والالتزام بنظم العمل، والمحسوبية وعدم تكافؤ الفرص، وبخس العامل حقوقه.
*/ من صور الفساد في مجال الاستهلاك والإنفاق: الإسراف والتبذير، والإنفاق الترفي والبذخي والمظهرية، والتقليد غير النافع، وعدم الالتزام بالأولويات الإسلامية.
*/ من صور الفساد في مجال التداول والتجارة: الغش والتدليس، والغرر والجهالة، والغبن والبخس، والمماطلة في أداء الحقوق، والاحتكار والمعاملات الوهمية والرشوة والعمولات الزائفة.
ونضيف إلى ذلك أيضا الواسطة ونهب المال العام, والابتزاز والمحاباة وغير ذلك من المظاهر.
قصور الرؤى المجردة لمحاربة الفساد
قضية محاربة الفساد تشغل الجميع, بدءا من الشعوب وليس انتهاء بالحكومات بل حتى المنظمات الدولية قد عملت أيضا على محاربة الفساد, ووضعت تعريفات للفساد وكذلك سبل ومقترحات لمواجهة هذا الفساد, إلا أن الملاحظ في غالبية هذه السبل المتبعة لمحاربة الفساد هو قصورها في تعريف مفهوم الفساد, وكذلك أسباب الفساد, ومن ثم وجود قصور في سبل معالجة ومحاربة هذا الفساد, علاوة على أن غالبيتها يعالج المشكلة ولا يعالج السبب, ورغم وجود بعض الحلول التى تعالج الأسباب إلا أنها تعالج الأسباب البسيطة وليس الأسباب المتجذرة التى هى الأساس في وجود ظاهرة الفساد وانتشاره في المجتمع.

ما الفساد في القرآن والسنة؟
لقد ذكر الله تعالى الفساد ومشتقات اللفظ في القرآن الكريم في حوالى خمسين آية كريمة, فتارة يتحدث سبحانه وتعالى عن الشرك والكفر والنفاق وهو فساد العقيدة فيقول تعالى " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ " (سورة البقرة) , وذكر الفساد في القرآن بمعنى سفك الدماء وانتهاك الأعراض فقال تعالى " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ " (سورة القصص) , وذكر بمعنى قطيعة الأرحام وقطيعة كل ما أمر به الله تعالى أن يوصل " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ " (سورة محمد)

المراتب الخمس للإفساد في الأرض
وبالنظر إلى الآيات التى تحدث فيها ربنا عز وجل عن الفساد في القرآن, نجد أن فساد البشر على مراتب خمس نوجزها فيما يلى:
1.
إفساد النفس بالإصرار على المعصية والذنب والتولى عن الحق والإعراض عنه, وفعل المحرمات ومخالفة أوامر الله عز وجل.
2.
إفساد الذرية والأتباع والأولاد حيث أنهم يقتدون بالكبار ويقلدونهم في مساوئهم.
3.
إفساد الدائرة المحيطة بالمفسدين عن طريق بث أخلاق وصفات ودعاوى الفساد، وذلك بالإسراف في المعاصي حتى يتعدى أثرها إلى غير أصحابها.
4.
إفساد الدائرة الأوسع في المجتمعات عن طريق إشاعة الأمراض الاجتماعية المفسدة بواسطة المضلين مثل إثارة فتن الشبهات والشهوات، والوقوف في وجه المصلحين وإحداث العقبات في طرقهم زعماً بأنهم يقفون ضد مصالح الناس.
5.
الإفساد الناشئ عن فساد الحكام والقادة والزعماء، وهو الفساد الأكبر، لأن الكبراء إذا فسدوا في أنفسهم فإنهم ينشرون الفساد بقوة نفوذهم واستخدام سلطاتهم وقوتهم.

تصدى الإسلام ومحاربته الفساد
قال الشيخ حسن البنا (الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا, فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة, وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة, وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء, وهو مادة وثروة أو كسب وغنى, وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة, كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء), من هذا التعريف البسيط الذى لا يختلف المسلم الحقيقى على صحته, نفهم أن الإسلام نظام حياة شامل كامل صالح لكل زمان ومكان ويصلح أحوال الناس والمجتمعات في كل زمان ومكان.
إن الدين الإسلامي الحنيف حارب الفساد منذ اليوم الأول لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم, فالإسلام ذاته ثورة ضد الفساد, بدءا من فساد العقيدة فقد جاء ليحرر الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, وجاء ليقضى على الأخلاق الذميمة والعصبيات الجاهلية, وينشر بدلا منها, الأخلاق القويمة الحميدة, وتكون العصبية للدين وحده, جاء ليقضى على كل مظاهر الفساد الاقتصادية والاجتماعية ويؤصل بدلا منها كل ما هو حسن وكل ما من شأنه أن ينهض بالأمة ويجعلها رائدة العالم كله.
إن الإسلام عندما يتعرض لمشكلة من المشاكل فإنه يعالجها بطريقة حكيمة ومنطقية, فالإسلام ينظر إلى أسباب المشكلة الجوهرية ويسعى لعلاجها, فإذا ما عولجت الأسباب فمن السهل حينئذ علاج الأعراض والنتائج, وهكذا هو نهج الإسلام دائما, وفي محاربة الفساد ينتهج الإسلام نفس المنهج القويم, فالإسلام قد نظر إلى هذا الفساد بكل صوره وأشكاله وأعراضه, وأدرك أسباب الخفية والظاهرة وعمل على علاجها علاجا جذريا حقيقيا وليس علاجا صوريا كما هى المناهج العصرية التى ينتهجها الناس اليوم, ثم عالج الفساد بعد حدوثه وحاربه بسبل وطرق لا يستهان بها إطلاقا بل لقد أثبت التاريخ أن النهج الإسلامى هو أنجع السبل في محاربة الفساد, وهذا ليس بالشئ الغريب فالإسلام منهج حياة كامل متكامل صالح لكل زمان ومكان ويصلح كل ما أفسده الناس في كل زمان ومكان.

تنمية الوازع الدينى
لأن جريمة الفساد إنما هى مخالفة صريحة للأوامر الإلهية ولما جاء بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه المطهرة صلى الله عليه وسلم, وهى مخالفة للضمير له أو تغييب له, فهو دليل على ضعف الوازع الدينى لدى الفاسد والمفسد, ولهذا فإن الإسلام يعمل على تنمية وتقوية الوازع الدينى لدى كل أفراد المجتمع حتى يكون الوازع الدينى هو الذى يمنع المرء من ممارسة الفساد وارتكاب جرائمه, فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) , وقد جاء الأمر الإلهى بالإصلاح ودفع الفساد بل والأخذ على يد المفسد حتى يتوقف عن فساده, فقال تعالى في كتابه الكريم " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ " (سورة الأعراف) , وقال عز وجل في نفس السورة " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " , وقال عز وجل " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ "

عدالة اجتماعية
العدالة الاجتماعية هى إعطاء كل فرد ما يستحقه وتوزيع المنافع المادية في المجتمع، و توفير متساوي للاحتياجات الأساسية, كما أنها تعني المساواة في الفرص؛ أي أن كل فرد لديه الفرصة في الصعود الاجتماعي.
ولا يشك عاقل في أن انعدام هذه العدالة الاجتماعية في أى مجتمع من المجتمعات سبب هام جدا من أسباب الفساد مهما كانت القوانين صارمة والعقوبات شديدة والحكومات حازمة في تنفيذ القانون, لذا من الضرورى والحتمى لأى دولة تريد القضاء على الفساد أن تعالج هذه المشكة.
وقد وضع الإسلام قواعدا وأسسا لهذه العدالة الاجتماعية وهى كما ذكرها لنا الشهيد بإذن الله سيد قطب (التحرر الوجدانى المطلق, والمساواة الإنسانية الكاملة, والتكافل الإجتماعى الوثيق) , أما عن وسائل تحقيق العدالة الاجتماعية في الإسلام فقد حددها لنا المفكر الشهيد سيد قطب رحمه الله في سياسة الحكم وسياسة المال في الإسلام فيقول (الإسلام يفرض قواعد العدالة الاجتماعية، ويضمن حقوق الفقراء في أموال الأغنياء، ويضع للحكم وللمال سياسة عادلة، ولا يحتاج لتخدير المشاعر، ولا دعوة الناس لترك حقوقهم على الأرض) , أما سياسة الحكم فللمسلمين الحق في اختيار حاكمهم, والحاكم في الإسلام ملزم بالإنصياع لإرادة الأمة وعدم مخالفة شرع الله وتحقيق الشورى بينهم, وأنه لا يطاع الحاكم في معصية لله وللأمة حق خلع الحاكم طالما أخل بشروط الحكم وعلى رأسها إقامة شرع الله وتحقيق العدل, وأما سياسة المال فقد حفظ الإسلام الملكية الخاصة وحرم التعرض لها ووضع عقوبات رادعة لذلك, ولكن لا تستخدم هذه الملكية فيما يتعارض مع مصلحة الجماعة بل يجب أن تصب فيها, وسياسة المال في الإسلام تقوم على وسيلتين وهما لتشريع المالي الذي يرمي إلى تحقيق المجتمع الصالح, وتوجيه التداول المالي لتطوير الحياة البشرية إلى الأحسن, كما أنها تقوم على قاعدتين مهمتين كما يذكر الشهيد سيد قطب رحمه الله وهما قاعدة الاستخلاف فالمال مال الله، والناس مستخلفون فيه بشرط حفظ شريعة الله فيه، وكل تجاوز للشرط نقض للاستخلاف, وقاعدة التملك المشروط: للفرد حق التملك والاستثمار بشرط الخضوع للشرع وبشرط التكافل الجماعي.
إن هذه العدالة الإجتماعية التى تمتع بها الإسلام ودعا إليها وفرضها منذ اليوم الأول والتى كانت أحد أركان ودعائم الدولة الإسلامية الناشئة بالمدينة المنورة في ظل حقول من الألغام المحيطة بالمدينة وكثرة الأخطار التى تتهددها, وإلا فكيف بمجموعة من الرجال صغيرة العدد فرت من مكة في جنح الظلام معظمهم من الفقراء وبعضهم من العبيد أن تنشئ دولة عظيمة في عشر سنوات من الزمان ثم تقارع كلا الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية, ثم تواجه خطر تمرد القبائل العربية وحروب الردة بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم, لقد كان لابد من صمام أمان لهذه الأمة حتى يشتد عودها وقد كانت العدالة الاجتماعية جزءا من هذا الصمام.

الإسلام يحارب الفقر
قال نيلسون مانديلا (الفقر الواسع النِّطاق، وانعدام المُساواة بشكلٍ فاحش، مِن أسوأ نكبات هذا الزَّمن، حتى إنَّه ينبغي اعتبارهما منَ المساوئ الاجتماعيَّة جنْبًا إلى جنب مع العُبُودية والفصل العُنْصري) , والفقر سبب أساسى من أسباب الفساد في المجتمعات ولهذا فقد جاء الإسلام بعلاج لهذه المشكلة من جذروها.
لقد قرن الرسول والصحابة وعلماء الأمة وأئمتها الفقر بالكفر في كثير من المواقف, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر) , وكان على بن أبى طالب كرم الله وجهه يقول (لو كان الفقر رجلا لقتلته), وقال سفيان الثوري (لأن أجمع عندي أربعين ألف دينار حتى أموت عنها أحب إلي من فقر يوم وذلي في سؤال الناس) وغير ذلك كثير يبين أن الفقر طريق يؤدى إلى الكفر, فإذا كان كذلك فمن باب أولى أن يكون طريقا يؤدى للفساد.
إن علاج مشكلة الفقر في الإسلام منهج متكامل منها ما هو خاص بعلاقة الإنسان بربه وطاعته إياه فطاعة الله سبب لتفريج الهموم وحل المشكلات ومنها ما هو مادى, والإسلام لم يغفل أيا منهما بل جعلهما في خط متواز
ومن وسائل الإسلام في علاج الفقر ما يلى:
حث الإسلام الناس على العمل وطلب الرزق, فقال صلى الله عليه وسلم (ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان، إلاَّ كان له به صدقة) , وقال أيضا (ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبيَّ الله داود كان يأكل من عمل يده) , وغير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة التى تحث على العمل.
الزكاة: فقد فرض الله على المسلمين الزكاة وجعلها المولى عز وجل ركنا من أركان الدين لا يكتمل إسلام المرء وبدونها ومن أجلها قامت حروب الردة ووقف الصديق أبو بكر رضى الله عنها موقفا رائعا رافضا أية محاولة لتثبيط همته في قتال هؤلاء مانعى الزكاة وقال(أينقص الدين وأنا حى) وهذا يوضح أهمية الزكاة في الإسلام, وتطبيق الزكاة في المجتمع يحميه من الفساد حيث أنها تعمل على علاج الفقر, ومن ثم تطيب نفس الفقير تجاه الغنى وتجاه المجتمع ككل, فلا يسعى للسرقة أو الاختلاس ويعمل على حماية المال العام حيث في الحفاظ عليه فائدة تعود عليه وهى حقه في الزكاة إن كان من مستحقيها, ويجب البحث عن سبل وطرق لكيفية تطبيق الزكاة في الوقت المعاصر بشكل يحقق كل الأهداف المرجوة.
التكافل الإجتماعى: وهو ما من شأنه أيضا الحد من الهوة الشاسعة بين طبقات المجتمع وإشعار الفقراء والضعفاء بأن المجتمع لا ينساهم وأنه حريص على القيام بواجبه تجاههم وهذا له آثار إيجابية ويشعر الفقير بالإنتماء للمجتمع ويجعله حريصا على قوة هذا المجتمع بعيدا عن الفساد, وقد كان هذا التكافل موجودا في عهد النبى صلى الله عليه وسلم وفي قرون الإسلام الأولى, وقد كان الصديق رضى الله عنه يكفل مسطح بن أبى أثاثة, حتى تحدث مسطح في حادثة الإفك فقال في عائشة رضى الله عنها قولا شنيعا, فأقسم أبى بكر ألا ينفق عليه ولا يعطيه من ماله لكن الله عز وجل نهاه عن ذلك فعاد الصديق إلى ما كان عليه.
وثمة سبل كثيرة ووسائل مستنبطة من المنهج الإسلامى لمحاربة الفقر لا يتسع المقام لذكرها.

منع المسؤولين وذوى المناصب الكبرى من ممارسة التجارة
كتب أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رحمه الله إلى عماله كتابا فقال فيه (نرى أن لا يتجر إمام ولايحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير متى يتجر يستأثر ويصيب أموراً فيها عنت وإن حرص أن لا يفعل) , والسبب (وذلك إدراكا منه أن ممارسة العمال والولاة للتجارة، لا تخلو من أحد أمرين، إن لم تكن الإثنان معاً: فإما أن ينشغل في تجارته ومتابعتهما عن أمور واحتياجات المسلمين، وإما أن تحدث محاباة له في التجارة لموقعه، ويصيب أموراً ليست له من الحق في شئ، وبهذا القرار سد عمر منفذاً خطيراً قد يؤدي إلى فساد إداري قل ماتتوارى عواقبه)(14) , ما يحدث اليوم من كبار المسؤولين في الدول من فساد عظيم جزء أساسى من سببه قيام المسؤول بممارسة عمل تجارى خاص به.

فتح قنوات الإتصال بين الوالي والرعية
فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتنع عن لقاء الناس, بل كان يقابل كل من أراد لقاءه صلى الله عليه وسلم وعلى هذا سار الخلفاء الراشدون الخمسة المتتابعون وتبعهم على ذلك عمر بن عبدالعزيز الخليفة الراشد رحمه الله, وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المواسم (أما بعد فأيما رجل قدم إلينا في رد مظلمة أو أمر يصلح الله به خاصاً أو عاماً من أمر الدين، فله ما بين مائة دينار إلى ثلاثمائة بقدر ما يرى الحسبة وبعد السفر، لعل الله يجيء به حقاً أو يميت باطلاً، أو يفتح به من ورائه خيراً) , ولا يخفى على عاقل أهمية وجود وسيلة اتصال بين الحاكم والمحكومين, وفي ظل التطور التكنولوجى الهائل يجب على كل الحكام والمسؤولين أن يتواصلوا مع شعوبهم ومحكوميهم ومرؤوسيهم.

التوسعة على الموظفين والمسؤولين وزوى المناصب الكبرى في الأرزاق
وهو عين ما فعله أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه حينما تولى الخلافة, فحتى تكون هناك وقاية من الفساد, يجب أن نسد حاجة هؤلاء الأشخاص حتى لا يضطروا تحت وقع الضغوط المعيشية والحياتية وتحت ضغط المستوى الإجتماعى أن يمدوا أيديهم إلى أموال الناس فيأخذوا منها وهذا من باب سد الذرائع.

النهى عن أخذ الهدايا والهبات للموظفين والمسؤولين
وفي هذا وقاية للمجتمع من الفساد, فما الذى يدفع أى شخص إلى إعطاء هدية لموظف او مسؤول, إلا إذا كان يريد تحقيق مصلحة من ورائه, وحتى لو كان يريد حقه, فهذا الموظف يأخذ راتبا من أجل القيام بعمله فلماذا يأخذ الهدية؟!, وإذا كان يأخذ الهدية من الغنى فماذا يفعل الفقير الذى لا يملك ثمن الهدية؟!, لهذا فإن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله ينهاهم عن قبول الهدايا وقد رد على من قال له: ألم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقبل الهدية؟ فقال (بلى، ولكنها لنا ولمن بعدنا رشوة)

الرقابة المجتمعية (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر)
من خصائص منهج الإسلام في محاربة الفساد هو تميزه منذ قرون عديدة بما نسميه اليوم الرقابة المجتمعية والوقاية المجتمعية من الفساد, فالإسلام يدعو إلى بل يأمر بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقال ربنا عز وجل في كتابه الكريم " وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)" (سورة آل عمران) , وقد اختلف العلماء في حكم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فمنهم من قال بأنه فرض عين ومنهم من قال بأنه فرض كفاية, وله ثلاث درجات بينها لنا النبى صلى الله عليه وسلم فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) , وعن أهمية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في حماية المجتمع من الفساد وما يتبعه من الهلكة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) (18) , وفي الكتاب الكريم والسنة المطهرة من الآيات والأحاديث ما يبين كثيرا من أهمية وفضل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وحينما يتواصى الناس بينهم ويذكرون أنفسهم ليل نهار بالمعروف ويتناهون فيما بينهم عن المنكر ويعملون على تغييره والوقوف سدا منيعا ضده, ليس باستخدام العنف بل باللين والحكمة والموعظة الحسنة, أو بالإستعانة بالسلطة القائمة في مواجهة الفساد, فهذا يقى المجتمع من الفساد, وحينما نصل إلى المرحلة التى يقوم الناس فعلا بهذا الأمر وحين يدرك كل فرد في المجتمع أهمية دوره البسيط هذا في حماية الأمة ونهضتها فنكون قد قطعنا شوطا كبيرا جدا في محاربة الفساد قبل وقوعه وانتشاره في المجتمع ككل.

رقابة السلطة (الحسبة)
كما أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض على المسلمين في شخوصهم فهو أيضا فرض على الحاكم الذى يحكم الدولة الإسلامية, ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته رئيس الدولة الإسلامية يمارس سلطته في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتغييره, والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتغييره هو أحد أهداف قيام الدولة الإسلامية وهو يميزها عن غيرها من الدول, فيقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى (إذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو المعروف ، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر ، وهذا نعت النبي والمؤمنين , وهذا يبين لنا أهمية هذا الأمر في الدولة الإسلامية, (وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملا واحد ، من أعمال الدولة الإسلامية بل هو كل عملها ، هو الذي تسعى وراء تحقيقه بجميع وسائلها وأسبابها . ويخضع له ويعمل كل قسم من أقسامها وكل شعبة من شعبها) , (جميع الولايات الإسلامية مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) , (والولايات كلها الدينية مثل أمرة المؤمنين ، وما دونها من ملك ووزارة وديوانية سواء كانت كتابة خطاب أو كتابة حساب المستخرج أو مصروف أرزاق المقاتلة أو غيرهم ، وبكل إمارة حرب وقضاء وحسبة وفروع هذه الولايات إنما شرعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) , كل هذا غيره الكثير مما لا يتسع المقام لذكره يؤكد أهمية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى تمارسه الدولة.
ولأجل هذه الأهمية فقد أسس أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه وأرضاه نظام الحسبة, وقد اهتم العلماء اهتماما بالغا بنظام الحسبة وألفوا فيه المؤلفت وصنفوا فيه المصنفات ومن أشهر من كتب عنها هو الإمام ابن تيمية في كتابه الماتع (الحسبة في الإسلام).
ومن وظائف المحتسب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ومراقبة الأسواق العامة والموازين والمكاييل والمبايعات وأنواع الغش والتدليس والاحتكار والمعاملات الربوية, ودقة أماكن التربية والتعليم وأن يطلع على سير التعليم ومناهجه وأسلوب تلقينه ... فيعمل على منع ما هو فاسد منه وتشجيع ما هو حسن, ومراقبة الأبنية للتأكد من سلامتها ومطابقتها للمواصفات, ويمكن استحداث أية صلاحيات للمحتسب حتى يتمكن من القيام بعمله على الوجه الأكمل وتكون النتائج مناسبة.
ومن أهم مميزات الحسبة, هى القدرة على كشف الفساد ومواجهته في الحال دون إعطاء الفاسد أية فرصة للمراوغة أو للتهرب وإخفاء جريمته, وكذلك الحسم في القضايا وعدم تعطيل مصالح الناس, والأهم من ذلك أنها تعتبر من أنجع السبل لبث روح الإصلاح ومحاربة الفساد وتشجيع الناس على الكشف والإبلاغ عن المفسدين.
ويجب أن يتم وضع ضوابط للمشتغلين في هيئة الحسبة حتى تحقق النتائج المرجوة منها.

العدل والمساواة أمام القانون والقضاء
إن الإسلام لا يفرق بين الناس أما القانون, فالكل عنده سواء, الحاكم والمحكوم, الغنى والفقير, القوى والضعيف, لا ينحاز الإسلام لأى جهة أو شخص كائنا من كان, ولقد أرسى الإسلام دعائم المساواة بين البشر أمام القانون بآيات بينات من كتاب الله عز وجل وأحاديث صحيحة من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم, قال الله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)" (سورة النساء) , ولا يتحقق العدل في مجتمع من المجتمعات وهناك تمييز بين أفراد هذا المجتمع, فالتمييز ضد العدل, وقال النبى الكريم صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ, مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ, وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ, لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ فَخْرَهُمْ بِرِجَالٍ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِدَّتِهِمْ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنَ)(24) , وقال صلى الله عليه وسلم (لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى) , فالإسلام لا يفرق بين عربى ولا أعجمى, ولا يفرق بين أبيض ولا أسود, لا يفرق الإسلام إلا على أساس تقوى الله, وهذه لا يتعامل القانون معها, فالقانون لا ينقب عن التقى ويعفيه من العقاب ولا يجوز للقضاة ذلك.
ونسوق قصة تدل على العدل في الإسلام والمساواة أمام القانون بين جميع الناس أيا كانوا, ففي عهد النبى صلى الله عليه وسلم سرقت امرأة من بنى مخزوم وكانت سرقتها أن جحدت عارية عندها فرفع أمرها للنبى صلى الله عليه وسلم فأمر بقطع يدها, فجاء أهلها من بنى مخزوم بعد أن استعظموا أن يقول الناس أن امرأة من بنى مخزوم سرقت, إلى على بن أبى طالب يستشفعونه عند النبى صلى الله عليه وسلم فأبى فذهبوا إلى فاطمة الزهراء فأبت, فذهبوا إلى الحب بن الحب أسامة بن زيد رضى الله عنهما فذهب للنبى صلى الله عليه وسلم فغضب النبى صلى الله عليه وسلم وقال (أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فاختطب ثم قال إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) , ووالله لو لم يكن في الإسلام سوى هذا الحديث دليل على المساواة أمام القانون لكفى, فقد أقسم رسول الله أن فاطمة لو سرقت لقطع يدها, وفاطمة هى بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم, وزوجة أمير المؤمنين على بن أبى طالب, ووالدة الحسن والحسين وهى سيدة نساء أهل الجنة, وصاحبة المكانة العالية والمنزلة الرفيعة عند الأمة كلها.

تشديد العقوبة
جاء الإسلام بعقوبات شديدة على عدد من الجرائم، فجريمة السرقة عقوبتها في الإسلام قطع اليد، وهذه جريمة رادعة تجعل كل مجرم أو فاسد أو أي بشر كان، يفكر ألف مرة قبل مجرد التفكير في السرقة، خوفا من هذه العقوبة الشديدة التي ستظل مؤثرة عليه وعلى حياته بقية عمره، ولهذا فإن الذين طبق عليهم حد السرقة في التاريخ الإسلامي عدد قليل، هذا بالإضافة إلى أنه يرد الأموال أو الأشياء التي سرقها إلى أصحابها مرة أخرى، وهذا من عظمة هذا الدين، بخلاف ما نراه اليوم من عقوبات لا قيمة لها، لص يسرق ملايين من خزينة الدولة ولا يسجن سوى بضعة شهور في سجون مكيفة ليخرج ويستمتع بما سرق، وهذا التشديد في العقوبة يحمي المجتمع كله، بل إنه أيضا يمحو الدوافع لدى المجرمين والفاسدين، ويغلق معظم السبل والطرق والثغرات التي يرتكب بها جريمته، لأن تشديد العقوبة يسبقه كما أوضحنا توفير احتياجات أفراد المجتمع، وتحقيق العدالة.

الأحد، 29 ديسمبر 2013

بسم الله الرحمن الرحيم 

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

أحبابي في الله لقد غبت عنكم كثيرا ومضى زمن لم أنزل  دروسا ولاخطبا و لا تقارير لندوات علمية ....

وذلك لأنى سافرت  للعمل خارج البلد.... ولكن اعدكم أنى سأعمل على تقديم بعض الدراسات والندوات ...الاسلامية الحديثة الغاية من ذلك نفع المسلم أينما كان ...أحبكم في الله....  

هذا هو الايميل الخاص لمن أراد المراسلة : hichem.ltaif@gmail.com

السبت، 11 مايو 2013

                 


                                 


بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"