بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 3 فبراير 2011

محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم/3

محبة الرسول صلى الله عليه وسلم. د. سفر الحوالي

محبة الرسول صلى الله عليه وسلم

منقول عن الشيخ/ سفر الحوالي

1 - معنى المحبة وتعريفهـا:

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

معنى المحبة في اللغة معروف، وهي في الشرع: أمر زائد على مجرد الميل الطبيعي للمحبوب؛ فمحبة الله تعالى، ومحبة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومحبة المؤمنين، ومحبة ما شرع الله من الدين، هي أمر زائد على مجرد الميل الطبيعي إلى شيء من ذلك؛ إذ لا بد فيها من جانب اختياري تكليفي.

وباصطلاحاتنا المعاصرة أقول: إن المحبة الشرعية ليست مجرد عاطفة متعلقة بالوجدان وحده، وإنما هي متعلقة بالوجدان والعاطفة، والعقل والإرداة، والعمل: عمل القلب، وعمل الجوارح؛ إذ أنها جزء مهم من الإيمان.

والإيمان عند أهل السنة والجماعة كما هو معلوم للجميع قول وعمل، أي: قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، كما هو مبين في مواضعه.

وعلى هذا فمن ظن أن محبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي مجرد الميل الطبيعي والوجداني له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو غالط غلطاً بيناً؛ لأن هذا الظن هو الذي أوقع طوائف من الأمة في التفريط في اتباعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وترك سنته، ونبذ شريعته، وترك تحكيمه، وترك التأدب معه، وأوقعهم في التقديم بين يدي هديه وحكمه، هذا مع تعلقهم العاطفي بذاته، وتغنيهم بشمائله، وإعجابهم بكماله، وربما بكائهم لتذكره، ولهجهم بالصلاة والسلام عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وكذلك من قال: إن معنى محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي طاعته، وامتثال أمره، والتمسك بسنته، فهو مقصر عن إصابة كبد الحقيقة في هذا، إذ أن هذا هو تفسير لها باللازم والمقتضى.

فالطاعة والامتثال هو لازم المحبة ومقتضاها لا حقيقتها، ومعناها والتحقيق في ذلك: أنها أمر زائد على ذلك يجمع ويشمل ما ذكرنا آنفاً، فالمحبة بهذا الاعتبار أمر عظيم من أمور الإيمان.

وقد بين ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله تعالى، يقول 'إذا كان الحب أصل كل عمل من حقٍ أو باطل، وهو أصل الأعمال الدينية وغيرها، وأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله، فالعملان القلبيان العظيمان إذاً هما المحبة والتصديق، المحبة هي أصل جميع الأعمال والتصديق هو أصل جميع الأقوال الإيمانية'.

ويقول رحمه الله في موضع آخر:

'أصل الإيمان العملي هو حب الله تعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحب الله هو أصل التوحيد العملي وهو أصل التأليه الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن العبادة أصلها أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع وهذا هو الإسلام'.

وقال: 'أصل الإشراك العملي في الله الإشراك في المحبة، كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165].

وكما هو معلوم أن تأليه الله تبارك وتعالى أو الشهادة بأنه لا إله إلا الله، قيل: إنها مشتقة من الأله أو من الوله، فالأله هو: العبادة، كما في الآية وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف:127] وأما إن كان من الوله فالمقصود بالوله هو: درجة عليا من درجات المحبة، وهي تعلق القلب بهذا المألوه الذي هو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، المعبود وحده لا شريك له.

ومن هنا وقع شرك المشركين حين أحبوا غير الله، وتعلقت قلوبهم به، ونتج عن ذلك أن دعوهم واستغاثوا بهم وعبدوهم من دون الله سبحانه، وصرفوا لهم الحق الخالص لله عز وجل، وهذا المعنى الواسع العميق للمحبة عند أهل السنة والجماعة هو الذي يميز محبتهم عن المحبة العاطفية الهائمة، التي يدَّعيها الصوفية دون أي أساس من الشرع.

وهذه المحبة التي يدعونها هي شحنه عاطفية يمكن أن تفرغ بقصيدة من الشعر أو حفلة أو ذكر أو حضرة، أو بأي نوع من أنواع المتفرغات العاطفية وينتهي مفعولها، بخلافها عند أهل السنة والجماعة؛ حيث تشمل عمل القلب وعمل الجوارح التي ترتبط بعمل القلب، فيكون المحب في هذه الحالة مطيعاً وذاكراً ومتعلق القلب بالمحبوب.

وأما المحبة الصوفية أو المحبة البدعية الهائمة، فهي تلك المحبة التي عبَّر عنها السلف الصالح بأنها زندقة، حيث قالوا: 'من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن' وهذا هو القول الصحيح، وقد عبَّر عن هذه المحبة الزنديقية تصديقاً لهذا القول القديم المأثور الشاعر الصوفي المشهور ابن عربي حين قال قاتله الله:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقـد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعىً لغزلان، وديراً لرهبان

وبيـتاً لأوثـان، وكعبةَ طائف وألواحَ توراةٍ، ومصحفَ قرآن

أديـنُ بدينِ الحبِّ أَنَّى تَوَجَهَت رَكـَائِبُه فَالـحُبُّ ديني وإيماني

فلما أصبحت المحبة بهذا المعنى، وأصبحت محبة الله ومحبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي هذا الهيام العاطفي الذي لا يحده ضابط ولا قيد؛ وقعت الأمة أو الطوائف التي اعتنقت هذه المحبة في الغلو العظيم، على ما سوف نوضحه -إن شاء الله- في الفقرة المناسبة له، وخرج بذلك عن حد المحبة الشرعية، وحقيقتها، وما ذلك إلا لجهلهم لهذه المحبة التي شرعها الله والتي لا يقبل الله تبارك وتعالى إلا هي.

2 - مقتضيات محبة الرسول صلى الله عليه وسلم:

لوازم ومقتضيات محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيرة جداً، نرجو الله تعالى أن يوفقنا لنظم أشتات الحديث فيها:

(1) تحقيق الشهادة له صلى الله عليه وسلم:

وأعظم ذلك هو تحقيق الشهادة له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه رسول الله، هذه الشهادة التي هي ركن التوحيد، والشهادة له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرسالة التي تعني طاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كل ما أمر، وتعني كذلك اجتناب كل ما نهى عنه وزجر، وتعني تصديقه في كل ما أخبر به، وتعني ألاَّ يعبد الله إلا بما شرع صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:32].

فلا بد من اتباعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا بد من طاعته؛ وهذا الاتباع والطاعة يرث العبد بهما محبة الله فتورث محبة الله تبارك وتعالى بذلك، وهذه هي الغاية العظمى التي يسعى إليها كل المؤمنين، كما قال بعض السلف: 'ليست العبرة بأن تُحِبْ، ولكن العبرة بأن تُحَبَّ'.

فمن أحبه الله تبارك وتعالى، فقد وفقه لكل خير، وتحقق محبة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى للعبد لا يكون إلا بأن يحقق العبد اتباع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] وبالطبع اتباع الله واتباع دين الله وشرعه.

(2) الاقتداء به صلى الله عليه وسلم:

ومن ذلك الاقتداء به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والتأسي به، كما قال عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] فلا بد من الاقتداء به والتأسي به في هديه وخلقه ومعاملته وكل أحواله في البيت، والمسجد، وفي الطريق، في السِّلْم، والحرب، وفي كل الأحوال، وهذا الاقتداء هو حقيقة أو هو علامة ولازم تلك المحبة، التي يجب أن تكون كما أشرنا.

وقد ورد حديث عن عبد الرحمن بن أبي قراد رضي الله عنه حسنه الشيخ الألباني بل ذكره في سلسلة الأحاديث الصحيحة في الجزء الذي لم يخرج، قال: { أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ يوماً فجعل الصحابة يتمسحون بوضوئه وذلك تبركاً منهم بوضوئه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما يحملكم على هذا -أي: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: حب الله ورسوله، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من سره أن يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله، فليصدق حديثه إذا حدَّث، وليؤد أمانته إذا اؤتمن، وليحسن جوار من جاوره }.

ولو تأملنا خلق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لوجدنا أنه أصدق الناس لهجة، وأنه أعظم الناس أمانةً، وأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحسن الناس جواراً، فهذا نوع وجزء من شمائله العظمى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجب الاقتداء به فيها، وهذا هو تحقيق محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولازمها ومقتضاها.

(3) تحكيمه في كل موضع نزاع:

ومن أعظم لوازم محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحكيمه في كل موضع نـزاع، فلا يقدم قول أحد ولا رأيه ولا اجتهاده ولا نظره، ولا حكمه على قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحكمه، يقول الله تبارك وتعالى في هذا: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

وهذه الآية كما ذكر ابن القيم رحمه الله في شرح المنازل، هذه الآية شملت مراتب الدين الثلاثه، ففيها المقامات الثلاثة: مقام الإسلام ومقام الإيمان ومقام الإحسان، فالتحكيم في مقام الإسلام فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ [النساء:65].

فمن لم يحكم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه لا يكون مسلماً، والإيمان في مقام نفي الحرج فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ [النساء:65] فمن انتفى عنه الحرج فهو مؤمن -أي: حكم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وانتفى عنه الحرج بما حكم به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهذا هو المؤمن.

وأعلى من ذلك وأجل هو تحقيق مرتبة الإحسان وهي التسليم المطلق وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] فيسلم المؤمن تسليماً مطلقاً لما حكم به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولما أمر ولما أخبر به من خبر فلا يعرضه لا على عقله ولا على رأيه ولا على مذهبه ولا على قول شيخه، ولا على أي مخلوق أو أي فكر بشري.

وإنَّ مما يجب أن ننبه عليه في هذا المقام، هو ذلك المنكر العظيم الذي وقعت فيه الأمة الإسلامية أو طوائف كبيرة منها مع دعوى محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومع إظهار بعض الشكليات التي يظنون بها أنهم قد أدوا حقه وأظهروا محبته وزعموها، وذلك هو: تحكيم القوانين الوضعية في شئون حياتهم، ومعارضة سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهديه وحكمه وشريعته بتلك الأحكام.

فهذه جرأة على الله، وجرأة على مقام النبوة، بل هي إهدار وحط من مقام الرسالة؛ لأن معنى الشهادة بأن محمداً رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أن يشهد العبد أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد أرسل هذا الرسول إلينا لنطيعه ونتبع أوامره، ونلتزم بكل ما يأمرنا به فيما هو إلا رسول مبلغ من عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

فالذين يرفضون حكم الله ورسوله ولا يقيمون شرع الله ودينه في أنفسهم ولا في مجتمعاتهم ولا في شئون السياسة أو الحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع أو مناهج التعليم، أو أي ناحية من نواحي الحياة فلا ينفعهم أنهم يقيمون له الموالد أو ينشدون له الأناشيد، أو يحيون ذكريات بدعية في ليلة الإسراء والمعراج وما أشبهها، ويزعمون بعد ذلك أنهم مؤمنون وأنهم يعظمون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وربما ذهب بهم الشيطان إلى أبعد من هذا فَعَادوا من يُطبِّق سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويتمسك بها ويقتدي بهديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بحجة أنه مبغض للرسول، أو أنه خارج عن هديه، وينبزونه بأشنع التهم، والألقاب.

فهذا من أعظم المنكرات الدالة على أن هؤلاء الناس تركوا محبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يقيمون له وزناً، ولا لرسالته ولا لمقام نبوته ولا لمنـزلته عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الذي فضله الله تعالى بها على العالمين أجمعين.

ولا شك أن هذا مخالف لحال المؤمنين من السلف الكرام والصحابة رضوان الله تعالى عليهم الذين حالهم كما قال الله تبارك وتعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51] فلا اعتراض، ولا منازعة، ولا مدافعة، ولا تردد، ولهذا قال: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51].

فلا يكون الفلاح إلا لهؤلاء الذين حكَّموا سنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جميع أعمالهم وحركاتهم ولم تكن لهم الخيرة فيما يقضي به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

فلا اختيار مع أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بل التنفيذ والامتثال، هذه هي لوازم محبته وهذا هو تحقيقها، وقد أمر الله تبارك وتعالى تبعاً لذلك بالرد إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قال: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59] والرد إلى الله هو: الرد إلى كتابه عز وجل، إلى هذا الذكر الحكيم، والرد إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هو: الرد إلى سنته، بأن يُسأل في حياته ويرجع إليه في الأمور، وبعد مماته يرجع إلى دينه وسنته، وهديه، فلا يكون لأحدٍ إيماناً إلا بذلك، كما قال: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59].

فمن ادَّعى الإيمان والمحبة مع عدم الرد إلى الله ورسوله في مواضع النـزاع والاشتباه في أي حال من الأحوال فقد نقض تلك المحبة وهو كاذب في دعواها، ولم يأتِ بلوازمها، ومقتضياتها.

وكما هو معلوم عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الثابت: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد }، وقد أشار الشراح رحمهم الله إلى أن هذه اللفظة (عليه أمرنا) فيها الجار والمجرور متعلق بمحذوف يقدر بـ(حاكماً أو قاضياً)، من عمل عملاً ليس أمرنا حاكماً عليه أو قاضياً عليه أو خاتماً عليه فهو رد، فمعنى ذلك: أن أعمال العباد يجب أن تكون تحت أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتحت سنته وهديه وشرعه.

وكذلك في الحديث الآخر يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: {فمن رغب عن سنتي فليس مني } فمهما ادَّعى من مدعي محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو راغب عن سنته فليس منه.

وأما صحابته الكرام الذين أحبوه ذلك الحب العظيم فإنهم رضي الله عنهم كانوا متمسكين بسنته، حريصين على التأدب معه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والاقتداء به والاهتداء بهديه، والتأدب معه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعدم التقديم بين يديه.

(4) عدم التقديم بين يديه وغضّ الصوت:

وأيضاً مما يجب لتحقيق هذه المحبة وهو لازم عظيم من لوازمها:

التقديم بين يديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وغض الصوت عنده يكون في حياته كما هو معلوم بالنسبة لشخصه ولذاته، وبعد مماته يكون بالتأدب مع سنته وغض الصوت، فلا يرتفع صوت رأي، ولا فكرة، ولا مذهب، ولا قياس فوق سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقد كان الصحابة الكرام، يدركون هذا المعنى غاية الإدراك كما ورد في صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه قال:{كنا عند عمران بن حصين في رهط منا، وفينا بشير بن كعب، فحدثنا عمران يومئذٍ، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحياء خير كله -قال- أو قال: الحياء كله خير }.

الحديث المشهور المعروف { والحياء شعبة من الإيمان } والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: {الحياء خير كله أو الحياء كله خير } هذا بلفظ عام لم يخصص بشيء، فقال بشير بن كعب: {إنا لنجد في بعض الكتب، أو الحكمة أن منه سكينة ووقاراً لله ومنه ضعف } يقول: نجد في بعض الكتب أو في بعض موروثات كتب الأولين أن من الحياء سكينةً ووقاراً ولكن أيضاً، أن منه ضعف.

{قال أبو قتادة: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعارض فيه، ثم يقول أبو قتادة: فأعاد عمران الحديث، فأعاد بشير، فغضب عمران }.

ولا شك أن الغضب الثاني أشد من الغضب الأول، فلما رأى أولئك الرهط ثورة عمران، أخذوا يهدئونه قال أبو قتادة: {فما زلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيد إنه لا بأس به }.

يقولون: يا أبا نجيد، إن بشيراً هذا منا، إنه ليس من أهل البدع ولا من أهل النفاق ولا من أهل الزيغ والضلال، فما حصل منه هو عمل أهل الزيغ وأهل الضلال وأهل النفاق الذين إذا قيل لهم: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: إن الأمر كذا، ولكن فلاناً قال كذا، ولكن العلماء قالوا كذا، ولكن المذهب فيه كذا، ولكن الشيخ الفلاني أفتى بكذا، إلى آخر ذلك.

ولذلك الإمام الشافعي رحمة الله عليه، عبَّر عن ذلك تعبيراً عظيماً حين جاءه رجل يسأله عن أمر من الأمور، فقال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذا -وتلا عليه حديثاً- فقال له الرجل: فما رأيك أنت؟ فغضب الإمام الشافعي رضي الله عنه، غضباً شديداً، وقال: أتراني في كنيسة؟! أترى عليَّ زناراً؟! أقول لك: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتقول ما رأيك أنت. فكانوا يعلمون ويدركون أنه لا رأي لأحد مع كلام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومع هديه، ومع سنته.

(5) الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم:

يجب أو ينبغي أن ننبه إلى أمر عظيم من لوازم محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الصلاة والسلام عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا الأمر العظيم قد جاء تفصيله في الشرع؛ فهناك مواضع تجب فيها الصلاة والسلام عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصيغة أو بالصيغ الشرعية الواردة في الأحاديث الصحيحة، وهناك مواضع تستحب فيها هذه الصلاة وتتأكد، وهناك أحوال بل نقول: إنها في كل حال، وفي كل وقت الصلاة والسلام على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي قربة وذكر ونافلة وعبادة من أعظم العبادات وأجلِّها.

(6) عدم أذيته صلى الله عليه وسلم:

مما يجب أن يعلم أن من لوازم محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عدم أذيته، كما تفضل الشيخ عبد الله في مسألة الاستهزاء؛ بل إن الله سبحانه بيَّن أن أذيته هي شأن المنافقين وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة:61].

فأي قول فيه نوع من التحقير، أو التقليل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو الحط من قيمته، أو الأذية له أو لسنته فإنه من عمل المنافقين وهذا النفاق هو نفاق أكبر -نسأل الله العفو والعافية- وما من قلب ينعقد على شيء من بغض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو كراهيته ويكون صاحبه مؤمناً قط.

نعم. الناس يتفاوتون في محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تفاوتاً عظيماً، ولكن المؤمن المسلم لا يخلو قلبه أبداً من شيء من محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإن قل، أما أن يشتمل قلب أحدٍ من البشر بشيء من كراهيته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهذا هو الكفر عياذاً بالله، ولا يجتمع الإيمان مع بغضه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبداً، ومن ذلك عدم إيذائه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زوجاته، وعدم إيذائه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صحابته الكرام.

فإن من آذاه في زوجاته أو في صحابته فكأنما آذاه في نفسه وفي شخصه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الواحد من الناس أو الواحد من البشر من آذاه في زوجته أو في صديقه، أو في حبيبه فلا شك أنه آذاه هو، فكيف بمن آذى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشيء من ذلك؟! وهذا مما هو معلوم من جميع المسلمين -ولله الحمد- وإنما أحببنا أن ننبه فيه لأهميته.

[وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم]

محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم/2

محبة الله ورسوله غاية قصوى، يتوخاها المسلم في أمره كله، ويسعى لنيلها صباح مساء، ويضحي لأجلها بكل أمر من أمور الدنيا؛ إذ هي حجر الزاوية التي يقيم المسلم عليها بنيانه الإيماني، وهي المعيار والمقياس التي يعرف من خلالها المؤمن مدى علاقته بالله ورسوله، قربًا وبعدًا، وقوة وضعفًا .

والطريق الموصلة إلى هذه المحبة طاعة الله ورسوله، وقد قال تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } (آل عمران:31)، وقال سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } (المائدة:35) .

وقد أرشد التوجيه القرآني المسلم، أن يلحظ في سلوكه كله هذا الأساس، فلا يقدم أمرًا من أمور الدنيا على محبة الله ورسوله؛ وتوعد سبحانه من يقدم أمر الدنيا على أمر الدين بالعقاب الأليم، عاجلاً أو آجلاً .

وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان مع جمع من أصحابه رضي الله عنهم، بينهم عمر رضي الله عنه؛ فقال له عمر : يا رسول الله ! لأنت أحب إلي من كل شيء، إلا من نفسي؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك )، فقال له عمر : فإنه الآن - والله - لأنت أحب إلي من نفسي؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الآن يا عمر )، رواه البخاري .

وفي صحيح " البخاري " أيضًا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( فوالذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ) .

وقد جاء في القرآن الكريم في هذا المعنى قوله تعالى: { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } (التوبة:24) .

يُذكر في سبب نزول هذه الآية، أنه لما نزل قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } (التوبة:23)، قال الذين أسلموا، ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا، وذهبت تجاراتنا، وخربت دورنا، وقطعنا أرحامنا، فنـزل قوله سبحانه: { قل إن كان آباؤكم ...} الآية .

فذكر الواحدي في أسباب النـزول، أنه لما أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، جعل الرجل يقول لأبيه، وأخيه، وامرأته: إنا قد أُمرنا بالهجرة، فمنهم من يسارع إلى ذلك، ومنهم يتباطأ عن ذلك - تعلقًا بزوجته، وولده، وأهله -، يقولون له: نشدناك الله أن تدعنا وتتركنا، فنضيع، فيشفق من فراقهم، ويرق لحالهم، فيجلس معهم، ويدع الهجرة، فنـزل في ذلك قوله تعالى يعاتبهم: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء ...} الآية؛ ونزل في الذين تخلفوا بمكة، ولم يهاجروا، قوله تعالى: { قل إن كان آباؤكم ...} الآية .

وقد روى السيوطي عن عليٍّ رضي الله عنه، أنه قال لقوم: ألا تهاجروا، ألا تلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نقيم مع إخواننا، وعشائرنا، ومساكننا، فأنزل الله: { قل إن كان آباؤكم ...} الآية .

وما ذُكر من سبب نـزول هذه الآية، يبين مقصودها؛ وهو أن على المؤمن حق الإيمان، أن يقدم أمر الدين على أمر الدنيا عند التعارض، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن يقدم أمر الدنيا على الآخرة .

ثم إن الآية الكريمة - وعلى ضوء سبب نزولها - أفادت أمورًا مهمة، ينبغي على المسلم أن لا يغفل عنها، وهي:

أولاً: أن المقصود من محبة العبد لله ورسوله، العمل بما أمرا به، وترك ما نهيا عنه؛ فإن ذلك مدعاة لمحبة الله للعبد، والرضا عنه، وقد قيل: إن المحب لمن يحب مطيع. فليست المحبة إذن شعورًا عاطفيًا فحسب، وإنما هي قبل هذا وبعده، سلوك عملي، يمارسه المسلم على أرض الواقع، ويجسده في كل حركة من حركاته، فهي أولاً طاعة لله ورسوله، وهي ثانيًا حُسن تخلُّق مع الناس. وقد زعم قوم - كما قال بعض السلف - أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }، وهذه الآية تسمى ( آية المحنة )؛ لأن اتباع ما أمر الله به ورسوله، هو الذي يصدق تلك المحبة أو يكذبها .

ثانيًا: دلت الآية على أن محبة الله ورسوله، يتعين تقديمهما على محبة كل شيء، وجعل جميع الأشياء تابعة لها؛ فإذا وقع تعارض بين أمر ديني، وأمر دنيوي، وجب على المسلم ترجيح أمر الدين على أمر الدنيا؛ لأن الدين هو الأساس، والدنيا تبع له؛ ولأن الدين هو الغاية، والدنيا وسيلة إليه .

وكذلك، فإن محبة الله ورسوله هي المعيار والميزان الذي يختبر به المؤمن حقيقة إيمانه، وقوة يقينه؛ وبيان ذلك - كما قال السعدي -: أنه إذا عرض على المؤمن أمران؛ أحدهما: يحبه الله ورسوله، وليس لنفسه فيه هوى؛ والآخر: تحبه نفسه وتشتهيه، ولكنه يفوت عليه ما يحبه الله ورسوله، أو ينقصه، فإنه إن قدم ما تهواه نفسه، على ما يحبه الله، دل ذلك على أنه ظالم لنفسه، تارك لما يجب عليه. فكلما كان المؤمن أكثر محبة لله ولرسوله، كان أكثر تحققًا بوصف الإيمان، وأشد يقينًا بهما، ولا ريب أن الناس يتفاوتون في منازل الإيمان، بقدر تفاوتهم في محبة الله ورسوله؛ فأنت واجد من الناس من عنده من التصلب في حب الله، والثبات على دينه، ما يدفعه إلى تقديم دينه على الآباء، والأبناء، والإخوان، والأموال، والمساكن، وجميع حظوظ الدنيا، ويتجرد منها لأجله؛ وبالمقابل، فإنك واجد من الناس من يقدم حظوظه الشخصية على محبة الله ورسوله، وبين هذا وذاك درجات متفاوتة تقترب من هذا الطرف أو ذاك .

قال بعض أهل العلم: علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة؛ وعلامة حب الله، وحب القرآن، وحب النبي صلى الله عليه وسلم، وحب السنة، حب الآخرة؛ وعلامة حب الآخرة، أن يحب نفسه، وعلامة حب نفسه، أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا، ألا يأخذ منها إلا الزاد والبلغة .

محبة الله ورسوله/1

أولاً: كلمات في محبة الله
• الحب الإلهي الحنين المتجدد والشوق المستمر من لم يذقه ماعرفه متجدد مع الانفاس أي مرتبه تسمو الى هذه المرتبه طوبى لمن رزقه .
• المحبون هم الذين انار حب الله لهم افاق السماء فامطرت عليهم سحب الأشجان وصحبتهم العبرات وزفرات المشتاق
• ارتضو حبهم لله منهجا وشرعة هم في واد والناس في واد
• محبة الله عزوجل هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون واليها شمر المشمرون وعليها تفانى المحبون وهي اللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلاام واحزان .
• تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة.إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب . وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة : أن المرء مع من أحب . فيالها من نعمة على المحبين سابغة، تالله لقد سبق القوم السعادة وهم على ظهور الفرش نائمون، وتقدموا الركب بمراحل وهم سيرهم واقفون .
• وأعلم أ، من قرت عينه بالله سبحاننه قرت به كل عين وأنس به كل مستوحش وطاب به كل خبيث وفرح به كل حزين وأمن به كل خائف وشهد به كل غائب وذكرت رؤيته بالله ومن اشتاق إلى الله اشتاقت إليه جميع الأشياء .
• من نصح لنفسه كل النصح :جعل لحظات عمره وتردد أنفاسه ونبض قلبه وقفا لله عز وجل- فهي غاية الغايات واعلى المنزلات (( ففروا إلى الله ))الذاريات.
• قال الرسول صلى الله عليه وسلم ((ان الله تعالى يحب معالي الامور ويكره سفاسفها))صححه الالباني
• قوم تخللهم زهو بسيدهم *** والعبد يزهو على مقدار مولاه
• تاهوا به عمن سواه له ياحسن رؤيتهم في حسن ماتاهوا
• فلا عيش الا عيش المحبين لان هممهم لاترضى بالدون ولاحب عندهم الا للحبيب الاول .
• والله ماطلبت أرواحنا بدلاً *** منكم ولا انصرفت عنكم امانينا
• ((مساكين أهل الدنيا ، خرجوا من الدنيا وماذاقو أطيب مافيها‘ قيل : ومأطيب مافيها؟: قال محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته ))
• يقول أخر ((إنه ليمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب ))
• وقال اخر((والله ماطابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا الجنه إلا برؤيته ومشاهدته))
• ((حياة القلب في ذكر الحي الذي لايموت ، والعيش الهني الحياة مع الله تعالى لاغير))
• يقول ابن تيمية : وأخرج من البيوت لعلني *** أحدث عنك القلب بالسر خالياً
• كلما عرض امر من الرب سبحانه فال القلب ناطقاً
لبيك وسعديك ولك عاى المنة في ذلك والحمد عائد اليك )
• اعلم ان لحب الله خلق الخلق ولأجله خلق الجنة والنار وله أرسلت الرسل ونزلت الكتب ولو لم يكن جزاء الانفس وجوده لكقى به جزاء وكفى بفوته حسرة وعقوبه)

ثانياً: معنى الحب .
معاني الحب في اللغة تدور على خمس معاني :
1- الصفاء والبياض .2- العلو والظهور 3-اللزوم والثبات 4-اللب 5-الحفظ والامساك
حرف الحاء : من أقصى الحلق حرف الباء : الشفوية التي من نهايته
((فللحاء ابتداء وللباء انتهاء وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب فإن ابتداءها منه وانتهاءها اليه .)) قيل عن المحبة .
المحبة : الميل الدائم بالقلب الهائم .
المحبة : إيثار المحبوب على جميع المصحوب المحبة : موافقة الحبيب في المشهد والمغيب المحبة : مواطأة القلب لمرادات المحبوب المحبة : ان تهب كلك لمن احببت فلا يبقى لك منك شي
المحبة: ان تمحو من القلب ما سوى المحبوب المحبة : توحيد المحبوب بخالص الإرادة وصدق الطلب المحبة : سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب المحبة : ان لايؤثر على المحبوب غيره
المحبه: ان يكون كلك بالمحبوب مشغولاً
قال الجنيد في المحبه وقيل هو من اجمع ماقيل :
جرت مسألة المحبة في مكه أيام المواسم – فتكلم فيها الشيوخ وكان الجنيد أصغرهم سناً . فقالوا هات ماعندك ياعراقي . فاطرق رأسه ، ودمعت عيناه ثم قال (( عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه ثم قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرقت قلبه أنوار هيبته وصفا شربه من كاس وده وانكشف له الجبار من استار غيبته فان تكلم فبالله وان نطق فعن الله وان تحرك فبأمر الله وان سكت فمع الله فهو بالله ولله ومع الله) فبكى الشيوخ وقالوا ماعلى هذا مزيد جزاك الله خير ياتاج العارفين .

تشتاقكم كل أرض تنزلون بها *** كأنكم في بقاع الارض امطار
وتشتهي العين فيكم منظرا حسناً *** كانكم من عيون الناس اقمار
لا أوحش الله ربعا من زيارتكم *** يامن لهم في الحشا والقلب تذكار


ثالثاً : الأسباب الجالبة لمحبة الله
قال ابن القيم رحمه الله :(الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها، وهي عشرة :
1- قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد منه .
2- التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ، فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة .
3- دوام ذكره على كل حال : باللسان والقلب والعمل والحال ، فنصيبه من المحبه على قدر نصيبه من الذكر .
4- إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى والتسنم إلى محابه وان صعب المرتقى .
5- مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها .
6- مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ، ونعمه الظاهرة والباطنة.
7- انكسار القلب بين يدي الله تعالى
8- الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبوديه بين يديه ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة .
9- مجالسة المحبين والصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر ، ولا نتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيدا لحالك ومنفعة لغيرك.
10- مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل

رابعاً : من مراتب المحبة العبودية
العبودية : مرتبة عظيمة من مراتب المحبة . قال ابن القيم رحمه الله : (( حقيقة العبودية : الحب التام مع الذل التام والخضوع للمحبوب )) .
لما كمل النبي صلى الله عليه وسلم وصفه الله بهذه المرتبه ((تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده ....) ولنعلم أن سر العبودية وغايتها وحكمتها : إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب عزوجل ولم يعطلها انما خلق الله الخلق لعبادته الجامعة بكمال محبته مع الانقياد والخضوع له .
أصل العبادة : محبة الله ، بل إفراده بالمحبه ، وأن يكون الحب كله لله ، فلايحب معه سواه وإنما يحب لأجله وفيه ، كما يحب أنبياؤه ورسله وملائكته وأولياؤه ، فمحبتنا لهم من تمام محبته وليست محبه كمحبة من يتخذ من دون الله أنداد يحبونهم كحبه

خامساً : أنواع العبودية
العبودية لله تضم : قول اللسان – قول القلب – عمل القلب .
1- قول القلب :
هو اعتقاد ماأخبر الله سبحانه بع عن نفسه ، وعن أسمائه وصفاته، وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله صلوات الله وسلامه عليهم .
2- قول اللسان :
الإخبار عنه بذلك ، والدعوة إليه ، والذب عنه وتبيين نطلان البدع المخالفة له ، والقيام بذكره وتبليغ أمره
3- عمل القلب :
كالمحبه ، والتوكل عليه ، والإنابه إليه ، والخوف منه ، والرجاء إليه ، وإخلاص الدين له ، والصبر على أوامره ، وعن نواهيه

سادساً : ماالمطلوب منا .
1- معرفة عظمة الخالق سبحانه وأن محبته قمة السعادة والقربى .
2- قراءة كتابات وأحوال المحبين لله وتأمل ماهم فيه من خير ونعيم .
3- التعرف على الأسباب الجالبة لمحبة الله والعمل بها .
4- أن نعلم أن كمال عبوديتنا لله هي دليل صدقنا مع الله ومحبتنا له وشوقنا للقائه .
5- عبوديتنا لله ومحبتنا له تكون بالقلب وباللسان وبالجوارح .



السبت، 15 يناير 2011

تونس الأبية....تونس العصية...تونس العزة.......

بسم الله الرحمن الرحيم : "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء ولكن لاتشعرون।ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من
من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين اذا أصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون أولائك عليهم صلوات من ربهم و رحمة وأولئك هم المهتدون"
الى كل تونسي أبي
الى كل مسلم
الى كل أحرار العالم
دعوني يا أحبابي أترحم على كل الشهداء من أبناء وطني :اللهم تقبلهم شهداء يا رب العالمين ।اللهم ارحمهم واعف عنهم।وارزقهم الفراديس।
يا رب العالمين.....
لقد صنع الشباب ما لم يصنعه المثقفون।لم ينتظر الشباب كثيرا حتى ينتظم في أحزاب أو في مؤسسات المجتمع المدني.....!!! بل هب هبة واحدة يردد بصوت واحد "هذه هي السنة الدولية للشباب" ولابد لي أن أفعل شيئا لبلدي ....لحريتي المهدورة....قد يلتقي الخبز مع الحرية والكرامة....لكن الكرامة لا تعوض.......قد قالها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار ا"
هكذا قالها أمير المؤمنين لعمرو بن العاص رضي الله عنهما।
ثم ما لبث أن نزل كل الناس....كل الناس ॥من أفراد بلدي......الى كل مدينة ...الى كل قرية....الى كل حي .....الى كل نهج ....يرددون قصيد
أبي القاسم الشابي
"اذا الشعب يوما يريد الحياه
فلا بد أن يستجيب القدر...
ولابد لليل أن ينجلي .....
ولابد للقيد أن ينكسر...."

أبو القاسم الشابي الذين حفظنا أشعاره ونحن صغار ।وفقهنا معناها ونحن كبار
"أنا ياتونس الخضراء قد سبحت
في حبك أي سباحة
شرعتي حبك العميق............
واني قد تذوقت مره وقراحه
لست أنصاع للواحي..........
فدماء العشاق دوما مباحه...
وبطول المدى تريك الليالي॥
صادق الحب والولاء وسجاحه।
وها نحن في منعرج خطير من تاريخ الشعب التونسي الحديث ان الشباب يا ساسة البلاد لا يريدون لتونس الا الخير: يريدون الحرية المسؤولة...يريدون الديمقراطية......يريدون تعدد الأحزاب.......يريد حرية الاعلام والصحافة.......يريدون استقلالية القضاء......يريدون أن لا يخرج القرار عن سيادة الشعب التونسي......فلا مزايدات......ولااقصاء لأحد.....تونس لكل التونسيين.......وكل من تخول له نفسه أن يتجاوز القانون عليه أن يقبل "تطبيق القانون"...... يريدون " حكومة وحدة وطنية" تمثل كل الأطياف والحساسيات و الأحزاب للشعب التونسي.
أدعو اخواني التونسيين أن نقبل بعصنا البعض। فلا كراهية ولا نقمة ولاحسد ولا شماتة ولاقتل ولاسفك للدماء।انما محبة وتعاون و تآزر। هكذا علم النبي االكريم صلى الله عليه وسلم صحابته। وهكذا أدبهم رضوان الله عليهم.
وفيما تتسارع الأحداث سيدخل" الغرب "على الخط اذا شعر" الغرب" أن الشعب التونسي لم يفقد القرار।بل قراره بيد شعبه تترجمه الحكومة المقبلة الوطنية ان شاء الله والبرلمان الذي يمثل حقيقة الشعب التونسي।وأناعلى يقين من أن لسان حالهم يقول دع الأمر يزداد سوءا حتى نجد" الحصان الأسود" الذي يحقق مصالحنا ويؤمنها।وباءذن الله سيصنع الشعب التونسي ربيع كرامته واصرار ا رادته।وسيعلم كل العالم أنه من يخون وطنه لايكون أهلا لأن يقود وطنه........
اللهم احفظ بلدنا تونس.....
اللهم اجعل تونس أمنا أمانا رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين...
اللهم ارحم الشهداء يا رب العالمين وسائر المسلمين.........


الجمعة، 7 يناير 2011

الطفل في الاسلام/2

حقوق الطفل في الإسلام :

1 ـ على الأب أن يحسن اختيار أمه :
في اتفاقية حقوق الطفل لا يوجد أبداً إشارة إلى أن من حقه أن يكون ابن أبوين ، أربعون بالمئة من الأطفال لقطاء ، لا يوجد إشارة بالقانون والاتفاقية إلى أن هذا الطفل من حقه على مجتمعه أن يكون له أب يعترف به ، وأم تعتني به ، اللقطاء بحدائق الجامعات في بلد غربي ثلاثمئة وخمسين ألفاً ، بينما في بلد كبلدنا المسلم الذي فيه بقية مروءة ، بقية عفة ، أربعون حالة فقط ، هذا فضل الدين ، فضل الانضباط ، فضل الحياء ، فضل العفة ، لنا ميزات لا يعرفها إلا من غادر هذا البلد ؛ تماسك الأسرة ، الأب مقدس ، مرة حدثني أخ كريم سافر إلى باريس رأى شاباً على نهر السين ساهم الوجه قال له مالك وما تتمنى ؟ قال له أتمنى أن أقتل أبي ، كإنسان مسلم صعق ، لما ؟ قال أحب فتاة فأخذها مني ، أما آباء المسلمين همه الأول تزويج أولاده ، همه الأول يبيع بيته في دمشق ليسكن خارج دمشق كي يزوج أولاده ، أنا أتمنى على الأخوة الكرام لا تغفل عن ميزات المسلمين ، تتمتع بتماسك أسري ، الأب مقدس ، الأم مقدسة ، الأولاد مقدسون ، لذلك أول حق للطفل على أبيه أن يحسن اختيار أمه .
2 ـ حق الجنين على أمه أن تفطر في رمضان كي يستطيع أن ينمو :
الآن لا يوجد بأي اتفاقية طفولة حقوق للجنين ، حق الجنين على أمه أن تفطر في رمضان ، وهو شهر الصيام ، وهو ثاني أكبر عبادة في الإسلام ، أن تفطر إذا كانت حاملاً أو مرضعاً ، هذا حق للجنين كي يستطيع أن ينمو ، وكي يستطيع بعد الولادة أن يرضع ، إذاً سمح للأم أن تفطر من أجل جنينها إن كانت حاملاً ، ومن أجل وليدها إن كانت مرضعاً ، لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام :
(( لا تجني أم على ولدها ))
[النسائي وأبو يعلى وأبو نعيم عن طارق المحاربي]
3 ـ عدم إسقاط الجنين :
أيها الأخوة ، حينما يؤذى الصغير يحاسب عنه الكبير ، الآن من تعدى على الجنين فأسقطه فعليه دية ، دية ، شيء بسيط يقول لك عملت كورتاج إجهاض ، وكل مؤتمرات السكان تدعو إلى الإجهاض الآمن ، يعني تحمل فتاة تذهب إلى مستشفى تطلب عملية إجهاض دون أن تسأل لماذا زنت ؟ مثلاً ، الإجهاض عندنا ممنوع في الإسلام بل إن إسقاط الجنين يوجب دية لأنه أزهق نفساً .
أيها الأخوة ، في حياة الصحابة أن امرأة رمت الأخرى بحجر فأصابت بطنها وهي حامل فقتلت ولدها الذي في بطنها ، فاختصموا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقضى بدية للجنين .
لا يوجد بأي اتفاقية أن إنساناً أساء لامرأة فمات الذي في بطنها عليه دية ، دية قتيل .
أيها الأخوة ، الحامل إذا شربت دواء فألقت الجنين فعليها الدية والكفارة تدفع إلى ورثة الجنين ، الآن الحامل إذا ماتت وفي بطنها جنين ما الذي ينبغي أن نفعله ؟ ينبغي أن يشق بطنها طولاً وأن يخرج منه الجنين

4 ـ حفظ حق الجنين في الميراث إن مات والده و هو لم يولد بعد :
الآن مات أبوه ترك أموالاً يا ترى هذا الجنين ذكر أم أنثى ؟ لو أنه أنثى وحيدة تأخذ نصف المال ، قال : يفرض أن تكون أنثى حفظاً لحق الجنين ، الورثة يقتسمون الإرث على أن الذي في بطن الأم أنثى لأنه أعلى نسبة لها ، فإذا جاء ذكراً وزعوا الفرق على البقية ، هذا من أحكام توزيع الإرث .
5 ـ حق الطفل في النسب :
أيها الأخوة ، أما السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة ، أما إذا نفخ فيه الروح يغسل ويصلى عليه ، احتراماً للسقط هكذا جاءت الشريعة ، الآن المولود ولد أولاً ينبغي أن يحنك ، أن نأتي بتمرة نأخذ قطعة منها نحنك بها فمه ، كي يذوق طعم الحلو مع قراءة الفاتحة والإخلاص وما شابه ذلك ، ثم يدعى له بالبركة ، الآن أهم حقٍّ حقه في النسب


6 ـ عدم الشك بنسبه أو رفضه :
أيها الأخوة ، الطفل حينما يكون له أب وأم مع الحليب يرضع الرحمة والحب للمجتمع ، أما هذا الذي يقسو على الناس قسوة لا حدود لها ، هذا الذي يقصف ليدمر شعوباً لعله لقيط ، لعله لم يذق طعم الحنان ، صدقوا أيها الأخوة حدثنا أستاذ في الجامعة قال : لو أن الأم أرضعت ابنها بقسوة لكان المولود قاسياً ، يشرب الحنان مع حليب أمه فإذا كان في المجتمع أربعون بالمئة من المواليد لقطاء أين الرحمة ؟ الآن القوي يذبح الضعيف بالعالم كله ، والغني يأكل الفقير ، لا يوجد رحمة أبداً ، ومن أجل حسم الخلافات جاء الحديث الشريف :
(( الولد للفراش ))
[مسلم عن أبي هريرة]
مادامت زوجتك وهذا فراشك فالذي ولد هو ابنك ، ولو كنت أبيض اللون وهو أسود ، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول تعلم علم الوراثة ، فحينما ولد لإنسان غلام أسود عرض بأمه ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : لعل ابنك هذا نزعة عرق فخرج لجد قديم من أجداده .
موضوع الشك والاتهام الولد للفراش والذي يرفض ابنه يكفر ، كفى كفراً بامرئ ادعى نسباً لا يعرفه ، أو جحده ، هذا الذي يدعي نسباً لا يعرفه أو يجحده كان كافراً ، أما في العالم الغربي شاب أحب فتاة استأذن والده في الزواج منها ، قال له : لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري ، أبوه كان زير نساء ، فلما أحبّ ثانية قال يا أبي هذه فتاة أحببتها ، قال له : أيضاً هذه أختك وأمك لا تدري ، الثالثة كذلك فضجر من أبيه ، وشكا إلى أمه ، قالت له : خذ أياً شئت أنت لست ابنه وهو لا يدري ، هذا العالم الغربي نراه قبلة لنا نقلده ، نراه الحضارة .
أيها الأخوة ، والله أحياناً يخجل الإنسان أن ينتمي لهذه المجتمعات ، كفى كفراً بامرئ ادعى نسباً لا يعرفه ، أو جحده وإن دق كفر ، إذا رفضت ابنك ، أحياناً يكون زواج خارج المحكمة يقول ليس ابني ، يعرف بماذا يتكلم أمام القاضي ؟ لا يوجد دليل ، هذه العقود خارج النطاق الشرعي لها مشكلة ، إذا قال ليس ابني انتهى الأمر لأنه لا يوجد دليل

7 ـ حق الطفل في الرضاعة

على كل أم أن ترضع ابنها لأن الثديين هدية من اللهتعالى :



أيها الأخوة ، يرضعن أولادهن صيغة جاءت في معرض الخبر بمعنى الأمر ، أيتها الوالدات أرضعن أولادكن ، لذلك الفرق بين الإرضاع الطبيعي والصناعي فرق كبير جداً ، أكثر الأطفال الذين يرضعون صناعياً كحليب البقر يصابون بآفات قلبية ووعائية حينما يكبرون ، لأن حليب البقر فيه خمسة أضعاف الحموض الأمينية التي في حليب الأم تتبدل نسبه في أثناء الرضعة الواحدة ، يبدأ بأربعين بالمئة دسم وستين بالمئة ماء ، ينتهي بستين بالمئة دسم أربعين بالمئة ماء ، معقم ، بادر في الصيف دافئ في الشتاء ، فيه مواد حافظة ، فيه مواد تمنع التصاق الجراثيم بالمعدة ، أكثر الأمراض الإنتانية بسبب الإرضاع الصناعي

حتى إن كل معمل حليب للأطفال أُلزم أن يكتب لا شيء يعدل حليب الأم

العقاب الإلهي للنساء اللواتي أبين إرضاع أولادهن ورم خبيث في الثدي :



بالمناسبة أكثر حالات سرطان الثدي تصاب به نساء أبين إرضاع أولادهن من أجل شكلهن ، فالعقاب الإلهي ورم خبيث في الثدي ، أما فطام الابن لا يمكن أن يكون قراراً من أمه وحدها ولا من أبيه ، قرار مشترك بالأحكام الفقهية .
ولما سيدنا عمر حرس قافلة سمع بكاء طفل فنبه أمه ، فبكى ثانية نبه أمه ، فبكى ، فغضب : قال : أرضعيه ، قالت ما شأنك بنا ؟ إني أفطمه ، قال ولما ؟ قالت لأن عمر لا يعطي العطاء إلا بعد الفطام ، تروي الروايات أنه ضرب جبهته وقال ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين ؟ وصلى الفجر في أصحابه لم يفهم أصحابه قراءته من شدة بكائه ، لكنه دعا فقال يا رب هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها ؟
ماذا اتهم نفسه ؟ كم قتلت من أطفال المسلمين ، لأنه أعطى التعويض العائلي على الفطام لا على الولادة ، ثم أمر أن يكون التعويض فور الولادة .
8 ـ أن يحسن الأب اختيار اسم ابنه :

حقه في التسمي في أمر نبوي أن يحسن الأب اختيار اسم ابنه ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام غيّر بعض الأسماء واحدة اسمها عاصية قال : بل أنت جميلة ، شخص اسمه أصرم قال له : أنت أزرع ، غيّر النبي عليه الصلاة والسلام الأسماء ، من حق الابن على أبيه أن يختار له اسم يتباهى به ، ثم يعق له أي يذبح عقيقة تكريماً لهذا المولود ، ولإشعاره أنه كبير يسن أن يكنى بكنية ، يا أبا عمير ، طفل صغير يلعب بعصفور ، يا أبا عمير ما فعل النغير ؟ تذبح له عقيقة وتختار له اسماً حسناً وتكنه .
أيها الأخوة ، ويحلق رأسه ويتصدق بوزن شعره ذهباً إكراماً له ويغتل الذكر وجوباً ، كلها أحكام شرعية .
9 ـ حقه في الحضانة :

حقه في الحضانة ، الولد يحتاج إلى حنان ، إلى عطف ، إلى رعاية ، والشريعة قد كفلت له ذلك ، حضانه حتى يستقل بأمره ، يحفظ ويوقى من جميع الأضرار والشرور ، والأم هي الحاضنة الأولى ، وقد نصّ عليها في التشريع الإسلامي وفي حال السفر يختار له أفضل امرأة بعد أمه كي تكون حاضنة له ، هناك ترتيب جاء به الفقهاء الأم أولاً ، ثم أمهات الأم ، ثم الأب ثم أمهاته ، ثم الجد ثم أمهاته ، ثم الأخت من أبوين ، ثم الأخت من أب ، ثم الأخت من أم ، ثم الخالة ، ثم العمة ، ثم الأقرب فالأقرب .
حقه في الحضانة امرأة ترعاه ، تعتني به ، تحبه ، تقبله ، تشمه ، تضمه ، تطعمه ، تنظفه من حقه ، حدثني طبيب في شيكاغو أقسم بالله في ليلة واحدة ليلة الأحد هو كان في مستشفى بشيكاغو طبيب إسعاف ، الآن طبيب أطفال كبير في دمشق ، قال لي والله خمس عشرة حالة أطفال ضربوا بآلات حادة من آبائهم وأمهاتهم لأنهم نغصوا عليهم ليلتهم ، فجيء بهم إلى المستشفى ، الآن في العالم الغربي الطفل الصغير يضرب يضغط على الصفر ، تأتي الشرطة يشتكي على أبيه وأمه من قسوتهم ، من بعدهم عن الله ، من سوء تربيتهم ، هذا القانون ليس لنا هذا لغيرنا ، أي طفل في أستراليا أو أوربا في صفر أو واحد تأتي الشرطة يأخذون الأب يحاسبونه ، وقد يأخذونه منه لستة أشهر ، أطفالنا المسلمون في حفظ ، وحماية ، ورعاية ، وحضانة ، وكفالة ، والنبي الكريم قال لأم أنت أحق به ما لم تنكحِ ، إذا تزوجت تأت امرأة أخرى ، ما دام أنت غير متزوجة وانفصلت عن زوجك أنت الحاضنة الأولى .
هل تصدقون أن النبي عليه الصلاة والسلام استشار طفلاً نفسه ، سأله من تريد اختر ؟ فاختار الابن أمه ، يعني النبي عليه الصلاة والسلام استشار الطفل بالسنة السابعة مع من تحب أن تكون ؟ حتى السابعة من حق أمه حصراً لكن بعد السابعة يستشار ، مرة اختار الابن والده ، قالت الأم للقاضي سله لما اختار والده ؟ فسأله القاضي ، قال أمي تأخذني إلى تحفيظ القرآن والمعلم يضربني ، أما أبي يدعني ألعب مع الصبيان ، فأمر القاضي أن تكون الأم هي الحاضنة .
10 ـ حقه في النفقة عليه :

حق النفقة عليه ، أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ، أحياناً يقول الناس العمل عبادة ، أنا أؤمن بهذا الكلام ، إذا كان الشاب اشتغل ، وهيأ مالاً لأولاده ، أطعمهم ، ألبسهم ، أكرمهم ، أي جعلهم يحسون أنهم في بحبوحة ، وفي جنة عمله هو عبادة ، أما أب كسول لا يعمل ، ما معه شيء دائماً ، فأولاده خرجوا من حاضنته ، التصقوا بأصدقائهم الأغنياء ، فالإنسان حينما لا ينفق على أولاده يخسرهم ، من هنا كان العمل عبادة وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ))
.
[ أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

11 ـ حق الطفل في المساواة بينه و بين إخوته :

يطعمه لكن لم ينتبه إلى دينه ، ولا إلى إيمانه ، ولا إلى أخلاقه ، ولا إلى عقيدته ، بل إن زكاة الفطر تجب على الصغير ، بل تجب على الجنين في بطن أمه ، والإسلام يهتم بمشاعر الصغار ، فأمر بالعدل التام بين الأولاد ، ليس للأب حق أن يُقبّل واحداً دون الآخر ، ولا أن يضحك بوجه واحد دون الآخر ، ولا أن يحمل واحداً دون الآخر ، ولا أن يضم واحداً دون الآخر ، إلى هذا المستوى ، اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم .
12 ـ حقه في التربية :

له حق التربية ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام :
(( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))
.
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

(( مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع )) .
[ أحمد و البيهقي و الدار قطني عن عمرو بن شعيب]
هناك أب عاتب ولده لأنه كان عاقاً ، فقال الولد : يا أبتِ إنك عققتني صغيراً فعققتك كبيراً ، وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً ، والجزاء من جنس العمل ، حينما ترعى ابنك في الأعم الأغلب بقناعتي تسعة وتسعين بالمئة إلا بحالات نادرة جداً يكون ابنك باراً بك ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعلم الصغار :
(( احفظ الله يَحْفَظْك احفظ الله تجده اتجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ... )) .

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
(( يا غلام سمِّ الله وكُلْ بيمنك وكل مما يليك ))
.

[ صحيح عن عمر بن أبي سلمة ]
أحياناً يكون إنسان بدعوة مع أولاده يتلقطون اللحم فقط ، فيحرج الأب إحراجاً كبيراً ، النبي عليه الصلاة والسلام رأى غلاماً تطيش يده في الصفحة قال له :
(( يا غلام سمِّ الله وكل بيمنك وكل مما يليك ))
.

علّم الطفل إن علمته تحبه ، إذا ما علمته تكرهه .
13 ـ حقه في الملاطفة و المداعبة :

هناك حق آخر عجيب حقه بالمداعبة والملاطفة ، الأقرع بن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن ، فقال : إن لي عشرة من الولد ما قبّلت واحداً منهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( من لا يَرحم لا يُرحم ))

[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة]
أيها الأخوة ، كان النبي عليه الصلاة والسلام ، ينطلق من مسجده إلى العوالي ، يعني بآخر المدينة إلى ظئر إبراهيم مرضعة ولده ليُقبله ثم يرجع .
من ينتقل من المهاجرين إلى المخيم يركب ساعة ونصف ، يُقبل ابنه ويرجع هكذا النبي علمنا ، كان يأخذ الحسن بن علي والحسين فيقعدهما على فخذه يلاعبهما ويحملهما وحمل أمامة بنت زينب في الصلاة فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها .
مرة أطال السجود حتى خشي الصحابة شيء لعل النبي مات ، فرفع واحد رأسه فوجد النبي يصلي ساجداً والولد على ظهره ، فلما انتهت الصلاة سألوه وأخبرهم ، قال : إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله ، هذا أكبر داعية في الأرض ، أعظم نبي ، أكبر قائد ، يرتحله ابن ابنته على ظهره وهو في الصلاة ليؤخر السجود إكراماً له .
14 ـ حقه في الحفاظ عليه وعدم لعنه وسبه والدعاء عليه :

أيها الأخوة ، الآن حقه في الحفاظ عليه وعدم لعنه وسبه والدعاء عليه ، مما يدعو الآباء على أولادهم الله يعدمني إياك ، هذا الكلام القاسي لماذا ؟ أسمعه كلمة طيبة ينشأ الطفل مؤدباً ، ينشئ الطفل على حب ، اجعل البيت جنة ، هدئ حالك ، كن حليماً ، هذا السباب والكلام القاسي هذا يقيم شرخاً في العلاقة بين الأب وابنه ، لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ، وإذا استجنح الليل فكفوا صبيانكم ، بعد وقت محدد الابن في البيت ، يأتي الساعة الثانية ما في ، بعد وقت محدد قد يكون العشاء ، قد يكون بعد العشاء بساعة الابن في البيت ، وإذا استجنح الليل فكفوا صبيانكم .
15 ـ حقه في العلاج :

حقه في العلاج ، لا تعذبوا صبيانكم ، مثلاً بنت يوجد بأسنانها حالة غير صحيحة تحتاج إلى تقويم ، لك أجر كبير هذه بنت ، صار في جرح فكانت المعالجة غير متقنة تحتاج إلى معالجة متقنة لا يكون في تشويه بوجهها ، هذا من واجبات الأب .
16 ـ احترام شخصية الصغير :

هناك شيء يكاد لا يصدق ، احترام شخصية الصغير ، طفل يجلس على يمينه وعلى يساره أشياخ كبار صحابة ، جاءت الضيافة ، قال له : أتأذن لي يا غلام ، أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ ؟ سيد الخلق يستأذن طفلاً صغيراً ، قال له : لا والله لا آذن لك ، أعطاه إياه ، في مثل هذه التربية ؟ طفل تستأذنه ؟ أحياناً الأب العاقل يستشير ابنه يمنحه ثقة ، يضع المال بمكان ، بابا خذ وسجل حتى نضبط أمورنا ، تعمل ثقة كبيرة بالطفل ، لما تمنح ابنك ثقة يمنحك روحه . قال له : أتأذن لي يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ ؟ فقال هذا الغلام ما كنت لآثر بفضلي منك أحداً يا رسول الله فأعطاه إياه .
حقه في العلاج أن تعالجه ، في أمراض بالبداية سهل معالجتها إذا أهملت أصبحت عاهة دائمة بالطفل .
أيها الأخوة الكرام ، الموضوع طويل لكن نموذج ، هذه حقوق الطفل في الإسلام ، أي منها حقوق الطفل في العالم الغربي ؟ يتفقون على حقوق ، ونلزم بها ، وإذا ما طبقناها نعاقب ، وإذا تحفظنا عليها تقوم الدنيا ولا تقعد ، وعندنا دين من وحي السماء .
أيها الأخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

حقوق الطفل في الاسلام/1

لقد جاءت شريعة الإسلام بكل ما يصلح أحوالنا ولم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا وأتت فيها بحكم وتوجيه.

جاءت شريعة الإسلام لإسعاد المجتمع، والأطفال من ضمن المجتمع فالحمد الله الذي رزقك زوجة ولوداً، وجعل لك ذرية، فكم من رجل عقيم لا يولد له ولد، وكم من امرأة كذلك، قال تعالى: يهب لمن يشاء إنثاً ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكراناً وإنثاً ويجعل من يشاء عقيماً [الشورى:50،49].

ونحن في زمن - مع الأسف - غابت فيه الشريعة واندثر العلم وانتشر الجهل.

إن رحلة الطفل في الإسلام تبدأ من قبل وجوده، تبدأ من حين البحث عن أم وزوجة صالحة { فاظفر بذات الدين تربت يداك } عن أم ودود ولود كما أمر النبي : { تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة } [رواه أحمد].

ويدعو الإنسان قبل وجود الطفل بقوله: رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء [آل عمران:38]. كما كان نبي الله زكريا يدعو.

فإذا وُجد هذا الطفل ذكراً كان أو أنثى؛ كان له من الحقوق والواجبات ما يضمن له صلاحه.

ولما كان يلحق البعض من العار بالبنات وكان وأد البنات سنة جاهلية؛ جاءت شريعة الإسلام بالتأكيد على تحريمه وهو من الكبائر [التكوير:8]. سؤال توبيخ لمن وأدها بأى ذنب قتلت كانت المرأة عند الولادة تأتي إلى الحفرة ومعها القابلة فإن كانت أنثى استخرجتها فرمتها في الحفرة مباشرة، وأهيل عليها التراب، وإن كان ذكراً أخذوه، ولما كانت البنات فيهن ضعف وهن عالة على الأب ولسن مثل الذكور في القوة والإعانة؛ عوضت الشريعة أبا البنات بأجر عظيم، وقد ولد للنبي أربع من البنات رضي الله عنهن، ولما ولد لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله بنت قال: ( الأنبياء آباء البنات )، وقد جاء في البنات ما علمت، وهن من الأبواب الموصلة إلى الجنة قال : { من عال جارتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا } وضم إصبعيه، [رواه مسلم]، وقال عليه الصلاة والسلام: { من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن، من جزته ( يعني من ماله وغناه ) كُن له حجاباً من النار يوم القيامة } [حديث صحيح]. وإذا الموءدة سئلت

فإذا ولد المولود فإنه يجري له إجراءت كثيرة في الشريعة تدل على أن أمراً مهما قد حدث؛ فيحتفى به غاية الاحتفاء، ويكرم غاية التكريم من مبدأ أمره.

وإليك بعضاً مما جاءت به الشريعة:

1- التأذين في أذن المولود: ولعل سماع المولود هذا الأذان كما ذكر ابن القيم حتى يكون أول مايقرع مسامعه كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، مع ما فيها من هروب الشيطان من كلمات الأذان وينشأ على هذا.

والأذان يكون في الأذن اليمنى. فعن أبي رافع قال: ( رأيت رسول الله أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة ) [رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه الألباني بشواهده في الإرواء:159].

2- تحنيك المولود: والتحنيك هدي نبوي كريم شرع للمولود عقب ولادته ومعناه: ( تليين التمرة حتى تصير مائعة بحيث تبتلع ويفتح فم المولود، ثم يدلك حنكه بها بعد ولادته أو قريباً من ذلك بوضع شيء من هذه التمرة على الإصبع وتحرك يميناً وشمالاً ).

ولعل الحكمة والله أعلم في ذلك تقوية عضلات الفم بحركة اللسان مع الحنك والفكين، وتسهيل عملية خروج الأسنان حتى لا يشق على الطفل.

ومن الأفضل أن يقوم به من يتصف بالتقوى والصلاح تبركاً وتيمناً بصلاح المولود وتقواه، ويدعى له بالبركة كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بردة عن أبي موسى قال: ( ولد لي غلام فأتيت به النبي فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة ) زاد البخاري: ( ودعا له بالبركة ودفعه إلي وكان أكبر ولد أبي موسى ).

3- رضاعته من ثدي أمه: وهي حق من الحقوق الشرعية للطفل وهو مُلقى على عاتق الأم وواجب عليها؛ لقوله تعالى: والوالدت يرضعن أولادهن حوليين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة [البقرة:233].

وإذا تم للرضيع حولان؛ فقد أتم الرضاعة وصار اللبن بعد ذلك بمنزلة سائر الأغذية، فلهذا كان الرضاع بعد الحولين غير معتبر فلا يحرم كما ذكر ذلك الشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسيره الآية.

وللرضاعة من ثدي الأم فوائد كثيرة جسمية ونفسية على المولود، ولكي تنال الأم حقها كاملاً، بحسن الصحبة كما ورد في الحديث عنه عندما سُئل من أحق الناس بحسن صحبتي قال: { أمك، ثم أمك، ثم أمك } فتكون الأم قد حملت وولدت وأرضعت.

4- تسمية المولود بالإسم الحسن: والأسماء كثيرة لكن المطلوب ذلك الإسم الذي تتعبد الله عز وجل وتتقرب إليه به، وهو من حق الأب في حال الاختلاف، فيسميه أبوه وقد ورد تسميته في اليوم الأول أو السابع ويجوز قبل ذلك وبينهما وبعد ذلك والوقت فيه سعة ولله الحمد؛ ففي الحديث: { كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه } [رواه أحمد].

ويسمى المولود بأحب الأسماء إلى الله ( عبدالله وعبدالرحمن ) لحديث: { إن أحب أسمائكم إلى الله عز وجل: عبدالله وعبدالرحمن } [رواه مسلم].

ويتجنب الأسماء القبيحة والمحرمة والمكروهة شرعاً. ولإشعار الطفل بالمسؤولية وبأنه كبير ولتزداد ثقته بنفسه شرعت تكنيته ( يلقب بأبي فلان )؛ لحديث النبي : { يا أبا عمير ما فعل النغير } كما أنها تبعده عن الألقاب السيئة.

5- حلق رأس المولود: وهو من الآداب المشروعة للوليد لقوله : { مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى } [رواه البخاري].

وإماطة الأذى هي حلق الرأس؛ لقول النبي لفاطمه رضي الله عنها عندما ولدت الحسن: { احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره فضة على المساكين } [رواه أحمد].

واختلف هل الحلق للذكر والأنثى أم لهما معاً؟ على قولين، والصواب أن الحلق يشمل الذكر والأنثى لما روى مالك في الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: ( وزنت فاطمة رضي الله عنها شعر حسن وحسين وزينب وأم كلثوم فتصدقت بزنة ذلك فضة ).

6- العقيقة: ومما شرع للمولود أيضاً العقيقة وهي سنة مؤكدة، ولهذا أحب الإمام أحمد أن يستقرض الإنسان لها، وقال إنه أحيا سنة وأرجو أن يخلف الله عليه.

وهي عن الذكر شاتان، وعن الأنثى شاة واحدة قال : { عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة } [رواه أحمد].

تذبح يوم السابع من ولادته؛ لقوله : { كل غلام رهينة بعقيقته تذبح يوم سابعه ويسمى } [أخرجه الترمذي].

قال ابن القيم: ( إن التقيد بذلك استحباب وإلا فلو ذبح عنه في الرابع أو الثامن أو العاشر أو ما بعده أجزأت ). وله أن يأكل ويتصدق ويهدي من العقيقة ويكره كسر عظمها.

7- الختان: وقد ورد فيه أحاديث كثيرة منها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : { الفطرة خمس... وذكر منها الختان } والأفضل في حق الولي أن يقوم بعملية الختان في الأيام الأولى من الولادة. ووقت الاستحباب اليوم السابع ويجوز قبله وبعده إلى البلوغ؛ فإذا قرب وقت البلوغ؛ دخل وقت الوجوب، وللختان حِكم دينية عظيمة وفوائد صحية؛ فهو رأس الفطرة، وشعار الإسلام وهو يميز المسلم عن غيره من أتباع الديانات والملل الأخرى، وهو يجلب النظافة، ويعدل الشهوة، ويقي صاحبه الأمراض بإذن الله.

8- النفقة: ومما جاءت به الشريعة وأوجبته في حق المولود على الوالد النفقة عليه حتى يبلغ الذكر وتتزوج الأنثى قال : { أفضل دينار ينفقه الرجل دينار على عياله } [رواه مسلم].

9- معانقتهم وملاعبتهم: من الحقوق التي أوجبها الإسلام للأطفال معانقتهم وتقبيلهم وملاعبتهم فقد قبّل النبي الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس فقال الأقرع: ( إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً )، فنظر إليه رسول الله فقال: {} [رواه البخاري]. من لا يرحم لا يُرحم

وفيه أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( جاء أعرابي إلى النبي فقال: ( تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم ) فقال النبي : {} ). أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة

كما لا يجوز الدعاء على الولد ولا لعنه ولا سبه قال : { لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، وإذا استجنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم } [رواه البخاري].

10- تعويذهم: في صحيح البخاري عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما ويقول: { إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق: ( أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) } [رواه البخاري].

الخاتمة:

أيها الآباء... إن تربية الأولاد أمانة ومسؤولية لابد من القيام بها فكم ضيع الأمانة اليوم من المسلمين! ! أضاعوهم صغاراً فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كباراً - عاتب أحد الآباء ولده العاق فقال الولد: ( يا أبت إنك عققتني صغيراً فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً، والجزاء من جنس العمل ).

أسأل الله أن يصلح لنا ولكم الذرية وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"