بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 16 أبريل 2010

في معنى اسم "العدل"

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الاسم العشرين من أسماء الله الحسنى ، والاسم الذي يطالعنا هو : العدل فقد اتفقت الأمة على إطلاق هذا الاسم على الله تعالى وهو مصدر عَدَلَ يَعْدِل عدلاً فهو عادل ، عُدِلَ عن اسم الفاعل عادل إلى المصدر العدل ، فمن أسمائه جل جلاله ؛ الحَكَمُ العَدْلُ ، هذا المصدر أقيم مقام الاسم ، كأن تقول الرب بدل الراب ، والبَر بدل البار ، والرضا بدل الراضي ، والعدل بدل العادل ، إذاً فاعلم أن أحد أسماء الله الحسنى العدل .

الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى عدل في خلقه ، وعدل في تشريعه وعدل في أمره التكويني ، وفي أفعاله ، أي عدل في خلقه وعدل في أمره وعدل في فعله ، خلق وأمر وفعل فعدل فهو عدل .

عدل في خلقه ، فمكان اليد مناسب جداً ، و في موقع متوسط، و الشيء المعتدل الذي هو بين الإفراط والتفريط ، فمفتاح الكهرباء مثلاً إذا وضع في مكان يتناسب مع أهل البيت ، فالأب ييحرك يده إلى مستوى معين فيطالعه ، و الأم والابن وجميع من في البيت يستعملونه براحة فهذا المكان معتدل ، ولو كان مرتفعاً لاحتاج الأمر إلى سلم ، ولو كان منخفضاً مع الأرض لاحتاج الأمر إلى أن ينبطح الإنسان ليتألق المصباح ، أما أن يكون هذا المفتاح في مكان معتدل بين الارتفاع والانخفاض فهذا المكان اسمه مكان معتدل ، والاعتدال من العدل والاعتدال هو التوسّط ، ودائماً التوسّط هو الموقف الأكمل بين الإفراط والتفريط .

و لو أن الإنسان رأى في كأس الماء كل الكائنات الحية لما شرب الماء ، فلو أن العين بلغت من الدقة بحيث ترى كل شيء لاستحالت حياتنا شقاءً ، ولو أنَّ العين بلغت من ضعف الرؤية ألا ترى الشيء الخطر لهلكنا ، إذاً في الحالة الأولى إفراط وفي الثانية تفريط ، فعتبة الرؤية لها حد معتدل ، فالله سبحانه وتعالى عدل في خلقه .

وأما عن عتبة السمع ، فهناك أصوات لا تسمعها ، ولو سمعتها لما نمت الليل ، فالموجات الصوتية تتخامد ، وليست كالأمواج الكهرطيسية التي لا تتخامد ، وقد أطلقت مركبة إلى كوكب المُشتري وبقيت مركبة الفضاء تطير في الفضاء بسرعة أربعين ألف ميل في الساعة، فقضت ست سنوات إلى أن وصلت ، وأَرسلت منه رسائل بالراديو ، وكما يقولون فإن الأمواج الكهرطيسية لا تتخامد بل تبقى سِعَتُها هيَ هيَ ، لذلك فهذه الأمواج الكهرطيسية هي سبب البث الإذاعي، والفاكس والتلكس ، فالأمواج الصوتية العادية تتخامد ، ولو كانت كالأمواج الكهرطيسية، لسمعت في دمشق وفي هذا المسجد كل صوت في الأرض ، كصوت أمواج البحار، ومعامل الفولاذ ، وانفجارات البراكين ، ولأصبحت الحياة مستحيلة ، إذاً عتبة السمع وتخامُد الأصوات هذا خلق معتدل ، بين الضجر الذي لا يُحتمل وبين الضعف الذي لا يقابل إذاً :

(سورة القمر)

إذاً فبصرك بقدر ، وسمعك بقدر ، ورؤيتك بقدر ، والإنسان أحياناً تُجرح يده فلو أمسك باب الثلاجة عندئذٍ لأحس بلسع الكهرباء الساكنة ، ولو تناول طعاماً فيه حمض لتألم ، فيقال لك : عرق ملح ، ولو أن الأعصاب الحسية نمت أكثر مما هي عليه لأصبحت الحياة مستحيلة ، وكذلك أعصاب الضغط وأعصاب الحس والسمع والرؤية والحركة .

فمفصل المرفق في مكان معتدل بحيث يمكن أن تأكل ، ولو لم يكن هذا المفصل فلابد من أن تنبطح كالقطة ، إذ تضع الصحن على الأرض وتنبطح وتأكله بلسانك ، ولا يوجد طريقة ثانية فمكان المفصل معتدل .

وضع اليد على الكتف ، فلو كانت على الورك إلى الأسفل مع القدم لفسد كثير من أمرك، أو لو أن العين في قمة الرأس أو في الظهر أو في الكف ، لاختل نظام حياتك وعملك ، فما معنى : الله خلقه ؟

(سورة الإنفطار)

أي خلقك أيها الإنسان بحواسك وأعضائك وأجهزتك والغدد الصماء وجهاز الهضم والقلب والرئتين وكل ذلك باعتدال ، إذاً فسوّاك فعدلك .

وكذلك تجد الاعتدال بخيوط النسيج ، فلو أن الثوب يهترئ من لبسة واحدة لشق الحال على الناس . فليس معقولاً أن تتصور إنساناً اشترى قطعة جوخ وفصّلَهَا وأخذ قياسات ، الحين بعد الحين ، وبعد شهر استلمها صاحبها ثم لبسها لبسةً واحدةً واهترأت ! فترى الخيط له متانة معتدلة تلبسها سنة أو سنتين وتهنأ بها ، ثم تهترئ ، إذاً فالخيوط تماسكها باعتدال .

وهذه الدجاجة تعطي كل يوم بيضة ، فلو أعطت كل شهر بيضة لكان البيض غالي الثمن كثيراً ، و لو كان ثمن العلف للبقر يفوق ثمن حليبها فلا يُربي أحد بقراً ، إذاً كمية الحليب التي تنتجها البقرة بالقياس إلى ثمن العلف باعتدال .

ويمكن أن تسير بهذا الطريق إلى مائة عام ، فتشعر وتتحقق : " إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ " لا إفراط ولا تفريط ولا تهور ولا تقصير، ولا مبالغة ولا إيجاز ، بل كل شيء خلقه الله باعتدال ، فهو عدل في خلقه .

بُعد الأرض عن الشمس ، باعتدال فلو أن الشمس أقرب لأصبحت الأرض فرناً ، ولو أنها أبعد لأصبحت الأرض قبراً جليدياً ، إذاً الشمس والقمر بحسبان والمسافات بمنتهى الدراسة الدقيقة .

والطفل يبقى في بطن أمه تسعة أشهر ، ولو بقي خمس سنوات فأمر لا يُحتمل ، ولو كان الحمل أسبوعاً واحداً لأصبح عندك مائتا ولد وهذا شيء لا يحتمل أيضاً ، ولو كان المبيض عند المرأة ينتج البيوض إلى ما لا نهاية كالرجل لكنت تراها في الخامسة والثمانين حاملاً ويجيئها المخاض ، وهي عجوز بلا أسنان ، فالبيوض عدد معتدل وحينما تنفذ هذه البيوض في سن اليأس أي في الخامسة والأربعين إلى الخمسين فلا حمل من بعد ، فهذه رحمة الله بالمرأة ، فهو عدل في خلقه.

هذه أمثلة مرتجلة غير معدة مسبقاً ، من خلق السماوات والأرض و الشمس و القمر والليل والنهار ، ولو كان النهار خمسين ساعة وطاقتك ثماني ساعات ، تفتح المحل وتغلقه وتذهب إلى البيت وتنام في النهار وغيرك يعمل ، لا ينيمك الليل ، تعود وتعمل مرة ثانية فحياة لا تحتمل ولو جعل النهار خمسين ساعة والليل خمسين ساعة تنام وتستيقظ وتعمل وتنام وتستيقظ وتعمل ولعمّ الخلل وانعدم النظام ، قال تعالى :


(سورة القصص)

إذاً : يجب أن تؤمن بأن طول الليل وطول النهار وبعد الشمس و القمر عن الأرض ، وحجم القمر و الأرض كله عدل وبقدر :

( سورة القلم )

ولو أن حجم الأرض خمسة أمثال حجمها الحالي ، فوزنك يتضاعف خمسة أمثال وتصبح حركتك أشغالاً شاقة لأنَّ وزن الإنسان متعلق بحجم الأرض ، والدليل وزن الإنسان على سطح القمر سدس وزنه الحالي يهبط من ستين كيلو إلى عشرة .

إذاً : حجم الأرض وكثافتها وقوة جذبها وبُعدها عن الشمس وعن القمر وهي تجري وتدور ، كل ذلك باعتدال ، فسبحان من خلق فسوى .

وأما المحاصيل ، فلو أن القمح ينضج تباعاً كالبطيخ ، لاحتجنا إلى أن نمسك سنبلة سنبلة لنتبيّن هل نضجت فنقطعها أم لا فنتركها ؟ لكن السنابل تحتاج ثلاثة أشهر ثم تستحصد كلها دفعة واحدة وتجمع القمح في يوم واحد ، أما الفواكه فتنضج تباعاً .

إذاً :

(سورة الإنفطار)

فالله سبحانه وتعالى عَدْلٌ في خلقه ، أي خلقه في درجة مناسبة حكيمة معتدلة دقيقة مدروسة كما يقولون ، وهذا الذي قاله الله عز وجل في الآية السابقة ؛ عدل في خلقه .

إذا استيقظت صباحاً وصليت الفجر وجلست كي تفكر فيمكن أن تمشي في هذا الباب الطيب الذي يزيدك معرفةً بالله إلى مسافات طويلة ، فانظر كل شيء فأمره إلى الاعتدال !

تصوّر لو كان قِشرُ البندورةِ للبطيخ ، فلن تأكل بطيخة في حياتك لأنها لا تنتقل معك من مكان إلى آخر ، وتصوّر قشرَ البطيخ للبندورة ، فتصير كلها قشراً .. القشر معتدل والحجم والقِوام و الطعم معتدل والحلاوة معتدلة فتصميم ربنا عجيب .

وقد يصنع الإنسان حلويات بعيارات غير دقيقة فتنبو على الذوق، أما ربنا عزوجل خلق فقدر فتأكل التفاح والإجاص والكمثرى والعنب والتين والبلح ، وكله باعتدال

إذاً : أول معنى من معاني العدل عدل في خلقه ، يعني خَلَقَهُ بِحِكمة بالغة ، ووهذه آية أخرى تعبر عن هذا المعنى نفسه :

(سورة الأنعام من الآية 73)

يعني بالحق بالدرجة الحكيمة ، المعتدلة التي لا تزيد ولا تنقص ، فتأمل خلقك ، ثم تأمل طعامك ؛ وكذلك أجل نظرك في خلق الإبل : قال تعالى :

(سورة عبس)

(سورة الطارق)

(سورة الغاشية)

هذا في خلقه فاعتبروا يا أولي الألباب .

والآن في أمره : أمرك أن تصوم ثلاثين يوماً في العام فلو أمرك أن تصوم ستة أشهر ، فشيء فوق طاقة البشر ، والدليل أن الإنسان يشعر أن آخر خمسة أيام من رمضان طويلة شاقة وكأن كل يوم شهر ، فثلاثون يوماً هذا هو الحد المعتدل ، وأمرك أن تُصلي خمس مرات فلو كانت خمسين صلاة وكل صلاة خمسون ركعة لما أطقنا ذلك فالأمر معتدل :

(سورة البقرة من الآية 286)

فالصيام إذاً معتدل ، والحج في العمر مرة ، والزكاة ربع العشر ، فالشريعة عدل إذاً، ولكن انظر في قوانين البشر أن بعض الضرائب بالمئة ثمانون إلى ثلاث وتسعين فكم يشعر الإنسان أنه مغبون، بينما الزكاة ربع العشر ، النسبة المعتدلة بالألف خمس وعشرون ليرة وبالمائة ليرتان ونصف ، وفي مائة ألف ألفان وخمس مائة ، وفي مليون خمسة وعشرون ألفاً فالرقم مقبول ، ومعه راحة نفسية ، فالزكاة ، والصيام ، والحج كلٌ باعتدال ، وحتى الأوامر فمثلاً غُضّ من بصرك ، فلو كان الإنسان يمشي في الطريق وفاجأه منعطفٌ حادٌ وفجأة مرت أمامه امرأة فعليه أن يغض من بصره ، لا أن يكفه كلية ، فكف الصر كلية فيه عَنت ومشقة ، لكن الله لطيف بعباده فلم يقل لا تنظر بل قال :

(سورة النور من الآية 30)

ولو قال : غضوا أبصاركم . لَهَلَكنا جميعاً ، ولكن جاء الأمر: " من أبصارهم " فإذا حصل مفاجأة غير متوقعة وبأقل من عُشر الثانية غضضت بصرك فلا شيء عليك ، فالأمر معتدل .

أَمرُ غضِ البصر معتدل ، وأمر الزكاة معتدل ، وأمر الصوم معتدل فإن سافرت رخّص لك بألا تصوم :

(سورة البقرة من الآية 184)

وإن كنت على سفر فصلِّ ركعتين فقط في الرباعية ، اقصُر من الصلاة ، والقصر عند السادة الأحناف واجب .

وأنت على موعد مع السيارة ومع الطائرة ومع المطار وفكرك مضطرب ، فقال لك صلِّ الظهر ركعتين ، واجمع جمع تقديم وجمع تأخير فالشرع معتدل ، والله عَدْلٌ في خلقه ، وعَدْلٌ في أمره .

قبل أن نتابع الموضوع ، فما حظ العبد من هذا الاسم ؟ نحن دائماً بأسماء الله الحسنى لنا هدفان كبيران ، الهدف الأول أن نتعرف إلى الله ، وهل في الحياة كلها موضوع أجدر من أن نعرف الله عز وجل ، أي هذه الذات الكاملة التي ستبقى في جوارها إلى أبد الآبدين ، والهدف الثاني طاعته لنسعد بقربه ورضاه وجنته .

وإذا أراد إنسان الزواج ، فإنه يخطب عشر سنوات حتى يجد من يطمئن إليها لأنه كما يبو له أنه سيبقى معه العمر كله ، أربعين أو خمسين سنة ، وقال أحدهم : لمّا بدأت والدته تخطب له بقيت تخطب خمسة عشر عاماً ، ثم استقرَّ الرأيُ على فتاة كانت قد ولدت يوم خرجت والدته لأول مرة للخطبة ؛ ويقولون الزوجة رفيقة العُمر ولابد من الأناة والتروّي لاختيارها ، فأنت سوف تعيش في جوار الله ورحمته إلى الأبد، وهل هناك ذاتٌ تستحق أن تعرفها غير الله عز وجل ، وهل هناك موضوع أخطر من أن تعرف الله تعالت قدرته ، فلذلك ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ، فإذا قلت يا لطيف ، يا رحيم يا غني يا قدير ألا ينبغي أن تعرف ما معنى قدير .

وهناك أشخاص كثيرون يصابون بمرض ، فيقول الطبيب لأحدهم : ليس لك أمل في الشفاء فتراه ينهار ! لأنه لا يعرف أن الله قادر على شفائه مهما يكن المرض عضالاً ، ومهما يكن كلام الأطباء قطعياً ، وهناك بنت مثلاً ولا أمل في شفائها والنتيجة الموت ، ولكن ربنا عز وجل يخلق الشفاء إذا شاء ومتى شاء ، فقد خلقه وشفيت ، ويخلق من الضعف قوة ، و من الضيق فرجاً ، ومن اليأس مخرجاً ، وعندما يقول الإنسان يا قدير وييأس فهو لا يعرف القدير ، والذي نريد أن نقوله، هو أنك إذا عرفت القدير زالَ عنكَ اليأس ، وأنا أؤكد أنك إذا أيقنت أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يشفيك من أخطر مرض وبِلا سبب فأنت ذا إيمانٍ حقاً ولا يأس مع الإيمان ، يقول العارفون ويرددون: " يا رب لا كرب وأنت الرب "، وهل يتألم الإنسان والله موجود ؟ وهل يخاف والله موجود ؟ فهو يطمئنه ، و ينصره و يقويه و يشفيه فاسمعوا كلام سيدنا إبراهيم في قوله تعالى:

(سورة الشعراء)

يخلق ، ويهدي ، ويرزق ، ويشفي ، ويُحيي ، ويميت، ويغفر؛ ذلكم الله رب العالمين لذلك " يا رب لا كرب وأنت الرب " ، وأكرر وأعيد هذا الكلام الدقيق ؛ لا يحق لمؤمن بالله أن يحزن ، فالله معك فأحسن الظن والثقة بالله ، قال تعالى :

(سورة المائدة)

فمثلاً إذا كان هناك شخص قوي نسبياً في المجتمع وقال لآخر: أنا معك فلا تخف ، وهذا رقم هاتفي ، طبعاً هذا معتدٍ فقد يمنعه وقد لا يمنعه ، وقد ، وقد ، ... ، لكن المؤمن إذا طمأنه الله فالأمن محقق وقال سبحانه : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ " .

وبعد ، فلماذا تتعلم أسماء الله ؟ من أجل أن تَسعَدَ بِها ، فتعرف أن الله رحيم لتعلم أن الله يعلم فهل تراقب نفسك ، ولتعلم أن الله قدير وأنه غني ... إلخ ، إذاً حينما تعلم أن الله سبحانه وتعالى قادر على شِفائك من مرضك وأنت مؤمن إذاً فلا تيأس .

ولماذا كانت نِسَب الانتحار في أعلى مستوياتها في بلاد الغرب، لأنهم لا يعرفون الله من خلال أسمائه ، بينما في بلاد مظاهرها الحضارية متواضعة ، و الحياة فيها خشنة والأمور صعبة ، ومع ذلك فالانتحار فيها نادر جداً !! والسبب الإيمان بالله عز وجل .

كان لنا أستاذ في الجامعة في علم النفس ، فحضر مؤتمراً لأمراض النفس في أوروبا ، وقال لنا : لقد قلت في المؤتمر إنَّ نِسَبْ الأمراض النفسية في بلادنا قليلة جداً ، والسبب أننا نؤمن بالله ونرضى بقضائه وقدره ، والحقيقة أن المؤمن يسلم قياد نفسه لله ويقول : هكذا يريد الله ، هذه مشيئة الله ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وهذا ما يحول بينه وبين التوترات النفسية ، وأجمل حديث :

عَنْ أُسَامَةَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ وَعِنْدَهُ سَعْدٌ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذٌ أَنَّ ابْنَهَا يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَبَعَثَ إِلَيْهَا لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى كُلٌّ بِأَجَلٍ فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ *

(متفق عليه)

الذي أخذه له ، والذي أعطاك تفضل به عليك ، فإذا أيقنت أن لله ما أعطى وله ما أخذ فلا مشكلة إذاً .

موت طفل صغير في أسرة إيمانها ضعيف يسبب آلاماً لا تحتمل ، بينما صحابي جليل له ابن مريض بمرض عُضال ، فجاء من السفر وهو قلق عليه قال : يا فلانة كيف الصغير ؟ قالت له : هو في أهدأ حال ، اطمئِنَّ ، فهم منها أنه قد شفي فأعدت له الطعام ، وفي بعض الروايات تزينت له وفي الصباح قالت له : لو أن الجيران أعارونا عارية ثم استردوها أتغضب؟ قال : لا . قالت : وكذلك فعل الله بابننا ، لما قالت له : في أهدأ حال يعني هو ميت ، يقولون إنه ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقص عليه الأمر الذي جرى كله ، فقال عليه الصلاة والسلام : " بارك الله لكما في ليلتكما " وتروي الأخبار أنه أنجب غلاماً أنجب عشرة كلهم صاروا حفظة للقرآن .

إذاً ذاك حادث وفاة الابن في أسرة مسلمة ، ولكن حادث وفاة الابن بأسرة غير مؤمنة ، كثيراً ما تُجَنُ الأم فوراً ، أو تكاد .

إذاً : معرفة أسماء الله من أجل أن نَسَعَدَ بِها ، وأنت مع الله إلى أبد الآبدين فإذا عرفته في الدنيا فهذا عين العقل ، وذلك أن تعرفه قبل فوات الأوان ، وأن تعرفه وأنت في حياتك الدنيا معافى صحيح الجسم ، مسراً .

والشيء الثاني : ما حظك من هذا الاسم ، أنت مؤمن فماذا تستفيد من هذه الأسماء ؟ والنبي الكريم يقول : " تخلقوا بأخلاق الله " .

فأمّا حظ العبد من هذا الاسم فهو أن يحترز عن طرفي الإفراط والتفريط ، يعني لا إفراط ولا تفريط ، ففي أفعال الشهوة يحترز عن الفجور الذي هو الإفراط وعن الجمود الذي هو التفريط .

و قد نجد إنساناً كما يُقال " زير نساء " ، إنه غارق في الشهوة إلى قمة رأسه ، عدواني، ينتهك أعراض الناس ، هذا فجور ، وقد تجد إنساناً كما قالت المرأة : " يا أمير المؤمنين إن زوجي صوام قوام ، لم ينتبه سيدنا عمر رضي الله عنه فقال : بارك الله في زوجك ، فقال له أحدهم : إنها تشكوه يا سيدي ولا تمدحه فجاء به ونصحه ، وقال له : إن لأهلك عليك حقاً "

وتروي الكتب عن واقعة أخرى أيضاً مفادها أن السيدة عائشة دخلت عليها امرأة بحالة زرية مهملة نفسها ، فسألتها عن حالها ، فقالت إن زوجي صوام قوام مما يشغله عني ، في النهار صائم وفي الليل قائم ، فالنبي أرسل إليه وقال يا فلان : أليس لك بي أسوة ، ونصحه أن يعطي كل ذي حق حقه ، وفي اليوم التالي جاءت هذه المرأة إلى السيدة عائشة ، كما تروي الأخبار عطرة نضرة ، فسألتها عن حالها فقالت أصابنا ما أصاب الناس .

فإذاً : نحن حينما نعرف اسم العدل ، نعرف كيف نتخلق بأخلاق الله على ضوء هذا الاسم قال العلماء : أن نحترز عن الإفراط وهو الفجور والتفريط وهو الجمود ونبقى في الوسط وهي العفة ، قال تعالى :

(سورة المؤمنون)

هذا الموقف العدل في علاقتك بالزوجة .

أما مع الأولاد ، فإياك أن تعطيهم عطاءً يفسدهم أو أن تحرمهم حرماناً يحقدون به عليك ، فأعط الواحد منهم المبلغ الكافي ، وأعطه حاجته ، ولو أعطيته فوق حاجته فإنك قد أفرطت ، ولو أعطيته أقل من حاجته فإنك قد فرطت ، والقول : وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من مال بغير علمه فهل علي في ذلك جناح؟ فقال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). والكسوة: اللباس. وقوله: "بالمعروف" أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط

وفي أفعال الغضب يُحترز عن التهور الذي هو الإفراط والجُبن الذي هو التفريط ويبقى غي حدٍ وسط وهو الشجاعة ، وفي العقل يُحترز عن الدهاء والخبث والمكر والخداع أو عن البلاهة والغباء ، ويبقى في حدٍ كما قال : " لست بالخب ولا الخب يخدعني " .

وأدقُّ موقف لستُ من الغباء بحيث أُخدَع ولا من الخبث بحيث أخدع . حينما قال الله عز وجل : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " أي في وضع معتدل بين الإفراط وبين التفريط .

وفي تربية الأولاد من السهل أن تكون عنيفاً ، والعنف لا يحتاج إلى بطولة إن ضربته موجعاً إياه ، حطمته ، ومن ثم حقد عليك :

عن أبي هريرة : " علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ".

وأيضاً لا ترخِ له الحبل فيتجاوز حده ، فالاعتدال أن يبقى ابنك راغباً فيك خائفاً منك " رغباً ورهباً " وهذا حد دقيق جداً فدائماً الحالات المتطرفة سهلة ، فلا تكن ليناً فتُعصر ، ولا تكن قاسياً فتُكسر ، والخير وأن تكون بينك وبين الناس شعرة إن شدوها أرخيتها وإن أرخوها شددتها فهذه هي البطولة ، البطولة أن يكون الذي حولك في حيرة من أمرك ، هم يرجونك ويخافونك في وقت واحد . قال تعالى :

(سورة البقرة من الآية 143)

وبعد ، فلنا وقفه عند العدل في أفعاله ، لقد تحدثنا عن العدل في خلقه وعن العدل في أمره و بقي العدل في فعله ، فيجب أن تعلم علم اليقين أن في الكون عدالة مطلقة ، لكن قد تُفاجأ بسؤال ، إن فلاناً مستقيم بعمله التجاري فمحله التجاري كله منضبط ، وأسعاره مسجلة ، ومعتدلة، ولديه مستندات كاملة فجاءه موظف وافتعل مخالفة وكتبه ضبطاً وزجّهُ في السجن أليس هذا ظلماً صريحاً ؟

الجواب : هذه الحادثة بحد ذاتها هي ظلم ظاهري ، أما لو ربطت حياة هذا الإنسان في بيته ، مع أهله و جيرانه ، ومع من هم دونه و مع من هم فوقه ، وجمعت الحسابات كلها بعضها إلى بعض ، لرأيت في هذا البلاء منتهى العدل وبالتعبير التجاري هناك حساب لا ظُلم فيه ، أما حساب السندات هذه وحدها ففيها ظلم ، ولكن وضمّهُ إلى ما فعله البارحة في البيت قبل أن ينام ، فقد تخرج بالنتيجة ذاتها .

حادث جرت من عشر سنوات ، اثنان تشاجرا في سوق مدحت باشا أحدهما معه سلاح فأطلق رصاصة ، فأخطأت خصمه ، وهناك من سمع الشجار فمد رأسه من دكانه فجاءت الرصاصة في عنقه قريباً من عموده الفقري ، فُشُلَّ تماماً .

فاستوقفني رجل وقال : يا أستاذ أنت تحدثنا عن عدالة الله ، فما صنع هذا : إنه رجل صالح فتح دكانه ليسترزق ويسعى على عياله وهو يبيع أقمشة ، ولا ذنب له ، سمع شجاراً ، فمد رأسه فجاءت هذه الرصاصة في عنقه قريباً من عموده الفقري فأصبح مشلولاً ، فأين عدالة الله ؟ قلت : والله أنا أعرف أن الله عادل ، ولكنك أطلعتني على فصل من فصول هذه الحادثة ، ولعل لها فصولاً لا نعرفها ، لا أنا ولا أنت وأنا أسلم لعدالة الله .

فو الله الذي لا إله إلا هو ؛ إنها من غرائب المصادفات ، والأصح أنها ليست مصادفات: وهي أن صديقاً لي من حي الميدان حدثني بعد عشرين يوماً عن حادثة مثيلة ، قال : لنا جار كان وصياً على أموال أولاد أخيه الأيتام وبقي لهم معه عشرون ألفاً ـ ثمن بيت ـ والحادثة قديمة وكان البيت ثمنه عشرون ألفاً فرفض أن يعطيهم هذا المبلغ فشكوه إلى أحد علماء الميدان ، الشيخ حسين خطاب ، فاستدعاه واستدعى أولاد أخوته ، فأصرَّ على عدم دفع المبلغ فقال الشيخ حسين رحمه الله بالحرف الواحد : يا بني هذا عمكم فإياكم أن تشتكوا عليه للقضاء ، هذه الشكوى لا تليق بكم ، ولكن اشكوه إلى الله " هذه الواقعة تمت الساعة الثامنة مساءً ، في اليوم الثاني مد رأسه من الدكان فأصابته الرصاصة فشُلَّ جسمه .

وهذه حكاية رمزية ، يقولون إن شوحة ( حدءة ) قالت لسيدنا سليمان : اسأل لنا ربك هل هو مهول أم عجول ؟ نريد أن نتحرك ، فلما سأل الله عز وجل ، قال له ربنا : قل لها إنني مهول لا عجول فلتأخذ راحتها ، هذه الشوحة رأت أناساً يشوون اللحم فخطفت من هذا اللحم إلى عشها ، وقطعة جمر بقيت متعلقة بقطعة لحم فأحرقت العش كله ، عادت إليه من توها ، فقالت : يا سليمان الحكيم ، ألم تقل لي قبل قليل إن الله مهول ، هاهو ذا عجول ، فلما سأل الله عز وجل قال قل لها هذا حساب قديم .

وقال لي رجل هل من المعقول أن يعاقبني الله على ذنب لم أفعله حتى الآن ، قلت : هذا العقاب جزاء ذنب قديم ، فيجب أن تؤمن بعدالة الله المطلقة :

عن قتادة قال: عقوبة بذنبك يا ابن آدم. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لا يصيب رجلا خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر".

ومرة كنت راكباً مع أخ في سيارته ، فتجاوّزَ حده مع سيارة فضربه فتوقعت من الذي ضربت سيارته أن يكون عصبي المزاج ويغضب ويعلو صوته فنزل ، ونظر إليه وقال له : اذهب ، وأنت مسامح ، فاستغربت والله ، وفوجئت بأن الحادث أدى إلى أضرار للآخر بهيكل السيارة والمحرك ، فلما رجع صاحبي إلى سيارته رأيت على خده دمعة ، قلت له : ما القصة يا فلان ؟ قال : والله : منذ سنة ضرب شخص سيارتي وفي سيارته نساء محجبات فكبر علي أن أزعجه وقلت له : سامحك الله . فربنا بعد عام عاملني كما عاملت ذلك الشخص وكال لي بالمكيال الذي كلت به لغيري .

يجب أن تبلغ درجة من اليقين أن اعمل :

" اعمل ما شئت فكما تدين تدان " .

البِرُّ لا يَبلَى والذنب لا يُنسى والديّان لا يموت ، اعمل ما شئت ، تكون باراً بوالديك فالله عز وجل يلهم أبناءك أن يكونوا بررة بك وإن تخدِمُ تُخدم ، " أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً " ، " أنفقْ أنفقَ الله عليك " ولا أعتقد إلا أن أكثر القراء لديهم من مثل هذه الوقائع والأحداث الكثيرة ، والعبرة منها كلها : أنه كما تدين تدان ، وكذلك اعمل ما شئت فإنك مجزي به .

وهذه الحادثة ذكرتها أكثر من مرة ، لكن أعيدها للعبرة الصارخة التي فيها : رجل عنده زوجة يحبها وتحبه يأكلان دجاجاً ، طُرق الباب فتحت فإذا سائلٌ يسأل ، فهمَّت أن تعطيه من هذا الدجاج فنهرها زوجها ومنعها أن تعطيه شيئاً ، وقال اطرديه ، نفذت أمره وطردته ، وتمضي السنون فتسوء العلاقة بينهما ويشتد الخصام ويطلقها، فتقترن بزوج آخر وتعيش معه حياةً سعيدة وبعد خمس أو ست سنوات ، وهي مع زوجها الثاني ، وتأكل دجاجاً كما كانت تأكل مع الأول ، طُرق الباب ، فذهبت لتفتح الباب فاضطربت ، قال زوجها : مالكِ ؟ قالت : سائل . قال : وليكن ، قالت له : أتدري من هذا السائل إنه زوجي الأول، قال : أتدرين من أنا ؟ أنا السائل الأول .

طبعاً هذه حكايات لكن نحن نقتنص ما بها من عبرة ، وأنا متأكد أنه لا يقع شيء في الأرض إلا وفق عدالة مطلقة ، فدائماً إذا سمعت حكاية أو حادثة فيها ظلم ، فسأنصحك هذه النصيحة قل لنفسك : لقد سمعت فصلاً أو عدة فصول من هذه الواقعة و بقي فصل لا أعرفه ، ولو عرفته لرأيت العدالة المطلقة ، فاعرف الفصل الأخير ، دائماً ولا تتسرع ، وتمهل ولا تحكم و قل : الله أعلم ، وكفى بربك بعباده خبيراً بصيراً ، الله يعلم ونحن لا نعلم .

و العوام لهم كلمات لا أحبها " إذا شفت الأعمى طبه مالك أرحم من ربه " لا أحبها ، لا تقولوها إطلاقاً ، ولا تعتقد أنه كُف بصره بسبب الظلم فارحمه وعاونه واخدمه وخفف عنه وهذا واجبك ، ولكن لا تعتقد حرمانه نعمة البصر من ظلم قدمه ، فالله عز وجل بيده الخير ، لكن ليس في الإمكان أبدع مما كان .

فاعلم علم اليقين أن الله عز وجل عدل في خلقه ، وعدلٌ في أمره وعدلٌ في فعله ، أفعاله كلها عادلة ، ولذلك أقول مرة ثانية : " ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله عنه أكثر " وشيء آخر :

(سورة الشورى)

(سورة الكهف)

وتقرأ عن زلزال أصاب البلدة الفلانية ، فلعلك تفهم الزلزال فهماً مادياً من أنه اضطراب القشرة الأرضية ، هذا الزلزال قوته ثمانية بمقياس رختر فأغادير في شمال إفريقيا كانت من أجمل مدن المغرب ، تقع على البحر الأطلسي لكن فيها من الفسق والفجور والنوادي العارية ، والملاهي الليلية ، ودور البغاء والفنادق الغارقة في الإثم حتى قمتها مما لا سبيل إلى وصفه ، فبمدة ثلاث ثوان أصبحت أغادير قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً . فاعتقدْ جازماً أن الزلزال بحكمة ولحكمة يريدها الله سبحانه ، قال تعالى :

(سورة النحل)

إذاً : فالله سبحانه وتعالى عدل في خلقه ، وعدل في أمره وعدل في فعله ونحن " المؤمنين " ينبغي أن نقف بين الإفراط والتفريط وأن نكون معتدلين في كل أفعالنا .

والحمد لله رب العالمين

في معنى اسم اللطيف

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الاسم التاسع عشر من أسماء الله الحسنى والاسم هو اللطيف ، وقبل أن نبدأ بتعريف هذا الاسم لابد من مقدمة قصيرة : فعندما يعرض الإنسان لمعالجة بحث فينبغي أن نعود إلى الأهداف الكبرى ، يحددها أولاً كأن يشير إلى : الهدف العام من بحثه ، وإلى الهدف الخاص ، لأنَّ الباحث أحياناً تَزِلُّ قدمه وينحرف عن الهدف الكبير ، وتشغله فروع البحث فتستأثر باهتمامه وينسى الغاية الأهم في معالجته للبحث المعني به ، وقد تضيع الفكرة الرئيسية على القارئ . ونحن هنا مع أحد أسماء الله الحسنى ، فالبحث هامٌ والغاية سامية , وحذرنا من الانسياق وراء الفروع قائم إن شاء الله .

إن شرف العلم من شرف المعلوم ، وهذه الحقيقة أكررها كثيراً في كتابي ، فإذا درست موضوعاً حقيراً أو تافهاً أو سخيفاً ، فهذه الدراسة ، وتلك التمحيصات والتحقيقات والمتابعات بجملتها سخيفة لماذا؟ لأنَّ الموضوع تافه و كلما شرُفَ الموضوع شرُفَ العِلم .

والسؤال المُلح دائماً : هل يُوازَن خالق مع مخلوق ؟ أو قديم مع حادث ؟ أو كامل كمالاً مطلقاً مع ناقص ؟ لا . وحينما يتعرف المرء إلى أسماء الله الحسنى يتعرف إلى خالق الكون ، وقد يَسأل سائل وما علاقتي بأسماء الله الحسنى ؟ فأقول الجواب أتى به رسول الله عليه الصلاة والسلام حين قال : " تخلقوا بأخلاق الله " .

قال تعالى :

(سورة البقرة آية 30)

فأنت أيها الإنسان خليفة الله في الأرض ، ولن تُحققَ هذه الخِلافة إلاّ إذا تخلّقتَ بأخلاق الله عز وجل ، فإذا عرفنا جانباً من أسماء الله الحسنى فينبغي أن نتساءل وما ما حظ المؤمن مِن معرفة هذا الاسم؟ وما حظه من معرفة اسم العزيز ؟ أقول : حظه أن يكون أنت عزيزاً ، وابتغوا يا عباد الله العزة عند الله .

عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاءِ لِمَا لا يُطِيقُ *

(أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد)

" ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير "

وإننا في الصفحات التالية نطوف حول اسم اللطيف ، والحقيقة التي أتمنى على كل إنسان أن تكون واضحةً في ذهنه ؛ هي أن هذا الكون كله في أصل خلقه خُلِقَ وسُخر للإنسان تسخيرين : تسخير تعريف وتسخير تكريم ، فالمرء قد يشرب الكأس من الماء ، فيروى العروق ويلتذ به الجسم ، ولكن هذا الماء خُلق لهدف أكبر من أن تشربه، خُلق لكي تعرف الله مَن خلاله ، فمَن جعل الماء لا لون له ولا طعم ولا رائحة ؟ ومَن جعله ذا خاصية عالية في النفوذ ؟ ومَن جعله يتبخر في درجة منخفضة جداً أي في الدرجة الرابعة عشرة ؟ ومَن جعله يحل المواد الكثيرة؟ ومَن جعله قِوام الخلية الحية ؟ إلخ ...؟

فإذا عرفت أيها الإنسان الله من خلال الماء فقد حققت الهدف الكبير من خَلْقِ الماء أما إذا شربت كأس الماء وارتويت به ثم أغلقت دون عقلك الأبواب فقد حققت الهدف الصغير ؛ فالهدف الكبير أن تعرف الله من خلال الماء و الهواء والطعام ، وأن تعرفه من خلال نفسك التي بين جنبيك ، وأن تعرفه من خلال ابنك ، ومن خلال كل شيء حولك ، هذا كله بينه النبي عليه الصلاة والسلام في حديث موجز قصير جامع مانع، حينما رأى الهلال فقال :

حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلالَ قَالَ هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا *

(أخرجه أبو داود)

إذا وقفت عزيزي القاريء أمام بائع أزهار وتأملت جمال الله عز وجل ، من خلال جمال الزهرة وتأملت هذه الرائحة الفواحة العَطِرة، ورأيت في الزهرة تناسق الألوان وأنت تعلم علم اليقين أن هذا الزهر لا يؤكل ، وإنما خُلِقَ خصيصاً لإمتاع عينك وأنفك ، إذاً هذا مِن إكرام الله عز وجل لك ، وإذا عرفته شكرته وعظمته .

لو قرأت كتاباً عن العسل وتملَّكك العجب العُجاب من هذه النحلة : تلك الحشرة الاجتماعية ، ذات النظام البديع ، في مجتمعها الذي هو أرقى من المجتمعات البشرية ـ وهذا كلام علمي ـ فأي مجتمع بشري ديموقراطي ، يعرف فيه كل مواطن ما له وما عليه ، من حقوق وواجبات ؟ إن النظام لدى مجتمع النحل دقيق جداً ، إذ لا ترقى إليه التنظيمات البشرية . إذ كل شيء في وقته وموقعه ومكانه وزمانه ، فأرقى المجتمعات البشرية لا ترقى إلى مستوى النظام الاجتماعي عند النحل والنمل .

أجل ، إذا قرأت كتاباً عن النحل ، وشعرت أن الخالق جلَّ وعلا أبدع في خلق النحل ، فأدركك الخشوع وربما انهمرت عينك بالدموع ، فأنت حققت الهدف الأكبر من خلق النحل ولو لم يكن دخلك يسمح أن تشتري شيئاً من العسل ، بينما الذي أكل العسل حتى امتلأت حجراته وخلاياه منه ولم يفكر في هذه المادة التي أكرَمَ الله بها الإنسان عطّلَ الهدف الأكبر واستفاد من الهدف الأصغر .

إذاً اتفقنا على أن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى .. وما دمنا نطوف حول اسم اللطيف، فهل ترى في الكون ما يدل على أنه لطيف ؟ .. نعم فالهواء يحيط بنا من كل جانب ، نستنشقه ، ولو حركناه لشعرنا بوجوده ، يحمل طائرة وزنها ثلاثمائة وخمسون طناً ، منها مائة وخمسون هيكل الطائرة ، ومائة وخمسون الوقود ، وخمسون الركاب مع الحاجات ؛ فالهواء يحمل ثلاثمائة وخمسين طناً فهو إذاً شيء عجيب جداً.

وحينما تدخل المركبةُ الفضائية في الغلاف الجوي تصبح كتلةً من اللهب لاحتكاكها به ، ومع ذلك إذا كنت على سطح الأرض فالهواء لا يُرى وليس له صوت إذا كان ساكناً ، فهو موجود وكأنه غير موجود فلا يحجب الرؤية ، وترى أخاك من خلاله ، وتسمع صوته ، إذاً الهواء لطيف ، وربنا عز وجل يقول :

(سورة الشورى)

(سورة الملك)

اسم اللطيف له معانٍ كثيرة ، أحد هذه المعاني أن الشيء الصغير الذي لا يُحس به لصغره يسمى لطيفاً ، يعني مثلاً ائتِ بين يديك جهاز راديو ، أدر مؤشره إلى إذاعة من الإذاعات، تستمع إلى نشرة الأخبار ، فالكلام أين هو ؟ إنه موجودة في الجو المحيط ، وبهذا الجهاز اللاقط التقطها ، فهل تستطيع أن ترى بعينك موجات الإذاعة ؟ لا تراها بعينك ، ولا تسمعها من دون جهاز استقبال ؟ وهل لها وزن ؟ لا ، وهل لها رائحة ؟ لا ، إذاً موجات الإرسال لطيفة ، وموجودة ، والدليل استماعك للجهاز الذي بين يديك ، فإذا أزحت عنك الجهاز فإنك لا ترى شيئاً ، ولا تسمع شيئاً ولا تشم شيئاً ، إذاً هذا الإرسال موجود ولكن بلطف ، وسأُقرّب الأمثلة لأفهام القراء الكرام :

الإرسال موجود لكن بلطف ، والهواء موجود لكن بلطف ، أما الهواء إذا تحرّك بسرعة تزيد عن ثمانمائة كيلو متر في الساعة ، فهذا الإعصار لا يُبقي شيئاً على سطح الأرض ، وقد قرأت عنه في أمريكا بأن إنساناً هناك له فيلا ، أي دار فخمة جداً ، وله سيارة من الوزن الثقيل وأصاب هذه المدينة إعصار ، فعثر على محرك سيارته بعد خمسة كيلو مترات من داره ، ولم يجد لا للدار ولا للمركبة أي أثر ، وهذا نتيجة حركة الهواء ! أما إذا سكن فلطيف جداً ، إذ لا تراه بعينك ، وليس له رائحة ، ولا صوت ولا حِس .

إذاً معنى اللطيف بالمعنى اللغوي الشيء الصغير الذي لا يُحس به لصِغره ، و هذا الشيء الصغير الذي لا يُحس به لصِغره يُسمى لطيفاً ، وهذا الماء ، لو أخذت منه نقطة من الكأس ووضعتها تحت المجهر ، وكبَّرْت النقطة مئات المرات لرأيت فيها عشرات بل مئات بل ألوف الكائنات الحية ، بينما يبدو أمامك ماء صافياً عذباً فراتاً رائقاً . لكن الكائنات التي فيه غير الضارة ، وهي كائنات لطيفة ، وما معنى لطيفة ؟ أي هي من الصِغر بحيث لا تراها من لطفها، فهذا معنىً من معاني لطيف .

ثم إن الهواء لطيف أي موجات الإرسال لطيفة ، بلا رائحة ولا صوت ولا حس وغير مرئية ، وهذا معنى آخر أيضاً . والكائنات الحية في هذا الكأس من الماء لطيفة ، وإذا قلنا الله لطيف بعباده ، فالله عز وجل معك يسمع صوتك ، ويعلم ما في قلبك ، و ما في رأسك من أفكار من وطموحات ، و صراعات ، و آراء ، ومعتقدات ، و تصورات و تخيلاّت ، ويعلم ما في قلبك من هموم و متاعب وآلام و ضغوط من خوف ومن قلق ، ومع ذلك وجوده معك ليس ثقيلاً ، تصوّر لو أن إنساناً لازَمَ إنساناً .. جلس فجلس معه ، مشى فمشى معه ، دخل إلى بيته فدخل معه، أكل فأكل معه ، فإن بقي يلازمه خمسة أو ستة أيام يخرج من جلده ، ويقول له صائحاً : إليك عني ، انصرف بعيداً ، وقد رأينا أنه لم يتكلم بأية كلمة ، ولم ينتقد ، ولم يعترض ، ولم يطلب منك مطلباً ما ؛ إن ذلك الشخص بملازمته لك عبء عليك ، لكنك تعلم أن الله معك دائماً، ولكن لا تُحِس بوجوده ، فوجوده غير ثقيل عليك قال تعالى :

(سورة الحديد)

(سورة المجادلة)

يعني كلمة لطيف ، أن الله عز وجل من اللطف بحيث لا تراه ولا تسمعه ولكن تراه بعقلك ، وهذا أحد المعاني لكلمة لطيف ، لهذا جاء في الحديث الصحيح :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ : الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ ، قَالَ : مَا الإِسْلامُ ؟ قَالَ : الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، قَالَ : مَا الإِحْسَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ .

" اللهم اجعلنا نخشاك حتى كأنا نراك "

إذاً : المعنى الأول أن الشيء الصغير الذي لا يُحس به لأنه بعيد ، لدقة صِغره يسمى لطيفاً ، ولما كان الله سبحانه وتعالى منزّهاً عن الجسمية ليس بجسم ولا صورة ولا متبعض ولا متجزّئ ولا متحيّز وكل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك ، لا يُسأل عنه ؛ متى كان ؟ لأنه خالق الزمان ولا أين هو ؟ لأنه خالق المكان ، فالله عز وجل منزّه عن الجسمية والتحيز والجهة . أين الله ؟ هنا فوق ، يمين ، وراء ، يسار ، أمام ، في كل مكان مع كل شيء ، لكن لا كشيء في شيء ، محيط بكل شيء علماً مع كل شيء وفوق كل شيء وإلى جانب كل شيء ولكن لا يجوز أن تشير إليه بجهة ، ولا أن تنسب إلى الله الجهة ولا الحيز وما معنى الحيّز ؟ مثلاً هذا الكأس يشغل حيزاً في الغرفة ، وله وزن وارتفاع و قُطر وقد حجز على الطاولة مكاناً ، و في الفراغ مكاناً وله وزن ؛ هذا هو الحيز ، فربنا عز وجل ليس بمتحيز ، أي لا يشغل حيزاً وليس له جهة يُشار إليها وليس له مكان ولا زمان ولما قال عز وجل :

(سورة الملك)

أي وجاء أمر ربك ، أي حينما يأتي البلاء . وأحياناً يكون الإنسان مُنحرفاً ، مُسرفاً ، يأتي كل يوم كاليوم السابق صحة وطعاماً وشراباً ومكانة اجتماعية ، وقوة وطغياناً وسيطرة ، ولكن فجأةً يأتيه مرضٌ عُضال لا يرى ، أو قد يشعر بآلام شديدة في صدره أو في يده اليسرى مثلاً ، فنقول وجاء ربك ، يعني وجاء أمر ربك .

إذاً إذا قلت الله لطيف يعني الله عز وجل لا يشغل حيّزاً وليس له جهة ، ولامكان ، ولا زمان ، وليس بجسم ولا صورة ، ولا متبعّض ولا متجزّئ ولا متحيّز ، إلى آخر هذا التعريف .

ولما كان الله منزّهاً عن الجسميّة والجهة لم يحس به فأطلقوا اسم الملزوم له على اللازم، فوصفوا الله تعالى بأنه لطيف بمعنى أنه غير محسوس ، وكونه لطيفاً بهذا الاعتبار ، فهذا الاسم من صفات التنزيه أي سبحانه أن يكون له جسم ، أو أن يكون متحيّزاً ، أو أن يَشغُل مكاناً، سبحانه أن يُحيط به زمان ، سبحانه .

إذاً : اسم اللطيف من أسماء التنزيه ، فهو معك لكن بلا شعور، لا تُدرِكُه الأبصار لأنه لطيف وهو يُدرِك الأبصار ، رآك ، والدليل الصارخ : مع كل واحد منكم دليل .

وأحياناً تعمل عملاً لا يُرضي الله فتُحاسب عليه بعد قليل حساباً عسيراً ؛ إذاً رآك ، وأحياناً تفكر في عمل لا يُرضي الله ، تجد الله عز وجل قد عاقبك ، لأنه عَلِمَ ما في نفسك ، إنه لطيف لا تُحِس بوجوده ، فوجوده ليسَ ثقيلاً عليك ، لكنه موجود ، يَحولُ بين المرء وقلبه ، ويعلم السر وأخفى ، و معنى وأخفى ، أي وعَلِمَ ما لم يكن لو كان وكيف كان ويكون فإن كان دخلك ثلاثة آلاف في الشهر وأنت مستقيم ، فيبارك الله لك فيه ، أمّا هناك من دخله يساوي عشرين ألفاً ، دونما استقامة ولا تقوى ، أو قل إن دخله مائة ألف في الشهر فلا يكفيه، إنه يعلم لمَ وكيف ، وماذا ، وعلامَ ، وهذه أحوالك أيها الإنسان فيعلم الله دون أن تراه ، فالله لطيف ، ولطيف اسم تنزيه ، وفي الوقت نفسه لطيف لكنه موجود معك ، فخواطرك ومشاعرك وأحاسيسك وطموحاتك وصراعاتك وآلامك ، وضيق نفسك كله معروف عنده لكن من دون أن تشعر به .

إن المؤمن ما دام يَعبُد الله وكأنَّ الله يراه فإنه يكون متأدباً حتى ولو كان وحده ، وهو لا يرى الله بعينه لكنه يراه بعقله ، وصحيح كلام العوام الذي يُقال كل يوم " يا أخي الله ما نشاف لكن بالعقل انعرف" فالمؤمنون وهم في فرشهم يتأدبون مع الله عز وجل ، إذ يلاحظ أحدهم ثيابه كاملة ، ويحب أن تكون حركته كلها أدباً ، حتى إذا دخل الخلاء له دعاؤه ، وحتى إذا دخل الحمام له موقف فيه أدب ؛ لأن الله يراقبه ، والواقعة التالية إن صحّت فلا ينبغي أن يُستنبط منها حكم نلتزم به : فأحد العارفين كان ماداً رجليه ، فسمع في قلبه نداء : يا فلان أهكذا تجالس الملوك ، فنذر ألا يمد رجله ما عاش ، هذه درجة عالية جداً جداً من الشعور بأن الله معك .

وأحد الصحابة يقول والله منذ صافحت يد النبي عليه الصلاة والسلام ، ما مست يدي ذكري طول حياتي إكراماً لهذه المصافحة ، فكلما ارتقى إيمانك تشعُر أنَّ الله معك .. " يا موسى أتحب أن أكون جليسك ، فصعق ثم قال : وكيف هذا يا رب ، قال : أما علمت أنني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني "

وبعد ، فكم من مصلٍ يقول : سَمِعَ الله لمن حمده ، فهل عرفت معناها ، يعني يا عبدي أنا أسمعك ، فاحمدني ؛ فإن قلت : سمع الله لمن حمده ، فأنا أسمعك وأصغي إليك ، .. أين هو ؟ فلذلك إذا صليت فاعلم أنك بين يدي الله عز وجل ، والسيدة عائشة تقول كان النبي يحدثنا ونحدثه، يجالسنا ونجالسه ، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه ، وهذا ما يجب أن يكون عليه كل مسلم .

ترى الإنسان يعتني بمظهره عناية مطلقة إذا دعيَ لمقابلة مسؤول مثلاً وهو إنسان مثله، يموت ويجوع ويعطش ويتعب ويغضب فكيف إذا وقف بين يدي الواحد الديّان ؟ فليعلم أن الله لطيف ، موجود ولكن لطيف ، وجوده لطيف وليس ثقيلاً ، هذا المعنى الأول .

المعنى الثاني : اللطيف هو العالم بدقائق الأمور وغوامِضِهِا ويُقال فلان لطيف اليد إذا كان حاذقاً في صنعته ، ومهتدياً إلى ما يشكل على غيره ، وعلى هذا التفسير يكون الله لطيفاً بمعنى عليماً .

و قد تفهم الأمر بشكل ظاهري لا بخباياه ، ولا بخلفياته ، ولا بتحليلاته العميقة ، ولا بالدوافع الخفية لهذا الأمر ، فالإنسان كلما ارتقى عِلمُه يفهم البواطن ويفهم السِرّ ، و مابين السطور ، بل يفهم الدافع الحقيقي

أضرب مثلاً بأشخاصٍ غير مستقيمين : في أيام الشتاء جاءت صديقة زوجته ، وهو جالس في غرفة الجلوس والمدفأة مشتعلة ، فقال لها ولزوجته : تعالين إلى هنا ، أدفأ لَكُنَّ ، وهل حقاً أدفأ لَهُنَّ ؟ أم له هدف أبعد من ذلك ، أن يطّلِعَ على هذه المرأة صديقة زوجته ، من يعلم هذا الشيء ؟ الله عز وجل يعلم السر وأخفى .

وما معنى لطيف يعني يعرف دوافعك الحقيقية ، وهذه المواقف الملتوية و السِرَ ، والحِكمَة ، وهو الذي يعلم دقائق الأمور ، وبواطِنها و خلفيات الأشياء ، وحقيقة كل أمرٍ ، ويعلم ما خَفِيَ على معظم الناس . يقولون : لقد دخل رجل يوماً إلى بيت وارتكب الفاحشة مع امرأة وخرج ، فلما علم الزوج تَبِعَهُ وهو في أشدِّ حالات الغضب ، فهذا المُلاحق أمسك كفَّه عدس ورماه به وقال له : خذه فالعوام قالوا : الذي يعرف يعرف ، والذي لا يعرف ما الذي حدث يقول: كف عدس ، يعني أنه يلحقه من أجل كف عدس .

الأمر أعمق من ذلك ، أحياناً يكون قضية معقدة جداً ، والإعلان عنها سهل ولكنها أخطر من ذلك .

فالذي يعلم بواطن الأمور ودقائقها وخفاياها ، ومؤدياتها ومضاعفاتِها وما ينجم عنها وما أساسها ، وما سِرُّها ، وما أسبابها الحقيقية هو اللطيف هذا معنى ثان ، يعني اسم اللطيف هنا بمعنى الذي يعلم كل شيء مهما دق وخفي .

فحجر في الطريق يمكن أن تكون تحته نملة صغيرة ، ولها سراديبها و قوتها و مؤونتها .

وفي البحر بين طرطوس وأرواد عشرة كيلو مترات فكم من السمك هناك وما أنواعها ؟ إنك لا تعرف ، أما الذي يعلم كل شيء ومهما دقَّ ومهما جلَّ فهو الله عز وجل ، فاللطيف هو الذي يعلم دقائق الأشياء ، وهذا هو المعنى الثاني .

المعنى الثالث : اللطيف هو البَرُّ بِعِبَادِه الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون ، ويهيّء مصالحهم من حيث لا يحتسبون ، فاليوم حر شديد مثلاً ، فربنا عز وجل يهيّء لأهل هذه البلدة إنضاج فاكهتهم ، وهم لا يعرفون ، وبعد شهر ترى هذه الفاكهة معروضة في الأسواق بوضع جيد وجميل وطعم طيب ولذيذ ، فمن أنضج هذه الفاكهة طَوَال هذه المدة ؟ الله عز وجل ، إنه لطيف بعباده ، فساعة حر ، وساعة برد ، وساعة ماء غزير ، وساعة ماء قليل ، وأنت لا تدري فاللطيف بعباده هو البَرُّ بهم والذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون ، ويهيّء مصالحهم من حيث لا يحتسبون ، ومن قول الله عز وجل : " اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ " ومنه يأتي المعنى الثالث أي البر بعباده .

لكن المعنى الرابع وهو من أروع المعاني التي قالها الإمام الغزالي ، أن اسم اللطيف الذي يعلم دقائق الأمور وينقل عبده من حال إلى حال بلطف عجيب .

فهذا الطفل الصغير يجب أن يُغيّر أسنانه ، لأنه لو نبتت له أسنان نهائية ثابتة وفمه صغير جداً ، فمنظره بشع ، فأسنانه كبيرة والفم صغير ، ولو نبتت له الأسنان وهو يلتقم ثدي أمه فيمكن أن يؤذيها أذى مؤلماً لا تحتمله ، فهذا الطفل يكون في السنة الأولى بدون أسنان ثم أسنان لبنية ، ومن بعد ، ربنا عز وجل يُبدّل لهذا الطفل أسنانه ، فالله لطيف ، ولا يوجد طبيب في الأرض يستطيع أن ينزع سناً لطفل من دون أن يبكي ، حتى أن حقنة المخدر مؤلمة جداً ، فيبكي منها و لكن ربنا عز وجل يذيب هذا السن شيئاً فشيئاً ثم يأكله الطفل مع اللقمة ولا يشعر بشيء ، فمعنى لطيف كما قال الإمام الغزالي : " هو من يعلم حقائق المصالح وغوامضها ثم يسلك في إيصالها إلى مستحقها سبيل الرفق دون العنف ".

وأحياناً قد يُكرِهُك الله على شيء ما ، ليس فجأةً بل بالتدريج خلال خمس سنوات مثلاً ، وتأتيك منه بعض المتاعب ، أزاح منك بالمائة خمساً من محبته وبعد أسبوعين تأتي متاعب جديدة فيزاح بالمائة عشر ، و بعد أسبوعين متاعب جديدة بالمائة خمس عشرة وبعد شهرين أو ثلاثة تقول زهقت روحي ولم أعد أطيق ذلك ، فهناك شيء غير صحيح قد تعلقت به ، فربنا عز وجل نزعه منك شيئاً فشيئاً بلطف .

على هذا النحو تم تحريم الخمرة ؛ إذ كان العرب متعلقين بها تعلقاً شديداً ، فلو أمرهم أن يتركوا الخمرة بآية واحدة فربما ارتدَّ بعضهم، أو نصفهم عن الإسلام ، لكن الله لطيف ، قال :

(سورة النحل)

فقط .. ألطف إشارة إلى أن الخمر هي رزق ولكنه ليس حسناً، فقال : تتخذون منه سَكَراً ، مادة مُسكِرة ، ورِزقاً حسناً : تظنون أنه حسن وهو مسكر فليس بحَسَن ، هذه أول إشارة. وبعد ذلك قال :

(سور النساء آية 43)

يعني إن شربْتَ فلا عليك ولكن دعه عند الصلاة ، وبعد ذلك قال :

(سورة البقرة)

المنافع للذين يتاجرون بها ويعيشون على دخلها ، ثم يقول الله عز وجل :

(سورة المائدة)

فهو سبحانه لطيف حرّمَهَا بالتدريج ، وكذلك قد يذهب شاب إلى الجامع فيسمع درساً ووعظاً ، فيقول : والله إنه درس جميل ، وأريد أن أداوم عليه و يكون على عشرين أو ثلاثين معصية ، وربنا للطفه لا يذكره بها كلها ، لكن الله اللطيف يذكره بواحدة منها بين الحين والحين . هذه حرام وهذه حرام ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، لقد كنت جاهلاً ، فلعله يتركها ؟؟ ولو أعطيناه القائمة بالمعاصي كلها لترك الدين كله ، ولكن اللطيف تدرج به واحدة واحدة ، وبعد ستة أو ثمانية أشهر ، ترك هذه وهذه وهذه ، وربنا يُسخِّر لَهُ شخصاً يُذكِرُهُ بالأشياء بلطف ، فهذه حرام يا أخي وهذه لا يجوز أن تأتيها ، وهذا اللقاء لا يجوز ، و هذا البيع فيه شبهة وهذه البضاعة لا يحل الإتجار بها فهي محرمة شرعاً . أتتاجر بطاولات نرد ؛ فإليك حديث النبي صلى الله عليك وسلم فيها :

عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ *

(أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد)

وبالتدريج ربنا يعالج الأمور ، فربنا لطيف في العلاج ، والإنسان أحياناً يغلب رجاؤه على خوفه ، وربنا لطيف يخوفه ، وأحياناً يغلب خوفه على رجائه وربنا لطيف يطمئنه .

العلم الدقيق مع التدريج في العمل ، هذا هو الاسم الجامع المانع لاسم اللطيف ، ويستحقه من يعلم حقائق المصالح وغوامضها ثم يسلك في إيصالها إلى مستحقها سبيل الرفق دون العنف ، حين يجتمع له هذا العلم . وإليك مثلاً : إن الوالد إذا ارتكب ابنه مخالفة للشرع أو للأخلاق، فيمكن أن يعاقبه بعنفٍ وقسوة ، ولكن الأجدى أن يتابعه ويراقبه ويشجعه ويكافئه ويعاقبه ويعرض عنه ويراوح في كل ذلك ، وبعد شهرين أو ثلاثة يستقيم طواعية وقناعة ، فأنت نقلته من حال التلّبُس بهذه المخالفة إلى حال التوبة منها بطريقة لطيفة من دون أن تُحطِمُهُ ، أو تجرحه، أو تَسحَقَهُ ، أو ترضَّه رضاً ودون ألم وعنف ، والمربي المؤمن لطيف ، ينقل من يعالجه ويربيه من درجة إلى درجة بالرفق واللطف .

دخل رجل إلى المسجد فأحدث جلبة وضجيجاً وَشَوّشَ على المصلين يريد أن يلحق مع الرسول ركعة ، فلما انتهى قال عليه الصلاة والسلام لهذا الذي أحدث جلبة وضجيجاً ، زادك الله حِرصاً ولا تعد ! لقد ترفق به ، ولذلك فإن الله رفيق يحب كل رفيق .

وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ، وعلموا ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف .

ومن لطف الله بعباده ، أنه أعطاهم فوق الكفاية ، وكلّفهم دون الطاقة خمس صلوات كل صلاة ثلث ساعة ، عشرون دقيقة بخمس صلوات أي مائة دقيقة ومجموعها ساعة وثلثان من أربع وعشرين ساعة، ولو كلّفَكَ بخمسين صلاة لما استطعت ! ثلاثين يوماً صياماً في السنة فلو كلفك ستة أشهر صياماً متتابعة لما أطقت .

الله لطيف بأوامره ، لطيف بخلقه ، فلو كانت هذه التفاحة تحتاج إلى منشار ومجموعة أدوات عند النجار لَشَق الأمر على الناس جميعاً ، فأنت بسكين تأكلها ، ولو كانت البيضة تحتاج إلى مفتاح ولم تجد المفتاح لقست الحياة وأتعبت أهلها ، لنك على طرف الصحن تكسرها .

عنقود العنب تريد أن تسحبه نحو الأسفل فينسحق بيديك ، ولكن بالعكس له مفصل ، الله لطيف ، إذا عملت حركة معاكسة باتجاه العنقود يصير بيدك ، تُمسك الدراقة فتصبح بحركة في يدك ، فربنا عز وجل لطيف ، الفاكهة لها طعم ولها شكل ولها قِوام مقبول مع الأسنان ، ولو كانت التفاحة بقِوام الصخر تماماً فما الطريقة إلى أكلها ؟ إننا نحتاج إلى مطحنة بحصٍ كي نصنع عصير تفاح ، إذ لا نقدر على أكلها ، فالتفاحة قِوامُها هشّ ممكن أن تأكلها بسهولة .

الذي دبّرَ الأمور هو الحكيم والذي أوجدها هو الجواد والذي رتبها هو المصوّر ، والذي وضع كل شيء في موضعه هو العادل ، أما الذي لم يترك فيها دقائق إلا وعرفها فهو اللطيف ، واللطيف هو الذي أعطى العباد فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة ، واللطيف الميسر لكل عسير الجابر لكل يسير ، واللطيف من وفق للعمل في الابتداء وختمه بالقبول في الانتهاء ، واللطيف هو الذي وليَ فستر ، وأعطى فأغنى ، وأنعم فأجزل ، وعلم فأجمل .

أما حظ العبد من هذا الاسم فهو الرِفقُ بعباد الله واللطف بهم في الدعوة إلى الله .

(سورة طه)

دخل أحدهم على ملك وقال له سأعِظُكَ بِغِلْظَة ، قال له ولِمَ الغِلْظَة يا أخي لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني أرسل موسى وهارون إلى فرعون فقال لهما فقولا له قولاً ليناً .

فإذا عرفت شيئاً سيئاً فاستره وكن لطيفاً ، وإذا تحركت نحو فعل شيء فكن بهذه الحركة لطيفاً ، وإذا أردت إحداث شيء فاجعل لهذا الشيء برنامجاً لا يُثقل على صاحبه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان في قمة النشوة في صلاته مع ربه ، ووراءه أصحابه ، فسمع بكاء طفل صغير ، فعلى غير عادته قرأ آية قصيرة رحمة بهذا الطفل واختصر الصلاة وسلّم ، فإذا دعوت إلى الله عز وجل فكُنّ لطيفاً وكن ليناً وكُنْ رحيماً وقال بعض المحققين : العارف إذا أمر بالمعروف أمر برفقِ ناصحٍ لا بعنفِ معسرٍ ، وكيف وهو مستبصر بسر الله تعالى .

وخلاصة بحثنا أن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض ما ورد عنه يقول " تخلقوا بأخلاق الله " ، فإذا كان الله لطيفاً في علمه ، لطيفاً في وجوده ، لطيفاً في تصرفاته فكن أنت أيضاً لطيفاً .

والحمد لله رب العالمين

* * *

في معنى "البارئ /المصور

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الاسم الثامن عشر من أسماء الله الحسنى ، ألا وهو "الباريء المصور " إذ حديثنا في الصفحات السابقة عن اسم الخالق الذي ورد في القرآن الكريم مقترناً مع اسم البارئ والمصور ، فقد دَرَجَت الكتب التي تتحدث عن أسماء الله الحسنى على أن تشرح الأسماء الثلاثة معاً في سياق واحد ، وقبل أن أنتقل إلى اسم الله البارئ المصور لابد من وقفة قصيرة مع اسم الخالق فتتساءل كيف يقول الله عز وجل :

(سورة المؤمنون)

وكيف يقول في آية أخرى :

(سورة فاطر)

في الآية الأولى يُثبت الله عز وجل أن هناك خالقين كثيرين لكن الله أحسنهم ، وفي الآية الثانية يقول هل من خالق غير الله ؟ هو ينفي عن طريق الاستفهام الإنكاري أن يكون في الكون خالق غير الله .

فالإنسان حينما يقرأ القرآن قراءة أولية ، ولا يتعمّق في العلم ولا يسأل أهلَ الذِكر ، وحينما يقف عند آية من الآيات المتشابهة ولا يحاول أن يسأل عنها فقد يشعر أن في القرآن تناقضاً ، ولذلك فهؤلاء الغربيّون أو المستشرقون الذين درسوا ما في الشرق من أديان ومن ثقافات ، هؤلاء قالوا إن في القرآن تناقضاً ، وهذه نظرة ساذجة أولية لا تقف على قدميها ، فالعلماء المحققون قالوا : " إذا قال الله عز وجل : تبارك الله أحسن الخالقين " يعني ؛ أي إنسان أخذ مواد أولية من الأرض وصنع منها شيئاً ، وعُزي الخلق عندئذٍ إلى الإنسان ، فتعريفه كما يلي :الإنسان خالق إذ يصنع من شيء موجود شيئاً على مثال سابق "، فإذا قلت " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ "، فهؤلاء الذين يصنعون نماذج في بعض محلات الألبسة ، ويضطرون إلى صنع تماثيل يضعون عليها الألبسة ، فهذا التمثال إن كان من شمع أو من جِبس أو من أية مادة ، اجعله إلى جانب إنسان من لحم ودم ولاحظ الفرق بينهما فهذا إنسان فيه حياة وله فكر وقلب ومشاعر وهو ذكي يستنبط ويحاكم ويفكر ويتفاعل ويغضب ، ويخاف ويرجو وله أوعية وشرايين وأعصاب ، وعضلات ودماغ وجهاز عصبي ، فإذا وازنت بين من يصنع هذا التمثال كي توضع عليه الألبسة ، وبين من يخلق هذا الإنسان من لحم ودم ، فقُل " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " .

وإذا رأيت وردةً طبيعية تفوح برائحة زكية ، فأنت تشعر أن قلبك قد هفا إليها ، وإن باقة ورد تُضفي على المكان أنساً وفرحاً وسروراً ، وإذا دُعي الإنسان إلى عقد قِران رأى الأزهار . وهذه النباتات الطيبة الرائحة بألوان مختلفة دقيقة جداً ، ولا تعرفون قيمة التلوين إلا من خلال صنع الحكيم .. فالفراشات والأزهار هي الأساتذة لمهندسي التلوين ، فلو نظرت إلى مركبة حديثة جداً ، فإنك تجد ألوانها مقتبسة إمّا من زهرة أو من فراشة ، يقول العوام " هذا أصفر غير راكز " وهذا لون زهر جميل جداً بينما يمكن تدريج اللون الواحد إلى ثمانمائة ألف درجة والعين البشرية تفرّق بين كل درجتين ، وإذا وضعت في بيتك ورداً صناعياً ، فبعد أسبوع تضيق ذرعاً به ، ولا أعتقد إنساناً إلا بعد فترة أمسك بهذا الورد ووضعه في سلة المهملات ، إذ لا يحتمله ، رغم منظره الجميل وحجمه الكبير وألوانه الزاهية فالفرقٌ كبيرٌ بين الورد الطبيعي والورد الصناعي ، وانظر إلى عين صُنعت لتكون وسيلة إيضاح، و إلى العين البشرية ، ففيها مائة وثلاثون مليون عصية فالعصب البصري مؤلف من تسعمائة ألف عصب ، فوازن بين آلة تصوير وبين العين ، فالعين الواحدة في الثانية تلتقط عشرات الصور ولابد من أن تمحى الصورة الأولى لتأتي مكانها الصورة التالية ، و لو أن الصورة تنطبع في العين وتبقى فالرؤية تستحيل كما أنها ترى الحركات والسكنات حتى إن الذي اخترع السينما ، قامت لديه على مجموعة صور تُعرض تِباعاً في زمن قصير بحيث تتوهم أنها متحركة، لا . إنما هي صور ثابتة وجامدة ، فكذلك العين لابد من أن تنطبع هذه الصورة على الشبكية أولاً ، وبعد ذلك تُمحى وتأتي الصورة التي تليها وهناك عتبة للرؤية ، وهذه العتبة تُريكَ الأشياء متحركة ، فإذا وازنت بين العين وبين آلة تصوير ، وبين وردة طبيعية و وردة صناعية وتمثال من شمع وإنسان حقيقي فمجال الموازنة كبير جداً ، فإذا أردت أن ترى صنعة الإنسان فلاستخراج خمسة إنشات من الماء حينما تكون في بستان تسمع صوت المحرك يصم الآذان ، أما حينما يهطل المطر مدراراً بكميات كبيرة جداً فلا صوت ولا صخب ، قال ربنا عز وجل :

(سورة النمل)

فالجبال تمر في سرعة السحاب بلا صخب ولا ضجيجها ، فإذا قرأت قوله تعالى :

(سورة المؤمنون)

إذا فلا غرابة أن يسمى الإنسان خالقاً لأنه صنع من شيء موجود شيئاً على مثال سابق، فإذا قلت " هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ؟! " تفهم من هذه الآية أنه إذا عُزي الخلق إلى الله فالمعنى أن يخلق الله شيئاً من لا شيء على غير مثال سابق ، وشتان بين الخلق على غير مثال سابق وبين من دأبه التقليد على مثال سبق ، وعند الله لحم ودم وعظم وعصب وروح ، وعند الإنسان صناعة متينة .

فليس في الكون كله إلا الله يستطيع أن يصنع شيئاً من دون شيء على غَيرّ مثال سابق، أما إذا قلت الإنسان يخلق لشيئاً فتجد حقيقته واضحة في قول الله عز وجل :

ِ

(سورة آل عمران من الآية 49)

أجل . كهيئة الطير وليس طيراً ، ومن طين ، لا من لحم ودم وروح ، إذاً لا تناقض بين الآيتين إذ قال تعالى في الأولى : " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " بينما قال تعالى في الثانية : " هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ " .

ولكن الشيء الذي يلفت النظر وسبق لي أن أوضحته أن في القرآن الكريم كلمات إذا جاءت مجتمعة فلها معنى ، وإذا جاءت منفصلة عن بعضها فلها معنى آخر ، مثلاً : الفقراء والمساكين ، هاتان الكلمتان إذا اجتمعتا تفرقتا ، وإذا تفرقتا اجتمعتا ، أي إذا ذكر الله في القرآن كلمة المساكين فقط ، فالمقصود عندئذٍ : الفقراء والمساكين ، أما إذا ذكر كلمة الفقراء والمساكين معاً فالفقراء صنف والمساكين وبناءً عليه إذا وردت كلمة خالق وحدها معزوّة إلى الله عز وجل فهو الذي يوجد من العدم على غير مثال سابق ، أما إذا قال الله عز وجل : هو الله الخالق البارئ المصور ، صار " الخلق " هو التقدير ، و" البَرء " هو الإيجاد من عدم و " التصوير " إعطاء الصورة .

وبعد ، فقد يسأل سائل : ما علاقتنا بهذه الأبحاث المتعلقة بأسماء الله الحسنى ؟ إنه وقت مناسب جداً لأن أجيب على هذا السؤال ، فالإجابة : أنك إذا عرفت أن الله خالق فقط ، فهذا تعرفه العامة كذلك إذ لو سألت عامّةَ الناس : مَن خلق الكون ؟ لقالوا : الله ، ولكن لو سألتهم: ماذا تعرفون عن الله ؟لوجموا ، وهذا ما لابد من بحثه . فأن تعزو خلق الكون إلى الله ، هذه قضية أقرَّ بها إبليس ، والدليل قال :

(سورة ص)

فاعترف إبليس أن الله رب وعزيز ، ولكن الاعتراف والإقرار لا يكفي ، بل المهم هو: ماذا تعرف عن الله عز وجل ؟ وبذلك يظهر إيمانك بالله ودرجة إيمانك به ، ولدينا مقياس دقيق وصائب، فهذا الإيمان إذا حملك على طاعة الله فهو كاف كي تنجو به من عذاب الله ، أجل إذا حَمَلَكَ إيمانُكَ على طاعة الله فنَمّ قرير العين واطمئِن لأنه ينجيك أما إذا كان بحجمٍ لا يكفي أن يحمِلَكَ على طاعةِ الله فلذلك الضلال المبين أقول لكم كما قال عليه الصلاة والسلام :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ لَوْ أَنَّ عِبَادِي أَطَاعُونِي لأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ وَلَمَا أَسْمَعْتُهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ اللَّهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا قَالَ أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ *

(انفرد به أحمد)

إذاً ، إذا اكتفيت أيها القاريء الكريم بمعرفة الله فالطريق أمامك لازال طويلاً ، وليس المهم أن يعرف المرء ربه ولا حجم هذه المعرفة بل المهم مردودها ، والمردود هو الطاعة لله عز وجل ، ولذلك قال بعض العلماء :

(سورة فاطر من الآية 10)

" إليه يصعد الكلم الطيب ما الذي يجعله يصعد إلى الله عز وجل ؟ بالعمل الصالح الذي يرافقه ، فلو أن الكلم الطيب خلا من عمل صالح لما صعد إلى الله عز وجل " .

إذاً : فالذي يرفعك هو عملك الصالح ، وعملك الصالح أساسه حجم معرفتك ، فمن الممكن أن نُعطي الإيمان كما يقولون حجماً مادياً لنتبيّن الحقيقة ، فلو وضعنا الإيمان في كفة ، ووضعنا الشهوات في كفة ورجحت كفة الشهوات فالإيمان لا يكفي ، والصِراع قائم لا محالة .

وربنا عز وجل حينما وصف النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(سورة القلم)

فالنبي متمكّن من أخلاقه ، وقد انعدم أي صراع لديه ، أما إذا كان حجم إيمانك بحجم شهواتك ، أو كان وزن الإيمان الضاغط عليك كوزن شهواتك الضاغطة عليك ، أي كان الوزنان متساويين فقد دخلت في الصِراع بينهما حتماً ، أما إذا كان حجم إيمانك أكبر فتنجو من الصِراع وتكون من الفائزين وتقترب من معنى التمكن من الخُلُقْ العظيم.

وإذا كان حجم الشهوات أكبر فقد ولج المرء باب مدخل ثانِ ، ونبدأ عندئذٍ بالسؤال التالي : لماذا أودع الله فينا الشهوات ؟ .. فلنتصوّر أولاً أن الإنسان ليس فيه شهوات بل عنده عقل فقط وعقله يأمره أن يتجه إلى الله ، فأين العبودية لله ، لا تبدو عبوديتك ولا حبك ولا إخلاصك ، ولا طاعتك ، بل كل حقيقة الحياة الدنيا التي أساسها الابتلاء لا تظهر ، إذا ليس لدى المرء شيء من الشهوات فلِحِكمةٍ أرادها الله عز وجل ، أودع فيك أيها الإنسان شهوةً وأعطاكَ عقلاً ، فالعقل له نِداء والشهوة لها نِداء ، فإذا غَلَبَ نِداء الشهوة فسينطبق على هذا الإنسان قوله تعالى :


(سورة المؤمنون)

أي غلبت علينا شهوتنا ، التي أشقتنا ، فسمَّاها بنتائجها ، غَلَبَت علينا شهواتنا التي كانت سبب شقائنا ، وكنا قوماً ضالين ، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ .

(سورة المؤمنون)

إذاً لابد من معرفة أن في الإنسان دافعاً شهوانياً ووازعاً عقلياً فإذا غَلَبَ العقل على الشهوة نجا ، وإذا غَلَبَتْ الشهوة على العقل هَلَك ولِحِكمَةٍ أرادها الله أنت مُمتحنٌ دائماً ، مُمتحنٌ بين أن تنام وبين أن تٌصلي ، فالعقل يقول لك قم فصلِّ ، والجسم يقول اخلُد إلى الفراش فأنتَ متعب ، تسمع أذان الفجر ، فيقول لك العقل قُم فصلِّ هذا وقت الصلاة والصلاة خير من النوم ، ويقول لك الجسد ابقَ مستريحاً فقد سهرت طويلاً وأنت إنسان مُتعب ، وعليك أن تقوم إلى عملك نشيطاً ، فتصلي قضاءً ، لاحظ نفسك دائماً فأنت بين نداء الشهوة ونداء العقل فإذا غَلَبَ عقلُكَ نجوت وسَعِدت ، وإذا غلبت شهوتك أهلكت نفسك وشقيت .

لذلك هذا ما قاله الإمام علي كرم الله وجهه " رُكب المَلَكُ من عقل بلا شهوة ورُكب الحيوانُ من شهوة بلا عقل ، وركب الإنسان من كليهما فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان " .

وما تراه عيناك في الدنيا من انحراف الناس وسقوطهم في مهاوي الرذيلة وانغماسهم في الملذّات المُحرّمة ، إنما هي معركة انتصرت فيها الشهوة :

(سورة النازعات)

فلماذا وجدت أسماء الله الحسنى ؟ كي يكون أمر الله عز وجل عظيماً مستمداً من عظمة الله ، لا حظ نفسك لو كنت في ثُكنة ، فجاءك أمر من عريف ، فالأمر له وقع عندك ، لو جاء من عريف أول لكان له لوقع آخر ، وكلما ارتفعت الرتبة كان وقع الأمر أشد ، فلو جاءك أمر من قائد الجيش لبادرت إلى التطبيق خوف العقاب والمسؤولية، فإذاً المشكلة أن أمر الله بين الناس مبذول ، والقرآن موجود والعلماء يشرحون كل أمر فلماذا يعصي الإنسان الله عز وجل ؟ لأنه لا يعرف حقيقة الآمر ، فلو عرفه لَطَبّقَ الأمر ؛ فإذا عرفنا أسماء الله الحسنى وعرفنا عظمة الله عز وجل عندئذ يعظُم عِندَنا أمرُه وإذا عظّمنا أمره بادرنا إلى تطبيقه ، فلذلك : أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً .

عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ *

وحينما نتلو قوله تعالى :

(سورة البقرة)

إذاً لماذا تعبدونه ؟ لأنه الذي خلقكم ، وهو سبحانه خالق ورب ومسير فيجب أن تؤمن أنه خالق ورب ومسيّر ويجب أن تؤمن أنه واحدٌ في خلقه ، واحدٌ في ربو بيته ، واحدٌ في تسييره ، فوحدانية الخلق ووحدانية الربوبية ، ووحدانية التسيير ، هذه هي التي إذا أيقنت بها وعملت لتحقيقها وبمقتضى ما أمرك هذا الخالق نجوت وارتقيت .

وبالمناسبة ، ففهم الاسم شيء وأن تعيشه شيء آخر ، أي إذا فهمت أن الله هو الخالق بمعنى أنه خلق الأشياء من غير شيء على غير مثال سابق ، فقد تنطلق في الحياة مؤمناً بأن كل ما يجري من فعله وبإرادته .

وأسماء الله الحسنى منها ما يكون على صيغ مبالغة اسم الفاعل فتعني الكثرة النوعية والعددية ، لكنك إذا انطلقت في الحياة العملية، ورأيت زيداً وعُبيداً ، وحوادث وأفعالاً ، ونسيت أن الله هو الذي يخلق كل هذا ويفعله وتجري به إرادته ، فعندئذٍ نقول لك أنت فهمت معنى الخالق ولكن لم تعش هذا الاسم ولم تفكر به . وبعد فإن السعادة الكبرى الحقيقية ، ليست في فهم تعريفات هذه الأسماء ولكن في أن تعيشها ، ولا يمكن لك ذلك إلا إذا اجتهدت وجاهدت نفسك وهواها ، وفي ممارسة العمل الصالح وبذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس وعندئذ تُقبِل على الله عز وجل ، وإذا أَقبلت عليه فهو يلقي في قلبك المعرفة والسكينة والطمأنينة ، وعندئذ ترى الله في كل شيء .

لا أريد أن يبقى الدرس كما يقولون أكاديمياً ، أي معلومات وتعريفات أملأ بها صفحات الكتاب ، بل أريد أن يعيش أحدنا هذه الأسماء ، وهذا ينقلنا إلى أنَّ المعلم يختلف عن المربي فالمعلم إنسان يلقي على الناس حقائق ، وأدلة ، ومعلومات منظمة ، ومبوبة ، ومرتبة، ومصنفة مع أدلة قطعية ، ونقلية ، وعقلية ، وواقعية ، و فطرية ، والبحث منظم ومبوّب ، و ومبرمج ، فهو والله موضوع لطيف ، ولكن الذي يسعى إلى أن يصطبغ بِصِبغة هذا العلم ، والذي يسعى ؛ ليكون في مستوى هذه الأسماء ؛ وأن تمتزج بها نفسه لا أن يفهم تعريفاتها فقط ، هو المربي ، فأنت أيها القاريء الكريم حاول إذا علّمت الناس أن تكون مربياً ؛ لأن كل مربِّ هو في الأصل معلم ، لكن المعلم وحده لا يكفي لملء فراغ النفوس والأفهام ، فالكلمة الأخيرة إذاً ترتكز حول اسم الخالق بين أن تفهم تعريفه النظري ، أو أن تفهم هذا الاسم ، وأن تعيشه مدى الحياة .

لقد ضربت على هذا مثلاً ، مفاده أن الإنسان إذا قرأ قوله تعالى :

(سورة الأحزاب)

وهذا أخ مستقيم على أمر الله ، وله صديق غارق في معصية الله لكن هذا الصديق ذو بحبوحة كبيرة ، ويغبطه صديقه المستقيم على ماله ورخائه وصحته الجيدة ، بينما المستقيم يعاني من كذا وكذا ، ويذكره إخوة له صادقون معه : أنت مستقيم وهو غير مستقيم وتقول هنيئاً له !! . فإذاً هذا وإن قرأ هذه الآية مرات ومرات : " وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا " ، ولم يعِش مفهوها ولا تأثر بمعناها فما فهم منها شيئاً .

إن الفرق كبير جداً بين أن تفهم أسماء الله الحسنى بحدودها وتعريفاتها والفرق بينها وبعض الأدلة وأقوال العلماء فيها ، وبين أن تعيش هذه الأسماء ، فإذا تأملّت الكون وعرفت الله عز وجل وبذلت جهداً كبيراً في طاعته ، وفي التقرّب إليه فقد عاد عليك ذلك بالخير الكثير ، وهو أنَّ الله يملأ قلبك غنى ، ونفسك بصيرةً ، وترى عندئذٍ ما لا يراه الآخرون ، وتسمع ما لا يسمعون فهذا هو التمييز ، فإذا أردنا أن نُقرر حقيقة وهي أن هذه الأسماء الحسنى ينبغي ألا نكتفي بفهم مدلولاتها وحدودها ، وأبعادها وتعريفاتها وما تعنيه في المعاني العامة والخاصة ولكن ينبغي أن نعيشها ونمتزج بها .

ولابد من أن يكون هناك اتصال بالله عز وجل ، حتى تعيش، أيها القاريء الكريم ، هذه الأسماء وحتى تشعر أنك مع الله دائماً ، وإذا كان الله معك فمن عليك ، هذا الذي قاله الإمام الغزالي ، ومن ثم فلتعلم أن هناك عِلماً بأمر الله وعِلماً بخلق الله ، وآخر بالله .

العلم بأمر الله وبخلق الله يحتاج إلى مدارسة كتابٍ نقرؤه ونحفظه ونفهمه : أي نعيد ونكرر ونتذكر ونكتب ، ثم نؤدي فحصاً ونأخذ شهادة فهذه المُدارسة عن طريق الكتاب والقراءة والمراجعة والفهم والتلقي والإلقاء وما شاكَلَ ذلك ، هذه المُدارسة تؤدي إلى حفظ المعلومات ، ولكن أين تُحْفَظ ؟ إنها تُحْفَظ في الدماغ ! .

ولكن المُجاهدة ، وغض البصر ، إنفاق المال ، وبِرّ الوالدين والصدقة النافلة غير الزكاة ، وقيام الليل ، وإتقان الصلوات ، وكثرة الذِكر وتِلاوة القرآن فهذه اسمُها مجاهدة للنفس وطاعة لله ، ثم إذا عَزَفْتَ عن رحلة لا تُرضي الله وعن حفلة لا تُرضي الله ، وطعام شهي جداً ولكن حوله حوله مجتمع اختلاطٍ وقُلت : مَعَاذَ الله ، فهذه هي المُجاهدة للنفس لردها عن سُبل الهوى ، أي أن تُجاهد نفسك وهَوَاك ، ومن شأنِها أن تصلك بالله ، وإذا اتصلت بالله عز وجل جاءتكَ أنواره وسكينته ، وجاءتك السعادة ، والبصيرة النافذة ، فالإنسان المؤمن شخصية فذة ، أي يتمتع برؤية صحيحة ، فيرى حقائق الأشياء ، وبواِطنَها ، و ما تنطوي عليه و أبعادها الحقيقية و خلفياتها الغائبة عن معظم الناس ، فهذه البصيرة خاصة بالمؤمنين ؛ لأن الله سبحانه وتعالى ألقى في قلوبهم النور والدليل :

(سورة الحديد)

أجل ، هذه خاصّة بالمؤمن ، فإن الله يعطي السكينة أصفياءه المؤمنين بقدر ، والمؤمن شخصية فذة ، و حينما يجاهد نفسه وهواه يأتيه الجواب ، وتأتيه ثمرات جهاده ، وهي نورٌ في قلبه ، وبصيرةٌ نافذة ، فقلبٌ واثق بالله عز وجل ، وكلامٌ سديد ، وتفكيرٌ صحيح ، وموقفٌ متوازن فهو شخصيةٌ واثقة بالله لا تنهار سريعاً لأنه حصل على هذه الثِمار ، وأفاد مما فيها .

ولذلك فمعرفة الله عز وجل طريقها المُجاهدة ، لكن معرفة شرعه أو معرفة خلقه فطريقها المُدارسة ، فبين المُدارسة والمُجاهدة بونٌ شاسع ، والمُدارسة لا تُكلّف كثيراً فقد تحتاج إلى طاولة وكتاب وقلم ، وقد تكون أنتَ في واد والكتاب في واد ، ولهذا فقد يأخذ الإنسان أعلى الشهادات وهو غارق في أحط الشهوات ، أما إذا جاهَدَ نفسه وهواه فقد اصطبغ بِصِبغة الله عز وجل ، أي شَعَرَ في نفسه سمواً وعن شهواته تنائِياً وتصعيداً ، وفي ميولِهِ شرفاً فتُصبح هذه مقدّسة ، وفي تفكيره دقة، وفي كلامه سداداً ، وفي مواقفه أخلاقاً وشرفاً .

إذاً كل ثمار الدين تأتي من معرفة الله ، ومعرفة الله ثمنها المجاهدة ، فالذي يتمنى أن يعيش هذه الأسماء ، لا أن يعرف مدلولاتها وأحكامها وأبعادها ومعانيها الدقيقة بشكل نظري فقط فعليه أن يعيش هذه الأسماء بشكل عملي ، وأحياناً المؤمن يرى يد الله تعمل في الخفاء ، فكل شيء يشاهده أو كل قصة يسمعها أو كل حادث يراه ، إنما يفهمه فهماً من خلال شعوره أن الله يرقبه ويصحبه ، وأن الله خالق كل شيء.

إذاً : أردتُ في خِضَمِّ الحديث عن أسماء الله الحسنى أن أقف وقفة قصيرة حول الجدوى التي تُعلَّق عليها الآمال من معرفة أسماء الله الحسنى ، فالمعلومات النظرية قضية سهلة جداً ، فأي إنسان حتى من غير المسلمين ، بإمكانه أن يقرأ و يحفظ ، و يكتب ، و يجيب و يأخذ شهادة بهذا الموضوع ، أما أن تُجاهد نفسك وهواك كي تعقد مع الله صِلة ، فهذه الصِلة إذا انعقدت أتاك منها كل خير ، ولذلك يقول النبي :

عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَالصَّلاةُ نُورُ الْمُؤْمِنِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ *

(انفرد به ابن ماجة)

" والصلاة طهور " .

" والصلاة حبور " .

أما أنها طَهور ، فمستحيل للمصلي أن يحقد أو يتكبر أو يكون ذا أثرة أو يكون مستعلياً ، وأنا أقول دائماً : للإعراض عن الله أعراض! ومِنْ أعراض الإعراض التكبر ، والعلو والإستكبار والعنجهية والغطرسة وحب الذات ، والدناءَة أحياناً ، وأن تأخذ ما ليس لك ،و أن تتمنى أن تكون فوق الناس جميعاً ، هذه كلها أعراض الإعراض ، فإذا حصل اتصال بالله عز وجل ، عُدتَ إلى حجمك الحقيقي ، حجم العبودية، وشعرت أن الله عز وجل عليك رقيب وأن الله معك ، وفي الحديث الشريف :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ مَا الإِيمَانُ قَالَ الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ قَالَ مَا الإِسْلامُ قَالَ الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ قَالَ مَا الإِحْسَانُ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ *

(متفق عليه)

والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا نظر في المرآة يقول :

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي *

(انفرد به أحمد)

فإذاً ليشَكَرَ الإنسان الله عز وجل على أن أعطاه قَواماً ورأساً فيه سمع وبصر وفم ولسان وأنف ، وهذا الخَلْقُ السوي الكامل من نِعَمِ الله عز وجل كذلك حتى إذا جاءه مولود ورآه كامل الخِلْقَة فهذا من فضل الله عز وجل أيضاً ، وهذا هو معنى المصور ، أي جعله صورةً حسنةً ، فلو أن الوجه الحسن ـ كما قال عليه الصلاة والسلام ـ رجل لكان رجلاً صالحاً ولو أن الوجه السيئ رجل لكان رجلاً سيئاً .

إذاً : لازِلنا في الحديث عن أن معرفة أسماء الله الحسنى من حيث إنها معلومات فهذا وجه ، ومن حيث أن تسعى ؛ لأن تعقد صلة مع الله عز وجل وجه آخر ؛ لأنك عندئذ تعيش هذه الأسماء ، وحينما تعيشها تشعر بعظمة هذا الدين ، والإنسان وقته ثمين جداً ، والعُمر لا يحتمل تجارب كثيرة خاطئة ، قال عليه الصلاة والسلام لرجل كيف أصبحت يا زيد قال أصبحت أحب الله ورسوله ... والحديث طويل : وكأني بأهل الجنة يتنعمون ، وبأهل النار يتصايحون ، وأصبحت بعرش ربي بارزاً .. قال عبد نَوَّرَ الله قلبه بالإيمان عرفت فالزم .

فالإنسان معنيٌ ، أن يرى بعينيه أن هذا الكون من خلق الله وأن الله سبحانه وتعالى ربه، وأنَّ الله سبحانه وتعالى مُسيّره ، وأنَّ كل شيء وقع أراده الله ، وأن الله عز وجل أراده لحكمة بالغة ، ولو لم يكن هذا الشيء لكان نقصاً في الحكمة وكان الله سبحانه وتعالى ملوماً من عباده يوم القيامة ، قال تعالى :

(سورة القصص)

فأسماء الله الثلاثة الخالق والبارئ والمصور ، أسماء متلازمة متآلفة في غايتها تجمع بينها آصرة واحدة هي العلاقة الوشيجة لعملية الخلق ؛ خلقاً وبرءاً وتصويراً والمصور ؛ أن الله عز وجل أعطى كل شيء صورته ، ليس معنى الصورة الشكل الخارجي بل القَوام الكامل :

(سورة غافر)

(سورة التين)

فمعنى التصوير يعني أعطاك الشكل الكامل طولاً وعرضاً وارتفاعاً وعمقاً ، فالنملة لها صورة ، والفيل والحوت والإنسان ، وكل مخلوق له صورة ، والله سبحانه وتعالى هو المصور، يقول الله عز وجل :

(سورة آل عمران)

وهذا من معاني اسم المصور ؛ وأيضاً فهذا الجنين في بطن أمه حينما تشق عيناه ويشق سمعه ، ويُعطى رأسُه حجماً ، وجسمه حجماً وله جلد و أعضاء وحركات ، فهذا من التصوير ، وليس هناك فصل بين الخلق والتصوير إلا فصل نظري ، فالخلق والتصوير يَتِمّان في وقت واحد .

والحمد لله رب العالمين

* * *

بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"