بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 16 أبريل 2010

في معنى اسم /الخالق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، الله خالق كل شيء فاعبدوه فمع الاسم السابع عشر مِن أسماء الله الحسنى وهو اسم الخالق ، بادئ ذي بدء يقول الله عز وجل :

(سورة البقرة)

يُفهم من هذه الآية أن الخالق وحده ولا أحد سواه ينبغي أن تعبده فإذا توجه الإنسان إلى غير الخالق فقد ضلَّ سواء السبيل ، والخالق وحده هو الذي إذا عبدته سعدت بعبادته ، وإذا عبدته نجوت من عذابه ، وإذا عبدته أفلحت في حياتك وفُزت بعد مماتك ، ودخلت الجنة وسعدت فيها إلى الأبد ، قال الله تعالى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " .

في المعنى المألوف اليوم أن الصانع وحده هو الجهة الوحيدة التي يمكن أن تعطي تعليمات التشغيل ، فمثلاً لديك آلة ، فما الجهة المخوّلة والوحيده التي لها الحق أن تُصدر تعليمات التشغيل ؟ إنه الصانع، فلو أن آلة ثمينة تملكها واتّبعت في تشغيلها جهةً غير جهة الصانع فقد أفسدتها وأعطبتها وأضعفت مردودها وخسرتها ، فببساطة بالغة يقول العقل : لا يعبد إلا الصانع، أي لا يُتبع إلا الصانع ، ولا يُطاع إلا الصانع " يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ " السؤال المفرود لماذا ؟ ألا يعلم من خلق ، فهو عليم خبير حكيم يعرف طبيعة هذه النفس ، وما يصلحها و يفسدها ، وما يسعدها و يشقيها ، وما يرفعها و يخفضها ، و يطمئنها ويخيفها إنه هو الخبير ، قال الله تعالى :

(سورة فاطر)

أي إنسان واعٍ مَلك جهازاً له قيمته يحرص على سلامته ويسأل الخبراء المتخصصين دون غيرهم ، فقد تشتري سيارة وتراها ذات مظهر أخّاذ ولكن تخاف أن يغدر بك البائع ، وتسأل قبل شرائها عن خبير ، فتقول له : انظر لي هذه السيارة ما قوتها ؟ وما طبيعة محركها ؟ وما وضعها العام ؟ وما سلامة هيكلها ؟ إذاً أنت في أمورك التي تتعامل معها يومياً تبحث عن الخبير، وتبحث عن العليم ، وربنا عز وجل قال :

" إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ " ، فمثلاً في الحياة الزوجية ، قال الله تعالى :

(سورة الطلاق)

أولاً نهى الرجال عن أن يُخرِجوا زوجاتهم من بيوتهن إذا طُلّقن ، ونهى النساء عن أن يخرُجْنَ مِن دون إذن أزواجِهن إذا طلقن طلاقاً رجعياً ، لأنه عليم بطبيعة النفس البشرية ، فالرجل والمرأة كلاهما ذو ميل فطري نحو صاحبه ، والنفس الفائرة قد تهدأ فورتها بعد حين ، فإذا ابتعدا عن بعضهما ، تفاقمت الأمور ودخلت جِهات كثيرة على خط العلاقة الزوجية ، وربما أفسدته ، فإذا بقيت الزوجة في بيت زوجها فأكبر مشكلة في يومين أو ثلاثة تتضاءل بإذن الله ، أما إذا خرجت الزوجة إلى بيت أهلها غاضبة فأصغر مشكلة تغدو كبيرة إذا تناولتها ألسنة كثيرة ، فتفسد ما بقي صالحاً ، فلذلك هذا قانون وضعه الخبير ، و الصانع والعليم ، والخالق ، قال :

(سورة النساء)

فإذا كنت أفضل علماً وخلقاً وورعاً و تقى وقد أنفقت من مالك على زوجتك فلك القوامة، وإذا أردت أن تُفلح في إصلاح ما انخرق بينكما فعُد إلى كتاب الله ففيه الخير والفلاح ، لقول الله عز وجل :

(سورة الإسراء)

ففي أي موضوع ... حتى في شأن صحتك ، وعلاقتك الخاصة جداً ، و كسب رزقك ، وفي شأن شيخوختك ، عليك بهذا القرآن ففيه الهدى :

روى ابن عدي في الكامل عن أنس : " من تعلم القرآن، متعه الله بعقله حتى يموت"

وقد استرعى نظري أحد الأطباء وهو يُعالج مريضاً مصاباً بتضيّق شرايين الدماغ ، فصار إلى الحركة البطيئة ، فقال هذا الطبيب عليكم أن تحدثوه ، قلت وما السر في ذلك ، قال إذا حدثتموه اضُطرَ أن يُجيب ، فإذا أراد أن يجيب تنشطت خلايا الدماغ وتوسعت الشرايين في الدماغ قلت يا سبحان الله لقد صدق النبي عليه الصلاة والسلام ، حين قال: " من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت " .

فدماغ المصلي و قارئ القرآن ، و العابد لله عز وجل ، في نشاط دائم ، هل أذّن الظهر؟ وهل دخل الوقت؟ و كم ركعة ؟ أول ركعة ، الثانية ، الثالثة ، الأولى مع قراءة ، الثالثة بِلا قراءة ، فهو في نشاط دائم فإذا قرأ القرآن هنا إدغام وهنا إظهار وهنا إخفاء وهنا قلقلة وهنا مد طبيعي ، فالذهن متقد دائماً يحاول أن يفَهِمَ معاني الكلمات ومعاني الآيات ، فالإنسان إذا قرأ القرآن فهو في نشاط دماغي دائم ، إذاً "من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت " . قال تعالى :

(سورة طه)

لا يضل عقله ولا تشقى نفسه .

(سورة البقرة)

ونحن في الصفحات التالية ندور حول آية واحدة " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " .

فأنت ليسَ لك حق أن تتبع إنساناً بعيداً عن الله عز وجل ، إيّاك أن تستشير في أمورك شخصاً بعيداً عن كتاب الله ، مقطوعاً عن الله عز وجل ، لقوله تعالى :

(سورة الكهف)

(سورة لقمان ، من الآية 15)

إذاً : الجهة الوحيدة في الكون التي تستحق أن تطيعها وأن تعبدها هو الخالق جل وعلا، قال الله تعالى " يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " .

وقد ذكرت من قبل أن الإنسان إذا تولى جهات أخرى يُصاب بهزات تبعثره وخيبة أمل ، وإحباط ، لأن أية جهة أخرى قد لا تعطيك الحقيقة ، أو قد تعطيك الحقيقة مزوّرة ، أو تنقل إليك فكرة مغلوطة لا يؤكدها الواقع ، وولا يخفى على أحد أن طمأنينة المرء وسعادته تكمن في أن يعتقد ما صح نقله ، وما قَبِلَهُ العقل ، وما أكدّتُه الفطرة ، وما أيّده الواقع ، واقعٌ ونقل وعقل وفِطرة ، هذا هو الحق فإذا انطلقت أيها القاريء الكريم في حياتك وفي حركتك اليومية وفي نشاطك من نقل صحيح و عقل راجح ومن واقع دقيق و فِطرة سليمة ، وإذا اجتمعت لديك هذه الخطوط الأربعة في دائرة واحدة فأنت مع الحق ، والذي يكون مع الحق لا يخيب ظنه ولا يحبط عمله ولا ينقطع رجاؤه ولن يُفاجأ بحدث لم يكن متوقعاً .

ومن الآيات التي تتحدث عن اسم الخالق ، قول الله عز وجل:

(سورة الحشر)

فكلمة : " الله " عَلَم على الذات ، أي أن الله سبحانه وتعالى هو الذات الموجودة الواحدة الكاملة ، وأسماء الله الحسنى على كثرتها تعود إلى أصول ثلاثة ، الله موجود ، والله واحد ، والله كامل .. فالله موجود واجب الوجود ، والله واحد ، واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في أفعاله ، أما وإن الله كامل فأسماؤه كلها حُسنى وصفاته كلها فُضلى ، لذلك لا غرابة إذ صاح أحد العارفين " يا رب لا كرب وأنت الرب " فالله موجود واجب الوجود ، واحد ، ليس من جهة ثانية.

أصعب ما في الحياة أن يتبعثر الإنسان بين جهتين ، فيكون له رئيسان ، هذا يأمره بكذا وهذا يأمره بكذا ولقد حدثني أحد الأصدقاء فقال: معمل يملكه ثلاثة شركاء ، والثلاثة إخوة ، فالعمال تمزقوا ، فهذا الأخ يعطي أمراً ويجب أن يُنفّذ ، وذاك الأخ يعطي أمراً آخر ويجب أن يُنفّذ ، والأخ الثالث يعطي أمراً ثالثاً قد يتناقض أو قد لا يتسع وقت هذا العامل لتنفيذ الأوامر الثلاثة ، فضطرب الأمور ، وقد ذكر الله عز وجل هذا في كتابه الكريم ، فقال

(سورة الزمر)

و لماذا يشقى بعض الناس في الحياة ؟ لأنهم موزّعون بين جهات عديدة ، إذ عليه أن يُرضي زوجته ، وأن يُرضي أمه ، و أن يُرضي من فوقه في العمل ، وأن يُرضي فلاناً الذي تهدده ، فهو يتبعثر لكنَّ المؤمن يُرضي جهة واحدة وهذه الجهة الواحدة هي القوية وبيدها كل الجهات ، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام : " اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها " .

اسألوا الأطباء فمعظم الأمراض لها أسباب نفسية ، ومعروف عِندَ عامة الناس أن القرحة أساسها أزمات نفسية ، وأمراض القلب في معظمها مردها إلى أزمات نفسيه ، كذلك وهناك أمراض تُصيب الجهاز العصبي أسبابها أزمات نفسية أيضاً ، والأمراض النفسيه في أصلها مشكلات يعانيها الإنسان ، كما أن لدي معلومات حديثة مفادها ؛ أن هناك دراسات تؤكد أن معظم الأمراض العضوية لها أسباب نفسيه ، وحينما يحاول الطب أن يفصل بين الأمراض العضوية والنفسية يقع في ضلال كبير ، حتى إن بعض أصدقائي حدثني أنه ذهب إلى بلد غربي لإجراء عملية جراحية في قلبه ، فقال : دخلت علي ممرضة ذات مستوى رفيع ، نسقت الأزهار في غرفتي وبينما هي تُنسّقها سألتني ، ما مرضك ؟ قلت لها : عملية دسام في القلب ، قالت : من الذي سيجري لك هذه العملية ؟ قالت : فلان ، فدهشت ، وقالت : فلان ؟! قلت : نعم ، قالت: فلان قبل أن يجري لك هذه العملية ، أجرى عشرة آلاف عملية مماثلة وكلها ناجحة ولم يخفق في واحدة ، قال والله اطمأننت وارتحت ، ما دام هذا الطبيب الذي اخترته ليجري هذه العملية من أمهر الأطباء في هذه البلدة ومن أشهرهم ومن أنجحهم وقد أجرى عشرة آلاف عملية دون أن يخفق في عملية واحدة ارتاحت نفسي ، لكنه فوجئ وهو يسدد قائمة الحساب ، أن القائمة تتضمن مبلغاً كبيراً مقابل رفع معنويات المريض عن طريق هذه الممرضة ، وهي ليست ممرضة بل هي عالمة نفس ، وظيفتها أن ترفع معنويات المريض ، ومن أجل أن تستفيد العضوية من ثقة الإنسان في الشفاء كانت هذه العملية .

فقلت سبحان الله ، النفس مهمة جداً ، وأنا أؤكد أن أكثر الأمراض بالقلب أو بالشرايين ، أو بضغط دم وعائي ، أو ضغط دم عصبي ، أطباء كثيرون ينصحون مرضاهم بنزهة وبأن يبتعد عن بلده وعن مشكلاته ، فمثلاً يكون ذا تجارة وهناك صعوبات ، وبضاعة مصادرة ، وأسعار تنخفض ، عندها يوعز الطبيب بكلمة واحدة أن أخِّروا الإجازة ، ليتحسن الهدوء النفسي للمريض . فالضغط له علاقة بالنفس ، والقلب والأعصاب ، والمعدة كلها لها علاقة بالنفس ، وهذا الارتباط الدقيق بين النفس والجسد هو أحدث ما يبحث عنه الطب اليوم ، فلماذا كان المؤمن سعيداً ؟ لأن علاقته مع جهة واحدة ، ولا يحتاج معها إلى حلف يمين ، لا يحتاج معها إلى إيصال، ولا إلى شاهد ، فالله مُطلّع ، على ظاهرك وباطنك و حقيقتك ونياتك و مطامحك ، وألخص الأمر كله بالعبارة الدقيقة التالية : الإيمان صحة وعافية ، والمؤمن تبدو صحته طيبة ، والسبب لأنه موحد قال الله تعالى :


(سورة الشعراء)

جهة واحدة تستحق العبادة ، كما أنها تستحق الطاعة ، و الحب، والإخلاص وأن تعمل لها ، وأن تفني شبابك من أجلِها ، وأن تبذل كل عمرك في سبيلها ، هي الذات الإلهية ، لذلك لما قال ربنا عز وجل :

(سورة المدثر)

أي هو أهل أن تفني شبابك من أجله ، وأن تمضي كل حياتك في خدمته ، وأن تنفق مالك في سبيله ، وأن تبذل كل ما تملكه في رضاه، وألخصها بكلمة واحدة : تضحية صادقة لكنها مجزية .

ولذلك فالإنسان عندما يستهلك نفسه استهلاكاً دنيوياً وينحدر إلى خريف العمر وهو قادم على حياة مجهولة ، لا يملك من نقدِها شيئاً وقد أمضى حياته كلها في أشياء لا تنفعه في آخرته ، فهو في ضياع ؛ فندائي صدى لنداء الله سبحانه "يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ "

الجهة الوحيدة التي تستحق الطاعة والعبادة والإخلاص والحب هي الله ، فأنا لا أعتقد أن في الأرض رجلين تحابا كسيدنا الصديق وسيدنا رسول الله ، ومع ذلك ماذا قال عليه الصلاة والسلام قال : لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكر خليلي ولكن أخ وصاحب في الله ، أما العلائق فكلها مع الله وحده .

فأقول لكم سِرُّ السعادة أنك تعمل لوجه واحد ، فتُرضي جهةً واحدة وتبحث عن خالق عظيم فتصفيه كل نفسك ، قال الله تعالى :

(سورة الحشر)

فالخالق هو الله ، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى علم على الذات . وفي آية أخرى قال الله تعالى :

(سورة الأنعام)

فالله سبحانه ؛ يحتاجه كل شيء في كل شيء فاعبدوه فلنلاحظ أن أمر العبادة يأتي في الأعم الأغلب في القرآن الكريم بعد اسم الخالق ، " اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ " ، " خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ " .

ومن ثم تطالعنا حقيقة أخرى : هو وحده الخالق " ، قال الله تعالى :

(سورة قاطر)

عندما تَحاوَرَ سيدنا إبراهيم مع النُمرود قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت ، فرد عليه متنطعاً : أنا أحُيي وأميت :

(سورة البقرة)

فكان النمرود الغباء كله ، والضلال والضياع والكفر .

وحينما تشح الأمطار وتنحبس السماء ، أقول لمن حولي : هل في الأرض كلها جهة بإمكانها أن تجتمع وأن تتخذ القرار بإنزال المطر ؟ لا . فليس لأحد حيلة إلا أن يجأر بالدعاء إلى الله عز وجل ، والضراعة لاستنزال رحمة الله سبحانه وتعالى ، إذاً هو الله الخالق .

" ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ "

" يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ "

(سورة يس)

أما صيغة " الخلاّق " ، فهي صيغة مبالغة لاسم الفاعل يعني كثير الخلق وعظيم الخلق، إذ ترى مجرة بُعدُها عنّا ستة عشر ألف مليون كيلو متر ، وقلب العقرب ، يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما ، وأربعة أخماس الكرة الأرضية بحراً ، وبعض أعماقه عشرة آلاف متر ، إنه شيء مخيف ، واصعد إلى بعض الجبال جبال الهمالايا مثلاً ، يهولك ارتفاعها . وانظر إلى بعض الحيوانات ، فالحوت الأزرق، مائة وخمسون طناً ، ودمه تسعون برميلاً من زيت السمك ، يستخرج من حوت واحد ، من اللحم خمسون طناً ، ومن الدهن خمسون طناً تقريباً وأحشاؤُه خمسون طناً ، فهل من خالق غير الله ؟

" بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ "

الأمازون ثلاثمائة ألف متر مكعب في الثانية ، يمتد مجرى هذا النهر في البحر بما يزيد عن خمسة وثمانين كم دون أن تختلط مياهه بمياه المحيط هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ، ترى محرك ماءٍ بسيطاً يملأ الفضاء صخباً وضجيجاً ، وقد يفسد عليك نزهتك و إذا كنت في مزرعة وتحتاج إلى ماء و أدرت المحرك فإنه يفسد عليك سكون المزرعة وجمال الطبيعة ، قال الله تعالى :

(سورة النمل)

كتل السحاب تتحرك محملة بألوف الأطنان ومع ذلك تمر بلا صوت ، بل فيها الهدوء والبشرى قال الله تعالى :

(سورةالروم : آية " 46 ")

وقال الله تعالى :

(سورة المؤمنون)

وهذه الآية ذات معانٍ كثيرة فمن بعض معانيها أن الإنسان أحياناً يصنع شيئاً يكون في البداية بسيطاً لكنه كلما ارتقى علمه وارتقت خبرته يكمُل عمله ، وأكبر دليل انظر إلى مركبة صنعت في عام ألف وتسعمائة وإلى مركبة صنعت في عام ألف وتسعمائة وتسعين ، فإنه لا يوجد نسبة للمقابلة الأولى ، فانوسان في الأمام ومستودع زيت وسِراج ، تفتح باب البلور وتُشعِل الفانوس بالثقاب ، من أجل أن ترى طريقك في الليل ، والعجلات من دون هواء ( صب كامل ) ، والتشغيل من الخارج بالمحرك ، وحركة واحدة والمزمار ، هذه صناعة عام ألف وتسعمائة ، وبعض نماذجها للآن في المتاحف ، وانظر إلى مركبة عام ألف وتسعمائة وتسعين فتفهم شيئاً كثيراً من أن الإنسان ارتقت صناعته وتكاملت أعماله ، لضعف خبرته ، إذاً فخبرته مكتسبة ، لكن انظر إلى خلق الإنسان ، فهل هناك إنسان معدّل ؟ إنسان نمط تسعين أو ثمانين ، هذا " s " وهذا بدون " s " ، ليس إلا نوع واحد وبدون أي تعديل ، لأن علم الله قديم وأن خبرته قديمة ، فما من مرة حمل أب ولده من يده فانخلعت يده ، فالصنعة متقنة ، والأربطة محكمة تماماً تحمل الجسم بالكامل ، قال سبحانه :

( سورة لقمان : من آية " 11 " )

وقال تعالى :

( سورة يس )

" فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " فإذا كنت تريد أن تعمل موازنة بينَ ما يصنعه الإنسان وبين صنعة الواحد الديّان فإنك ترى فرقاً كبيراً ، فأنجح طبيب أسنان إذا أراد أن يقلع لطفل سناً فلابد من إبرة تخدير باللثة ويبكي وييشتم الطفل ويتمرد ، وأبوه يهدئه أما عندما يقلع الله ضرساً لطفل صغير كيف يقلعه ؟ يسقط مع الأكل ، فقد ذاب جذر السن شيئاً فشيئاً وانقطع العصب ، " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " اعمل موازنة ، ولترَ الأشياء بحجمها الحقيقي ، فآلة التصوير تحتاج إلى تحميض فيلم ، يُقال لك غداً ، ونظرك الأشياء لا يحتاج إلى تحميص ، تنظر فتشاهد حالاً بالألوان وبالحجم الطبيعي مع الحركات ، صوراً متحركة ملونة ! فأنت إذا نظرت بالعين المجرّدة ، رأيت مائة إنسان أمامك دفعة واحدة وكل إنسان له لون عندك ، بينما إن صورت في فيلم مائة رجل تقريباً يظهرون بلون واحد ، فالعين المجردة تفرق بين درجتين إلى ثمانمائة ألف درجة باللون الواحد ، فلو درَّجنا اللون الأخضر ثمانمائة ألف درجة نجد العين السليمة تفرق بين كل درجتين .

إذاً : " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " ، ميّز بين آلة التصوير وبين العين ، تر فرقاً كبيراً جداً فمتى أُخذت المسافة والسرعة والفتحة؟ هناك فتحة وسُرعة ومسافة ، فعينك بشكل عفوي وبشكل آلي تقيس المسافة، والعضلات الهدبية تضغط على الجسم البلوري ضغطاً بحيث يتقوَّس تقوَّساً يجعل الخيال على الشبكية هذه المطابقة ، وهي من أعقد العمليات في العين ، فكل إنسان ينظر إلى شيء دون الستين متراً يحتاج إلى مطابقة ، فالمطابقة ؛ أن هذا الشيء لو اتجه نوره إلى العدسة لوقع الخيال إما بعد الشبكية أو قبلها ، فحتى يقع خيال ظلِ الشيء على الشبكية لا بد من أن نعدل احديداب الجسم البلوري إما ضغطاً أو بسطاً ، فهذه العضلات الهدبية فيها علم كبير جداً تُرى كم ميكروناً تضغط حتى يقع الخيال على الشبكية ؟ أعتقد أن عملية مطابقة العين من أعقد العمليات في جسم الإنسان " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " .

(سورة الأعراف)

طائرة تُباع من مصنع لدولة ما ، فالمصنع لا علاقة له بحركة الطائرة ، ها هي ذي تقصف مدينة ، وتنقض على قرية ، والمعمل باعها وانتهى أمره ولا علاقة له بها ، لكن ربنا عز وجل ما من شيء خلقه إلا وأمرُه بيده ، قال سبحانه : " إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ "

والحقيقة أن القرآن الكريم كتاب العمر ، وهو الكتاب المقرر ، وأنا أتمنى على القرّاء الكرام إذا قرؤوا القرآن ومرت بهم كلمة الخلق فليبحثوا عن العلاقة بينها وبين ما قبلها وما بعدها، على جناح السرعة ، " هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ " خالق الكون هو الله رب العالمين علم على الذات صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ، خالق كل شيء ، أي لا خالق آخر خلق أي شيء ، هو خالق كل شيء فاعبدوه ، هذا المعنى الإيجابي ، أما المعنى السلبي ، " هل من خالق غير الله؟" " بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ "، يعني خلق الجبال وخلق المجرات .

أي إمّا كثرة الخلق عدداً ، وإمّا عظمة الخلق نوعاً ، وهذا معنى الخلاّق ، " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " ، يعني عليك إجراء موازنة بينَ ما يصنعه الإنسان وما يصنعه الواحد الديّان ، " أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ " مما يُطمئن الإنسان أن الذي يخلقه الله عز وجل يبقى رهن أمره ، فأنت اطمئن أن كل من حولك وما حولك بيد الله عز وجل .

ومن ثم ندخل في بعض التفاصيل ، ولنبدأ في تفسير كلمة الخلق ، الخلق في اللغة جاء بمعنى الإيجاد والإبداع والإخراج من العدم إلى الوجود ، سوف نتناول الآيات بشكل تفصيلي، الآية الأولى : " ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " هذه الآية تقتضي كثرة الخالقين ، وثَبُتَ بالدلائل العقلية والسمعية أنه لا مُوجِدَ إلا الله تعالى ، فوَجَبَ حملُ الخلق في هذه الآية على " التقدير " ، أما أنت فتصنع من خشب ومن جلد مقعداً ، فتكون قد قدرت كمية الخشب ونوعه وجودته ونوع الجلد ومتانته ولونه ونسَّقت بينهما على شكل كُرسي ، فأنت حينما صنعت هذا الكرسي لم توجده من عدم ولكن صنعته من مواد موجودة "فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " هذا مما تقتضيه هذه الآية.

والآية الثانية " إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " فالتراب موجود قبل الخلق ، والخلق هو "التقدير " ، أي قدّر كمية تراب معينة بنوعيتها وخصائصها وطريقتها وأسلوبها معين ، فهُنا من خلال آيات كثيرة جداً يأتي الخلق بمعنى التقدير.

فالآية الأولى : "فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " ، والآية الثانية: " إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" ومعلوم أن المُراد من قوله " كُنْ فَيَكُونُ " هو الإيجاد من العدم ، إذاً : خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، إذاً الإيجاد من العدم شيء والخلق شيء آخر .

بل إنَّ بعض العُلماء يُفسّر قوله تعالى " لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ " أي خلق : قدر ، ثم أمر : كن فيكون يعني أوجد من عدم .

والآية الثالثة على أن الخلق هو " التقدير " ، فهناك سبب ، لأن الله عز وجل يقول " هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " .

الخالق ، ولله المثل الأعلى ولكن للتقريب ، مهندس على الطاولة وعلى الورق صمم بناء ، وعلمه كله وضعه في هذه الخارطة ، الخارطة تضم : خارطة الأساسات ، فالطابق الأول والطابق الثاني والدعائم الإسمنتية ، والشُرُفات وكله على الورق ، فالخلق تقديرٌ "الْخَالِقُ الْبَارِئُ "، أما البارئ فهو الإيجاد من عدم ، كن فيكون ، والآن جاء دور المتعهد فحفر الأساسات وصبها خرسانة ، وأشاد الطابق الأول فوضع الإسمنت السائل فوق الحديد المسلّح إلى أن قام البناء ، فالخلق هو التقدير ، والبارئ هو الذي أوجد من عدم .

لكن البناء على الهيكل منظره قبيح جداً ، فلابد من عمل آخر وهو إعطاء هذا البناء الشكل المقبول ، فجاء دور الطيان ثم البلاط بالسيراميك ، وأتى دور عامل الكهرباء وزيّنا الشرفات ، والجدران من الداخل والخارج ، فصار البناء جميلاً جداً ، فبين أن تضع العلم كله في أصل البناء ثم أن تبنيه وتعطيه صورةً محببة وهذا ما جاء في كتاب الإحياء حول تفسير قوله تعالى " هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ " ، المصوِّر إعطاء الصورة الخارجية ، فالذي عنده أطلس تشريح ، يرى فيه إنساناً كله عضلات ، وهو منظر مخيف فعضلات الوجه بالعشرات ، ويرى إنساناً كله أعصاب ، وآخر كله أوعية وهناك صورة هيكل عظمي، وانظر إلى الإنسان في آخر وضع بعد كسوته بالجلد تجده جميلاً وانزع الجلد عنه فهناك المنظر المخيف ، فربنا أعطاه صورة جميلة ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ " .

وإن شاء الله تعالى لنا عودة أخرى لهذا الموضوع لأنه متعلق بالخالق البارئ المصور، و بشكل موجز فالخالق هو المُقدر ، والبارئ هو الذي يوجد من عدم ، والمصور هو الذي يعطي الصورة المناسبة لكل مخلوق ، فهذا الإنسان خلق بعلم ، فالقلب والعظام كلها خلقت علم ، وبعد العلم هناك إيجاد ، وبعد الإيجاد هناك صورة أعطاها الله هذا المخلوق كالبناء تماماً ، وكجواب على سؤال يفرد نفسه وهو : ما الفرق بين خلق وفطر ؟

فأقول موضحاً أن الفرق بين الخلق والفطر : " الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " فاحال واضح كثيراً ، لاحظ الطفلة الصغيرة ما الذي تفعله ؟ دع بُنْية جسمها وأعضائها وأنسجتها وأشكالها وخطوطها، فلها بُنْية خاصة ، وميول خاصّة ، دعني أطلق عليها البُنية النفسية ، فهي تميل إلى تربية الأولاد ، فقد تضع وسادة على يدها وتربت عليها ، أما الطفل فقد يركب قضيباً يتخذه كحصان يعدو به ، فلماذا اختار الطفل لعبة الحصان ؟ واختارت الفتاة مخدة ( وسادة ) جعلت منها رمزاً لوليد على يدها ، يعني البُنى النفسية هي الفِطْرَةُ .

ترى الإنسان أنه يخاف :

(سورة المعارج)

(سورة الإسراء)

(سورة الأنبياء)

(سورة النساء)

البُنى النفسية ، يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم ، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها .

هذه بنية نفسيه ، وبُنى جمع بنية ، وللبنية النفسية خصائص ، فالغنمة لها خصائص بجسمها وعضلاتها وجلدها وصوفها ، وهذه البنية الجسمية . ولها خصائص بنفسيتها ، يقال " مثل الغنمة " أي مطواعة ، ذلولة ، قال الله تعالى :

(سورة يس)

فأنت ترى أنها تنساق مع صاحبها إلى حيث يريد وكيفما يريد، وطبيعة الغنم أنها تجتمع مع بعضها بعضاً فلا يستطيع راعٍ أن يجمع خمسين كلباً مع بعضها فكل واحد في جهة أما قطيع الغنم فمع بعضه ، هذه بُنى نفسيه ، انظر إلى البقرة ، وانظر إلى الجمل ، يقال لك الجمل حقود ، والحصان وفي ، فخصائص نفس المخلوق من الفطرة ، أما خصائص جسمه فمن الخَلْق ، أعود فأكرر : إن الشيء المتعلّق بجسمه وبأعضائه وبتشريحه وبوظائفه هذا متعلق بالخلق ، وأما الذي يتعلق بخصائص نفسيته فهذا من الفطرة لذلك قال تعالى " فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا " ، فالثعلب ماكر ، والجمل حقود ، وهكذا كل حيوان له خصائصه ، وهناك حيوانات أهلية وحيوانات متوحشة ، وحيوانات مفترسة ،و حيوانات وديعة ، وربنا قال " وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ " .

والخلاصة إذاً : " الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " فهذا يبرز أن الله سبحانه أعطى كل مخلوق خصائص نفسية في التعامل مع الآخرين ، وأما الخلق فيبرز الخصائص المادية التي جعلها لكل مخلوق، والخلق تقدير ، والبَرءُ هو الإيجاد من عدم ، والتصوير هو إعطاء الشيء الصورةً التي أرادها الله سبحانه له .

والحمد لله رب العالمين

* * *

في معنى اسم الله المعز /المذل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة المؤمنون مع الدرس السادس عشر من دروس أسماء الله الحسنى ، والاسم الذي هو مناط هذا الدرس هو المعز والمذل ولهذا الاسم مقدمة مهمة أرجو أن تكون واضحةً في أذهانكم .

أولاً الإنسان حينما فطره الله عز وجل ؛ فطره على أسس ، من هذه الأُسس أنه خَلَقَ فيه دافع الجوع ، وهذا الدافع هو سبب بقائه وسبب استمرار الحياة بالنسبة إليه ، لولا هذا الدافع لترك الطعام والشراب وانهار جسمه ومات من دون أن يشعر بحاجة إلى تناول الطعام ، فدافع الطعام والشراب هو الذي يدفعه دائماً إلى التزود بالطعام والشراب حفاظاً على وجوده أو حِفاظاً على حياته ، هذا الدافع الذي أودعه الله بالإنسان معروف لدى الجميع .

أما بقاء الجماعة ، بقاء الجنس البشري يحتاج إلى دافع آخر ، إنه دافع الجنس ، فما أودع الله في الرجل وفي المرأة على حد سواء من أن يتجه كل منهما إلى الآخر إلى أن يتم الاتصال وقد شرع الله له الزواج ، هذا دافع آخر يدفع الإنسان إلى الحفاظ على بقاء النوع ، فالطعام والشراب يضمن بقاء الفرد بينما دافع الجنس يضمن بقاء النوع .

لكن علماء النفس وجدوا أن في الإنسان دافعاً قوياً جداً لا يقل عن دافع الطعام والشراب ولا يقل عن دافع الجنس ، هو دافع ما يُسمى بالشعور بالأهمية ، أو تحقيق الذات أو تأكيد الذات ، ويمكن أن نسميه في هذا الدرس العزة ، فكل مخلوق لو توافر له الطعام والشراب ولو توافرت له الزوجة ، يشعر أنه لا بد من أن يكون مهماً ، لابد من أن يعتز لابد من أن يعتز ولو بجسمه ولو بماله ، ولو بنسبه ولو بخبرته ولو بحرفته ولو بقدرته على الأذى ، ولو بجبروته ، هناك دافع فطري يدفع الإنسان على الاعتزاز ، أن يؤكد ذاته ، أن يشعر الآخرين بأنه إنسان خطير ، بأنه متفوق أو بأنه عزيز.

السؤال الأول : لماذا أوجد الله في الإنسان دافع الطعام والشراب؟ الإجابة سهلة ، حِفاظاً على بقاء الفرد ، ولماذا أوجد الله في الإنسان دافع الجنس ؟ حفاظاً على بقاء النوع وإعمار الأرض .

أما لماذا خلق الله في الإنسان دافع الاعتزاز ؟ دافع تأكيد الذات، دافع الشعور بالأهمية ؟ فالإجابة عنه أيضاً سهلة ، هذا عون من الله عز وجل للنفس البشرية لعل هذا الدافع يقيها من الانحراف .

الإنسان أحياناً يخاف على سمعته ، يخاف على شرفه ، يخاف على مكانته ، يخاف على مرتبته ، يخاف على درجته أن تُخدش وأن تُمرّغ بالوحل ، أن يتحدث الناس عنه بالمكروه ، بما هو مكروه ، يخاف أن يُفتضح ويخاف أن يسقط من عين الناس ، لولا هذا الدافع ، دافع الاعتزاز لهانت على كل إنسان معصيته ، لهان سقوطه ولهان عليه انحرافه ولهان عليه انغماسه في الوحول ، طبعاً ليس معنى هذا أنه ليس في بني البشر من هانت عليه نفسه ، الفطرة قد تشوّه والعزة قد تمرغ بالوحل ، هذه حالات شاذة وحالات استثنائية ليست مناط الحكم ، نحن حينما نقول الإنسان هكذا نقصد في الأعم الأغلب وفي الخط العريض ، أما في كل حكم هناك استثناءات وحالات خاصة في الطرف الأول والطرف الثاني لكن معظم الناس ، مثلاً لو أن طفلاً في مدرسة رأى قلماً وأعجبه وضع القلم في جيبه، صاحب القلم اشتكى ، المدرس سأل ، لا أحد يجيب لو فرضنا أن هذا المدرس منع الطلاب من الخروج من الصف، وفتش الطلاب واحداً واحداً ، وضبط هذا القلم في جيب أحد الطلاب ، لو أن هذا الطالب في الصف الأول أو في الحضانة أو في أي صف ، يشعر هذا الطالب وقد كشف أنه سرق قلماً وكذب ، يشعر بآلام لا توصف يشعر بخجل شديد يشعر إن كان فصيحاً يتمنى أن الأرض تبتلعه ، ما هذا الشعور ؟ هذا شعور الاعتزاز الذي أودعه الله في الإنسان .

أودع الله في الإنسان هذا الشعور من أجل أن يبتعد عن المعصية ترفعاً واعتزازاً وتأثماً ، فنحن بادئ ذي بدء نقول أودع الله عز وجل في الإنسان دافع الطعام والشراب ودافع الجنس ودافع الاعتزاز الأسماء المتنوعة ، الشعور بالأهمية أو تأكيد الذات أو إثبات الذات أو دافع الإعتزاز.

لو جلست إلى أي إنسان يقول لك أنا لي موقف لا ينسى ، هذا يقول لك أنا فعلت كذا ، أنا في مصلحتي الأول ، صنعتي متقنة ، ما من إنسان إلا يعتز إما بحرفته أو بمهنته أو بماله أو بصحته أو بقوته أو بنسبه أو بكذا وكذا .

إذاً ما أودع الله في الإنسان هذا الدافع إلا من أجل أن يقيه السقوط إلا من أجل أن يقيه الإنحراف ، إلا من أجل أن يقيه الفضيحة ، قصة أرويها لكم سريعاً :

رجل منحرف متبذل متحلل من كل قيد اقتنى آلة تصوير فيديو وصوّر نفسه مع امرأته ، بأوضاع متبذلة وأعاد الشريط إلى مكتب إعارة أشرطة بالخطأ ، الشريط الذي صوّر فيه زوجته وضع خطأً في علبة من نوع الإعارة فلما أعاد الأشرطة فوجئ صاحب هذا المكتب بشريط جديد، طبع منه نسخ كثيرة ووزعه ، إلى أن وصل الشريط إلى أخ هذا الإنسان ، نظر فإذا أخوه وإمرأة أخيه في أوضاع متبذلة يندى لها الجبين، أعلم أخاه ، هذا الإنسان صحته جيدة ودخله وفير مطمئن في بيته، اضطر هذا الإنسان إلى أن يبيع بيته في دمشق وأن ينتقل إلى حمص فِراراً من الفضيحة ، ما الذي حرّك هذا الإنسان ؟ اعتزازه هذه فضيحة كبيرة جداً ، الأشياء الخاصة تصبح منشورة بين الناس .

لهذا النبي ماذا قال ؟ قال : "طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة" ، هذه بدعة وهناك أحاديث كثيرة جداً تؤكد على الناس ، هذه العلاقات الحميمة الخاصة لا ينبغي أن يتحدث بها فكيف إذا صُوِرَت ؟ فما الذي يجعله أن يهجر ؟ جعله يهجر دمشق ، الفضيحة ، وقد يندفع الإنسان إلى الإنتحار إذا شَعَرَ بالفضيحة ، قصص كثيرة جداً ، يكتشف أنه تلاعب أو أنه سرق وسوف يفضح على الملأ وعلى صفحات الجرائد، قد ينتحر .

إذاً : لا تستخفوا بهذا الدافع ، دافع الإعتزاز دافع الشعور بالأهمية، دافع العزة ، دافع تأكيد الذات ، دافع إثبات الذات دافع كبير جداً وخطير وما أودعه الله في الإنسان إلا رحمة بالإنسان وما أودعه الله في الإنسان إلا حصناً له ، ما أودعه الله في الإنسان إلا سياجاً منيعاً يحول بينه وبين السقوط .

الآن ربنا سبحانه وتعالى من أسمائه المعز ومن أسمائه المذل والحقيقة أنت تكون عزيزاً لمجرد أن طبقت أمر الله ، مثلاً حينما تغض بصرك عن محارم الله حينما لا تخلو بإمرأة أبداً حينما لاتكذب ، حينما لا تقول ما ليس في قلبك لا يستطيع الناس أبداً أن يضعوك في موضع ذليل، لو أن إنسان دخل إلى بيت صديقه وصديقه ليس في البيت ، ولو كان بريئاً يتحدث الناس عنه ، يجرحه الناس ، إذاً أنت لمجرد أن تُطبّق أمرَ الله عز وجل ، لمجرد أن تكون نزيهاً عفيفاً مستقيماً مطبقاً للشرع تكتسب عزة الشرع ، هذه أول نقطة ، يعني أنت عزيز لأنك مطيع لله عز وجل واسم الله المعز حينما أمرك بهذا المنهج حصَّن سمعتك .

النبي عليه الصلاة والسلام ، لا ينطق عن الهوى ، قال :

" لا يخلون رجل بامرأة " .

فأنت ما دمت مطبقاً لهذا الحديث لا يستطيع أحد في الأرض أن ينال منك ولا أن يتهمك ولا أن يمرغك في الوحل ، ولا أن يلهج بين الناس بحديث شنيع عنك ، لأنك طبقت أمر الله عز وجل ، في تطبيق أمر الله عز وجل حفاظ على سمعتك وعلى كرامتك وعلى عزتك وعلى مكانتك وعلى شأنك .

إذاً : أول فكرة بالدرس إذا طبقت أمر الله عز وجل إذا استقمت على أمره ، إذا وقفت الموقف الشرعي في كل موقف فأنت عزيز ، النبي صلى الله عليه وسلم علمنا أشياء كثيرة ، كان مع زوجته صفية رضي الله عنها ، مر صحابيان جليلان في الطريق ، قال على رُسلِكُمَا ، هذه زوجتي صفية ، البيان يطرد الشيطان ، فأنت إذا دخلت أو خرجت إذا وضحت وبيّنت هذه حرام، هذه حلال ، هذه تجوز ، هذه لا تجوز ، لا أدخل لبيت ليس فيه رجل حتى لو كنت من أصحاب الحرف ، إذا وجدت أنه في الدخول لهذا البيت لإصلاح صنبور الماء ، خلوة ، أنت كمؤمن لا تدخل ولك أن تضحي بأجر ذلك اليوم حِفاظاً على سمعتك وعلى عزتك وعلى كرامتك ، هذا هو المعنى الأول ، أي بمجرد أن تُطبّق أمرَ الله عز وجل فأنت عزيز أمين فالأمين عزيز ، عفيف العفيف عزيز ، صادق الصادق عزيز تصور نفسك تكلّمت بكلام فيه كذب في مجلس فدخل رجل يعرف الحقيقة ، فقال ما الموضوع ، ما الموضوع ، فقال أصحابك ، والله فلان حدثنا كذا وكذا ، ينظر إليه ، يقول أنت فعلت هذا ، كنت معك أنا وقتها ، ما الذي يحصل؟ .. يذوب ..

إذاً لن تكون عزيزاً إلا إذا كنت صادقاً ، لن تكونَ عزيزاً إلا إذا كنتَ عفيفاً ، لن تكون عزيزاً إلا إذا كنت أميناً ، والدليل ، لو أن ابنك رَجَاكَ أن تُجيبَ أصدقاءه على الهاتف أنه غير موجود وهو موجود وكذبت، لو أن أحداً في بني البشر لا يمكن أن يطلع على هذه الكذبة ، فابنك موافق وهو الذي طلب منك ، تشعر أن هناك ضعفاً في شخصيتك ، تشعر بانهيار جزئي ، لا ، قل له إبني مشغول ، أو إبني مشغول بالدراسة يعتذر عن لقائك ، هذا الصح ، فأنت لن تكون عزيزاً إلا إذا كنت مستقيماً على أمر الله، العفيف عزيز الأمين عزيز ، المستقيم عزيز ، الصادق عزيز ، المخلص عزيز ، الواضح عزيز.

أما أي إنحراف يتبعه ذُل الفضيحة ، كشف أنك لست بصادق ، جاءَكَ الذل ، كشف أنك لست بحكيم جاءك اللوم ، كشف أنك لست بأمين جاء سحب الثقة منك ، كُشِفَ أنك لست بعفيف تشكك الناس فيك .

إذاً من أسماء الله المعز أنه أنزل على نبيه كتاباً وأنطقه ببيان ، ونظّمَ نظاماً ، وقنن قانوناً ، وسنَّ سُنَناً ، وشرع شرائع إذا طبقتها بحكمة وبحذق وبدقة ، أول ثمرة من ثمارها أنك تعيش بين الناس عزيزاً ، لا يستطيع أحد أن يلوك سمعتك بلسانه ، لا يستطيع مفتر أن يفتري عليك ، لا يستطيع متهم أن يتهمك ، لا يستطيع لأنه لا يوجد دليل ، أما إذا هناك انحرافات ، هناك اختلاط هناك أماكن غير صحيحة ، أماكن مشبوهة ، علاقات غير صحيحة هناك تداخلات قد تكون بريئاً، ولكن الناس يمضغونك بالأفواه ، هذا المعنى الأول أن الله عز وجل يعزك من خلال شرعه، يكفي أن تطبق شرعه فأنت عزيز وإذا كنت عزيزاً حققت ثلث وجودك ، أول ثلث الطعام والشراب ، ثاني ثلث الزواج ، ثالث ثلث تحقيق الذات تأكيد الذات الشعور بالعزة ، وكما تعلمون سابقاً أنه لا يجوز أبداً أن تقول الله مذل ، الله معز ومذل ، بل إن الأصوب أنه يذل من أجل أن يعز .

مثلاً : أذكر أحد إخواننا الأكارم عنده محل تجاري ، وعيّن موظف ، ذلك الموظف ضعيف الوازع الديني ، ضعيف الانضباط ، من الصباح الساعة الثامنة وحتى الساعة الحادية عشر ، وحده في المعمل فقد يأتي شخص يشتري منه حاجات بخمسمائة ليرة أو بألف ليرة ، وهو زوج حديث وزوجته لها طلبات كثيرة ، ضعف أمام نفسه فمن حين لآخر يضع مبلغ في جيبه دون أن يعلم صاحب المحل ، صاحب المحل بالفراسة بالحاسة السادسة شعر أن المحل فيه نقص بالبضاعة وفيه نقص في الغلة ، فماذا فعل صاحب المحل ، رجا صديقاً له أن يأتي محله التجاري الساعة التاسعة ويشتري حاجات بخمسمائة ليرة ويدفع ثمنها نقداً ويذهب ويعود في الساعة الخامسة ليرجع البضاعة ، فجاء صاحب المحل في الساعة الحادية عشر ، وسلم على موظفه الكريم وسأله ماذا جرى في هذه الساعات الثلاث، قال له لا شيء ، قال جاء أحد واشترى قال لا، حينما دخل هذا الشخص الساعة الخامسة وصاحب المحل وراء الطاولة والموظف ، أمام الطاولة يريد أن يرجع البضاعة قال له أية بضاعة هذه قال له اليوم اشتريتها صباحاً الساعة التاسعة ما أعجبتني أسعارها غالية، قال له هل اشترى ؟ قال : نعم ، ماذا حصل له ، قال لي : والله لو نظرت إلى وجهه لرأيت دماً، ولا ترى جلداً ، دم وجهه .

ألم يذله الله ؟ لماذا أذله ؟ ليحمله على التوبة ، فإذا تاب واستقام على أمر الله صار عزيزاً ، فالله عز وجل لا يضع الإنسان في موضع ذليل إلا من أجل أن يعالجه كي يعزه ، لذلك الله عز وجل هو المعز وهو المذل ، وينبغي أن تقرأ هذين الاثنين معاً ويبغي أن تعتقد جازماً انه إذا أذل فمن أجل أن يعز ، لكن البطل لا يحتاج إلى أن يذل كي يعز .

قلت لكم سابقاً الإنسان ممكن أن يكشف الحقائق بنفسه ، ولكن قد يكشفها بعد فوات الأوان ، وقد يكشفها وقد دفع حياته ثمناً لها ، وقد يكشفها وقد دفع سعادته الزوجية ثمناً لها .

إنسان تزوج امرأة ، دفعها إلى أن تعمل خارج البيت طمعاً براتبها دفعها إلى التحرر ، دفعها إلى الإختلاط ، فهو إنسان عصري ، إنسان متفتّح العقل ، إنسان واثق من زوجته إنسان .. إنسان .. إنسان ، يقول بعد ذلك ، حينما دفعها إلى الانفتاح وإلى الاختلاط وإلى التبذّل وإلى أن ترتدي ثياباً وفق أحدث الصرعات ، صار اهتمامها به قليلاً ، صار غيابها عن البيت كثيراً ، اتصالاتها عديدة ، فوجئ أنها اشترت بيتاً آخر ، من دخل خاص جاءها ، فوجئ أنها استغنت عنه، فقال بالحرف الواحد: أنا يلزمني ذبح على هذا التصرف الذي فعلته مع زوجتي ، يحبها لكنها دفعها نحو التحرر فأحبت غيره ، وانساقت مع غيره ، واستغنت عنه ، هذا الإنسان بربكم لو أنَّ في دمه كريات حمراء وبيضاء وهو كذلك أنا أقول مع كل كرية حمراء وبيضاء كرية ثالثة يؤمن أنه كان مخطئاً في عمله ، لكن متى عرف أنه مخطئ بعد فوات الأوان ، بعد أن ضحّى بسعادته الزوجية ، بعد أن ضحّى بأم أولاده ، بعد أن افتقر إلى العُش الإسلامي في البيت .

أنا لا أريد هذه التجربة ، أنا لا أريد أن تكون حكيماً بعد أن تدفع الثمن باهظاً ، أنا لا أريد أن تكون حكيماً بعد أن تدفع معظم حياتك ثمناً لهذه التجربة ، أما إذا اتبعت كتاب الله وسُنةَ رسولهِ في مقتبل حياتك فأنت تهتدي برأي الخبير ، بحكم الخبير العليم ، أي بين أن تستعمل هذه الآلة وفق هواك ، يصيبها العطب ، تُصلِح العطب ، تدفع الثمن باهظاً يهبط مستواها ، يهبط مردودها، لو أنك استعملت تعليمات الصانع لَصُنتَ هذه الآلة وأخذت منها أكبر مردود ، لذلك لو أنك عرفت الحقيقة بعد فوات الأوان ليست هذه بطولة ولكن البطولة أن تعرفها في الوقت المناسب .

إذاً : يمكن أن تكون عزيزاً إذا إتبعت كلام الله ، ويمكن أن تكون عزيزاً إذا أذلك الله عز وجل إِثرَ انحراف وبعدها تبت من هذا الذنب ، فأنت بين أنت تكون عزيزاً بعد ذل وبين أن تكون عزيزاً بعد علم، تعلّم وكن عزيزاً ، وإيّاك أن تدفع ثمن عزتك ذلاً ومهانةً وإيلاماً .

قيل : الاسم المُعِز والمُذِل إسمان من أسماء الله تعالى ، وصفتان من صفات فعله ، نحن عندنا أسماء ذات وأسماء صفات وأسماء أفعال ، الله عز وجل له ذات وله صفات وله أفعال ، إذاً له أسماء ذات وله أسماء صفات وله أسماء أفعال ، فمعظم العلماء يؤكدون أن اسم المعز والمذل من أسماء الأفعال ، هما إسمان من أسمائه تعالى ، وصفتان من صفات فعله ، فإعزازه للعبد يكون في الدنيا والآخرة ، لكن إياك أن تغتر بعز الدنيا ، قد يكون عز الدنيا استدراجاً ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة. ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا، طاعمة ناعمة يوم القيامة. ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين. ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم. ألا يا رب متخوض ومتنعم فيما أفاء الله على رسوله، ما له عند الله من خلاق. ألا وإن عمل الجنة حزن بربوة. ألا وإن عمل النار سهل بسهوة. ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلاً .

أحياناً ترى شخصاً حياته ناعمة جداً ، منزل واسع مفروش بأجمل الأثاث ، التكييف التدفئة، الديكور الجبصين ، الثريات ، كل شيء بأعلى مستوى ، مركبته ، مكتبه ، دخله ، تجارته ، مكانته ، ثيابه الأنيقة من أعلى مستوى ، ما شاء الله ، هذا طاعم شارب ناعم ، وقد يكون مكانه في النار ، وقد تجد إنسان خشن الثياب خشن الطعام خشن الشراب، منزله ضيق ، حياته من الدرجة الخامسة ، لكنه طائع لله عز وجل ، العبرة في النهاية ، "ألا يا رب نفس طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٍ عارية يوم القيامة ، ألا يا رب نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا طاعمة ناعمةٍ يوم القيامة".

لكن : " ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم " أحياناً الإنسان بدافع من عزته الباطلة يعصي الله ليحافظ على مكانته ، فلو كُنت بين أُناس فُجّار، بين أُناس منحرفين وأردت أن تماشيهم في معصيته حِفاظاً على مكانتك عندهم ، أنت أكرمت نفسك أمامهم، ولكنك سوف تجعلها في الوحول يوم القيامة ، " ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم " .

قد تضع نفسك في الدنيا حفاظاً على دينك وحفاظاً على استقامتك، وحفاظاً على مرضاة ربك وحفاظاً على آخرتك ، وحفاظاً على اتصالك بالله، قد تضع نفسك في موضع صعب جداً ، قد تقول لا أفعل وهناك ضغط كبير أن تفعل ، قد تقول لا أفعل وهناك إغراء كبير أن تفعل ، حينما ترفض تأتيك عبارات التقريع والسخرية والتعليقات واتهامات ، " ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم " .

قد تكون عضواً في لجنة يعرض عليك كذا وكذا ، تقول لا أفعل هذا ، حينما ترفض أن تفعل هذا ، تُعزَل من هذه اللجنة ، ويأتيك اللوم الشديد ويُقال لك إنك مجنون ، ضيّعت فرصة العمر في أن تكون غيناً ، "ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم " .

النبي عليه الصلاة والسلام ، قال إذا أردت إنفاذ أمر تدبّر عاقبته، مرة قرأت بحثاً لطيفاً ، سألوا مائة زوج في بلد غربي ، لماذا لا تخون زوجتك ؟ هذا اسمه استبيان في علم النفس ، يعني هذا الذي لا يخون زوجته ما الذي دفعه إلى ذلك ؟ فجاء الجواب متنوعاً ، بعضهم قال لا أستطيع يعمل معها في مكان واحد فهي تراقبه ، فقال هذا أسخف جواب هو يتمنى ولكنه لا يستطيع .

أحياناً لا يستطيع تحمل الإثم ، ولو أنه بينه وبين نفسه ، إذا الإنسان فعل عمل شنيع ، ولم يعلم به أحد ، يواجه نفسه الآن ويواجه اللوم الداخلي ، يواجه التحقير الداخلي ، يواجه السقوط الداخلي ، فجاء بعض الأجوبة ، إنني لا أستطيع تحمل هذا الإثم ، وجاء جواب آخر إنني أكره الخيانة ، الثاني لو أنه تحمّلَ ألم الشعور بهذا الإثم لفعلها ، لكن ابتغى راحة نفسه ، لكن الثالث قال أنا أكره الخيانة ، هذا أرقى جواب .

فالإنسان حينما يضع نفسه أحياناً بمواطن صعبة حِفاظاً على عزته البعيدة ، أساساً هو الأغبياء دائماً يعيشون وقتهم ، الأغبياء يعيشون لحظتهم، يعيشون ساعتهم ، أما الأذكياء يعيشون مستقبلهم ، فإذا أردتَ أن تعمل فحص ذكاء ترى إنساناً يعيش وقته ، يهمل صحته ، يهمل واجباته، تأتيه المتاعب تأتيه الهموم ، تأتيه الأمراض ، لكن الإنسان الأعقل ، النبي صلى الله عليه وسلم قال : الكيس من دان نفسه وعمِلَ لِما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسَهُ هواها وتمنى على الله الأماني .

كان في العصور العباسية أديب اسمه ابن المقفع ، ألّفَ كتاب كليلة ودمنة ، هذا الكتاب مترجم عن اللغة الفارسية ، كتاب فيه قصص حيوانات ، ولكن فيها مواعظ بالغة ، من هذه القصص أنه حدث عن سمكات ثلاث ، قال كيّسة وأكيّس منها وعاجزة ، كانت في غدير يعني غدير ماء ، فيه سمكات ثلاث كيّسة ، يعني عاقلة ، وأكيّس منها أعقل وعاجزة ، هذا الغدير له فتحة يتصل بها مع نهر ، قال اتفق أن مر بهذا المكان صيادان ، فأبصرا الغدير وأبصرا ما فيه من السمك ، فتواعدا أن يرجِعا ، ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك ، قال فسمع السمكات قولهما " القصة رمزية طبعاً " ، أما أكيّسهن ، يعني أعقلهم ، فإنها إرتابت وتخوفت " كلمة خطيرة سيأتي الصياد ليصطادني ويأكلني " أتبقى مستسلمة مرتاحة جالسة ؟ أما أعقلهم فإنها إرتابت وتخوفت وقالت العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، هذا العاقل ، خذ هذه القاعدة " العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها " ، والأقل عقلاً حين وقوعها والأحمق بعد وقوعها ، هذه الكيّسة قالت العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ولم تعرج على شيء حينما سمعت هذه الكلمة لم تفعل شيئاً حتى خرجت من المكان التي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت وإستراحت وأراحت وانتهى الأمر ، هذا العاقل .

وأما الكيّسة الأقل عقلاً ، بقيت في مكانها حتى عاد الصيادان ، يعني بسذاجة سوف أخرج من هنا حين يقدمون ، فلما أرادت أن تخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا بالمكان قد سُد ، أول شيء فعله الصيادان أنهما سدا المكان ، فقالت فرطت وهذه عاقبة التفريط ، لكنها لم تستسلم ، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي ، ذكية ولكنها أقل ذكاء من الأولى، ثم أنها تماوتت ، فطفت على وجه الماء منقلبةً تارةً على بطنها وتارة على ظهرها، فأخذها الصياد فوضعها على الأرض بين النهر والغدير فوثبت في النهر فنجت " ولكن تحطمت أعصابها ، دفعت ثمناً باهظاً "، وأما العاجزة ، فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت وأكلت "تراه ملبك عم يحوص " العاقل قبل وقوعها ، الأقل عقلاً مع وقوعها ، العاجز بعد وقوعها .

أحياناً الله عز وجل يُعز الإنسان استدراجاً ، يعني إن فعلت كذا نضعك في هذا المكان نعطيك هذا الشيء ، شيء مغري ، هذا الشيء يرفعك بين الناس ، مبلغ كبير جداً تحل به كل مشاكلك ، تأخذ بيت فخم تأخذ مركبة تزهو بين الناس ، نضعك في هذا المكان ، بهذا العمل يصبح لك هيّمنة على الآخرين نقويك نرفع شأنك ، فقط افعل هذا ، هذا عِزّ ولكن هذا العز استدراج ، إيّاك أن تفعل ، قل الله الغني ، لو كنت في دائرة مظلمة لو كنت في زوايا النسيان وكنت طائعاً للواحد الديّان فأنت العزيز وأنت الرابح .

قال : فأما في الدنيا فقد يكون العِز بالمال وبالحال ، بالمال ، وبالجمال ، وبالغنى ، وبالقوة، وبالأعوان والأولاد ، وبالزوجات ، وبالمناصب ، وبِمتع الدنيا ، وبالبيوت وبالبساتين ، أحياناً الإنسان يكون عنده مقصف جميل ، يدعو أصدقائه ، ما شاء الله ما هذا الجمال يشعر بِعِزّ، أنا عندي هذا المقصف أو عندي هذا البستان ، فالإنسان يعتز بأشياء كثيرة ببيته أحياناً يعتز ، قال هذا عِزّ الدنيا .

إجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا

إعتززت بمن يموت فإن عزك ميت

فحينما تعتز بشيء فانٍ فإن عزك باطل ، إما بشخص ميت ، أو بمتاع الدنيا لذلك من علامات قيام الساعة أن المرء في آخر الزمان قيمته متاعه فقط ، كل مكانتك من ثمن بدلتك ، " سان لوران ، خير إنشاء الله، صرت عظيم ، كل مرتبتك من مساحة بيتك ، من مكان بيتك " ، فالإنسان حينما يستمد عِزّهُ من الدنيا فقد وقع في متاهة كبيرة .

قال بعض العارفين : " عز الدنيا بالمال وعز الآخرة بالحال " لك حال فيه طهر ونقاء واستقامة وشوق ومحبة وقرب ، هذا عِزّ الآخرة أما المال عز الدنيا .

قيل أن فتحاً الموصللي ، كان قاعداً ، فسُئِلَ عمّن يُتابع الشهوات كيف صفته ، وكان بقربه صبيان ، مع أحدهما خبز بلا إدام ، ومع الآخر خبز وإدام ، فقال الذي لم يكن له إدام لصاحبه أطعمني مما معك فقال بشرط أن تكون كلبي ، فقال صاحبه نعم ، فجعل خيطاً في عنقه يعطيه اللقمة في فمه ويجره من عنقه كما يُجر الكلب ، فقال فتح الموصللي للسائل أما أنه لو أنه رضي بخبزه من دون إدام ولم يطمع في إدام صديقه لم يصر كلباً له .

قصة بليغة ، قصة ثانية أو حديث ورد على لسان سيدنا داود أوحى الله تعالى إلى داود أن يا داود حذِّر وأنذر أصحابك أكل الشهوات فإن القلوب المعلّقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبه.

وحُكِي عن بعضهم أن دخل على تلميذ له فقدم التلميذ خبزاً قفاراً ولم يكن له إدام ، فأخذ يتمنى بقلبه أن ليت كان له إدام يقدمه إلى أستاذه فقام الأستاذ وقال تعال معي ، فحمله إلى باب السجن ، فرأى الناس يضربون ويقطعون ويعذبون ، فقال الأستاذ لتلميذه ترى هؤلاء الذين لم يصبروا على الخبز وحده ماذا حل بهم ، يعني سرقوا .

وقيل إن رجلاً خرج من السجن وفي رجله قيد يسأل الناس ، قال أعطوني كسرة خبز ، فقال له أحدهم لو قنعت بالكسرة لما وضع القيد في رجلك .

قصة رمزية ، يُروى أن رجل وقف بباب أمير ، فرأى خادماً يدخل بلا استئذان ، يعني علم أن عفة هذا الخادم هو سبب هذا الحجاب المرفوع بينه وبين الأمير ، يعني لا شيء يدق أعناق الرجال كالطمع لا شيء يذل الرجال كالطمع .

الله عز وجل مُعِزّ ، مُعِزّ إذا طبقت شرعه ، ومُعِزّ إذا استغنيت به عمّن سواه ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه ، قالوا: يا رسول الله وما إذلاله نفسه ؟ قال : يتعرض من البلاء لما لا يقوم له .

" اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس؛ فإن الأمور تجري بالمقادير"

التخريج (مفصلا): تمام وابن عساكر عن عبد الله بن بسر

وأخرج الطبراني في الأوسط عن سهل بن سعد قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزى به، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس.

فالعزة التي هي اسم من أسماء الله أيضاً صفة أساسية من صفات المؤمنين، لقوله تعالى :

(سورة المنافقون)

إذا كنت مؤمناً حقاً فأنت عزيز لأنك مع العزيز ولأنك على شرع العزيز ولأنك مفتقر للعزيز ومعتمد على العزيز والعزيز لن يخيب ظنك .

قال بعضهم إعزاز الله لعباده يكون بصحة قناعتهم فإن الذل كله في الطمع .

إذاً : المعز والمذل اسمان من أسماء الله الحسنى لصفتين من صفات أفعاله ، وموقف العبد من هذين الاسمين أنه إذا طبق أمر الله صار عزيزاً ، حكماً ، بمصطلح الفقهاء تحصيل حاصل ، يعني أمر الله فيه بذور عزة المطبق ، والله عز وجل بأمره التكويني يعزك إذا اعتززت به واعتمدت عليه وأخلصت له وأقبلت عليه ولم تشرك به والمعز والمذل اسمان يجب أن نلفظهما معاً ، والأصوب أن نقول يذل ليعز ، وهذا ملخص الدرس .

والحمد لله رب العالمين

في معنى اسم الله/القابض الباسط

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الأكارم : مع الدرس الخامس عشر من دروس أسماء الله الحسنى ، والاسم اليوم القابض الباسط .

الحقيقة أن إخوةً كثيرين جداً ممن تابوا إلى الله توبةً نصوحاً وممن اصطلحوا مع الله ، دائماً يسألون هذا السؤال ، فيقولون أحياناً نشعر بالسعادة والغبطة والسرور والانشراح بحيث نرى أنفسنا في الجنة وتأتي علينا ساعة أخرى فنشعر بالانقباض والضيق بحيث نتمنى الموت فما تفسير هاتين الحالتين ؟ الحقيقة إن الإجابة على هذا السؤال المتكرر الذي يعانيه كل مؤمن في هذا الدرس .

فمن أسماء الله تعالى أنه القابض والباسط و أول ملاحظة لا يجوز أن تقول إن الله قابض فقط ، لأنك إذا قلت قابض فمعنى ذلك أنك تصفه بالمنع والبخل و لكن إذا قلت إنه قابض باسط، فمعنى ذلك أنك وصفته بالقدرة والحكمة ، وإذا جمعت بين الاسمين فقد وصفت الله سبحانه وتعالى بالقدرة والحكمة ، لأن الله عز وجل يقول :

(سورة البقرة)

وهكذا إذا أردت أن تعلل ، يقبض ليبسط و يضر لينفع و يمنع ليعطي ويذل ليعز ، فأنت سائر في طريق الصواب .

و الشيء الثاني معنى القبض باللغة هو الأخذ ؛ والبسط هو التوسيع والنشر ، وهذان الشيئان وهذان الأمران يعمَّان جميع الأشياء ، فكل أمرٍ ضيقه الله عز وجل فقد قبضه ، وكل أمر وسعه فقد بسطه ، وإلى بعض أبواب القبض والبسط . اليمن : الرزق ، قال الله تعالى :

(سورة العنكبوت)

(سورة الروم)

فلا تقل فلان ذكي وثان عنده خبرات في التجارة رائعة جداً وثالث خطط ورابع مقتدر وآخر صاحٍ ، فالله عز وجل يقبض ويبسط و يرزق ويسلب ويعطي ويمنع ، فإذا أراد أن يرزقك ألهمك الوسائل والأساليب والموضوعات والمواقف والتحركات المناسبة للربح ، وإذا أراد أن يقبض وكنت غنياً فقد سرت في طريق الإفلاس وأنت لا تدري ، وإذا أراد أن لا يرزقك لحكمة أرادها سد في وجهك كل الأبواب ، إذ تكون ذكياً جداً ففي هذا العمل تسلم المحل وفي هذا العمل تفك الشراكة ..

فإذا قال الله عز وجل : " وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " أو قال الله عزَّ وجل : " االلَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ " فاعلم علم اليقين أن الله هو الرزاق ، وهو الذي يسلب الرزق والعوام يقولون إذا أعطى أدهش وإذا حاسب فتش ، لكن أيها الأخ الكريم إياك أن تظن أن البسط عند الله عز وجل فيه معنى الإسراف ، وأن القبض فيه معنى البخل، وهذان المعنيان يجب أن لا يرِدَا عليك إطلاقاً ، فإذا تحدثت عن أن الله يقبض ويبسط ، فليس إذا قبض قبض بخلاً ولا إذا بسط بسط إسرافاً ، بل يقبض عن حكمة و قدرة و علم و تقدير ويبسط عن إكرام وتوسعة وامتحان، فبسطه إكرام أو امتحان وقبضه معالجة أو وقاية ، والدليل قول الله تعالى :

(سورة الشورى)

هذا المعنى الأول متعلق بالرزق ، والمعنى الثاني متعلق بالسحاب قال الله تعالى :

(سورة الروم)

هذا السحاب ينتشر في السماء كما يشاء الله عز وجل ، وقد يقبضه عن قوم ويبسطه لقوم، مطرة واحدة في منطقة ثمانون مم في ليلة واحدة ومنطقة مم واحد ، معنى هذا قبض عن هؤلاء وبسط لأولئك.

والمعنى الثالث ، يقبض ويبسط في الأنوار والظلال ، قال تعالى فيما يتحدث عن الليل والنهار :

(سورة الفرقان)

أين النهار إذا جاء الليل ، وأين الإشراق والوضوح ، وأين الليل إذا جاء النهار : تكون في وحشة وفي خوف وفي قلق ، فتشرق الشمس فتحس بالراحة ، وبالأُنس والطمأنينة ، إذاً يقبض ويبسط ، يقبض النور ويبسطه .

والمعنى الرابع أن الله عز وجل يقبض الأرواح ، فإذا قبض روحه أماته ، وإذا بسطها أي أحياه ، فالأرزاق والسحب والظلال والأنوار والأرواح يقبضها ويبسطها ، و المعنى الخامس الأرض أيضاً يقبضها الله عز وجل قال الله تعالى :

(سورة الزمر)

فبسط الأرض : أنه جعل الدنيا صالحة لحياتنا ، وقبضها : أي ينهي عملها ووظيفتها .

والمعنى السادس أن الله سبحانه وتعالى يأخذ الصدقات أي يقبضها لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَصَدَّقَ مِنْ طَيِّبٍ تَقَبَّلَهَا اللَّهُ مِنْهُ وَأَخَذَهَا بِيَمِينِهِ وَرَبَّاهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ أَوْ فَصِيلَهُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَصَدَّقُ بِاللُّقْمَةِ فَتَرْبُو فِي يَدِ اللَّهِ أَوْ قَالَ فِي كَفِّ اللَّهِ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ فَتَصَدَّقُوا "

(مسند الإمام أحمد)

لكن الموضوع الحساس الذي نحتاجه جميعاً هو أن الله سبحانه وتعالى يقبض القلوب ويبسطها ... والخوف والرجاء للمستقبل ، فأنت دائماً تخاف من الله عز وجل أو ترجوه ، و القبض والبسط للحاضر فأنت الآن في حالة قبض أم في حالة بسط ؟ .. فإذا قلت لا أعرف فمعنى ذلك أنت خارج المدرسة ، وخارج التعليم كله ، فاسأل طالباً كم أخذت بالرياضيات ، و كم أخذت باللغة العربية ، فإذا قال لا أعرف فمعنى ذلك أنه خارج المدرسة كلياً ، فالمؤمن الصادق بين حالتي القبض والبسط .

والحقيقة إذا قبض الله عنك الأحوال الطيبة ، شعرت بالوحشة و بالضيق ، وبالحرمان ، و شعرت أنك مردود ، ثم شعرت أنك مرفوض ، ضن الله عليك بالتجلي ، فقد تلوت القرآن وما شعرت بشيء وقمت إلى الصلاة وما شعرت بشيء ، ثم أردت أن تذكر الله عز وجل فما شعرت بشيء ، فهذه الحالة ما اسمها ،إنها حالة قبض ، إذ تحس أن الله عظيم وأن الله جلَّ جلاله كبير ومتعال ، ومن أنت حتى يتجلّى الله عليك فالله عز وجل مربٍ ، فإذا بسط الله للإنسان الأحوال والسرور والانشراح والأنس وإذا استمر هذا الحال الطيب فتراه بعد حين يقصر في عباداته ويتهاون في صلواته ، ويتكاسل في أعماله الصالحة ، أما حينما يأتي القبض ، فيأتي مع القبض الضجر و الضيق ، فتقول " يا رب لماذا أنا على هذا الحال " ، فيأتي مع القبض الخوف ثم القلق .

إذاً فربنا عز وجل يعالج المؤمن ، ولكن هذا الكلام أقوله للمستقيم أما غير المستقيم فتأتيه حالة انقباض لا معالجة بل نتيجة طبيعية لمعاصيه ، وكل معصية معها انقباض ، حتى أن علماء النفس الأجانب ، قالوا : إن المنحرفين يشعرون بكآبة .

والآن يسمي علماء النفس الأمراض الشائعة الوبائية في الشباب بأمراض الكآبة وأسبابها الانحراف عن الفطرة العالية التي فطروا عليها ، وكل إنسان مفطور فطرة عالية فإذا انحرف عنها وأساء وتعدى وبنى متعهُ الرخيصة على حقوق الآخرين فيشعر بالانقباض والكآبة ، وهذه خارج درسنا فأنا أتحدث عن المؤمنين المستقيمين الورعين ، إذ أحياناً تصيبهم حالة الانقباض ، وهذه حالة نسميها علاجاً من الله عز وجل ، فالله عز وجل يقلب المؤمن بين القبض والبسط ، فتراه أحياناً متفائلاً ، طليق اللسان واضح السرائر ، بشوش الوجه ، وتشعر به أنه مبسوط ، و أنه سعيد ، يمشي واثقاً من مشيته ، ويتحدث واثقاً من حديثه ، و هذه الحالة اسمها حالة البسط ، فالله عز وجل تجلى على قلبه باسم الجميل ، إذ جمَّله فأحس بالجمال، والسعادة .

ولكن هنا يوجد منزلق ، فعندما يشعر المؤمن أنه قريب من الله ومتفوق وفالح وناجح وفائز والناس مساكين ضعيفون ، ضعيفو الهمة والعزيمة ، ومقصّرون ، وغارقون في المعاصي، وبعيدون منقطعون ومطرودون ملعونون ، وهو وحده في سعادة ، وهذا الشعور بالانبساط يأتـي معه أحياناً انزلاق ، وعُجب ، أو كِبْر أو تعالٍ أو استطالة على الآخرين ، فالعلاج حالة أخرى مضادة وهي القبض ، فترا بعد أيام مستكيناً فتقول له خير فيقول الحمد لله ، لقد كان يمشي قفزاً على الطريق ، ويقول الحمد لله ، وهو الآن متضايق ، ويعرف السبب إذ لا يوجد معصية.

و الدرس موجه للمؤمنين ، فإذا كان الكلام لغير المؤمنين فنقول له لمَّا عصيت الله عز وجل أشعرك بالضيق وخالفت فطرتك شعرت بالكآبة وهذا مرض ، ولا يوجد إنسان يرتكب إثماً أو معصيةً إلا ويشعر أن الأرض لا تسعه على اتساعها ، قال الله تعالى :

(سورة التوبة)

فهؤلاء الذين أمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه أن لا يكلموهم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وظنوا ألاَّ ملجأ من الله إلا إليه فحالة القبض للعاصي والمنحرف والمقصر.

و لو فرضنا أن الوالدة الجليلة طلبت منك حاجةً في منتصف الليل "دواء " مثلاً ، فقلت لها لا أستطيع فإنني أشعر بحاجة للنوم ، أو ليس هناك صيدلية تفتح أبوابها ، فهذا الشعور بالذنب يورث كآبة ، وهذا موضوع آخر ، فإذا قصّر الإنسان في أداء واجباته ، أو ارتكب معصية أو إثماً أو خرج عن خط الاستقامة أو اغتاب ، أو أطلق لسانه في أعراض الآخرين ، أو أكل ما ليس له ، أو نظر ما لا يحق له أن ينظر ، فإذا وقع في معصية أو مخالفة يشعر بالقبض ، وهذا القبض ليس موضوع درسنا اليوم ، هذا قبض المعصية.

وأنا أقول إن الإنسان إذا أطاع الله عز وجل وشعر بأنه تفوق وفاز وأن الله يحبه وأن الله يقربه وأن الله تجلى على قلبه وأنه قد ينزلق في هذا الحال ، حال البسط ، فيستعلي على الناس فيعتز بنفسه ، ويعجب ، وعندئذ علاج هذا الانزلاق حالة مضادة هي القبض ، فتراه ساكتاً ، أو يتلعثم لسانه ، فيشعر بضيق ، إذ يقوم ليصلي فما يشعر بطمأنينة و يقرأ القرآن فما ترتاح نفسه ، فهذه الحالة علاج رباني لمن أعجب بنفسه ، و تاه على عباد الله ، و استطال باستقامته ، هذه حالة القبض .

أما البسط ، فحينا يتألم ويتضايق ، ويشعر بالوحشة ، ويتصحر قلبه ، فقد ينزلق مع القبض إلى حالة مرضية وهي اليأس ، فإذا شارف اليأس جاءت حالة مضادة وهي البسط ، فاعلم أيها الأخ الكريم أنك بين حالتين ، القبض والبسط ، لأن الله هو القابض وهو الباسط فإذا كان القبض يناسبك قبضك إذ قبض الأحوال عنك ، وضيَّق عليك الدنيا و أشعرك بالسأم والضجر ، وبالوحشة والبعد إذ أبى أن يتجلى على قلبك ، وإذا اقتربت مع القبض إلى اليأس تجلى على قلبك فأشعرك بالقرب والأنس والسرور والانشراح ، فأنت أيها المؤمن بين حالتي القبض والبسط، فما العلاج ؟ العلاج أنك إذا استحققت من الله حالة البسط ، فإياك أن تنزلق منها إلى الغرور أو إلى الاستعلاء أو الإعجاب أو أن تستطيل على عباد الله .

إذاً مع البسط هناك منزلق هو الإعجاب " لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر " ، فما الذي هو أكبر ؟ " العجب " ، وإذا أصابتك حالة القبض ، فما ينبغي أن تنزلق منها إلى اليأس .

إذاً : رب العالمين هو رب النفوس إذ يربي الأجساد بإمدادها بالمواد ويربي النفوس بتقليبها من حال إلى حال ، قال الله تعالى :

(سورة الشعراء)

فأنت أيها المؤمن تتقلب من حال إلى حال ، من حالة بسط إلى حالة قبض ، وإلى بسط وإلى قبض ، فأنت موضوع عناية الله عز وجل تربيته ، فلذلك استسلم .

أما إذا جاءك القبض إثر معصية أو مخالفة أو عدوان أو انحراف ، فهذا قبض المعصية وهذا موضوع آخر ، فأية معصية وراءها إحساس بالكآبة وهذه هي الفطرة .

وربنا عز وجل لِمَ أودع فيك العقل ؟ .. لتعرفه ! ولِمَ أودع فيك هذه الفطرة العالية ؟ .. لتعرف خطأك .

فبالعقل تعرف ربك وبالفطرة تعرف خطأك ، إذ يأتي الانقباض

وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ : الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ *

(صحيح مسلم)

واعلم أن معك ميزاناً ، إذا كذب الإنسان أو اعتدى أو خان أو نظر نظرة لا تحق له أو استطال بلسانه أو فإن يشعر بالانقباض ، وهذا إذا كان فيه إحساس .

و أحياناً تنطمس الفطرة ، ويتعطل الميزان ، فهذا الإنسان لا يعي الخير : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ فَإِنْ زَادَ زَادَتْ فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )

(سنن الترمذي)

فالمعاصي تِلوَ المعاصي والمخالفات والانغماس في الدنيا والتطاول على خلق الله وترك العبادات وترك الذكر ، و ينتهي بقلب مغلف :

(سورة البقرة)

إنَّ ختمُ حكمي ، فإذا امتلأ القلب من حب الدنيا ، فليس هناك محل لشيء آخر فيه ، إذاً ختم القلب ختماً حُكمياً ، فالقبض والضيق والوحشة الناتجة عن المعاصي هذه علاجها الطاعات والتوبة أما القبض الذي ليس له سبب ظاهر لمن يمشي في طريق الإيمان فهذا القبض معالجة إلهية لطيفة ، وقد قال العلماء في عدة مصادر " إنه على المؤمن أن يصبر حتى تنجلي هذه الحالة بتقدير الله عز وجل ".

وهناك تعريف لطيف جداً للقابض للقشيري ، يقول : " القابض الذي ملك زمام كل شيء "، ومن معاني القابض القدير ، فأحياناً أنت لا تستطيع أن تدس الحزن بقلب إنسان إذا كان سعيداً، ولو كلمته لا يبالي بكلامك ، لكن ربنا عز وجل قدير ومعنى قدير أنه ملك زمام كل شيء يقبض ويبسط كيف يشاء يقبض العقل فلا يفهم يقول لك ما فهمت .

دخل طالب مغرور على امتحان ، وهو صديق لي ، فجاء سؤال مؤتمر برلين في التاريخ، قال بقيت ساعة وأنا أفكر أين عقد هذا المؤتمر؟ وهو اسمه مؤتمر برلين عقد في برلين ..! ، أحياناً يرى الشيء على خلاف ما هو عليه في الامتحانات ، فالإنسان إذا اعتزَّ بعقله وتاه بذكائه يرتكب حماقات يترفع عنها الحمقى ، ليُرِيَهُ الله عز وجل أنه هو القابض ، يقبض عنك الفهم ، ويقبض العقل فلا يفهم ويقبض القلب فلا يغنم ، تراه يقول : " ضاق قلبي " ، هذه المشاعر ليس لها سبب واضح ، فالبيت واسع والزوجة ممتازة والأولاد أصحاء والدخل يسير فلا مشكلة ، ويقول:

"يضيق قلبي ، وأكاد أموت ضيقاً " فتقول له قلبك بيده ، القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن ، هو الذي يسعدك وهو الذي يقبض عنك كل سعادة . وقد ملك زمام كل شيء ، إذْ يقبض العقل فلا يفهم ، يقبض القلب فلا يغنم

وهناك قلب كبير ، مفعم بالسعادة والرضى وبالإشراق الرباني وقلب متصحر ، كالصخر لا يرحم ولا يلين ولا يتأثر ولا يبكي وإن يقبض القلب فلا يغنم ويقبض الصدر فلا يفرح ، ويقبض الرزق فلا يمنح، " فيقول أرمي بالطلب يميناً فيرتد شمالاً " ، وهذا أحد الشعراء المهجريين ترك لبنان إلى بلاد المهجر إلى أمريكا ، فقال :

أغرب خلف الرزق وهو مشرق وأقسم لو شرقت راح يغرب

يعني فإذا أراد الله عز وجل ألا يرزقك لو ذهبت إلى أقصى الدنيا لو ذهبت إلى بلاد الغنى وإنك تعيش فيها فقيراً ، وقد يرزقك في بلدك في أصعب الظروف ، لأنه هو الرزاق ، هذا هو الإيمان .

قال : ويقبض الروح فلا تفرح ، فيأتي " التشاؤم والسوداوية " ويقبض النفس فلا تمرح ، ولا يفرُّ من حكمه وقضائه خلق من خلقه ، حكيم في فعله وتقديره ، لذلك قال ربنا عزَّ وجل :

(سورة الأعراف)

كلمة متين هذه صفة الأجسام التي تتحمل قوى الشد ، وأما القساوة فصفة الأجسام التي تتحمل قوى الضغط ، فالماس قاسٍ أما الفولاذ المضفور فمتين ، ولذلك فبعض الحبال العظيمة تحمل الجسور الكبيرة فالتل فريك مثلاً على أي شيء يُحمل ؟ على حبال من الفولاذ المضفور فالفولاذ المضفور من أمتن المعادن والماس من أقساها ، وربنا عزّ وجل وصفَ كيدَهُ بأنه متين ، وكأن الله عز وجل شبه كيده بحبل متين لا يمكن أن يُقطع والكافر مربوط به ، ولكن هذا الحبل مرخى فالكافر يتوهم أنه طليق ، فهو يتحرك ويؤذي ويتكلم ويتبجّح ويتفلسف ويتحدى ويتطاول، ويوقع الأذى بزيد وعبيد وهو يظن أنه يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير ، في لحظة واحدة يشد الله الحبل فإذا هو في قبضته ، وهذا الحبل لا يمكن أن يُقطع ، وهذا معنى قول الله عز وجل "وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ".

و معنى القابض يمكن أن يغلق عليك عقلك ، وأن يجعل قلبك متصحراً وأن يصيِّر نفسك سوداوية المزاج متشائمة ، وهناك حالات كآبة تدفع أصحابها إلى الانتحار ، لكن المؤمن بالله عز وجل في منجىً من ذلك

رأي آخر للقشيري ، قال " القبض والبسط حالان يهذب الله بهما الذاكرين "، ألم يقل النبي الكريم " أدبني ربي فأحسن تأديبي " .

فأحد إخواننا الكرام عنده معمل متواضع ، وأخ من إخوان المسجد علم أن هذا المعمل لفلان ، في اليوم التالي ذهب إليه ، وهو معمل يصنع ألبسة ، يبيع في الجملة خمسمائة إلى ألف اثني عشرية ، وهذا الأخ دخل إلى هذا المعمل وطلب منه ست قطع فكأن هذا الطلب أهان صاحب المعمل ، فقال أنا لا أبيع مفرقاً ، فقال له شكراً ، وانصرف خجلاً ، فيقول صاحب المعمل لقد مرَّت ثلاثة وعشرون يوماً وما دخل معملي إنسان ليشتري ! أما الآن فأبيع ولو قطعة واحدة و هذا تأديب الله عز وجل ! تتكلم كلمة في غير موضعها فيحجبك عنه أسبوعاً فتغلي ضجراً فإذا كان هناك تقصير أو تجاوز ، فيأتي القبض ، وما القبض إلا دليل على أن الله رفضك ، أي رفض عملك ، ورفض التصرف ، فما أقبل على قلبك و ما تجلّى عليك ، وهذا لمن عنده حساسية بالغة .

وهناك ميزان تزان به السيارات ، تصعد فوقه فيسجل عشرين طناً ، وهذا الميزان لا يزن أوقية بن ، ولا خمسةٍ غرامات ذهب ولا ماسة ثلاثين قيراطاً ، وإذ وضعت عليه كيساً وزنه مائة كيلو فلا يتحرك ، وهناك أشخاص عندهم ميزان غير حساس ، " وهو لا يفكر بربه أبداً " ، وهذا الإنسان ليس موضوع درسنا .

أما المؤمن فبعد اللطف التام والوجهة إلى الله عز وجل يملك حساسية مفرطة ، فإذا شعر أن قلبه في الصلاة غير مقبل يشعر أن هناك شيئاً ، فلعله قال كلمة ، أو خطر في باله خاطر لا يليق ، أو أساء الظن بالله عز وجل ثم لعلّهُ تكّلمَ كلمة في غير محلِها مع إنسان فانكسرَ قلبه .

ولذلك أقسم ربنا عز وجل في القرآن الكريم ، بالنفس اللوامة ، فهناك نفس مطمئنة : هي نفس الأتقياء الصديقين ، أهل الإحسان ، وهناك نفس أمارة بالسوء : هي نفس العصاة ، أما نفس المؤمن فلوامة ، وهي دائماً في حساب مع نفسه عسير وفي مفاجأة ، لعلي تكلمت كلمة ، أو منعت هذا العطاء عن فلان ، أو هل تألم فلان مني ؟ فهو دائماً في حالة حساب مع نفسه شديد ، وهذا معنى النفس اللوامة .

قال : القبض والبسط حالان يهذب بهما عباده الذاكرين ، ويفتح بهما عليهم أبواب العلم والحكمة ، فإذا هجم القبض على أحدهم فإنه يهجم على صدره من أبواب الجلال وحكمة الكبير المتعال ، وتكثر الخواطر فيشتد الخوف ، ويتذوق العبد جلال الله عزّ وجل ، فتمنع الذات الإلهية عن العبد وتحس بالجلال ، وإذا اشتد عليه هذا الحال أي لطف الله به فعند ذلك المقدار الذي يطيقه ينفرج صدره بالبسط ، وإذا هجم عليه حال القبض وشعر بالخوف فالله عز وجل حكيم لا يسحقه بل يعطيه قدراً من القبض يطيقه وعندئذ يأتيه حال البسط ، وهذا كلام يتوجه إلى أناس لهم خبراتهم مع الله ولهم صفاؤهم ولطفه ولهم صدقهم و حرصهم على طاعة الله بل لهم ورعهم وعندئذ يصبح قلبهم ميزاناً دقيقاً وحساساً ، ونرجو من الله عز وجل أن نملك هذا الإحساس .

أما قلنا: هناك ميزان لا يتأثر ولا يتحرك ولا بمائة كيلو هذا معد ليزين حجماً كبيراً ووازناً ، كسيارة شاحنة ، أما وهناك ميزان ، ترى عنده الصائغ يغلق المروحة أثناء وزن الذهب لأن الهواء الصادر عنها يغير كفة الميزان وهناك ميزان لو وزنت به ورقة في وزن دقيق ، ثم كتب على الورقة كلمة واحدة رجحت الكفة ، بوزن المداد ، فكلما ارتقى المؤمن يَدِقُّ ميزانه ، فقل لي ما مستوى ميزانك أقل لك من أنت .

الميزان دائماً له حس زائد ناقص درجة ، ولو فرضنا عندنا ميزان حرارة غال جداً وقسنا عليه ميزان حرارة رخيصاً يفرق درجة ، نقول حس هذا الميزان زائد ناقص درجة ، وحس هذا الميزان زائد ناقص غراماً ، فكلما اشتد الحس قلَّ الخطأ ، والمؤمن كلما ارتقى أصبح عنده ميزان دقيق جداً في محاسبته نفسه ، والكلمة التي أقولها دائماً ، " من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً ، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً " .

وعن موضوع القابض الباسط ، فأصحاب عليهم رضوان الله قالوا يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا ، فقال عليه الصلاة والسلام: " إن الله هو الخالق القابض الباسط المسعر " .

والذين ضمنوا المشمش في الغوطة قدروه بسعر عشرين واشتروه بهذا السعر وباعوه بخمسٍ ، والإنتاج كان غزيراً جداً ، والكمية الكبيرة خفضت الأسعارفإذا قال النبي الله هو المسعر، فالكميات بيد الله . ومرةً في الجزيرة أنتج الكيس ثمانين كيس قمح ، والعادة عشرة ، أو خمسة عشر ، وكل سنة يخرج موسم بكميات مذهلة ، مرةً الزيتون ومرة البطاطا ومرة البصل و ترى الأسعار تنخفض إلى أرقام خيالية ، فالله هو المسعر ، والله القابض يقبض فتكون الكميات قليلة ـ فالأسعار عالية ، فيبسط ـ فتكون كميات كثيرة ـ فالأسعار منخفضة ، وإن الله تعالى هو الخالق القابض الباسط المسعر .

وقال بعضهم : القابض الذي يكاشفك فيقيك ، والباسط الذي بجلاله يكاشفك بجماله فيبقيك، فأنت بين أن يقيك وبين أن يبقيك ، وهو القابض الباسط ، والقابض الذي يقبض الصدقات من أربابها فيربيها والباسط الذي يبسط النعمة وينميها ويهنيها ، إذ يقبض الصدقات ويبسط النعم.

والقابض هو الذي يخوفك من فراقه ، والباسط الذي يؤمنك بعفوه وإطلاقه ، والإمام الغزالي يقول : " القابض الباسط من العباد من ألهم بدائع الحكم وأوتي جوامع الكلم "، فمثلاً ، أنت داعية فإذا حدثت الناس عن رحمة الله و كرمه وعطائه وعفوه ، وقلت لا تخافوا يا إخواني فالقضية سهلة والله غفور رحيم ، ولا يسعنا إلا عفوه وكرمه ، ومن نحن أمام عفو الله إذا جعل كل دعوته الجانب المشرق ، ألا يكون حكيماً .

والإمام الغزالي كان يكتب كتاباً فوقفت دويدبة فانتظرها حتى شربت من مداد القلم فلما مات رآه أحد تلاميذه وقال ياسيدي ما فعل الله بك ، قال رحمني الله بهذه الدويدبة التي انتظرتها حتى شربت ، وكل عمله ليس له قيمه ، إذ يلتبس عليك الأمر ، فمثل هذا الكلام ليس فيه حكمة. فأنت ما علاقتك بالقابض الباسط ؟

تحدثنا عن الله عز وجل كيف يقبض الأرواح ويبسط الحياة ويقبض الأرزاق ويوسعها ويقبض القلوب .

والآن السؤال أنت مؤمن فما علاقتك بهذا الاسم ؟ أي إذا دعوت إلى الله عز وجل يجب أن تجري موازنة دقيقة بين أن تطمع الناس برحمة الله وبين أن تيئسهم من عقابه ، فاليأس مرض والطمع مرض ، فإذا ذكرت الجانب الرحماني فقط وعفوه وكرمه وتجاوزه وحلمه ، ولم تذكر عذابه وعقابه وإيلامه وما عنده من عذاب مقيم فلست محسناً ولست حكيماً في ذلك ، إذا‌ً اجمع بين القبض والبسط حتى في دعوتك إلى الله عز وجل، لأن الإنسان بحسب ما تلقمه وبحسب ما تغذيه ، وماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :

عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا وَلا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ*

(صحيح البخاري)

ومعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خوفنا ، وقال مرة :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلانَةً يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ هِيَ فِي النَّارِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ وَلا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ هِيَ فِي الْجَنَّةِ *

(مسند الإمام أحمد)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَالَ فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي قَالَ قَاتِلْهُ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي قَالَ فَأَنْتَ شَهِيدٌ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ قَالَ هُوَ فِي النَّارِ *

(صحيح مسلم)

إنه أسلوب مخيف ، إذ قال عن الذين ماتوا في الحرب وذلك هم في النار، قيل فقد مات في الحرب و الجهاد ، قال هو في النار ، كي يدعو أصحابه إلى أن يحاسبوا أنفسهم ، فماذا أردتُ من هذا الجهاد ، لعلي أردت سمعةً ، أو جاهاً ، أو غنائم ، فأنت تقرأ أحاديث النبي فتعجب ، فأحياناً تخاف خوفاً شديداً لسبب تافه وأحياناً تسمع النبي عليه الصلاة والسلام ، يطمئنك ويبشرك ويلقي عليك من رحمة الله عز وجل الشيء الكثير .

فأنت الداعية اقتد بالنبي عليه الصلاة والسلام ، وهناك دعاة كل حديثهم عن جهنم و دعاة كل حديثهم عن الجنة وعن الحور العين ، فهؤلاء بهذا الحديث فقد أخطأوا وهؤلاء بهذا الحديث فقد أخطأوا، وكما أن الله قابض باسط فيجب أن تكون مرةً في دعوتك تخوف عباد الله من معصيته ومرةً تحببهم في طاعته .

وإليكم دليلاً آخر ، ورد في بعض الأحاديث القدسية : " أن سيدنا موسى قال يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ، قال يا موسى أحبُّ عبادي إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي ، فقال يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ، قال يا موسى ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي " .

هنا الدِقة : " ذكرهم بآلائي "، بهذه الآيات الدالة على عظمتي كي يعظموني وذكرهم بنعمي كي يحبوني ، وذكرهم ببلائي كي يخافوني ، إذاً لا بد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله من خلال الكون ، ومحبةٌ له من خلال النعم ، وخوفٌ منه من خلال النقم .

و أحياناً يريك ربنا إنساناً مصاباً بمرض خبيث ، أو توقف كليتين فحياته جحيم ففي كل أسبوع تُغسل فيه الكليتان مرتين فيشعر منه بانقباض شديد وهناك أمراض وأوبئة وأمراض عضالة ، وفقر شديد ، والله عز وجل قد يمنع حتى يندفع الفقير إلى أن ينقب في القُمامة ، والله بعيني هذه رأيت أناساً كثيرين يبحثون في القمامة عن شيء يأكلونه ، ألم يُقلْ : " إذا أعطى أدهش وإذا حاسب فتش " .

" يا موسى ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي " ذكرهم بآلائي كي يعظموني ، إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ ، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني ، وذكرهم ببلائي كي يخافوني " .

وهناك حالات كثيرة ، يتجاوز فيها الإنسان وحده ، فيؤذي مخلوقاً من مخلوقات الله عز وجل ، فربنا عز وجل يدفِّعه الثمن باهظاَ ، فمن حوله يرتدعون ، ويخافون ، فإذاً هذا البلاء بلاء ردعي ، وهذا الإكرام إكرام تشجيعي ، ولكنَّ العطاء الكامل يوم القيامة ، قال الله تعالى :

(سورة آل عمران)

أما ربنا إذا أكرم إنساناً في الدنيا فهذا إكرام تشجيعي له ولغيره وإذا عاقب إنساناً فهو عقاب ردعي له ولغيره ، فإذاً يجب أن يكون في القلب حب لله عز وجل وخوف منه وتعظيم له.

الحمد لله رب العالمين

بسم الله الرحمن الرحيم "قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"